يبحر بنا الروائي العراقي في متاهة الحياة والأسئلة الفلسفية التي تثيرها طبيعة الشخصية الإنسانية الملتبسة السلوك في مجتمعات القسوة كالمجتمع العراقي، وكيف تلاحق لعنة السلوك الفرد حتى حينما ينتقل لبيئة حرة. مستخدما تقنيات عديدة، عارضا مشكلات العراق الأخلاقية والسياسية وخراب ما بعد الاحتلال.

مـتـاهــة آدم (رواية)

بـُرهـان شاوي

المتاهــة الأولــــى

«قالَ اهبطـوا بعضُـكُم لبعـضٍ عدوٌ ولكـم في الأرض مستقّرٌ إلى حين* قالَ فيها تحيونَ وفيها تموتونَ ومنها تخرجون»

 سورة الأعراف، الآيات: 24 - 25

«كلُ الأنهار تجري إلى البحر والبحرُ ليس بملآن. إلى المكان الذي جرت منهُ الأنهارُ إلى هناك تذهب راجعة. كلُّ الكلام يقصرُ. لا يستطيعُ الإنسانُ أن يُخبر بالكلّ. العين لا تشبع من النظر والأذن لا تمتلئُ من السمع. ما كان فهو ما يكون والذي صُنع فهو الذي يُصنع فليس تحت الشمس جديدٌ. ووجهتُ قلبي بمعرفة الحكمةِ ولمعرفة الحماقة والجهل. فعرفتُ أن هذا أيضا قبض ريح. لأن في كثرة الحكمة كثرةُ الغم. والذي يزيد علماً يزيدُ حُزناً».

العهد القديم – سفر الجامعة

الـفـصـــل الأول
يقــظــــة آدم
دوّى انفجار هائل فاهتــزت البناية. فـزّ الكاتب آدم البغـدادي من نومه مرعوباً على صوت الانفجار الذي ارتجت جدران الشقة وأرضيتها من قوته. أحس نفسه متعباً. شعر بصداع شديد يضغط على جمجمته، وحموضة تصعد من معدته وتصل حتى بلعومه. رفع رأسه قليلا ليجد نفسه على الصوفا الجلدية في الصالة. لقد غرق في النوم بعد أن وضع بعض اللمسات على مشاهد وفصول روايته الجديدة التي خطط لها منذ فترة وأنجزها بالأمس.

نهض قلقاً ليطلّ من النافذة المشرفة على مشهد مفتوح من بغداد، فرأى دخانا ً كثيفا ًيتعالى من جهة منطقة "الصالحية"، وسمع صوت إطلاقٍ كثيفٍ للرصاص وهدير سيارات الإسعاف الذي يؤكد بأن كارثة قد وقعت.

إعتاد آدم الغـدادي على هذه المشاهد التي صارت من يوميات مدينة بغداد، وجزءا ً من حياة العراقيين! لا يدري لماذا فكّر لحظتها، وهو يرنو نحو جهة الانفجار، بعدد الأجساد التي يمكن أن يكون الانفجار قد مزّقها. يا لعبثية هذه الحياة، إذ صار العراقيون يتعاملون مع الأرقام، مع عدد الضحايا !! فالانفجار الذي يخلف المئات أو حتى العشرات هو الذي صار يحظي باستنكار الحكومة والأحزاب، بينما الانفجار الذي يمكن أن يمزق أثنين أو ثلاثة أو ستة أو حتى عشرة أشخاص يمر دون أي استنكار أو انتباه من قبل الحكومة والأحزاب، ولا ينتبه له إلا أهل الضحايا. يا لعبث الحياة في العراق.

فكّر لحظة مع نفسه:" لماذا لا أشعر برغبة في الكتابة عن كل هذه الأحداث؟ هل هي ليست واضحة بالنسبة له؟ هل هي غير مهمة. ؟ أو هي لا تصلح لعمل روائي؟ أو أن مثل هذه التحولات التاريخية والأحداث الجسام والمرعبة التي حدثت في بلاده تحتاج إلى وقت أطول حتى يأتي من يستطيع الكتابة عنها. ؟ وكان يجيب على سؤال نفسه: نعم، هي واضحة ومهمة وتصلح لعشرات الأعمال الأدبية والفنية، لكنه لم يجد الجواب عن سبب عدم رغبته الشخصية في الكتابة عن الأحداث المرعبة!.

