يستبين الكاتب كناية "قتل الأم"، ويرى بداية أنها تشير إلى الألم العضوي والمعنوي كمحفز على الإبداع، ثم يفترض أن هذه "الأم" هي اللغة، وعليه فالكتابة هي حالة صراعية مع اللغة ومع أدوات الربط البنيوية في النص. ويضرب على ذلك أمثلة من مجموعته القصصية "البحث عن فريد الأطرش".

الكتابة وقتل الأم

محمد أنقار

في رواية "المصري" ورد الحوار الآتي بين أحمد الساحلي وصديقه المحامي بنعيسى:

سأل بنعيسى: «ولكن قل لي كيف حالك مع حلم الكتابة؟».

[..] قلت: «المعضلة تكمن في العثور على الوقت والظرف المناسبين للكتابة. في خضم تربية الأولاد والتزامات التعليم كنت أرجئ دائماً. أما الآن وقد تقاعدت فقد ظهرت منغصات لم تكن في الحسبان. إني أفلح في اقتناص الملاحظات والإمساك بالقلم والجلوس إلى الصفحة البيضاء، لكن العملية لا تتجاوز في الغالب الأعم ذلك الحد. بعدها يتبلد الذهن ويتعب الجسد الواهن فلا أدري من أين أبدأ..».

وأحجمت عن القول: «آنذاك تأتي رقية لينطلق شلال الهذر».

لكن يبدو كأن بنعيسى قد حدس ما أحجمت عن ذكره، فابتسم وتحفّز كأنه سيطير: «هل تعلم أن وليام فولكنـز قال ذات مرة إن الكاتب قد يضطر إلى سلب أمه من أجل عمله، وأن جورج برنارد شو مضى أبعد من ذلك حينما ذكر أنه يجب على الكاتب أن يقتل أمه من أجل أن يكتب؟ ولست أدري أين قرأت بأن كاتباً إنجليزياً آخر قال إن أفضل طريقة لتوفير جو الكتابة أن تخاصم زوجتك. فبعد الخصام ستقطع المرأة عنك الكلام وستترك لك متسعاً من الوقت للتأمل وترتيب الأفكار ثم نقلها إلى الورق بكل هدوء واطمئنان»(1).

قتل الأم كناية كبيرة. هي، شأنها كشأن كل البلاغة، تعبير كاذب. لكن الكِبر والكذِب لا يمكنهما بتاتاً أن يحجبا عن أعيننا فداحة الألم والعذاب؛ وذاك هو بيت القصيد. فأن تكتب بوعي، ومسؤولية، أو ما يسمى بالصدق يعني أن تعاني. أن تتألم. لا أقصد في هذا المقام من الألم جانبه العضوي فحسب، بل حتى المعنوي كذلك. هل يليق بهذه المناسبة أن نستعرض قائمة العلل البدنية والنفسية التي عادة ما يصاب بها الأدباء؟ ستكون من دون شك قائمة طويلة، وستكون أيضاً قائمة طريفة من بين القوائم التي يحلو لإيكو أن يسردها بولع شديد. لكني لن أفعل، وإنما سأكتفي بالتساؤل والإجابة مع الفيلسوف الدانمركي سورن كيركيجور: «من هو الشاعر؟ هو إنسان شقي تعس يحمل في أعماق صدره قلقاً عميقاً لكن شفتيه قد خُلقتا على نحو يجعل الأنات والآهات تتحول إلى موسيقى ساحرة عذبة. ويلتف الناس حول الشاعر وهم يقولون: "غنّ مرة أخرى" وكأنهم يقولون: تعذّب من جديد، مزّق نفسك، واجعل شفتيك تصوغ العذاب مرة أخرى على نحو ما فعلت من قبل! إن الأنات والآهات تؤلمنا، أما الموسيقى وحدها التي تبهجنا»

*  *  *

حقيقة المبدع ليست هي واجهتَه vitrina. تلك الواجهة هي قناع خادع شبيه بالأقنعة التي أجاد لويجي بيرانديللو التنظير لها نقداً وتصويرها إبداعاً.

وإذا كان من الصعب إدراك حقيقة تلك النار حينما تكون في حالة تأجج؛ من الصعب كذلك وصفها أو الحديث عنها حديثاً تبسيطياً. لذلك أقول إن المبدع حينما يبوح لا يجد من يفهمه حق الفهم إلا مبدعاً آخر من صنفه. حتى الأطباء النفسانيون لن يفهموه.

