يرى الباحث أن كتاب «إعادة إنتاج التراث الشعبي» يسعى إلى فهم كيفية تحول واستمرار هذا المنجز، وذلك من خلال مقاربات نظرية وتطبيقية مستمدة من التراث الشعبي. ويخلص إلى أنه يتكئ على بحث شاقّ، ومنهج صارم، وانفتاح على الموروث دون أحكام مسبقة، ولغة سلسة تخاطب القارىء.

سعيد المصري في «إعادة إنتاج التراث الشعبي»

كيف يتشبث الفقراء بالحياة في ظلّ الندرة؟

صبحي حديدي

يسعى هذا الكتاب إلى فهم «عمليات إعادة إنتاج الثقافة الشعبية»، ضمن مقاربات عامة نظرية، وأخرى تطبيقية مستمدة من التراث الشعبي المصري أساساً. والمؤلف، سعيد المصري، يساجل بأنّ أساليب الحياة في أي مجتمع قادرة على استمرار أهمّ ملامحها، وبالتالي فإنّ انتقال العناصر الثقافية الشعبية رأسياً عبر الأجيال، أو أفقياً من خلال التواصل الإنساني (حيث تنشأ علاقات تبادلية بين الإنتاج الثقافي والتداول الثقافي)؛ لا يعني استنساخاً كاملاً وحرفياً لكلّ ملامحها، ولا يعني أيضاً فناؤها واستبدالها كلياً بعناصر جديدة.

وأن يُعاد إنتاج الثقافة أمر يعني أوّلاً: «قدرة أساليب الحياة في أي مجتمع على استمرار أهمّ ملامحها عبر التغيير، وهذا يعني أنّ انتقال العناصر الثقافية الشعبية رأسياً عبر الأجيال، أو افقياً من خلال التواصل الإنساني، لا يعني استنساخاً كاملاً وحرفياً لكلّ ملامحها، ولا يعني أيضاً فناءها واستبدالها كلياً بعناصر جديدة»؛ كما يشير المصري في مقدّمة الكتاب. على سبيل المثال، كيف استمرت الثقافة الإسلامية على مدى القرون الماضية، رغم أنّ حياة المسلمين في الأزمنة الراهنة تختلف جذرياً عن أسلافهم؟ وأيضاً: أليست الحال مماثلة في ما يخصّ الثقافات المسيحية واليهودية والبوذية، والثقافات الهندية والصينية والأفريقية والغربية؟

ودراسات من هذا الطراز، وفي ميادين كهذه، نادرة في اللغة العربية كما تجب الإشارة؛ ولهذا فإنّ العمل يشكل إضافة حيوية، ومطلوبة، في ميادين ونُظُم دراسية متداخلة، في علوم الاجتماع والفولكلور والأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية. ولهذا فإنّ جديد الكتاب وفير، ومتميز، خاصة وأنّ مادّته التحليلية تتركز في ثلاثة عناصر: الفقر، استمرار الحياة، وحال الندرة؛ ثمّ تتشابك هذه في إطار العلاقة الوثيقة بين «الديناميات الطبقية» و«الديناميات الثقافية»، حسب مصطلحات المؤلف. كذلك فإنّ الدراسة تنطلق من أنّ الصلات بين الطبقة والثقافة ذات طبيعة إشكالية أصلاً، وبالتالي غير قابلة للاختزال في بُعد واحد؛ وهذا بالرغم من وجود التراث الشعبي كقاسم مشترك بين جميع الفئات والطبقات الاجتماعية.

الفصل الأول يقترح عرضاً للإجراءات المنهجية، من حيث إشكالية الموضوع، والمفاهيم، والتعريفات، وطبيعة البيانات، وأسلوب اختيار مجتمع الدراسة، والإطار والأدوات في جمع البيانات، وأساليب تحليلها. والقارىء، هنا، يقف على تعريفات المؤلف لسلسلة مفاهيم ومصطلحات، بينها: التراث الشعبي، الإنتاج الثقافي، التداول الثقافي، الطبقة الاجتماعية، الفقر، .. وبالفعل، فإنّ منهجية الدراسة تقوم على انطلاقها، أصلاً، من تداخل ثلاثة نُظُم: الدراسات الثقافية، وعلم الاجتماع (دراسة الطبقات الاجتماعية)، ودراسة الفقر الحضري. وبهذا فإنّ الإجراءات المنهجية تتضمن طرح إشكالية الدراسة، لجهة العلاقة بين التراث الشعبي والبناء الطبقي؛ ثمّ جمع البيانات، وتبيان مجتمع الدراسة، واختيار أساليب التحليل. وهذا منهج مركب، انسجم كثيراً مع محتوى الدراسة، وأتاح للمؤلف مرونة إضافية في بسط موضوعاتها ونقاشها أيضاً.

