محمد الراوي قاص مصري مخضرم له العديد من المجموعات القصصية والروايات، وتنطوي القصة التي ننشرها له هنا على كثير من ملامح عالمه، واستراتيجيات سرده القصصي المميزة.

حـارس البحـر

محمد الراوي

هذا هو جسدي الذي لا املك غيره
خذه واطوه في اعماقك..
خذني عاريا بلا كفن
واهبا لك كل ما املكه في هذا العالم
جسدي..
ما دمت ترضى..لكنك لن ترضى.
 "حارس البحر"


لم ابرح حجرتي، ولم افتح نافذتي. نظرت اليه خلال الزجاج، كان هناك دائما يصلني صوته عبر الجدران، يضرب الأرض بقوة لينسحب فوقها بكامل عنفوانه وهو يزمجر، ثم يعاود هجومه واعتلاءه الأرض ليجرف معه في كل مرة ما يستطيع أن يحصل عليه ليطويه في اعماقه. كنت اسمعه، كنت ارقبه من خلف الزجاج محاولا ان اراه خلف البيوت الواطئة التي تجمعت هناك وانتشرت قبالة الشاطئ. البيوت الواطئة ذات الأسطح المشوهة التي تحوم فوقها الغربان وحواريها الضيقة الرطبة التي تتلوى كالثعابين بالقرب من الأبواب المتهالكة والنوافذ المستديرة كالعيون، وروائح الارض المبللة العطنة تختلط بروائح الكائنات البحرية المتحللة، والروائح الملتصقة بالاجساد والجدران وكل الاشياء الملقاة في العراء وداخل البيوت، وفوق اسطحها المشوهة.
كنت على يقين أنه لن يستطيع أن يقتحمني أو يطرحني ارضا، قبل ان يفعل ذلك بكل الذين يحيطون بي وقبل ان يطيح بالبيوت الواطئة القزمة التي تلوح لي على مدى النظر. سمعت خبطا على الباب، لو كانت تونة لدفعت الباب ودخلت، أو نقرت باصبعها على خشب الباب ودفعته. لم يكن خبطا، ثمة كائن يلطم الباب بكفين هائلين، من حجرتي الداخلية المطلة على البحر صحت: من بالباب؟
لم اسمع جوابا، انما لطمة أخرى قوية ارتج لها الباب واهتزت الجدران:
ـ هل أنت تونة؟ ادفعي الباب وادخلي ..
ولما لم اسمع جوابا أسرعت إلى الباب وفتحته ..
رأيته في انتظاري في الخارج.
اعرف انك لم تترك أرضا الا ووطأتها ذات مرة، اننى ارى آثارك في كل مكان، مهما كانت بعيدة عنك، اصدافك، قواقعك، محاراتك، تلال الأصداف والمحار المتحجر في الأماكن النائية، في الصحراء، تعكس أضواء النجوم في الليل، تبدو كعيون منثورة فوق الرمال، كنت أراها من نوافذ القطارات والعربات، تومض وتبرق، فتحيل الليل إلي ثوب مزدان بالنجوم واللآلئ.
أسألك. كيف جئت إلى هنا؟
وأي مسافة ركضت حتى وصلت إلى الصحراء؟
أي غضبة شديدة تلك التي جعلتك تجتاز الحدود لتنطلق متوغلا في البرية محطما السدود، مغرقا القرى والمدن، مجندلا البشر والجيوش، جارفا أمامك كل ما هو أرضى .. في قسوة وصرامة؟
أراك صامتا غامضا، اسمع صوت تنفسك في الليل فيما يتوهج الضوء المظلم فوق سطحك، والأمواج تنداح برفق على الشاطئ وكأنها خالية من القسوة. تغسله وتمشطه وكأنك أم رؤوم .. لا أحد يعرف متى تغضب .. لكنى أعرف .. من صوتك الذي اسمعه في الليل .. من أشكال خطوطك المتموجة وهى تركض نحو الشاطئ .. من السحب الداكنة فوقك. أو حينما تهتز السماء وتهبط نحوك. هنا أعرف أنك قد تنهض لتضرب ضربتك. لم يكن هناك أحد، كان البحر ينشر رائحته في الجو معلنا وجوده الدائم. وكنت أتطلع إلى مياهه الداكنة في العمق، بدا لي للوهلة الأولى انه لم يشعر بي، أو انه كان مسترخيا نائما، لكن موجة نافرة ركبت الماء وقذفت بنفسها تحت قدمي، كشفت لي انه لم ينم، ولن ينام، فقط هو يؤرجح نفسه فوق مساحة هائلة من الارض عددا من السنين، منتظرا اللحظة المناسبة ليتمطى ثم يتمدد.
كنت حافيا، أدوس بقدمي على الرمال الرطبة، متلقيا في صدري هواءه الرطب ذا الرائحة النفاذة، كانت الأضواء الخافتة والأنفاس الساخنة تتسلل من النوافذ المغلقة المنتشرة حول الشاطئ، نوافذ مستديرة أو هي صغيرة بشكل ما، غاصت في الرمال المدكوكة هناك على مقربة من حافة البحر المترجرجة. بينها وبين البحر قوارب صغيرة مقيدة إلى الأرض بأوتاد من الحبال وسلاسل الحديد واخشاب مطلية بالقار وأكوام هائلة من النفايات وبقايا الاشياء المستعملة التي تخلص منها البحر فحملتها أمواجه إلى الشاطئ، بعضها ما زال ملقى فوق الرمال والبعض الآخر مطمورا فيها لا يظهر منه الا القليل كأنها جزء من نتوءات الشاطئ وصخوره.
التفتُّ إلى نافذتي فرأيت ضوء الحجرة مضاء ينعكس شعاعه على الزجاج. لا بد أن تونة قد رجعت وتخلصت من ردائها الأسود لتبقى بثوبها الداخلي الأبيض أو بثوبها الداخلي الملون المائل إلى الزرقة. لا بد أنها تعد لنا في ركن مطبخها عشاء الليلة، فهي تعرف أنى موجود على الشاطئ. تحت ضوء النجوم البعيدة خلعت ملابسي واندفعت نحوه عاريا، فتلقاني برخاوة وطفا جسدي فوق الماء. أخذت أسبح على طول الشاطئ محذرا أن أتوغل، فأقطع على نفسي طريق العودة. كانت ذراعاي تضربان الماء على التوالي تصاحبهما قدماى، فيعلو رشاش الماء ابيض كالزبد فيما يمتلئ الجو بصوت كالصخب، عندما غصت فيه انزلقت برأسي في قلب الماء فاتحا عينى، اتجهت إلى أسفل كسمكة تغوص في الظلمة. لم ابصر شيئا، كان الماء يملأ عينى، كنت أقول في نفسي: انه جسده.
فيما كان كل شئ داكنا ومعتما، التمع وميض خاطف في اللحظة التي ارتطم فيها وجهي بقاع البحر الرخو وكأنه بطن. أحسست بقبضة قوية تمسكني من رقبتي، وبالطين اللزج يمسح وجهى، شعرت بمن يسحبني من رأسي لأصعد إلى أعلى. اقشعر جسدي وارتعد عندما أحسست بقبضته على عنقي ويده تمسح وجهي، في قلب الظلمة. لم استعد أنفاسي إلا عندما رأيت النجوم العالية التي تركتها على الشاطئ فأيقنت أنى صرت على السطح.