قبل أشهر انفجرت سيارة ملغومة في تقاطع الشوارع الذي يسكن عند منعطف أحدها، وكان ينظر إلى ذلك المشهد المرعب من نافذة غرفة النوم. بقي لفترة طويلة ينظر إلى الناس الذين تراكضوا إلى موضع الانفجار ليساعدوا الضحايا والجرحى. لاحظ كيف جاءت قوات الشرطة لتفرق الناس وتمنعهم من الاقتراب، لاسيما بعد أن جاءت سيارات الإسعاف لنقل الضحايا والجرحى، لكنه ركّز على رجل بعينه، أثارته حركاته المريبة من بعيد، فقد كان برغم المصاب الأليم يتتبع امرأة لم يتبين هو كم عمرها من نافذته، وكان الرجل يحاول الالتصاق بها في زحمة الناس الذين تجمهروا.

الفضول الأدبي دفعه لتتبع هذا المشهد. لاحظ أن المرأة التفتتْ للرجل وكأنها انتبهت لمحاولة الالتصاق الجسدي بها، فتحركت من مكانها وذهبت إلى مسافة بعيدة عنه، لكنه تبعها أيضا والتصق بها من الخلف أكثر حتى أنه حجبها عن مشهد نظره، وحينما تفرق الناس شيئاً فشيئاً لاحظ أن الرجل كان يتحدث مع المرأة ويمشي بجانبها على مسافة، وشيئاً فشيئاً اقترب منها وصارا يمشيان معاً، وابتعدا عن مكان الانفجار قليلاً ثم انعطفا إلى الشارع المجاور الذي يتبع التقاطع، فأوقف الرجل سيارة تاكسي وصعد مع المرأة واختفيا عن مدى نظره.

فكّر مع نفسه حول عبث الحياة! هنا مشهد لناس تتمزق أجسادهم من هول الانفجار، وآخرون يهرعون لنجدتهم دونما خوف من انفجار مزدوج، بينما هناك من لا يؤثر فيه مشهد الموت الفظيع بل تراه يتبع شهوته العمياء. وكأنما الموت أيقظ فيه غريزة الحياة.

تحرك آدم البغدادي من عند النافذة ليجلس على الصوفا الجلدية ثانية. انحنى إلى الأرض مفكرا واضعا رأسه بين يديه، سائلا نفسه: متى ينتهي هذا الموت المجاني؟

قبل عام تقريبا، حينما كان مدعواً لمؤتمر أدبي في ميونخ بألمانيا، التقى أحد معارفه من الكتاب الذين غادروا العراق في تسعينات القرن الماضي. وكان هذا الكاتب قبل مغادرته يعمل أستاذا في جامعة بغداد، وكان قد أصدر رواية غريبة البناء والحبكة بعنوان (كوابيس القنفذ)، تقترب لحد ما مع عوالم الكاتب التشيكي فرانتس كافكا، لاسيما في روايته المعروفة (التحول) والتي ترجمت إلى العربية بعنوان (المسخ)، لكن هذا الأستاذ الأديب غادر العراق لأسباب مجهولة بالنسبة إليه، وحين التقاه كان يود الذهاب إلى إحدى الدول الخليجية ليعمل مدرساً في إحدى جامعاتها، وخلال اللقاءات معه سمع منه قصصاً مختلفة عن رحلته من لحظة خروجه من البلاد وحتى لحظة تواجده في تلك المدينة الغريبة.

من خلال لقائين طويلين معه راودت آدم البغــدادي فكرة كتابة رواية عن كل ما سمعه منه، وفعلا كتب روايته عنه وعن حياته مع زوجته وسفرهما إلى أوروبا وما واجهه هناك.