يبوح ماركث فأفهمه جيداً. وعندما يبوح كولن ويلسون أفهمه جيداً. وعندما يبوح ڤان گوخ أفهمه جيداً. يقول إرنست همنغواي في سياق هذا الفهم: «إن ما ينقص هؤلاء الأطباء النفسانيين هو الدراية بأحوال الأدباء، وسائر تلك الأشياء مثل الندم والانسحاق وما يفعلانه بهم. ولا بد أن يفرضوا على أطباء الأمراض النفسية دراسة منهج عن الكتابة الخلاقة حتى يعلموا أحوال الأدباء».

أما نجيب محفوظ فلم يتعود البوح. كان يعترف، مرات أو يتذكر، لكنه لا يبوح. لذلك كنتَ تراه حينما يتحدث عن عذاب الكتابة يستعين بالكلام الواسع، أو النكتة، أو ما يشبه الحكمة المركزة كقوله: «من أجل أن تكتب رواية لا بد أن يكون لك عناد كعناد الثيران».

*  *  *

هل الأم في حكمة برنارد شو هي اللغة؟ ممكن، على أساس أن تكون أيضاً الأم الحقيقيةَ من حيث هي المادة الخام، والمنبع، وماء الحياة. فأن تكتب، بهذا المعنى، يعني أن تصارع اللغة بقصد أن تتغلب عليها. وعلى الرغم من إدراكك المسبق، في هذه الحال، بأنك تصارع أعزّ ما لديك؛ فإنك تطمح في أعماقك إلى أن تنتصر عليه، وتُسقطه أمامك كالأسد الميت، حسب توصيف همنغواي، مرة أخرى.

الصراع مع اللغة قد يعني في بعض تجلياته الصراع مع أدوات الربط. هو جانب من جوانب الصراع فقط، يمكن أن أضرب له أمثلة عملية من مجموعتي القصصية الأخيرة "البحث عن فريد الأطرش".

عموماً، يحلو لي كتابة العبارة التي بها استدراك، وأستعين على ذلك، تحديداً، بالروابط الآتية: (بيد أن)، (غير أن)، (إلا)، (لكن)، (مع ذلك)، (رغم ذلك).

واضح أن كل رابط من تلك الروابط له وظيفة لغوية ونحوية محددة. غير أنه في مجال السرد تَنْضاف إلى ذلك وظيفة ثالثة يمكن تسميتها بـ"الوظيفة الدرامية". بل أكثر من ذلك يمكن التمييز، في هذا المقام السردي، بين درامية أدوات الاستدراك في الرواية وفي القصة القصيرة. هكذا يجد الكاتب نفسه قد وقع في خضم الصراع من حيث لا يحتسب؛ صراعٍ بين مقامات اللغة والنحو والدراما. فأي مقام يرجحه على مقام؟ وقبل ذلك هل من الضروري استنجاد تلك الروابط؟ ثم أوَلاَ يمكن أن نكتب سرداً من دون أن نثير الانتباه إلى التشغيل المكثف لروابط الاستدراك؟

بالنسبة إليّ شخصياً أعدّ الرابط الاستدراكي شرطاً ضرورياً من شروط الكتابة السردية. هو تشغيل درامي بامتياز. إذ من خلاله أتطلع إلى تصوير جوانبَ من الصراع الذي يحتد داخل النص بين الشخصيات، والأزمنة، والأمكنة، والأفكار، والأحاسيس. هو تكسير لرتابة العبارة وانسيابها في اتجاه واحد. هو توتر. معاكسة. كل ذلك يضطرني إلى أن أختار العبارة القصيرة، أو القريبة من القصيرة لكي أُبقي بذلك دفءَ الصراع متأججاً، إذ من شأن العبارة السردية الطويلة أن تصاب بالفتور الذي قد يؤدي بدوره إلى ملل القارئ.

مثال على قِصر العبارات في المجموعة المذكورة الصورة القصصية الآتية: «اطلب إلى عايدة رقم محمولها.. قل لها إن التواصل معها عبر الهاتف الثابت أضحى في المدة الأخيرة غاية صعبة. أُكلمها في رقمها القديم وأسمع رنين الهاتف ولا أحد يجيب. أسمع الرنين المتتالي يتردد في فراغ قصر أبيها من دون أن يبادر أحد أحد إلى الإمساك بالسماعة رغم وفرة الخدم. هل هو أمر من أبيها أم أن عايدة شاخت قبل الأوان وثقل سمعها؟ لست أدري.. المهم أن تحصل على رقمها الشخصي بأية وسيلة كانت.. ربما نفعت الرسائل الإلكترونية القصيرة بعدما فشلت تجربة الرسائل المكتوبة على الورق وبالمداد الأسود. حتى البريد الجوي المضمون لم يعد ينفع، بل إنه السبب في افتضاح أمري مع المـَدام..»(2).