في ذلك الصباح الأبيض فتحت عيني على يد تونة وهى توقظني من النوم. ولما نظرت من خلال النافذة رأيت أن الصباح أبيض، بقيت أنا حارس البحر في فراشي وخرجت تونة إلى الحجرة الخارجية، ومن حجرتي سمعت صوت البحر وهو يتسرب من الجدران بنغم مخملي يعلو ويخفت يصطخب ويهدأ، أحاول أن أطول النافذة بنظري وأنا مستلق في فراشي عندما يعلو صوت البحر ويزعق، أعرف أنه ليس في حاجة إلى إثبات وجود، فأريح رأسي على الفراش وأغلق عيني. في ذلك الصباح الأبيض، فيما كانت تونة تقف في فراغ باب الحجرة وتنظر نحوى أشارت ناحية النافذة وهى تفتح فمها فأمرتها بذراعي أن تلتزم الصمت، كان طائر البحر يهبط على إفريز النافذة الزجاجية المغلقة فيما هو يضم جناحيه العريضين ويهبط، تطلع نحوى بمنقاره الأحمر الطويل خلال الزجاج ولم يلتفت إلى تونة وهى ساكنة الجسد عند الباب، التقت عينانا ولما تركت فراشي مقتربا منه فرد جناحيه وطار مختفيا.
كان رداؤها الداخلي من قماش أبيض رقيق، طويل الذيل لكنه بلا أكمام، عندما تدخل تونة البيت تتخلص من ثوبها الأسود وتلقيه في الحجرة الخارجية وتبقى بثوبها الأبيض. قالت لي وهى تستلقي على الفراش بجواري:
ـ لن تخرج هذا الصباح..
ـ أنا لا أخرج بالنهار عادة. فلماذا تسألين؟
ـ لن أخرج هذا اليوم .. سأبقى معك ..
ـ هذه ليست عادتك .. فأنت تغيبين عن البيت من الصباح حتى يهل الليل ..
ـ سأبقى هنا هذا النهار.
استدارت ناحيتي ووضعت كفها مفرودة على المساحة العارية من صدري. عندما التفت إليها رأيتها محلولة الشعر مكحلة العينين.
من النافذة رأيت الضباب يحلق فوقنا، فأخفى البحر وانداح فوق البيوت الواطئة لتبدو من بعيد كأشباح أطلال مهجورة. رأيت الناس القليلين طحالب متحركة. وعندما فتحت زجاج النافذة سمعت أنا حارس البحر، صوت تنفسه هناك خلف الستار الأبيض الكثيف يلملم نفسه منسحبا للخلف متظاهرا بالرضوخ.
ـ هل ممكن أن تختفي؟ أن تصبح بحيرة بلا أمواج .. بلا عمق..بلا أسرار؟
في ذلك الصباح الأبيض. هذه المرأة تونة، نعست وهى تحلم بي، ذراعها العاري الأسمر اللون يحيط عنقي وأنفاسها تسخن وجهي، كان جسدها ممددا بجواري ملتويا عند الصدر تجاهي وملتصقا بي. كانت تتنفس باطمئنان مغمضة العينين ومن حين لآخر تشد ذراعها على رقبتي في حركة عفوية لا يفعلها سوى إنسان نائم، فأتذكر أمي حينما كنت أنام بجوارها، فتلف جسدي الصغير بذراعها وتنام.
تونة طلبت منى مرارا أن أعاود المحاولة، وقد سمعتها من قبل حينما استعدت عافيتي بأن البحر قد عوضها عما فقدته وهو ليس بالشيء الهين فأنا هبة البحر لها، لذلك فأنى ملك لها، وهى لن تتخلى عما وهبها البحر، ولن تردني إليه بأي حال من الأحوال. في البداية كانت تقول لي بأني ما زلت متأثرا بما حدث لي، وأنى سأنسى مع مرور الزمن. فأي زمن هذا؟
في ذلك الصباح الأبيض تركت تونة نائمة في الفراش وخرجت إليه. دنوت منه حتى شعرت به، أنا حارسه، قريبا منى يكاد يلمسني. غاصت قدماي في الحفر الرملية التي انحسرت عنها الأمواج، بينما كان سرطان البحر يتواري خلف الصخور الصغيرة المتناثرة على الشاطئ، يخفى نفسه داخل حفر عميقة في الرمال، كان يبدو من خلال الضباب هادئا بلمعة داكنة، وكان تنفسه بطيئا. سمعت صهيل حصان يأتيني من أطراف الشاطئ البعيدة التي يسترها الضباب الأبيض، حاولت عبثا أن أحدد مكانه دون جدوى، لكنني بعد قليل سمعت وقع أقدامه السريعة المكتومة في الرمال، أدركت أنه يتجه نحوى فلا أحد غيري على الشاطئ في ذلك الوقت، أنا حارس البحر. ربما كان يراني دون أن أراه، وإذا كان كذلك فلماذا أنا حارس البحر؟ حاولت أن أنفذ ببصري خلال الضباب، لكنى لم أسمع سوى صوت العدو السريع نحوى، فيما صار الضباب أكثر بياضا ثم اكثر قتامة، ثم انشق عن هيكل الحصان الانسيابي العظيم كمخلوق خرافى، هابطا إلى الحياة دفعة واحدة ومكتملا، بخطمه وفتحتي أنفه المرتعدتين وهما تزفران هواء أبيض. عبر من أمامي كما الطيف مخلفا في وجهي دفقة من الهواء الرطب وهزة في الأرض وذرات من الرمال المبللة بماء البحر. كان حصانا أسود، ومن خلال الضباب وقرب المسافة، رأيتها فوق ظهره، بلا ملابس، عارية الجسد إلا من وشاح صغير يلتف حول عنقها الطويل وشعرها محلول يتطاير من خلفها كشعلة متقدة يدفعها الهواء عكس اتجاه الحصان الذي يعدو بها على الشاطىء، لا تكاد سيقانه تلامس الرمال.
هكذا رأيتها أنا حارس البحر، وبشرتها البيضاء تلتمع بقطرات البحر والندى وقد تبلورت فوق ثدييها المكورين الصغيرين،وهما يهتزان اهتزازا لا عنف فيه فوق صدرها النحيل مع إيقاعات العدو السريع للحصان. هكذا رأيتها أنا حارس البحر، وهى تمر بي مسرعة بجسدها العاري وعنقها الطويل، فيما أطلق الحصان صهيله حينما لمحنى فجأة واقفا في طريقه بلا حراك مما جعله بعد مسافة منى يشرئب بعنقه ذي العرف الداكن،مرتعش الذيل رافعا قائمتيه الأماميتين في الهواء، وهى تشبث بكلتا ذراعيها النحيفتين القويتين بعنقه النافر العضلات منطلقا بها في جوف الضباب الأبيض.