كان آدم البغـدادي يسأل نفسه أحيانا أسئلة تدخل في صلب العملية الإبداعية والجمالية، وأحيانا كان يجيب عليها بنفسه مستذكرا مواقف وإجابات النقاد وعلماء الأدب على مثل هذه الأسئلة، إلا أنه لم يتردد من أن يطرح على نفسه الأسئلة ذاتها، فمثلا يسأل: هل يكفي أن يسمع من الآخرين سرداً لحياتهم ومشاعرهم والأحداث التي مروا فيها لكي تكون مادة لعمل روائي. ؟ وإلى أي حد يمكن للكاتب أن يغير من مسار الأحداث ويلون عوالمها ويخلق شخصيات وهمية من عنده؟ من أين يستمد الكاتب والمبدع بشكل عام مادته الإبداعية، من الذاكرة الفردية أم الذاكرة الجمعية. ؟ من الوعي الذاتي أم الوعي الجمعي. ؟ وكيف يمكن للاوعي الفردي والجمعي أن يتدخل في العمل الإبداعي. ؟ أين دور التجربة الحياتية والروحية في تشكيل المادة الإبداعية. ؟ وكيف تولد الشخصيات في مخيلته الإبداعية. ؟ هل تمر بمرحلة كمون أو حمل كما تحمل المرأة أو أنها تنبثق فجأة وتقفز من العدم. ؟ هذه الأسئلة وغيرها كانت تلح عليه كلما خطط لكتابة رواية.

**********

اشتّد نفير سيارات الإسعاف بشكل يقبض النفس ويدفع إلى التفكير بهول الانفجار وكثرة الضحايا. فتش آدم البغــدادي عن جهاز الريموت كونترول، فلا شك في أن المحطات التلفزيونية ستبث خبرا عاجلا عن الانفجار وضحاياه. وجد جهاز الريموت كونترول ملقى على الأرض عند حافة الصوفا فأخذه وضغطه فأطلت إحدى المذيعات العراقيات وهي تجري مقابلة مع فنان، بينما كان الشريط الإخباري الذي يحمل عنوان: (عاجل) يشير إلى حصول انفجار نتيجة عملية انتحارية مزدوجة في هجوم على محافظة بغداد. انتقل إلى محطة فضائية أخرى تبث من خارج البلاد فشاهد أنها تبث شريطاً مسجلاً عن بعض تفاصيل الحادث وكأنهم كانوا هناك لحظتها. ضغط مرة أخرى منتقلاً لقناة ثالثة فوجدها تعلن عن تفاصيل تختلف عن القناتين اللتين شاهدهما، فأحس بانزعاج وانقباض وغضب خفي من هؤلاء الذين اقترفوا هذه الجريمة ومن محطات التلفزيون التي تكشف عن لا مبالاتها، وكأنها شكرت الرب على هذا الحادث الذي أنقذها من تكرار برامجها ومنحها مادة لأيام قادمة.

سأل آدم البغدادي نفسه متى ينتهي كل هذا؟ ومن يقف وراءه ويخطط له؟ محطات التلفزيون وجهت من خلال المسئولين الرسميين الاتهام إلى تنظيم القاعدة، لكنه لا يصدق بأن تنظيم القاعدة هو وحده وراء هذه التفجيرات المرعبة.

استمر لدقائق ينظر لشاشة التلفزيون التي أخذت تعرض مشاهد من تفاصيل المكان وموقع الانفجار موجعة للقلب. ضغط على أحد الأزرار ليوقف البث التلفزيوني. وضع جهاز الريموت كونترول على الطاولة التي أمامه ثم توجه إلى زاوية المطبخ ليغلي الماء وليصنع لنفسه كوبا من النسكافيه.

أحس برغبة في أن يعيد كتابة النص الروائي الذي انتهى منه ليلة أمس. صب الماء المغلي في الكوب الذي كان قد وضع فيه ملعقتين من مسحوق النسكافيه، وحمل كوبه متوجها إلى طاولة الكتابة التي كانت تحمل بعض الكتب إلى جانب ملزمة من الأوراق المليئة بالكتابة.

جلس آدم البغـدادي على كرسيه قرب الطاولة، وسحب ملزمة الأوراق إليه بعد أن وضع الكوب جانبا. قرأ صفحة الغلاف التي كانت تحمل عنوان الرواية (السقوط إلى الأعلى) فشطب العنوان وكتب عنوانا جديدا هو (متاهة آدم). فكر أن عنوان (متاهة آدم) ربما يعبر عن فكرة الرواية وأحداثها أكثر من (السقوط إلى الأعلى).

كان آدم البغـدادي قد قسم عمله إلى فصول - مشاهد أقرب للسيناريو السينمائي منه إلى الفصول المتعارف عليها في النص الروائي. أخذ رشفة نسكافيه ثم بدأ بقراءة النص لكي يمرر عليه تعديلاته. وجد أمامه الفصل الأول من العمل والذي كان يحمل عنوان (الكابوس)، فبدأ القراءة.

