تنطلق قراءة الكاتب النقدية من عنوان نص "وليمة للنصل البارد" لخليل ناصيف، ومن ثم يشرع في تسليط الضوء على قصصيته وعلاقتها مع التراث الحكائي العالمي، كما يتناول كيفية التلاعب بأزمنة تنوس ما بين الماضي والحاضر، مما يجعل السردية تفر من هيمنة التجنيس.

وليمة للنصل البارد

عندما تتحول الحياة إلى وليمة كبرى للوقت!

فرّاس حج محمد

ما بين نصوص قد تستعصي أحيانا على التصنيف، وبين فكرة مختبئة بين الورق ترفل بالصحة الإبداعية الوارفة يزهو كتاب خليل ناصيف "وليمة للنصل البارد" بمائة وتسع وثلاثين صفحة من القطع المتوسط بطبعة أنيقة صادرة عن دار موزييك للترجمات والنشر والتوزيع في عمان عام 2014م، ليقدم لنا ولائمه المتعددة على شكل مائدة كبرى متسعة لتكون وليمة كبرى حافلة بالوجع الإنساني المؤرق لكل ذي قلم وكلّ ضمير إنساني حيّ.

صورة الغلاف والعنوان
تحتل اللوحة المرسومة بريشة الفنانة روزان القيسي كل الفضاء المكاني للغلاف الأول والأخير، وتبدو في اللوحة امرأة شبه عارية بملامح أنثوية متناسقة بوضع راقصة فلامنجو، ظهرت على ملامح وجهها أطياف الحزن، ليحتلّ العنوان الفضاء الأعلى للوحة، ليظهر العنوان عنوانا للوحة أيضا وليس للكتاب فقط؛ فهل كانت المرأة هي تلك الوليمة التي يقدمها خليل ناصيف في هذه النصوص؟ سؤال ربما أجابت عنه السطور القادمة!

أما العنوان فهو حكاية بحدّ ذاته، على الرغم من أنه ليس عنوانا اشتقاقيا؛ بمعنى أنه ليس مأخوذا من المناخ العام للكتاب، ولكنه متكئٌ أساسا على أحد نصوص الكتاب بالعنوان ذاته، ومع ذلك فإنك ستجد فحوى العنوان في أبواب الكتاب الثلاث؛ فكل نصّ تقريبا يحيل إلى وليمة ما لنصل بارد.

جاءت كلمة وليمة نكرة غير محددة بأي وصف لتكون شاملة، ولكن النصل موصوف بالبرودة، وبين التعريف والتنكير في طرفي العنوان تكون العلاقة بين النصل والوليمة علاقة غير إيجابية بالضرورة القصوى لفحوى النص، عدا أن الكاتب يختار القطع بين الوليمة والنصل بحرف الجر اللام، ولم يكن العنوان هكذا "وليمة النصل البارد"، ربما ليشي إلى أن تلك الوليمة/ الولائم قد تكون ضحية مشتركة ليست للنصل البارد فقط، وإنما قد يشترك معه نصول أخرى وجناة آخرون؛ إذ إن الإضافة تحدد المعنى وتغلقه، ومن هنا جاء النص مفتوحَ الدلالة على كثير من الولائم المتعددة في نهش لحمها من نصول باردة كثيرة!

علاوة على أن الإضافة بدون حرف الجر تجعل الاسمين ذا دلالة واحدة لشيء واحد عكس الدلالة بوجود حرف الجر الذي يعطي لكل من الكلمتين دلالتين منفصلتين اجتمعتا في ظروف طارئة ليشكلا التجسيد في الواقع خارج نطاق اللغة المنطوقة:

ومن جانب آخر وعلى صعيد الدلالة للعنوان فإن قطع طرفي العنوان بحرف الجر اللام التي هي موزعة بين الملكية وشبه الملكية أو الاختصاص، تجعل طرفا ثالثا يقدم تلك الضحية لتكون وليمة لهذا النصل الموسوم بالبرودة، ولعله المصير المحتوم في انتهاء الحياة بشكل أو بآخر، إذ إنها ستكون حتما وليمة لنصل بارد شاءت الحياة أو أبت!