رويدا رويدا، بدأت الغلالة البيضاء تنقشع من أمامى، كانت ترحل في دوامات كروية وخيوط عريضة من القماش الأبيض، كانت تتحرك فوق الأرض وفوق البحر، يعلو بعضها ليذوب فى الفضاء يتلاشى بعضها الآخر بعد أن يرتطم بالشاطئ ليذوب في الرمال. نفذ شعاع الشمس فأضاء الشاطئ وطارد فلول الضباب، ثم ظهرت الشمس نفسها فوق البحر، فتراقص ما يشبه الشرر فوق الماء وتقدمت الموجات الأولى لتمسح الشاطئ وتغسل الرمال، فانتشرت رائحة الأعشاب البحرية بينما زحفت القواقع الشوكية ناحية الشاطئ مستلقية تحت ضوء الشمس. كانت الشمس هناك، لا أستطيع أن أحملق فيها، وكانت تعكس ضوءها على سطح البحر فتجعله فضة سائلة، فبدا لي جميلا جذابا كامرأة.
يا امرأة .. أنت كالبحر
إذا نظرت إليك فتنتني
قد تغدرين بي .. لكنك تفتنينني دائما.
كانت الشمس قد استكملت استدارتها ولاحت في الأفق قرصا أبيض جهنميا، وكانت تردني من النظرة الأولى فهي لا تحب أن يحملق فيها أحد، تحتفظ بسرها هناك رغم أنها بعيدة بعيدة ولن يطولها أحد، تعطيني بقدر ما تريد. عبر فوقى سرب من طيور البحر وهو يكركر، بينما بدت الأشياء على الأرض وكأنها أكثر من حقيقية، كل شئ حتى الصخور والحجارة، وقد أدركت منذ عثروا على جثتي هنا على الشاطئ ذات يوم في خاطر سريع، أن الأشياء لا تموت تحت الشمس، لا شئ يموت إنه هناك دائما، إنه دائما هنا أو هناك، إن لم يكن في شكله الذي الفته عيوننا فهو موجود في أشكال أخرى لم تألفها بعد. من يومها تحول هذا الخاطر السريع إلى وعى يسرى في جسدي وهو يلتئم ويستعيد قواه بفضل تونة، قالوا لها سنترك حارس البحر في رعايتك فأنت وحيدة بعد أن فقدت زوجك وولديك، وتستطيعين أن تقومي بهذه المهمة، فليكن حارس البحر هبة لك من البحر.
عندما عدت إلى البيت لم أجد تونة. ارتدت ثوبها الأسود وخرجت. وكان الفراش ما زال يحتفظ بدفء جسدها. أدركت في ظل هذا السكون أنك ما زلت منتظرا خلف الباب، ربما تنتظر خروجي لتروعني ثم تستردني. الشمس على مسافة بعيدة تنزلق باردة فوقك لتحط على نافذتي القديمة إلى أكلتها الرطوبة قبل أن تصعد إلى السماء لتطل عليك بكل بهائها الذي لا يضاهيه بهاء. أسلمني السكون للنوم وأنت ما زلت منتظرا بالخارج، السماء ملبدة بالسحب الداكنة، وثمة نورسان أبيضان حزينان يحلقان عند الأفق يبحثان عن الأسماك التي تصعد إلى سطح البحر. أرى نفسي أسير على الرمال وحيدا، لا أسمع إلا صوت الأمواج الصاخبة التي تهاجم الشاطئ. ومن حين لآخر يصل إلى سمعي صوت صهيل الحصان من بعيد يقترب ثم يبتعد، فأدرك في نومي أن هذه المرأة العارية ذات العنق الطويل ما زالت تمتطى حصانها الذي يعدو بها كالمجنون على طول الشاطئ حتى يختفيا ربما ينزلقان إليك ويختفيان، ربما يتلاشيان في الضباب الكثيف.. أنت تحاول خداعي. فأي امرأة تلك التي تقنعت بها لتوقعني في الفخ؟
أعثر على خوذة جندي غطتها طحالب البحر الخضراء، وعلى بعد أمتار قليلة أرى جثثا ملقاة على الرمال مشبعة بالماء المالح ممزقة الثياب، جثثا لجنود قدامى، من قديم الأزل وجثثا لجنود حديثين ورجال ونساء، جثثا منتفخة، رؤوسها الظاهرة زرقاء اللون ورأيت نفسي ملقى مع الجثث، لكنى كنت أتنفس. رأيت المطر يسقط من السماء فابتعدت عن الشاطئ وتوجهت إلى حجرتي، ورأيت وحيدا فادلف إلى فراشي وأنام، فأرى الشاطئ في حلمي الثاني الداخلي مشمسا مزدحما بالمصطافين، وعددا كبيرا من الأطفال والشباب يلعبون ويمرحون على الرمال، أجسادهم العارية تلتمع تحت ضوء الشمس وثمة شماسي ملونة منتشرة على طول الشاطئ يستلقي تحتها في استرخاء الرجال والنساء الجميلات. قمت من نومي الثاني مذعورا واتجهت إلى النافذة ونظرت خلال الزجاج فوجدت الجثث كما هي ملقاة فوق الشاطئ والأمواج تحاول أن تطولها، فعدت إلى فراشي واستغرقت في نومي الأول مع حلمي الأول هادئ البال. رغم ذلك حلمت بك، ولما استيقظت من أحلامي استولى على قلبي الرعب، لأنك إذا ظهرت لي في الحلم فإنما تظهر لي في الحقيقة، فأنت حقيقة وحلم، وهم وحقيقة، وكأنك تذكرني في منامي أنا حارسك بأنك ما زلت في الخارج وأن مصيري بين يديك، رغم أنى عندما أخرج إليك برضاي لا تستفزني ولا تشعرني بوجودك وبقدرتك على استردادي.
أنت لا تكذب ..
متقلب لكنك لا تكذب، فهذا طبعك.
هادئ وصاخب ..
مسالم وعدواني.. فهذا طبعك.
أعرف أنك تنتظر خروجي
رغم قدرتك على اقتحامي.
لكن في النهاية، فأنا ملك لك، أعيش على شاطئك، وأكون أول من يلقى إليك تحية الصباح..أنا، وآخر من يلقى عليك تحية المساء .. أنا.
شعرت بالبرودة تنفذ تحت غطائي، وبأنف سمكة تقبلني من شفتى، شممت رائحتها وهى تقترب منى، فحركت رأسي محاولا الابتعاد عنها، ولما غشيت رائحتها أنفى فتحت عيني فإذا بها جالسة على حافة الفراش تنظر نحوى مبتسمة، وفى يدها كيس من البلاستيك.
ـ تونـة!
ـ كنت نائما ولم تشعر بي.
ـ هل أنت هنا منذ وقت طويل؟
ـ قضيت وقتي في مراقبتك وأنت نائم.
لم تكن رغبتي ولا إرادتي هي التي جعلتني أتمسك بالحياة بعد أن فقدتها. إنما هي التي عادت كما يعود تيار الكهرباء إلى المصباح فيضئ فجأة..فانطلقت زغاريد النساء على طول الشاطئ. هكذا وجدت بقاياي على رمال الشاطئ ممزقا، ووجوه عديدة تحيط بي، سحن بلا ملامح، عيون محدقة مذهولة من هذه الجثة القديمة المخرقة التي قذف بها البحر إليهم، وجفوني تتحرك تغسل غشاوة الملح الذي كسا الأحداق فنامت الرؤية وتكسرت إلى شظايا. شعرت بدفء الأنفاس على وجهى، وبأصابع تجسنى، تنغرس في لحمى الطري المشبع بالماء وهمهمات تتسلل إلى أذني المملوءة بالماء المالح فتفتح طريقا ضيقا وسط الصمت المتكدس زمنا طويلا في مسارات السمع والشم، فأغلقها وسك عليها بأختام من الطين. حينما فتحت عيني، وجدتها جالسة بجواري وهى تبتسم لي ... عادت لي هذه الذكرى رغم أنها ابتعدت.