متـــــــاهــــــة آدم

أو

السـقـوط إلـى الأعـــلـى

«قالَ اهبطـوا بعضُـكُم لبعـضٍ عدوٌ ولكـم في الأرض مستقّرٌ إلى حين* قالَ فيها تحيونَ وفيها تموتونَ ومنها تخرجون»

سورة الأعراف، الآيات: 24 - 25

الفصــــل الأول
الـكــــابــــــــــوس
غرفة واسعة، جدرانها مطلية بورق أبيض يميل إلى الوردي. في أقصى الغرفة سرير يغطيه شرشف بنفسجي اللون، وثمة امرأة شابة بثوب وردي تغط في نوم عميق. جدران الغرفة عارية إلا من دمية صغيرة من القماش معلقة بخيط متصل بمسمار صغير جدا على الجدار المقابل لسرير المرأة الشابة. فجأة؛ يدخل كلب أسود كبير. يقفز الكلب على السرير باتجاه المرأة النائمة. يتلوث الجدار الأبيض بنقاط ودفقات من الدم. تسقط الدمية من على الجدار.

فزّت حواء المؤمن من نومها مرعوبة. تحسست عنقها برعب. نظرت إلى فراشها وإلى الجدران ثم إلى المكتبة التي تضم كتبا كثيرة باللغة العربية وبعض القواميس الألمانية والانكليزية والتي تعود لزوجها الدكتور آدم التائه، وكأنها تبحث عن شيء. استرخى وجهها حينما تأكدت بأن الأمر لم يكن سوى كابوس.

شعرت للحظات بأنها غير قادرة على التفكير. أحسّت أن رأسها يخلو من أية فكرة، بل إنها عاجزة على إستعادة تفاصيل الكابوس. كانت حنفية الماء تقطر بانتظام وصوت الساعة المنضدية على التلفزيون يشير إلى الواحدة صباحا، وشاشة التلفزيون تبعث أزيزا لأن البث قد انتهى.

ظلت حواء المؤمن مستلقية على الصوفا الجلدية وملتفة بالبطانية في غرفة الاستقبال. انتبهت إلى أن أحداث الكابوس جرت في غرفة النوم، وعلى سريرها، وليس في غرفة الاستقبال حيث تتمدد الآن على الصوفا!

 كان الجمر متوهجا في الموقد الفحمي، والليل يبدو أزرق من وراء النافذة الزجاجية الوحيدة. نظرت حواء المؤمن نحو الباب الذي يفضي مباشرة إلى خارج الشقة حيث درج البناية الخشبي. لم يقطع سكون تلك اللحظات إلا الإيقاع المنتظم لقطرات الماء النازلة من الحنفية، وصوت عقرب الساعة.

نهضت بتكاسل لتشرب الماء. أطفأت وهي في دربها إلى المطبخ جهاز التلفزيون. كانت حزينة وتحس بالفراغ. دخلت المطبخ. ضبطت الحنفية التي كانت تقطر وفتحت الثلاجة. أخرجت قنينة الماء وشربت منها مباشرة. وضعت القنينة في الثلاجة ثانية ثم توجهت إلى غرفة النوم. بعد دقائق عادت منها وهي تحمل ألبوما للصور. توجهت إلى غرفة الاستقبال وجلست على الصوفا في مكانها السابق. تمددت وغطت ساقيها وبطنها بالبطانية، وبدأت تقلب صفحات الألبوم بانتظام.

مر وقت على حواء المؤمن وهي تقلب صفحات الألبوم، وأخير ألقته قرب رأسها بعد أن شاهدت جميع الصور. بقيت لفترة تتأمل سقف الغرفة. لم يكن هناك سوى صوت الساعة وهي تتكتك، وشيئا فشيئا غرقت في غفوة دون إرادة منها.

**********

كانت الساعة تشير إلى الثالثة، حينما تعالت أصوات لوقع خطوات قادمة من جهة السلم الخشبي. فزّت من نومها على صوت محاولة فتح الباب المقفل من الداخل. ألقت نظرة سريعة على الساعة ثم نهضت باحتراس متجهة نحو الباب لكن دونما فزع، فقد خمنت أنه زوجها الدكتور آدم، وبالرغم من ذلك وقفت بجانب الباب ويدها على المفتاح ثم سألت:

-                     من هناك؟

فجاء صوت خافت من وراء الباب:

-                     افتحي أنا آدم.