والآن هل كانت الضحية تفور بدماء صاخبة تضج بالحرارة، لتقدم دونما اكتراث لنصل بارد، فتنتهي حياتها بالبرودة والسكون، فيكون البرد قاسيا وقاتلا ومآلا مُرّا لحياة كانت تفور بها الحياة؟ وربما وشى الإهداء بالضحية وكشف عن طرفي المعادلة القاسية، فهل كان وحش المرض هو ذلك النصل البارد الذي اغتال الوليمة المعبّر عنها صفة بالملاك وبالاسم الصريح "سهام" وبالفعل الفني برقصة الفلامنجو؟ وهنا يمكن الارتباط بين لوحة الغلاف وبين المرأة في كل من النظامين الكتابي والتصويري واتصالهما بالوظيفة الفنية التعبيرية، وهي هنا الرقص ذو الدلالة الأنثوية!

النصوص ومراوغة الأفكار
يتكئ الكاتب عن وعي على تراث قصصي زاخر بالمعاني، فيدخل مع تلك "القصص الهاربة" في علاقة تناص، فيقدم وجهة نظره فيها، وكيف كان يقرأ تلك القصص، وكيف كانت تتخامر في عقله ووجدانه، ليراها على غير ما نعهدها، فليلى مثلا في حكاية ليلى والذئب لم تمت وكان الذئب مصيره القتل، وليتحول الذئب إلى كائن بثياب آدمية يغتال كل شيء، فبدلا من ضحية واحدة/ ليلى أصبح هناك ضحايا/ الجمهور، والشيء يقال عن حكاية الغولة أو الأرنب والسلحفاة، وغيرها من القصص الشعبية أو القصص العالمية كقصة جاك والجني والاتفاق بينهما، في تلك الحكاية المشهورة في الأدب الاسكتلندي! وثمة توظيف آخر لمقولات أو معتقدات شعبية، فالقطة المعروفة شعبيا بأنها ذات سبعة أرواح استهلكتها جميعا وصار المتكلم روحا ثامنة! إذن هناك تجاوز لما هو معروف، يتخطاه الكاتب ويضيف عليه، وبذلك يكون الكاتب هاضما واعيا لما يقول، مستفيدا بعمق من كل ذلك التراث الثقافي الإنساني العميق.

وككل نصّ ذي قيمة، فإنّ نصوص هذا الكتاب تعالج الكثير من الأفكار المجردة، وأهمها الوقت، فما هو الوقت بالنسبة لوليمة معدة لتكون تحت رحمة نصل بارد؟ وكيف تشعر الضحية بالوقت في هذا المناخ الجنائزي الرهيب؟ لا شك إنه الإحساس بالألم والقدر الذي ليس منه مهرب. لم يعد الوقت ظرفا ثانيا للفعل وحسب، إنه يتحول مرات إلى نصل بارد وربما كان هو الوليمة لنصل بارد آخر، فالوقت مصيدة جميلة إذن هو وليمة، وسرعان ما تكتشف أنك أصبحت وليمة لهذا النصل البارد الذي هو الوقت "فتتبدد أنت، وتبقى المصيدة"(ص29)، تتلاشى الضحية في الوقت ليظل الوقت شاهدا وحيدا، ويتحول وجوده إلى صليل متواطئ مع غيره ليخدش الأحلام في وقت ضائع، لتصل إلى انكسار الساعة فيتناثر الزمن.