قالت لي أنها أول من رآني ملقى على الشاطئ والماء يتسرب منى إلى الرمال، وظهري ملئ بالحفر وقد ابيضت من أثر الماء المالح. ربما يكون الماء المالح هو الذي حفظ جسدي من التلف وعودة الحياة إليه، قالت إنها تقضى أوقاتا طويلة على الشاطئ أياما وليالي لا حصر لها في انتظار زوجها وولديها اللذين خرجوا إلى البحر بقاربهم الصغير ولم يعودوا. قالت: كنت أحسبك زوجي. لكنك لم تكن هو.
اتجهت تونة إلى ركن المطبخ الضيق بجوار الباب، وسمعت صوت خشخشة الكيس البلاستيك وهى تفرغ محتوياته من السمك في الحوض الصغير وتفتح عليه صنبور الماء. عندما استقرت حالتي واطمأنت على صحتي كانت تخرج في الصباح وتتركني وحيدا في البيت لتعمل مع النساء والرجال في ترقيع شباك الصيد ودهان القوارب الصغيرة بالقار. في البداية كانت عند عودتها تطرق الباب طرقتين، أسمع زحف قدميها على أرض الممشى ثم طرقعة أصابعها على الباب قبل أن تدخل الحجرة الخارجية، اكتفت بعد ذلك بدفع الباب لينفتح وتناديني من الحجرة الخارجية، أو تدخل مباشرة إلى ركن المطبخ الضيق. دخلت بيتها محمولا فوق أذرع الرجال فيما هي تتقدمهم إلى حجرتها الداخلية وتشير إليهم بأن يضعوا جسدي القديم المشبع بالماء في فراشها الذي لم أفارقه طوال شهور عديدة. تركوني في رعايتها بعد أن فقدت زوجها وولديها وبقيت وحيدة، قالوا لها: إننا نترك لك حارس البحر فاعتن به وأعيديه إلى الحياة..فقد وهبك البحر عوضا عما أخذه منك. كان جسدي بين قبضتيها خفيفا مطيعا، وكنت اشعر به وهو يتقلب بين ذراعيها فأجد وجهي مدفوعا إلى أسفل في الفراش، ثم وهو يحدق بعينين متعبتين في سقف الحجرة.
عندما تبدأ في عملها معي تجردني من ثيابي فأتمدد عاريا طائعا على الفراش تاركا نفسي لها، كنت أشعر بأصابعها وبكفيها العريضتين وهى تمسح جسدي كله وقد تأكدت بأني لم أفقد شيئا من أعضائي السفلية، كانت تمسدنى وتدلك بشرتي بسائل ثقيل تصبه أحيانا في جروحي القديمة.
ـ جسدك ملئ بالحفر ..
ـ هذا ما فعلته بي الشظايا.
ولما سألتها عن السائل الذي تدهن به جروحي قالت إنه زيت السمك، وهو الذي سيشفيني ويلئم جروحي.
تقلبنى على جنبي فيطاوعها جسدي..
ـ عودتي إلى الحياة معجزة.
ـ رداؤك كان ممزقا كثير الخروق..
ـ من الشظايا.
ـ ومن السمك ..
حينما تنتهي من عملها تذهب إلى الحجرة الخارجية لتغتسل وتغير ثيابها، في تلك الأيام لم أكن أغادر الفراش أبدا، وكانت تونة في الليل تنام في الحجرة الخارجية. استيقظت فجأة بعد منتصف الليل، كان ضوء الحجرة الخارجية يتسلل من الباب إلى عيني، سمعت صوتها بالخارج وصوت رشاش الماء وهو يصطدم بالإناء المعدني الكبير الذي تركته عند المدخل، عرفت أنها كانت تستحم بالقرب من ركن المطبخ. توقف سقوط الماء في الإناء المعدني وبعد قليل عبرت بجسدها العاري مساحة الضوء التي يكشف عنها باب الحجرة. تناولت بعض الثياب من الجانب الآخر ثم عادت إلى ركنها الذي كانت تستحم فيه. وعند فرجة باب الحجرة الداخلية ألقت نظرة سريعة إلى الداخل فالتقت بعيني دون أن تراهما. في هذه اللحظة لفت نظري ذلك الشعر الغزير المتكوم أسفل بطنها فيما بدت لي تونة امرأة أخرى غير التي أعرفها، كانت سمراء البشرة ذات قامة طويلة وأرداف ممتلئة وظهر عريض مقسوما إلى نصفين وفخذين وساقين قويتين، وكان يتدلى من صدرها ثديان ممتلئان يميلان إلى الطول دون ترهل.
رأيت كثيرا من الرجال عرايا، فقدوا ستراتهم لكنهم ظلوا محتفظين بهذه الغابة السوداء. ما زلت أراهم بعيني، إنهم داخل عيني لا أستطيع أن أتخلص منهم. أجسادهم التي لم يروها معلقة فى جوف الماء، أنا رأيتها. كانت أجساد الرجال عارية إلا من هذه الغابة السوداء الكثيفة، غابات كثيرة تنشب جذورها في هذا المكان فكانت سترتهم. تمرد جسدي على الاستلقاء فوق الفراش، كانت تونة تراني وأنا أزحف ناحية النافذة عند الطرف الآخر من الفراش أنظر إلى البحر والسماء، ولما رأتني مرارا أنظر من النافذة عند الطرف الآخر من الفراش مستندا على ذراعي وركبتي قامت بتغيير إطار النافذة فاصبح أوسع وأعلى، له ضلفتان من الألوميتال تتحركان يمينا ويسارا. فأصبح مدى الرؤية أكبر حتى إني كنت أرى الأفق وجزءا كبيرا من بقية البيوت الواطئة عند الشاطئ. انتابتني رغبة شديدة في النزول من الفراش إلى الأرض، انتظرت حتى خرجت تونة من البيت وأصبحت وحيدا، حاولت جر جسدي إلى حافة الفراش، سحبته مع جسدي لأهبط به إلى الأرض تدليت برأسي فاردا ذراعي وتبعني جزئي الآخر الذي ارتمى على الأرض محدثا صوتا مكتوما. حركت ذراعي وساقي سابحا على الأرض ولم أتوقف إلا عندما شعرت بالدماء تسرى من عروقي وتصل إلى أطرافي العليلة، وطاب لي الاستلقاء على الأرض بعد هذا المجهود الشاق. سمعت تونة وهى تدخل وتغلق الباب، رأيتها واقفة بالقرب منى وهى تضحك.
ـ هل ترثين لحالي؟
ـ إن ريش الفرخ ينمو ويريد أن يتعلم الطيران.
ـ أريد أن أسير على ساقي..مثلك.