فتحت الباب فدخل رجل وسيم في منتصف الأربعينات من العمر، فقالت له بغضب مكتوم ممزوج بنبرة مشبعة بالنعاس:

-                     أين كنت إلى هذا الوقت المتأخر من الليل. ؟

-                     أين يمكن أن أكون. ؟ عند أصدقائي طبعا.

ثم أندفع إلى الصوفا ملقيا نفسه بتعب عليها سائلا ً:

-                     هل لدينا ما يؤكل. أنا جائع؟

-                     يوجد لدينا رز وفاصوليا.

لم يجبها بشيء وإنما نهض متوجها إلى جهة المطبخ، فعلقت مستاءة:

-                     يعني أما كان بالإمكان أن تأتي قبل هذا الوقت. تتركني وحدي وتذهب للسهر خارج البيت.

لم يعلق على كلامها، فواصلت:

-                     الصبح الساعة العاشرة يجب أن نكون في دائرة المساعدات حتى يعطوني ورقة تحويل للطبيبة النسائية.

نظر إليها للحظات وقال:

-                     ولماذا يجب حضوري معك. ؟

-                     أنت تعرف أنا لا أتحدث الألمانية بشكل جيد.

-                     نتحدث عن هذا صباحا.

نظرت إليه بغضب مكتوم، أما هو فتجاهل نظراتها منشغلا عنها فلم يكن أمامها سوى أن تتجه إلى غرفة النوم لتلقي بنفسها على السرير والدموع تترقرق في مقلتيها.

لا تدري حواء المؤمن كم مضى من الوقت وهي مستلقية على السرير، لكنها أفاقت لتجد أنها وحيدة في غرفتها. نظرت إلى الساعة المنضدية الصغيرة التي كانت تشير إلى السابعة صباحا. إذن الوقت ما زال مبكرا. أنصتت جيدا فسمعت صوت شخير زوجها يأتي من غرفة الاستقبال. لا تدري لم أحست بالراحة، فدخلت الفراش وسحبت الغطاء على نفسها لتواصل النوم.

**********

فكّر آدم البغـدادي بعد قراءة الفصل الذي أعطاه عنوان (الكابوس) في أن يستطرد أكثر في الحديث عن حواء المؤمن والدكتور آدم التائه، لكنه فكر أيضا بأنه من الأفضل ترك الأمور هكذا من أجل أن يمنح القارئ بعض الوقت ليشكل تصوراته عنهما دون تدخله، بعد ذلك يتدخل شيئا فشيئا في رسم صورتهما.

وضع الأوراق الخاصة بهذا الفصل جانبا، ثم أخذ يقرأ الفصل الذي يليه والذي أراد أن يرسم صورة أكثر قربا لحواء المؤمن.

الفصــل الثــاني
يـــوم عــادي. عــادي جــدا
يقع القسم الخاص باللاجئين في الطابق الثاني من بناية بلدية مدينة (ركلنك هاوزن) الألمانية التي تقع ضمن منطقة (الروور) الشهيرة بمناجم الفحم والتي تتبع مقاطعة (نورد راين فستفالن). حين وصلت حواء المؤمن وجدت أمامها صفا من اللاجئين. كان هناك كورديان من العراق وأفريقي وفتاتان إيرانيتان ولبنانيان وفلسطيني وأفغاني جاء ومعه أربعة من أطفاله وابنته الفتية الجميلة.

كان الحديث يدور بلغات مختلفة، ولكن حينما يود أحدهم أن يحدث شخصا آخر لا يعرف لغته فأنه يتحدث معه بالألمانية التي لا يجيدها أي منهم لكن يمكنهم التفاهم بها. وجدت حواء المؤمن أحد أصدقاء زوجها ممن يزورهم أحيانا فأحست بأن ثقلا ً انزاح عن صدرها، إذ قررت أن تطلب منه أن يكون مترجما لها لأنها لا تستطيع التفاهم بالألمانية، وهذا ما فعلته.

عادة ما يحصل اللاجئون على ورقة من الدوائر المختصة بالتعامل معهم حينما يريدون الذهاب إلى الطبيب. وحينما أخذت حواء المؤمن الورقة من دائرة الأجانب واجهتها المشكلة نفسها، إذ كيف لها أن تشرح للطبيبة وضعها. فكرت مع نفسها أنها ستشرح لها بالإشارات.