عدا ذلك فإن الوقت دائم الحضور في كل نصّ يحيل على الألم، فالفعل الإنساني فلسفيا وواقعيا لا بد له من وقت، وعليه لا ترى الوقت محايدا في كل تلك النصوص القارسة، ليرجع فينا إلى فترة بعيدة إلى عام 1940 حيث مدينة اللد الموصوفة بذلك الوقت كيف كانت، وكيف يتحول الوقت إلى ما يشبه العدو، فمقولة "الزمن غير الزمن" تجدها حاضرة في هذا النصوص (114-115)، بالإضافة لذلك اتكاء الكاتب على ما يشي بالزمن من ذكريات أو يوميات أو رسائل وبطاقات معايدة، كلها تبحر عبر زمنين، يضيع فيهما الإنسان، زمن حاضر لئيم، وزمن ماضٍ ربما كان أجمل، أو هكذا نراه أنه أجمل! وهذا ما عبرت عنه بطاقة المعايدة التي آثر السارد/ الكاتب أن يستبقيَها من بين كل بطاقات المعايدة التي عثر عليها(ص108)، لنرى فيها التقابل الزمني واضحا بتضاد مؤلم، يجعلنا نستذكر الزمن كنصل بارد مغروس في وعي الشخصية لتتحول إلى وليمة، كلما أنشب الوقت أظفاره فيها، وهكذا يحاكي الحياة بتفصيلاتها لتبدو الحياة كلها وليمة معدّة تنزف كل حين على جسد الوقت بوصفه نصلا باردا، ليكون غير محايد بالضرورة الفلسفية الوجودية في حياة البشرية المعذبة بأقدارها التي ليس لها منها فكاك!

النصوص والهروب من التجنيس
هل لهذه النصوص من جنسية سردية؟ ولماذا قال عنها الكاتب إنها "نصوص"، على الرغم من أنها في معظمها كاملة الأهلية في التوصيف القصصي؛ سواء أكانت القصة القصيرة، أم القصة القصيرة جدا؟ هل كان يخشى مجانبته لبعض الشروط القصصية فهرب إلى تسمية عامة عائمة قد تحميه من بعض النقد الفني التجنيسي؟

ربما كانت المراوغة الجميلة الحرّة التي تعفي الكاتب من الالتزام بشروط محددة مسبقا، فهو يريد أن يكتب بحرية دون أي قيد، وليكن النص قصّة أو خاطرة أو شذرة فلسفية أو فكرية، فليس مهما إلا الفكرة، أما مآلها الشكليّ فمتروك للقارئ، إنه نوع من الهروب، أو إنه التدرب على الكتابة بخلفية متحررة من كل ما يحدّ تدفقها!

ورغما عن كل ذلك هناك نصوص مكتملة العناصر القصصية في شخصياتها وسردها وأحداثها ولغتها، ففي نص بعنوان "ربطة عنق"(ص90)، تجد نصا قصصيا منسابا بسرده الشائق، متكامل في عناصره، ومشهديته وطرافة فكرته، ومثل هذا النص الكثير الكثير، كنص بعنوان "حلم"(ص125)، و"الجوكر"(ص127). بالإضافة إلى أن كثير من النصوص هي قصص قصيرة جدا مكتوبة بعناية وجمالية مدهشة كنص "تعويذة"(ص79) ونص "ضيوف الثلاثاء"(ص113)، وتتعدد المشاهد القصيرة ضمن وحدات قصصية مترابطة كما في القصص القصيرة جدا تحت عنوان "تماثيل"(ص43-44).

كما يوظف الكاتب الأحداث التاريخية، واليوميات والرسائل لتكون وسائل لصياغة تلك القصص، ومن المعروف أن هذه جميعا مادة مهمة في تركيب البناء القصصي عند كثير من الكتاب، وتعطي الكاتب حرية وبعدا في التأويل ورحابة في صناعة النصوص القصصية. كما لا يغيب عن البال أن الكاتب قد وظف ضمير الأنا في صياغة هذه القصص، ليكون مشاركا شخصياته في تلك الأحداث، سواء أكانت متخيلة أم لها سند من واقع وواقعية.

وفيما يتصل بالفنية القصصية في هذه النصوص يلاحظ القارئ أنها نصوص لم تكن تعنى بتوضيح العلاقة بين الشخصيات، فهي تعرض مشاهد الحياة مقطعة ومجزأة، كأنها تقدم الحياة بصورتها الحديثة المتشظية، التي أصبحت قطعا متناثرة في حياة كل شخصية من شخصياتها، حتى نحن البشر الحقيقيين لم نعد نعرف ماهيتنا البشرية القدرية، وهكذا انعكس كل ذلك في الشخصيات القصصية التي اقتربت من الشبحية غير محددة الملامح!