ـ انتظر حتى تقوى وسوف نعيدك إلى البحر..يا حارس البحر.
ـ لا أريد أن أعود إلى البحر الذي لا أعرف كيف خرجت منه.
ـ هو الذي لفظك..
ـ لماذا أنا بالذات؟ هناك كثيرون غيري لم يخرجوا..
ـ لم يستطع أن يهضم جسمك،،شعر بأنك تفهمه فرماك على اقرب شاطئ.
ـ هل تعرف من أين أتيت؟
ـ لا أتذكر..
ـ هل جئت مثلا من الشاطئ الآخر، أم من عند الأفق؟ إن الشواطئ هنا بعيدة وممتدة والأفق ليس له حد.
ـ أنا جئت من البحر الأحمر فهو القرب لي..لكنى أتذكر أنى عبرت من البحر الأبيض إلى البحر الحمر، ولا أخفى عليك أن ما رايته تحت الماء كان كثيرا.
ـ والمحيطات؟
ـ أنت تسخرين منى..لكنى أعرف البحر الميت.. هل هو قريب من هنا؟
ـ لماذا أسمه البحر الميت؟
ـ لأنه يكتفي بنفسه.. مستنقع كبير يعنى..
ـ أذن أنا لم أكن فيه..فكيف جرفتني المياه إلى هنا؟
ـ من أين أتيت بهذه الأسماء؟ إنك تعرف كثيرا من الأشياء.. من أنت يا حارس البحر؟
ـ أنا.. أنا حارس البحر كما أسميتموني..أما عن هذه الأشياء التي تبدو لي أنى أعرفها..فمن الجائز أنى عرفتها عندما كنت هناك..
ـ هناك يا حارس البحر..
ـ هناك..من المكان الذي كنت فيه قبل أن آتى إلى هنا.
ـ وقبل أن نطلق عليك اسم حارس البحر..ماذا كان اسمك؟
ـ كان لي اسم بالتأكيد فكل واحد لا بد له من اسم، ربما كان اسمي حارس الأرض.
ـ أي أرض؟
أي أرض..أرض تجئ وأرض تضيع.. ولكن الآن الأراضي تضيع..ألم تر ثوبي الممزق والشظايا التي ملأت جسمي بالحفر..أخشى أن يستردني البحر..أليس في مقدرته أن يفعل ذلك؟
ـ في مقدرته أن يفعل ذلك.
ـ أشعر به وهو يتربص بي، إنه يداعبني كما يداعب القط الفأر قبل أن يطبق عليه بأنيابه، أعرف أنه سيفعلها حينما أشعر بالاطمئنان على الأرض وانساه، عندما كنت في الماء كنت واثقا أن جسدي سيقودني إلى أقرب أرض ليرسو عليها ويحفر فيها قبره.
ـ لماذا لم يفعلها ويرد لي زوجي وولدي؟
ـ هو يفعلها عندما يريد ذلك لا عندما يثيره أحد.
ـ لماذا هم بالذات؟ الجميع هنا ينزلون إلى البحر ويعودون.
ـ لماذا أنا بالذات الذي ردني إلى الأرض ولم يرد الآخرين؟
اقتربت منى حتى كاد أنفها يلامس أنفى. رأيت في عينيها دموعا محبوسة ومشاعر سجينة مثل جسدي، كانت تونة ما زالت بثوبها الأسود تستند بكوعها على حافة السرير الذي استلقى عليه، ربت على ذراعها وأفسحت لها مكانا بجواري فاستلقت ممدودة الساقين وراحت تنظر في عيني ويداها مسترخيتان إلى جانبيها..
قلت لها وأنا أمسح بيدي جبهتها وشعرها الذي تعرى:
ـ أنا مدين لك بحياتي يا تونة..لقد أخذتني جثة وأعدتني إلى الحياة.
أحاطتني بذراعيها وضمتني إلى صدرها، انزاح ثوبها الأسود عن ساقين سمراوتين ممتلئتين، ولاح طرف الثوب الداخلي الأبيض، مددت ذراعي ورفعت ثوبيها إلى أعلى صدرها. نظرت إلى مندهشة وكأنها تقول لي ماذا تستطيع أن تفعل يا حارس البحر؟ لاح جسدها الأسمر الممتلئ القوى، عريتها وأنا أشعر بتململ في ساقيها فيما ارتفعت ذراعاها إلى أعلى، لكن سرعان ما رجعا إلى مكانهما، من مكاني أخذت أشم فخذيها وبطنها وصدرها، مسح أنفى كل ما تعرى أمامي، شممت فيها رائحة السمك نقية وطعم الملح، كان ثدياها ممتلئين على شئ من الطول كما رأيتهما للحظة من فتحة الباب، وكان إبطها وافرا كأعلى ذراعيها.
قلت لها وأنا أشمها:
ـ رأيت كثيرا من أجساد الرجال لكنى لم أر جسد امرأة منذ سنين مضت. دعيني أراك وأشمك.
ضحكت ضحكة خافتة فيما صار تنفسها متحشرجا، قوست إحدى ساقيها فارتفع فخذها لكن سرعان ما أعادته مستويا، لاحظت ترددها في حركة الفخذين وهما تهتزان في محاولة مترددة منها لفتحهما أو إغلاقهما، نزلت إلى أسفل برأسي وحككت وجهي في الشعر الأسود الغزير الذي أخفى كل شئ.
ـ أريد أن أرى كل شئ..هذا شعر كثيف وطويل
ـ لم أعد أهتم بنفسي منذ رحل زوجي ..
ضغطت ثدييها بين كفيها ورعتهما أمامي قائلة:
ـ لكنك نسيت هذين .. إنهما اللذان أنقذاك من الموت جوعا بعد خروجك من البحر.
كنت تتقيأ كل ما يدخل جوفك ولم تتقبل معدتك إلا لبن الثديين ..
ـ لا أتذكر شيئا من هذا.
ـ كنت حيا ولكنك كنت لا تدرى بما يحدث لك. لماذا لا تقبلهما شكرا لإنقاذهما لك؟
قبلتهما الواحد تلو الآخر وهى تضحك من فوق رأسي المنحنى. قالت لي أن زوجها الراحل كان حتى بعد زواجه منها يرضع من ثدي أمه قبل أن يدخل لينام بجوارها، كانت تسمعه وتراه وهو يفعل ذلك مع أمه في الحجرة الخارجية، وظل يفعل ذلك إلى أن ماتت أمه، فواصل فعلته معها هي حتى فجر اليوم الذي خرج فيه إلى البحر ولم يعد. طلبت منها أن تأتى بالمقص من فوق المنضدة الملتصقة بالفراش، مدت يدها وتناولت المقص ووضعته في كفى. انحنيت عليها قائلا: اطمئني. لا تخافي.
استندت على فخذها القريب منى وأخذت أقص أولا الأطراف العلوية من الشعر المتكوم بين فخذيها ثم أخذت أغوص بالمقص على صفحة جلدها أجتث هذه الغابة السوداء حتى ظهر لي كاشفا عن نفسه آمنا مطمئنا.