**********

الطبيبة التي تراجعها حواء المؤمن إيرانية الجنسية، ولديها عيادة مشتركة مع طبيب يوغسلافي الجنسية مختص بأمراض النساء أيضا. حينما دخلت العيادة وسلمت ورقة التحويل للسكرتيرة التي تدير عمل الطبيبين، قالت لها السكرتيرة إن الطبيبة الإيرانية مجازة حاليا، وستتأخر لأسبوعين ويمكن للطبيب اليوغسلافي أن يكشف على حالتها الصحية. ارتعبت من الفكرة، لكنها التفتت إلى الصالة فوجدت عددا من النساء التركيات الحوامل والألمانيات وبعض الفتيات الأجنبيات التي لم تحدد جنسيتهن، فجلست بارتباك.

حينما جاء دورها ودخلت غرفة الطبيب، ارتبكت جدا. كان الطبيب وحده في الغرفة لأن مساعدته الشابة قد خرجت مع المرأة التي سبقتها.

انتبه الطبيب لارتباكها فرحب مبتسما وسألها إن كانت تتكلم الألمانية فاحتارت كيف تجيب ونطقت بالمفردة التي معناها )قليلا)، لكنها نطقتها بارتباك ففهم بأنها لا تتكلم الألمانية. أشار إليها أن تذهب خلف الحاجز الموجود في الغرفة لتخفف من ثيابها. أحست بالخجل، لكنه أراد أن يشعرها بأن الأمر طبيعي جدا فأنشغل بإعداد ورقة خاصة بها. لم ينتبه إلى أنها لم تتحرك من مكانها، وحينما رفع رأسه وشاهدها ابتسم وأشار إلى خلف الحاجز بأن تخفف ثيابها هناك، ثم تستلقي على السرير الطبي الموجود في جانب الغرفة.

كان الطبيب منشغلا بارتداء الكفوف الشفافة الواقية، حينما التفت إليها وجد أنها ركضت خجلة وصعدت السرير ثم تمددت عليه وسحبت الغطاء الأبيض الخفيف لتغطي جسدها لحد الصدر. سألها الطبيب بلغة الاشارة عن الذي تشعر به، فأشارت مكورة يديها حول بطنها بحركة فهم منها أنها تتحدث عن الحمل، ابتسم الطبيب.

في تلك اللحظة دخلت الممرضة مبتسمة. تحدّث الطبيب معها بالألمانية. أشارت الممرضة إليها بأن تنهض وتأتي معها خلف الحاجز، فقامت ظنا منها بأن الطبيب أمر بذلك، وخلف الحاجز طلبت الممرضة منها أن تنزع سروالها الداخلي فلا يمكن للطبيب أن يفحصها وهي في هذه الحال. أصابها الرعب من الفكرة، لكنها في الوقت نفسه كانت كالمسحورة، وبحركة لا إرادية قامت بما طلبت منها الممرضة التي أخذتها لتساعدها على الجلوس على كرسي الفحص النسائي، حيث مدت رجليها على حافتيه المتباعدتين وأدارت الممرضة الكرسي فانحنى جسدها وتكشف وسطها الأسفل للطبيب. أغمضت عينيها، وتركت جسدها للطبيب مستعينة بوجود الممرضة إلى جانبها.

أحست بلمسات أصبع الطبيب واختراقه إياها، ففزت بحركة لا إرادية، ولم يشأ الطبيب أن يفزعها، فأنهى الوضع، ونزع كفوفه الشفافة ليلقيها في علبة من الصفيح مخصصة لها. قامت هي فأشارت إليها الممرضة بعد أن أعادت وضع الكرسي بأن ترتدي ملابسها. تحدّث الطبيب مع الممرضة ثم معها بالألمانية، لم تفهم هي شيئاً.

**********

حينما خرجت حواء المؤمن إلى الشارع أحست بأنها خفيفة وأن مزاجها أفضل، ثم أخذت تفكر وتسأل نفسها: لماذا شعرت بما يشبه النشوة حينما أولج الطبيب أصبعه في رحمها، بالرغم من أنه فعل ذلك بشكل عادي جدا وبلا مبالاة تقريبا، وبحضور الممرضة، علما أن الطبيبة الإيرانية فعلت ذلك أيضا لكنها لم تشعر بأي شيء، على العكس أحيانا كانت تشعر بالألم.