عندما أواجه الصراع بين اللغة والنحو ودراما الكتابة لا أركن في جميع الحالات إلى قاعدة واحدة. أحياناً قد أضحي بالضرورة اللغوية، وأحياناً أخرى قد أَخْضع لها على حساب الضرورية الدرامية. أما الذي يتحكم في اختيار هذا النهج دون ذاك هو السياق النصي، أو على الأصح، السياق السردي. وأورد مثالاً في هذا الصدد تجربتي مع كلمة "رغم": أعرف جيداً أن هناك خلافاً بين اللغويين يرى فيه بعضهم ضرورة استعمال "رغم" مسبوقة بحرف الجر "على" أو "بـ"، ومتبوعة بحرف الجر "من" أو "عن"، في حين يجيز بعضهم استعمالها مجردة. تكرر ورود كلمة "رغم" في المجموعة اثنتي عشرة مرة؛ أربع منها فقط بالصيغة الكاملة "على الرغم من"، والباقي مجرداً.

في قصص "بلغ سلامي إلى عايدة" و"تفاحة عبد الجليل" و"ذئب النوينو" وردت الصيغة المجردة فقط. وفي قصة "هدية" وقصة "عين شكوح" جمعتُ بين الصيغتين. وفي قصة "رياح التيتانيك" وردت الصيغة الكاملة. فعلامَ يدل على التنوع في التشغيل؟

خلال الجمع الطويل بين الكتابة النقدية والكتابة الإبداعية تكوّن لديّ اقتناع بأن الصيغة الكاملة "على الرغم من" مكانها المناسب هو الكتابة النقدية، ما دامت صيغةً تتضمن دلالات الجدل والاستدراك والمناقشة. لقد عددتُها باستمرار من مستلزمات الأسلوب العلمي أو العقلي أكثر ممّا هي من مستلزمات الكتابة السردية. لكني على الرغم من ذلك تساءلت:

أوَلاَ يكون في السرد كذلك حجاج وجدل عقلي؟

ورغم أني أجبت بالإيجاب استدركتُ: إن جدل السرد وحجاجه ليسا في قوة جدل الكتابة العلمية والنقدية. ففي السرد ينـزع التصوير إلى التلطيف من حدة الانكسارات والمعاكسات والتناقضات مهما تكون قوتها في الواقع. اقـرأ "الصخب والعنف" لفولكنـز، و"جنة عدْن" لهمنغواي، وقصص كافكا ونجيب محفوظ لتستخلص أن جدل السرد واستدراكاته يصوَّران برعونة أقل، وبدرجة نارية أقل. وربما كان ذلك مثال عملي على الفرق الدقيق القائم بين جوهر الكتابة النقدية والكتابة السردية أو الإبداعية عموماً.

وإذا عدت إلى علة توظيف صيغة "على الرغم من" كاملةً أربع مرات في مجموعة "البحث عن فريد الأطرش" ربما استخلصتُ مبررات خفية وشفافة لهذا التشغيل الكامل الصيغة دون الصيغة المجردة. لكني لن أضيف بعد ذلك أية خطوة أخرى في سبيل تأويل تلك المبررات التي أراها من مهام القارئ والناقد وليست من مهام الكاتب نفسه. بيد أني على الرغم من ذلك يمكن أن أقول إن ما يتحكم في كلا التشغيلين، الكامل والمجرد، هو ذوق المبدع، وسياق الكلمات، ومستلزمات التصوير القصصي.

ذاك مثال على رابط لغوي واحد. وحيث إن الروابط في كل تجربة قصصية تتعدد وتتشابك؛ أمكن القول إن المبدع يواجه في واقع الأمر صراعاً محتداً، مؤلماً حقيقياً، حتى وإن عبّرنا عنه مجازاً بكناية قتل الأم.

 

الهوامش

(1) محمد أنقار، المصري، منشورات الزمن، الرباط 2004، ص 145.

(2) البحث عن فريد الأطرش، منشورات مكتبة بيت الحكمة، ط2، تطوان 2014، ص7.