يا تونة يا واهبة الحياة. أتذكرك في كل طلعة شمس وأنا معافى، فأن تشرق الشمس ثانية على جسد مثل جسدي كان جثة تائهة في البحر، لهو شئ عظيم وخارق، علمتني كيف أصلب عودي واقفا بعد أن استرخى جسدي زمنا طويلا على فراش من الماء، خطوت أولى خطواتي في حجرتك وأنا متعلق برقبتك وذراعاك تحيطان بي. كنت اغضب منك حينما تتخلين عنى فأترنح ساقطا على الأرض،لكنك علمتني كيف أترنح وأتمالك نفسي بدونك حتى لا أسقط على الأرض،عاملتني كطفل يخطو خطواته الأولى وهو يحاول أن يقطع مسافة صغيرة بساقيه الطريتين ليصل إليها.جعلتني أشعر بالفرح حينما أصل إليك وأنت تنتظرينني في ركن الحجرة فتتلقينني مفتوحة الذراعين وقلبي تملؤه الفرحة.
يا تونة يا واهبة القوة والإرادة..ها أنت تقودينني في دروب البيوت الواطئة وشوارعها في طريقنا إلى البحر، وها هم في بيوتهم ونوافذهم يصرخون:حارس البحر عاد..حارس البحر يسير إلى البحر. كنت في حاجة إلى شجاعة كبيرة حتى أواجه البحر بعد أن استعدت حياتي.شعرت بالقوة تسرى في عظامي وعضلات ساقي وأنا أقترب من الشاطىء، وابتسامتك لهم هي فرحة النصر والفوز تعلو وجهك وترسم على شفتيك هذه الابتسامة الجميلة الآسرة وكأنك أتيت بطفل جديد إلى العالم، بكائن لم يكن.
يا تونة. يا واهبة النفس والروح. ها أنت بسحرك الذي لا يجاريه سحر تعيدين رجولتي التي فقدتها وما كانت لتعود إلا بك..وما كان سحرك إلا تلك الطبيعة الآسرة التي إذا احتفظت بها الأنثى فاقت أهل الأرض خصوبة وجمالا. ها أنت يا تونة بثقة لم أصدقها وقتذاك تجعلينني أقودك بنفسي إلى الفراش وكأنني أنا الطالب القادر فتنبثق من جسدي رغباته القديمة المنسية المكبوتة وتتدفق في شراييني بعد أن تخلصت من آثار الملح فتنتفخ عضلاتي وتتمدد وتكونين أنت في انتظارها لتحتويها وما كان يمكن لأحد غيرك أن يكون في استقبالها. وحينما أقول لك إنها حلاوة الروح والرمق الخير، تندفعين نحوى وتقلبينني فوقك ونظل في نزال ولحام حتى حلول الفجر.تظلين حتى صعود الشمس إلى السماء واقفة عارية وسط الحجرة كالشجرة السامقة المثقلة بالثمار، وأنت تلوحين لي بأن اصعد إليك واتسلقك واقطف ما أريد من ثمارك،فأتطلع إلى زجاج النافذة وأرى البحر يرمقنا تحت ضوء الشمس فأسدل ستارا بيننا وبينه..لا أعرف هل من الخجل أو حتى لا يحسدنا ويحسب علينا سعادتنا فيحاول ان يسلبها من أو يدمرنا. كأنك كنت تدركين أفكاري إلى لا أنطلق بها، فتأخذينني إلى الحجرة الخارجية لنقوم بطقوس الاستحمام فنظل عرايا نتبادل القرفصة في الإناء المعدني، ويصب كل من على الآخر شلالا صغيرا من الماء فيفيض الإناء بمائه وتتحول أرض الحجرة إلى بحيرة صغيرة يسبح فيها جسدانا وأشياؤنا.
اخترق صهيل الحصان أذنى، سمعت وقع أقدامه السريعة على طول الشاطئ دون أن أراه، كان يقترب منى وأحسست هذه المرة بأنه سيدهمنى ويمزقنى تحت سنابكه فصرخت وفتحت عيني. من النافذة رأيت صباحا أبيض اذن، فقد جاء الصباح الأبيض ومعه صهيل الحصان والفارسة العارية ذات الوشاح، كانت تونة بالقرب منى في اللحظة التي فتحت فيها عيني، كانت تضع كفها على رأسي
ـ كنت تصرخ..كابوس؟
نظرت من النافذة، كان الضباب أبيض وكثيفا..
ـ هل صرخت؟
ـ بشدة ورعب..ماذا رأيت؟
ـ هل سمعت صهيل حصان في الخارج؟
ـ حصان؟ لا يوجد أي حصان على الشاطئ..لدينا حمير شائخة، لكن لا أحد يمتلك حصانا.
ـ ربما يكون زائرا..
ـ لم نسمع صهيل الخيول منذ سنوات..ولا يزورنا أحد يمتطى حصانا..
ـ الحصان الذي حلمت به لا يوجد إلا في رأسك.
هيا اعترف واحك لها يا حارس البحر عما حدث لك ورأيته في يوم صباحه أبيض، لماذا دائما في يوم صباحه أبيض؟ احك لها عن الحصان الهائج الذي خرج عليك من الضباب الأبيض الكثيف وكانت المرأة العارية ذات الوشاح تمتطيه وكيف اختفيا في الضباب وتلاشيا..
ـ هل تتذكرين جيدا بأنك لم تسمعِ صهيلا أو رأيت حصانا يعدو على الشاطئ..أليس كذلك يا تونة؟
ـ يا حارس البحر..إن خيالك ينشط هذه الأيام..ألا يعجبك الواقع؟
اقتربت منى بثوبها الأبيض وشعرها محلول، كررت:
ـ ألا يعجبك الواقع يا حارس البحر؟ ألا تريد أن تعيش في الواقع يا حارس البحر؟
وماذا لو أخبرتها عن الفارسة العارية ذات الوشاح.
كان الضباب في الخارج قد بدأ يتشتت عندما ظهرت الشمس وأرسلت أشعتها إلى الأرض وككل مرة عندما يكون الصباح أبيض، بدأ الضباب يرحل في دوامات كروية بيضاء ويذوب في الفضاء وتظهر السماء زرقاء. قالت تونة إن الجو حار هذا الصباح، نضت عنها ثوبها الأبيض واستلقت بجواري على الفراش وهى تقول لن أخرج، لم أنتبه إلى كلامها وانصرف تفكيري إلى الحصان الذي كان يعدو على الشاطئ ويصهل. أفقت على نعيق الغربان قريبا منا، كانت الغربان تطلق نعيقها بصورة تنذر بالخطر، قمت من جوار تونة عاريا واتجهت صوب النافذة ناظرا خلال زجاجها، رأيت البحر هادئا مستكينا بعيدا عن الشاطئ، تاركا لنا فرصة للاستمتاع فيما كانت النوارس تحلق فوقه واثقة، تهبط معا حتى قرب الأرض، لكنها لا تحط أبدا عليها إذ كانت تصعد ثانية وتحلق بعيدا عن وهى تطلق نعيقها المولول ليملأ أجواء الشاطئ منذرا بأن شيئا جللا يحدث في مكان ما قريبا من هنا يثير ثائرة الغربان. أحسست بوقع قدميها الحافيتين تقترب منى وبكفها العريض على كتفي العاري تتطلع معي إلى ما يحدث في الخارج. التفت إليها، كان ثديها الأيمن قريبا من أنفى، استنشقت رائحته.