مرت بالبحيرة التي تفصل الشارع الذي تقع فيه عيادة الطبيب عن السوق الكبيرة للمدينة. رأت عشرات البطّات تسبح وعددا من الأطفال وبعض العجائز والشيوخ يلقون لها بالخبز. دخلت السوق. ذهبت مباشرة إلى الصيدلية وهي تحمل الوصفة التي كتبها لها الطبيب.

استلمت حواء المؤمن الدواء ثم أخذت تتجول بين المخازن الكبيرة. رأت بعض الأجانب فعرفت أثنين منهم. حدثّها شاب ألماني، لم تفهم منه شيئاً، فأسرعت وجلة دون أن تجيبه، بينما ظل هو مستغرباً من رد فعلها. لعنت نفسها. قالت لنفسها يجب أن تتعلم الألمانية ولو قليلاً، فهي بالتالي خريجة المرحلة الإعدادية، وقابليتها للفهم لا بأس بها كما أنها تعرف بعض الإنكليزية.

دخلت إلى أحد المخازن الكبيرة المختصة بالمواد الغذائية. اشترت بعض الفواكه والخضار ووضعتها بأكياس النايلون. وحينما عادت إلى البيت وجدت بأن زوجها قد خرج.

**********

آدم البغــدادي: ممكن تعديل هذا الفصل، بأن يتم التوسع في وصف مشاعر حواء المؤمن الجنسية، وأن يترك الزوج الدكتور آدم التائـه نائما في البيت، بحيث يمكن أن تتطور الأحداث بما يمكن أن يكشف أكثر عن عالم حواء المؤمن النفسي ورغباتها الدفينة.

الـفـصـــل الــثــالــــث
مـحـنــــة حــــواء الـمـــؤمــن
"ما الذي جاء بيّ إلى هذه البلاد النائية، وإلى هذه المدينة بالذات. لم أكن أحلم بالسفر إلى هذه البلاد. أبعد رغبة لي في السفر كانت أن أزور بين محافظات بلادي.

لقد أحببتُ آدم الصالح حينما كنتُ في الخامسة عشرة من عمري. استمرت علاقتي به لسنة تقريباً. أتذكر كيف كنت أذهب إلى بيتهم حيث كان يعيش مع أمه، وكيف كان يتحجج لدفع أمه إلى الخروج حينها. أتذكر ارتباكي حينما قبلني من شفتيّ أول مرة، إذ لم يقبلني أحد من شفتيّ قبله. كنت أشاهد ذلك في الأفلام المصرية فقط! أتذكر كيف أحسستُ بالغثيان أول الأمر، وكيف استطابت نفسي لمثل هذه القبل فيما بعد. وكيف كشفت عن جسدي لأول مرة أمامه، وكيف.

أتذكر حواء البصري زوجة أخي، التي أجبرها أهلها على الزواج من أخي، إذ كانت هذه المسكينة تحب رجلاً آخر، وحين اعترفتُ لها بحبي لآدم الصالح صارت تساعدني في ترتيب اللقاء بيننا. كنا نخرج بحجة زيارة أهلها، بينما كانت تنتظرني لحين انتهاء لقائي مع حبيبي.

أتذكر الكارثة حينما شاهدني ابن عمي مع آدم الصالح مصادفة عند بابهم، فأخبر أهلي. ! حينها تعرضت للضرب المبرح من أخي الكبير، ووجدت العائلة الحل الأمثل، إذ زوجوني لأبن عمي!

أتذكر ليلة الزفاف بتقزز ورعب، فقد اغتصبني زوجي، ابن عمي، حينما لم أستجب له طواعية. سببَّ لي جرحاً ونزيفاً، بقيت مريضة على أثره لفترة!

لا أدري كيف مرت شهور الزواج تلك، إذ وجدت نفسي مطلّقة بعد سنة ونصف لأني لم أنجب لزوجي. أهله كانوا يريدون أن يروا ذريته. خيروني بين أمرين: أما أن أقبل بأن يتزوج امرأة أخرى أو أقبل بالطلاق، فاخترتُ الطلاق بالرغم من أن أخي عارض ذلك، وحاول إقناعي بقبول أن تكون لي ضرّة، فالإسلام يسمح بذلك، إلا أن حواء البصري زوجته سعت بك السبل لإقناعه بقبول رأيي بالطلاق.

