تقدم هذه القصة تناظرها الشيق العميق بين عبثية الوضع الفلسطيني ووحشية الوجع العضوي الناجم عنه، وبين مرض الجلاد ووجع الضحية في عالم بلغ فيه العبث ذروة تجلياته المأساوية.

كأن شخصا ثالثا بيننا

زياد خداش

 

سمعت الباب يفتح، رفعت رأسي قليلا بعينين نصف مغمضتين، كانت هي تدخل بهدوء، لم اتبين ملامحها، لكني كنت اعرف انها هي، تركت رأسي يسقط الى استرخاءاته الممتعة، لا ادري لماذا شعرت اني ابتسم، أم هي انفراجة فم خفيفة سببها حوم ذبابة مملة على اطراف فمي؟ صوت قدميها في المطبخ، هي تصنع القهوة الان، اتفقنا هذا اليوم ان لا نتكلم في أي موضوع، ان لا نفتح التلفاز ولا نسمع موسيقى ولا نرد على المكالمات الهاتفية، ولا نتذمر ولا نفرح ولا نسأل ولا نبتسم،  ولا نفتح الباب لاحد، فقد مللنا كل شيء، نريد ان نجرب الصمت التام والحياد التامين، كل اسبوع نمارس هذا الطقس، مسموح ان نتعانق ونتبادل القبلات ونمارس الجنس بشرط ان لا نصدر اصواتا بشرية، هناك مجال للتعامل بالاشارات عن طريق اليد او العينين او استخدام  اصوات  اخرى مثل اصوات  القطار او الماعز او الحمار او دورية الاحتلال او الماء اوالمطر  او الريح ، او أي صوت آخر، المهم  هو ان نبتعد عن اصوات البشر.

من السادسة صباحا، وحتى  الان  ونحن صامدان، نتجاهل طرقات الباب، نتحرك في الغرفتين، ننظر لوجهينا، نبتسم دون صوت، نستمع لرنات هاتفينا الخلويين،  دون ان يبدو علينا الفضول لمعرفة من المتصل، احضنها احيانا او اعضها دون صوت في كتفها لاختبر صمودها، فتغمض عينيها وتتأوه بصمت، تمسكني من عضوي، تشده، فاتوجع بصمت، او اشير لها متوسلا بهلع بأن تتوقف، وتتطاير ضحكاتنا المخنوقة، نغفو احيانا على اكتاف او افخاذ بعضنا،  نتحرك حفاة في الغرفتين دون هدف، نمارس التهريج الجسدي لاسقاط الآخر في مسابقة الصمت، ننظر الى السيارات والناس والشجر من وراء زجاج النافذة، نتعرى، نرقص، نمثل ادوارا في مسرحيات وهمية، نرسم على الجدران اشكالا مضحكة لوجهينا وجسدينا، نقترب من بعضنا البعض، نمطر على بعضنا البعض قبلا خفيفة وعنيفة، احملها بين يدي، تدفعني بقدميها ويديها، امددها على الاريكة، اعضها في كل مكان، في القدم والنهد والخاصرة والبطن والقدم، تنتصر علي بالصمت، اسقط عن جسدها، تنحني هي علي، تعضني في نفس الاماكن، أتحمل ألم النشوة، فلا اصدر صوتا، فانتصر، ولكن الى حين، فقد عضتني اللعينة هناك في الجهة اليمنى، صحت بأعلى صوتي: الهي الهي . شعرت برغبة  في تحطيم كل شيء أمامي ضحكت هي  بصوت عال ضحكاتها الطويلة الهستيرية الطفلية التي تشبه صوت عشب يجز في حديقة.

زحفت على قدمي شاعرا، وكأن جسمي كله يتخلى عني ببطء، لا ادري كيف خرجت مني هذه الكلمات: لقد حطمت روحي ايتها السافلة، كانت هي تتوقع اني امثل دورا، واصلت ضحكها بفمها وجسمها ويديها، سمعنا طرقا على الباب، أعقبه صوت جارنا وزوجته : هل كل شيء على ما يرام؟، كان الالم  فظيعا ولا يصدق، بدأت هي تعرف شيئا فشيئا انها ارتكبت خطأ ما، فقد اصفر وجهي وتقيأت دما، من شدة  ضغطي على لساني وشفاهي، تنفسي بدأ يتسارع،  زحفت باتجاه الباب، يدي تحمل برعب خصيتي اليمنى الممزقة، سمعتها تبكي، رأيت في وجهها الدموع والاسف و الفزع، فزاد خوفي و تصاعد ألمي.