الفصل الثاني يستعرض التراث النظري والإمبيريقي (حسب تعبير المؤلف) في الدراسة، من خلال ثلاثة مداخل أساسية: تفسير العلاقات الدينامية بين الثقافة والبنية الطبقية، وتفسير عالم الفقراء والطبقة الدنيا بين الحتمية البنائية والحتمية الثقافية، ثمّ ثالثاً كيفية إعادة الإنتاج الثقافي في حقل التراث الشعبي.

وابتداءً من الفصل الثالث، يعكف المؤلف على تحليل حالة الفقر في مدينة القاهرة، اعتماداً على بيانات إحصائية ومؤشرات اجتماعية واقتصادية وطبقية؛ منطلقاً من حيّ بولاق التاريخي، ثمّ منطقة شياخة الجوابر باعتبارها الأكثر فقراً. وفي الفصول الرابع والخامس والسادس تتناول الدراسة عمليات إعادة إنتاج الثقافة الشعبية بين الفقراء عموماً، بمختلف شرائحهم؛ فيختصّ فصل بعادات الطعام، بموجب أربع آليات من التواتر الثقافي: التوافق مع الضرورة، وتوظيف العلاقات التضامنية، والتماثل الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، ثمّ الشعور بالرضا؛ والخامس يعرض استعادة التراث من خلال السرد القصصي لنماذج من أحداث الحياة اليومية، وتحليل جوانب هذه الاستعادة من حيث التبرير والتفسير والنصح والتوجيه والنقد والسخرية. الفصل السادس يناقش عمليتَيْ الاستعارة والإبداع، باعتبارهما يمثلان نشاطاً يستهدف الإضافة إلى التراث القائم لدى الفقراء؛ وهنا، أيضاً، يستند المؤلف على أربع آليات: المحاكاة الثقافية، والتلقي الثقافي، والتدين، والنزعة الاستهلاكية.

يُشار، من جانب آخر، إلى أنّ لغة المؤلف دقيقة ودالة ومبسطة، وهو لا يفرط في استخدام المصطلح، ويسخّره على نحو وظيفي وعالي الارتباط بالموضوع قيد البحث. العرض يتسم بالسلاسة، عموماً، ويندر أن ينزلق المؤلف إلى تعقيد الفكرة عن سابق قصد. يُلمس هذا، على سبيل المثال، في اقتباس المؤلف لتصورات المفكر الفرنسي الراحل بيير بورديو حول الإنتاج والتداول الثقافي، وسوسيولوجيا الثقافة عموماً، ومفاهيم «الثقافة الجماهيرية» و«الثقافة الشائعة» و«الثقافة الاستهلاكية» و«الثقافة العالمية».

جدير بالتنويه، أيضاً، أنّ كتابات المؤلف السابقة تشير إلى انهماكه في اتجاه سوسيولوجي لدراسة التراث الشعبي والفولكلور، بالإضافة إلى بحث ظواهر اجتماعية وثقافية شتى في المجتمع المصري، مثل الأبعاد الثقافية للإفقار، وثقافة الاستهلاك، والأبعاد الاجتماعية لإعادة توطين الصناعات الصغيرة، وتمكين أطفال الشوارع، والمدونات بوصفها فضاءً اجتماعياً جديداً، وعمليات أسلمة المجتمع البدوي، وسواها. ولعلّ هذا الكتاب يتوّج عقدين من عمل المؤلف على هذه المسائل، خاصة وأنه اعتمد على عدد كافٍ، ولكنه غير مفرط، من المراجع المكتوبة بالعربية، أو المترجمة إليها؛ إلى جانب مراجع، أكثر، باللغة الإنكليزية. وقد أحسن توظيفها، خاصة في الأقسام النظرية، ولأنه كذلك اعتمد على المرويات والأقاصيص الشعبية.

الدراسة جديدة، إذاً، في ما تنتهي إليه من خلاصات ناجمة عن سلسلة تطبيقات وإجراءات منهجية، في باطن موروث ثقافي شعبي، مادّي ومجازي. وهي أصيلة بهذا المعنى؛ وكذلك في أنّ منهجياتها، المستعارة أو الشائعة في علوم أخرى، تحظى من جانب المؤلف بتنويعات وإدخالات تسبغ عليها صفة إبداعية. وهي، استطراداً، عمل مهمّ ونادر في التأليف العربي، يهتم بالقراءة الاجتماعية لموضوعات محددة في أنماط التراث الثقافي الشعبي، وكيف تتجلى في الحياة اليومية، من زاوية خاصة هي الفقر ومستويات المعيشة المنخفضة.

والكتاب، في الخلاصة، مزيج ناجح من سلسلة مكوّنات: ميدان بحث شاقّ، وخيارات منهجية صارمة، وانفتاح على الموروث الشعبي دون تعقيدات نظرية أو أكاديمية، ودون إفراط في استخدام المصطلح، ولغة سلسة تخاطب القارىء العريض وليس المتخصص.

 

(سعيد المصري: «إعادة إنتاج التراث الشعبي». المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة 2012، 483ص)