وربما كانت هناك نصوص تتخذ من قصيدة النثر متكأ فنيا لها، ولكنها لم تسلم تماما من عناصر السرد الواضحة فيها، فاجتمعت فيها عناصر قصيدة النثر وعناصر السرد اللقصصي المعاصر، إذ يجمعهما التكثيف وتركيز اللحظة الشعرية والرؤيا، وقد يجد القارئ مثالا لذلك في نص بعنوان "ذبابة"(ص46)، أو "أوتار ضائعة"(ص47)، وأحيانا تتمازج المقاطع بين هذين الجنسين ليشكلا لوحة نصية سردية وشعرية نثرية كمجموعة مقاطع نص بعنوان "خيبة"(ص49-52).

اللغة في هذه الولائم
كتبت هذه النصوص بأناقة لغوية بالغة، فتشعر بالموسيقى الداخلية للجمل تنساب بين الكلمات، كأن النص شعر مكتوب بتقنية النثر، وترتفع أحيانا النصوص بلغتها وصياغتها فتغدوَ قصائد نثر تحتاج من القارئ إلى مزيد من التأمل، فهذه النصوص ليست بسيطة ساذجة إنها متبتلة في محرابها اللغوي المقدس، وللدلالة على ذلك دعونا نقرأ هذا النص من مقدمة نص بعنوان "زحام"(ص81):

"كنت أحبها في النهار، وأفكر فيها كل ليلة، ثم جاء ذلك الهندي الأحمر

وبدأ يرقص كل ليلة

يزعج نومي كلّ ليلة

يتغنى باسمها في لحن بدائي

ويختفي كتعويذة كلما أضأت المصباح

سألتها ذات مرة فقالت "هو زوجي السابق"

قمت بقتله فزارتني في اليوم التالي قبيلة الهنود"

وقد وظف الكاتب مرة واحدة اللغة العامية وهو ينقل لنا بعض النصوص من مجموعة بطاقات المعايدة(ص106-108)، وربما كانت هذه البطاقات المثبتة حقيقية فتركها الكاتب على طزاجتها التعبيرية ولم يتدخل فيها، وربما أراد إيهامنا بأنها حقيقية فصاغها بطزاجة لغة عامية توحي بواقعيتها المفرطة في الألم، أما ما عدا ذلك فاللغة فصيحة، ذات وسوم ورسوم بلاغية في رسم المشاهد والعبارات والصور.

إن تلكم الأناقة اللغوية لم تمنع النصوص من الوقوع في شرك الهنات اللغوية، وهي متناثرة هنا وهناك، كان منها الأخطاء النحوية، والإملائية المتمثلة في عدم مراعاة مواضع همزتي الوصل والقطع أحيانا، أو الطباعية مثل عدم إلحاق الواو العاطفة بما يليها دون فاصل، وكذلك عدم مجاورة علامات الترقيم لما قبلها دون فاصل، والصواب وجود الفاصل بينهما معا وبين ما يليهما من كلام.

وبعد، فقد كان كتاب "وليمة للنصل البارد" كتابا صعبا في لمّ أطرافه للكتابة عن هذا الكم من النصوص بأوجاع وأفكار متفرقة، ولكنها كانت رحلة معرفة حاولت فيها أن أتعرف على وليمتي الشخصية كيف يمكن أن تكون يوما لنصل بارد محتمل في نهاية الوقت والمصير المحتوم للحياة بشكل عام، لتتخذ الوليمة والوقت والعلاقة بينهما هنا في هذا الوطن طعما خاصا مرا ليس لأنه يعج بالمتناقضات وحسب، بل لأنه يعج بالحياة وإرادتها لتكون مختلفة وخاصة، وكأننا نعيش مذابح ولائمنا كل حين!

 

(فلسطين)