ركضت الى الخارج جارا جسدي وحاضنا اياها بيدي اليمنى ، سرعان ما عرفت ان الركض يحركها مما يزيد ألمها، فأبطأت من خطوي، كان الشارع مبلولا بمطر خفيف، البرد شديد، المارة كانوا قليلون جدا، لم اعرف لماذا، لكني عرفت حين وصلت الى اطراف المول في منطقة الجوال أن ثمة  قواتا خاصة اسرائيلية اقتحمت عمارة المول وان جنودا هناك يفتشون عن مطلوبين، ويمنعون التنقل، لم اكن اعرف الى اين انا ذاهب بالضبط، لكني شعرت ان شخصا آخر داخلي يقودني الى مكان ما، تذكرت فجأة ان صديقي الدكتور مازن يسكن في عمارة مخماس، واني قد اكون  متجها اليه، فهو الوحيد الذي سأشرح له حالتي بوضوح دون خجل والوحيد الذي سوف لن يطلب مني رسوم علاجي، فهو يعرف اني مفلس تاريخيا، الالم هناك يزداد، ما زلت احضنها برفق شديد كمن يحضن طفله المريض، المارة الهاربون  من الجنود  ينظرون محتارين، نصف ضاحكين  نصف غاضبين،  نصف لامبالين الى رجل يتألم  يمر امامهم باتجاه الجنود حاضنا شيئا ما في  وسط جسده.

ـ هل انت مجنون ؟ هناك جنود امامك، ابتعد

بيت  صديقي الطبيب مازن  خلف  الحاجز العسكري، هذا يعني ان على ان اقنع الضابط الاسرائيلي بقصتها، رأيت الجنود يتأهبون لاطلاق النار علي، ارتعبت، سقطت على الارض، صحت عليهم: خصيتي،  خصيتي ايها الجنود، انها تؤلمني، انا ذاهب الى الطبيب، اقتربوا مني بهدوء حذر مشهرين البنادق، طلبوا مني ان ارفع يدي الاثنتين، رفعتهما، دس احدهم مقدمة بندقيته  بين فخذي فصحت بأعلى صوتي ،  انها تؤلمني تؤلمني ايها الجندي الطيب، ضحك الجنود، ابتعدوا، تقدم مني الضابط واضعا يده على بطنه، كان وجهه مهدودا، عيناه يتطاير منهما الانهاك ويسيل الألم، لكنه كان يحاول ان يبدو طبيعيا، لم افهم الامر في البداية، اعتقدت انه يتهكم على ألمي.

ـ اسمع حبيي، لن تصدق ما اقوله، لكنك مجبر على تصديقه، انا من عائلة يهودية عراقية هاجرت من الرمادي، منذ سبعة ايام  لم أذهب الى المرحاض،  قال لي يهودي يمني انكم انتم العرب لديكم عشبة قوية اسمها «سنا مكي» وهي كفيلة بتدمير ثكنةالمعدة، اريد العشبة الان بأي طريقة، والا فلن ادعك تمر.