ـ ماذا يحدث؟
ـ لا أعرف..الغربان ثائرة وتملأ السماء.
أخذنا نرقبها في صعودها وهبوطها المجنون، كانت تونة قد التصقت بي من الخلف بجسدها العاري الدافئ فأحسست بحرارته تنتقل إلى جسدي وبأنفاسها في أذني، أحسست بنذر استجابة لكن مشهد الغربان الثائرة امتص كثيرا من أحاسيسي الداخلية فبقينا ملتصقين بجوار زجاج النافذة المغلق نصعد بأبصارنا مع الغربان في حومانها وهبوطها، حتى ركزنا أبصارنا أخيرا على الأرض في المكان الذي تقترب منه إلى أقصى حد ثم تعاود التحليق إلى السماء.
هناك وجدنا شيئا على الأرض يقف بلا حراك، حتى أننا لم نتبينه، إذ كان يبدو كقطعة حجر قائمة.
قالت ـ أنه صقر.. لماذا هو واقف هكذا؟
قلت ـ لعله مصاب. الغربان لا تجرؤ على مهاجمة صقر حتى لو كان جريحا.
قالت ـ هل هو جريح؟
قلت ـ سنرى.يبدو أنه منهك أو مصاب.
كان الصقر يقف ورأسه تجاه البحر فلا نرى منه سوى ذيله وهيكله اللوزى وهامة رأسه، فجأة تحرك الرأس ثم استدار الصقر تجاهنا متطلعا إلينا خلال زجاج النافذة المغلق. صحت ـ إنها بومة. بومة ضخمة وقد شعرت بنا. قالت
ـ وما الذي جعلها تطير في النهار وهى لا تفعل ذلك إلا في جنح الليل؟
رأينا معا وجه البومة المدور، الطائر الوحيد الذي يمتلك رأسا ووجها ودورين من بين الطيور كلها رغم منقارها المعقوف في مكان الفم. ألا ترين أنه وجه إنساني. انظري إلى عينيها المدورتين إنهما في واجهة الرأس ولهما رموش طويلة، إن عينيها جميلتان حقيقة أن البومة طائر جارح لكنه في نظري ليس طائرا يوحي بالشؤم، إن عينيها جميلتان، أنا أحب مثل هذه العيون في الطيور والحيوانات، في الغزلان والبقر والكلاب والحمير، ألا تشعرين يا تونة إذا رأيتها بأنها عيون بشر مثلنا، هل تعرفين لماذا؟ لأن كل العيون معبرة، كل عيون الكائنات معبرة، فهي جهاز تعبير، ما عدا عيون الأسماك، البومة عيناها جميلتان رغم الألم، ألم طائر جارح، الغربان السوداء تحاصرها تريد أن تعتدي عليها، ربما تريد التهامها. قالت تونة
ـ ولماذا تريد الغربان الاعتداء على البومة وهى كما تقول طائر إنساني رقيق؟
ـ طائر جارح رقيق..يحب الليل ويقتات على الحيوانات الصغيرة..
ـ عدت ثانية يا حارس البحر لتكشف عن معلوماتك ودرايتك بكل ما في الكون..
ـ تستطيعين أن تتعلمي كل الأشياء إذا عاشرتها، راقبي كل شئ على هذه الأرض وسوف تعرفين أن لكل شئ شخصيته ونظامه..
ـ يعنى الغراب عدو البومة !
ـ والبومة عدوة الغراب، تقتحم البومة أعشاش الغربان في الليل وتفترس أفراخها وتأكل بيضها فيما تعجز الغربان عن حماية أفراخها وبيضها في الظلام. الغربان ضريرة في الظلام، البومة في الليل تطير كأن الشمس فوقها.
سأحكي لك عن البومة والغراب يا تونة، إن حياتي مليئة بالحكايات. إنه ثأر قديم بين البومة والغراب تحول إلى عداوة أبدية، فمن قديم الأزل حدث أن ملك الغربان واسمه لون السحاب هاجم بجيشه عشا كان مملوءا بالبوم فحطمه واهلك ما فيه من بوم وأفراخ وبيض. ظن ملك الغربان لون السحاب أنه لن تقوم للبوم قائمة بعد هذه الغارة الساحقة، لكن البوم لم ينس هذا الغدر وأعد عدته ليوم النزال الأكبر انتقاما من الغربان، وفى ليلة ظلامها دامس قام ملك البوم واسمه ساحق الأعداء بغارته التي انقض فيها انقضاض الصاعقة على أعشاش ملك الغربان لون السحاب وكأنه القضاء المحتوم وأوقع بالغربان مجزرة رهيبة.
ـ لذلك فالغربان تنتقم لنفسها حينما تطلع الشمس.
ـ قد يكون هذا تفسيرا مقبولا. إن الكائنات تتوارث الأحداث القديمة المؤثرة، تسرى في دمائها دون أن تدرى، وتعيش بها كسنة من سنن الحياة.
انظري المشهد أمامك من النافذة، الغراب لا يستطيع مهاجمة البومة طالما هي واقفة على الأرض لأنها ستكون الأقوى، تستطيع أن تتغلب على الغراب إذا هاجمها، انظري كيف تتصرف الغربان في مواجهة عدو قوى حتى في النهار، إنها ذكية وصاحبة حيلة، فالغربان تستطيع أن تتصرف جماعة في تعاون كبير، لكل مجموعة من الغربان دور تقوم به. إن الغربان تستفز البومة حتى تطير وفى السماء تكون البومة هي الأضعف وستهاجمها الغربان من كافة الاتجاهات حتى تقضى عليها وربما التهمتها بمناقيرها في الجو.
ظل البحر ساكنا يدفع من حين لآخر بموجات صغيرة تصطدم بالشاطئ في رفق، يرقب الصراع الذي يدور على الأرض ولا يزعجه نعيق الغربان الثائرة. انسحبت تونة إلى الداخل وارتدت ثوبها الأبيض وعادت إلى النافذة لتلتصق بي من الخلف وتلف ذراعيها حول جسدي العاري. استدارت البومة ناحية البحر وخطت نحو الشاطئ بضع خطوات ثم فردت جناحيها فإذا بهما عريضان سرعان ما نشرا ظليهما على الأرض وبضربتين قويتين في الهواء حلقت في السماء تشق طريقا في الفضاء لم تكن الغربان تتوقعه، فنادت على بعضها البعض مطلقة نعيقا ممدودا كالعويل كأنه إيذان بداية المعركة واندفعت في السماء من كل اتجاه ناحية البومة التي كانت تجتاز البحر.
أخذت الغربان تهاجمها من كل جانب بمناقيرها والبومة تحاول تجنب الطعنات فتهبط فجأة أو ترتفع بعيدا، تناور في الفضاء بلا جدوى والبحر من تحتها ساكن هادئ منتظرا.فى كل هجمة تنتزع الغربان ريش البومة فيطير في الهواء ويسقط بعضه إلى البحر بينما يظل بعضه عالقا بمناقيرها،تتكرر الهجمات ويتطاير ريش البومة في الفضاء وقد انتزع ريش ذيلها بالكامل فصارت بلا ذيل ولاح عنقها عاريا وقد تكفلت مجموعتان من الغربان بنتف ريش الجناحين حتى صارت البومة طائرا غريبا يحلق في السماء بلا ريش،جسما عاريا غريبا لا هو طائر ولا هو حيوان يفقد قدرته على التحليق والطيران. ولما أحست البومة بمناقير الغربان تمزق جسدها تمهيدا لالتهامها في الجو، أسقطت نفسها بعريها في البحر.
في اليوم التالي صحوت قبل حلول الفجر، كانت تونة تنام على بطنها بجواري مستغرقة في نوم عميق، وكان الليل يحيل زجاج النافذة المغلق إلى شاشة سوداء أخذت أحملق فيها وقتا طويلا منتظرا ظهور أول شعاع من الشمس يلوح في السماء،ضوء النهار يأتي من أعلى، يبدأ من قبة السماء ثم يسقط رويدا رويدا نحو الأرض، بعدها تطل الشمس من الأفق على استحياء قرصا ذهبيا نقيا. كنت أترقب هذه اللحظات، كنت أريد أن أكون أول من يشهد بزوغ النور في قبة السماء قبل أن تظهر الشمس، كنت أشعر بالقلق وبأن ثمة شيئا يجب ألا يحدث في هذا الصباح الذي أترقب مجيئه.
بالأمس كان الصباح أبيض،فلماذا يكون صباح اليوم مثل صباح المس؟ قليلا ما تتكرر هذه الظاهرة، يجب علىّ أن ارهف سمعي،فإن تأخر ضوء الصباح في البزوغ فهذا يعنى أن ثمة ضبابا كثيفا ينتظر في الظلام، ضباب كثيف أبيض يتجمع في ظلمة الليل ليكشف عن نفسه عند بزوغ أول ضوء في قبة السماء. هل تسمع صهيلا يا حارس البحر؟ وقع أقدام ركضا؟ إنه يجئ في مثل هذه الصباحات المضببة، إنه يناديني أنا وحدى، أنا وحدي يا حارس البحر دون كل الناس الذين يعيشون معي في المكان نفسه، لا أحد يسمعه غيري، لا أحد يراه غيري أنا حارس البحر. تونة تقول أن ما أراه وما أسمعه ليس إلا ما يدور في رأسي وانهم هنا لا يسمعون سوى نهيق الحمير. إذا أردت أن تضع حدا لهذه الرعدة فلتذهب يا حارس البحر إلى البحر سيتعمد إرعابك طالما أنت وراء هذه النافذة، اذهب إليه حتى يهدأ ويدرك أنك لم تنسه، ولم تنس أصلك الذي خرجت منه إلى الحياة، سيبدو أمامك وديعا لا يفكر في إرعابك أو إيذائك، وإن كان يضمر ذلك.
تسللت من الفراش حتى لا أوقظ تونة، خرجت عاري الصدر لا أرتدي سوى سروالي الطويل وأغلقت الباب برفق دون صوت، اجتزت طريقي إلى البحر الذي أحفظه جيدا، وعند الشاطئ توقفت منتظرا أول الضوء في قبة السماء. كان البحر قريبا منى أشعر به دون أن أراه، كنت وحيدا على الشاطئ كحيوان بحري خرج إلى شاطئ مهجور ليستمتع بالأرض وباستنشاق الهواء قبل أن يعود إلى البحر، ولما لفحتني نسمة طرية من ناحية البحر فكرت في العودة وتأجيل هذا اللقاء لصباح أبيض آخر. فلتعد يا حارس البحر إلى فراشك بجوار تونة، قد تكون تونة على حق وما هي إلا أوهام تعشش في رأسي منذ كنت في الأعماق.  لكن أول الضوء قد بزغ من مكان ما. ها هو الضوء قد أتى ليزيح الظلمة عن قبة السماء لتصير رمادية وتأخذ في التفتح قليلا ثم يهبط النور رويدا رويدا تجاه الأرض، تجاهي، وقد بدأت دوامات الضباب تلوح من حولي لا أعرف من أين تأتى ولا من أين تتساقط فوقى وفوق الأرض والبحر. ها أنا أقف عند الشاطئ كشبح لا أرى شيئا ولا يراني أحد، وكأني كنت على موعد إذ سمعت صهيله من آخر الشاطئ، صهيل كالنداء، سمعته في البداية مرة واحدة، ثم أطبق الصمت لفترة طويلة فاعتقدت أنه مجرد وهم، لكنه عاد هذه المرة اكثر حدة واكثر قربا.
ـ يا بحر.. لماذا لا تستردني إذا كنت تريد ذلك؟ إني اسلم لك جسدي. لتأخذني بعريي. لكنى واثق بأني ابن الأرض يلاحقني التراب. مهما أخفيتني في الماء.
سمعت وقع أقدام الحصان آتية من بعيد وصهيله يصلني من حين لآخر وكأنه يناديني من جوف الضباب الأبيض، توقعت ظهوره بين لحظة وأخرى وقد طال انتظاري،وكلما تأهبت لملاقاته أجدنى مغمورا بدفقة من الضباب الداكن فيقشعر جسدي ويتصبب العرق غزيرا على صدري وظهري. تسلل إلى سمعي وقع أقدام الحصان على الرمال. كان إيقاعا هادئا رتيبا غير سريع، كان الحصان يتجه نحوى بخطوات وئيدة ولا يركض، أسمعه وهو يقترب من المكان الذي أقف فيه كأنه يراني واثقا من وجودي وانتظاري. انشق الضباب بالقرب منى وبرز رأس الحصان قاتما ملتمعا، وقبل أن يتوقف أمامي برز رأس المرأة العارية وشعرها منسدل على كتفيها وفى عنقها وشاح. كان جسدها العاري مغطى ببلورات من الماء تطلعت نحوى وعيناي معلقتان بعينيها لم تتحرك عضلة واحدة في وجهها، ولم يهتز أي طرف من جسدها حتى حسبتها تمثالا يمتطى حصانا وهى تنظر إلىّ من فوق الحصان. كانت عالية وكنت رافعا رأسي إليها، رأيت عينيها عن قرب، العينان دائريتان واسعتان لا تتحركان ولا تطرفان مملوءتان بماء في لون ماء البحر.
أطبق على أذني صمت له طنين ذكرني بطنين البحر الذي حجب عنى صوت الوجود، أشارت بيدها أن امتطى الحصان خلفها، فإذا بجسدي يقفز خفيفا إلى كفل الحصان وذراعاي تحيطان بخصرها النحيل وتتشابكان فوق بطنها الهضيم، تحرك الحصان بخطوات قصيرة وسط الضباب ثم سار خببا، ازدادت سرعته لتتحول إلى عدو سريع على الشاطئ، ولما لم أعد أسمع وقع أقدامه على الرمال أدركت أنه قد فارق الأرض محلقا في الضباب الأبيض الكثيف. شممت رائحة الأعماق التي اعرفها جيدا عندما كنت هناك، رائحة الجثث والأعشاب البحرية، فعرفت أن الحصان قد توغل بنا فوق البحر، التفتت المرأة العارية ناحيتي وأمرتني أن أفك تشابك يدي من حول خصرها وأن أقفز من فوق الحصان.