كنت اريد ان اضحك بصوت عال، لكني لم استطع فالضحك يحتاج الى صحة جسدية، تعاملت مع كلام الضابط وكأنه امر مفهوم وطبيعي، تذكرت جدتي حليمة، ذات الثمانين عاما، كانت قبل اسبوع مريضة لكنها تماثلت للشفاء، اعرف انها تحتفظ بكل الاعشاب التي تختص بمشاكل المعدة وغير المعدة ، جدتي تسكن  في عين ام الشرايط ، اوقفت سيارة وذهبت الى بيتها ، السائق، لم يزح نظره عن يدي التي تحضنها، كان يريد ان يضحك، لكنه لم يفعل،  فوجئت بجمهرة بشرية صامتة على مدخل دار جدتي، ابي وامي واخوتي وعماتي كانوا هناك يلفهم حزن شديد،حين رؤوني اتقدم نحوهم، فرحوا بصمت ، فأخيرا تغير الابن العاق وصار يشارك  في الجنازات والتجمعات العائلية والمناسبات الاجتماعية، ولكن لماذا هو منحني الجسم هكذا وتعلو وجهه  صفرة غريبة؟  ولماذا يضع يده  هناك؟ هل جن هذا الولد؟. ماتت جدتي حليمة، قبل  ساعة، يا لحظي العاثر! عدت في نفس سيارة الاجرة الى الحاجز، هذه المرة انفجر السائق ضاحكا، وضحكت معه متوجعا. اخبرت الضابط الذي كان ما يزال يضع يده على بطنه بموت جدتي، صفعني على وجهي والدموع تملأ وجهه ووجهي، أخذني  جانبا بعيدا عن أعين الجنود

ـ قلت لك  منذ سبعة ايام  لم اذهب الى المرحاض الا تفهم؟

ـ وهي تؤلمني ايضا  الا  ترى اني اكاد اموت؟ كنا نتحدث همسا، ووجهانا قريبان جدا من بعضهما البعض، لماذا احس اني اعرف هذه الملامح؟

نظرت في عينيه المقتولتين، رأيت ظلالا  لكتلتين لحميتين اثنتين تتأرجحان بمرح غامض، نظر في عيني المحطمتين، لا ادري ماذا رأى، لكنه سألني سؤلا غريبا:

ـ هل تعرف موسى بن ميمون؟

لم اجهد نفسي في التفكير بسؤاله ، كنت اتألم، أضاف: البارحة وقعت لوحة قلعة مسادا على ارض صالون بيتنا وتحطم اطارها، غضبت أمي وفقد جدي صوابه.  لم نتكلم لدقائق، استغربت من هذا الضابط الذي يقول لي اشياء غريبة لا افهمها، ولا علاقة لي بها، في لحظة ما شعرت انه سيرتمي في حضني متوسلا لي ان أساعده، كذلك انا، كدت اركع عند قدميه،

ـ ساعدني يا اخي، انا اتعذب.

لم يستطع أي منا ان يعرف من الذي نطق بهذه العبارة، انا أم هو، سمعناها معا، كأن شخصا ثالثا كان بيننا هو الذي نطق بها،

الجنود دهشوا من طريقة حديثي الهامس مع ضابطهم، كذلك  العرب الذين كانوا يتجمعون في الجوار انتظارا لرحيل الجنود، هل ظنوني عميلا انقل  للضابط اخبارا او أسماء،  طردني الضابط،

ـ اذهب انت وخصيتك  الى الجحيم!

تراجعت بهدوء الى الوراء، يدي على كتلتي المتورمة، أجهدت نفسي في القاء نظرة اخيرة الى الوراء، كان الضابط ما يزال يضع يده على بطنه  متكئا على كتفي جنديين مذهولين. مشيت بين الجموع الضاحكة والمستغربة، والمستاءة، كنت اعرف  ان الحجارة ستتساقط فوق رأسي الان، من مئات الاطفال الذين حرضهم ذووهم  على ايذائي، فأنا جاسوس، نقلت للضابط اخبار المناضلين، المفروض الان ان اركض، والا فسأموت بحجارة اطفال بلادي الرائعين الذيم احبهم، كان الدم يسيل من رأسي يغزارة، اركض اركض اركض، لم اعد اهتم بألمها ، لذا فقد رفعت يدي عنها، لاني نسيتها، حين وصلت الى بناية الاحصاء ، وقعت على الارض، تغطي وجهي الدماء والدموع، تذكرت الخصية المتورمة، مددت يدي لأعتذر لها على نسياني لها واهمالي، لم تكن هناك، كان هناك كيس لحمي مجوف ومهلهل، سقطت الخصية اثناء ركضي، هل أعود لابحث عنها الان؟ أم انتظر حتى هبوط الليل؟ فحين يأتي الليل تخلو الطرقات من الناس، يذهب الاطفال الى بيوتهم، على ضوء القمر سيكون البحث سهلا، أغمضت عيني، حاولت ان انام.

8-7-2007

zkhadash@yahoo.com