ثمة فكرة طالما شغلتني: كيف يتغير الإنسان وينقلب إلى ضده؟ حينما أسترجع الماضي، أجد نفسي في حيرة أمام زوجة أخي حواء البصري التي ساعدتني في مسألة الطلاق، ودافعت عني في مختلف الأحوال والظروف، والتي طالما حدثتني عن الحب والقدر وعن ظلم الأهل والناس والمجتمع. هذه نفسها تحولت إلى ضدي، واضطهدتني حينما رجعت إلى بيت أخي بعد طلاقي! لا أتذكر أسوأ من تلك الأيام خلال تلك الفترة التي امتدت لسنة ونصف.

بعد طلاقي، وخلال تلك الفترة التي كنت فيها في بيت أخي، سعيت للاتصال بحبيبي آدم الصالح. وحينما قابلته لم نتحدث كثيراً. كان بارداً جداً ولم يشأ أن يتواصل معي، بل كان يتهرب من أي ارتباط معي بالرغم من أني كنت مستعدة أن أكون عشيقته، لكنه لم يبد أية رغبة في ذلك.

أتذكر تلك الفترة التي كنت فيها في قاع بئر اليأس. أتذكر أنني كنت مستعدة للموت. لمغادرة الدنيا. أو ابأي شكل للخلاص من الوضع الذي أنا فيه. وهذا ما دفعني إلى القبول بالدكتور آدم التائـه، الأستاذ الجامعي، الذي يكبرني بحوالي عشرين عاما، الذي كان سابقاً جارهم لكنهم انتقلوا فيما بعد إلى منطقة أخرى، والذي كان وحيداً لوالديه، الأم المريضة والأب العجوز. المحتاجين لمن يخدمهما.

لقد قبلتُ بهذا الزواج بعد سنتين من الطلاق هربا من بيت أخي، ومن مصير المرأة المطلقة التي يحاسبها المجتمع على أنفاسها. لذا أحسستُ بالسلام حينما انتقلتُ لبيت الزوجية الجديد الذي كان يُعد نعمة من السماء هبطت عليّ. !!.

بعد فترة من زواجي الجديد سمعتُ بمشاكل حبيبي السابق آدم الصالح مع أخي بسبب حواء البصري زوجة أخي، لأنه كان قد أقام علاقة معها بعد زواجي من ابن عمي، وكان هذا هو السبب الذي دفع أخي إلى طلاق زوجته.

أتذكرُ كيف أني بمرور الوقت صرت سيدة البيت الجديد في عالمي الجديد، فأم زوجي مريضة جداً، ولم يكن لها رأي في شؤون المنزل. كل شيء كان بيد الأب المريض أيضا، لكنه لم يهتم لمرضه كثيراً، ولم يلتزم بنظام تعاطي الأدوية. أما زوجي الدكتور آدم التائه أو الدكتور، كما كانا والداه يناديانه، فقد كان وكأنه لم يتزوجني، إذ أنه يقضي معظم وقته خارج البيت أو في غرفة المكتبة التي كان يسهر فيها إلى وقت متأخر جداً منشغلا بالكتابة، ولم يكن يتعامل معي كزوج إلا نادراً حينما يأتي ثملاً. وهذا ما كان يحدث عادة في غرفة المكتبة، وأحياناً على طاولة الكتابة دافعا بالكتب إلى الأرض، وكان أثناء ذلك يسألني بغضب بكلمات فاضحة إن كان زوجي السابق ينيكني أحسن منه، أم أنه الأفضل. ؟ وكان يجبرني على الإجابة لأصرخ وأنا ألهث من المتعة: أنت أحسن. أنت أحسن.

**********

لم نكن، أنا وزوجي الدكتور آدم التائه، نتبادل الحديث إلا نادراً. إلى أن انهارت صحة الأم، وتم نقلها إلى المستشفى لترقد فيها استعداداً لإجراء عملية جراحية لاستئصال المرارة التي وجد الأطباء فيها حصى، إذ صرنا نذهب معاً لزيارتها والبقاء عندها لبعض الوقت كل يوم تقريباً. وبعد إجراء العملية بأقل من شهر توفيت الأم نتيجة لضعف عمل القلب، فتم دفنها في النجف، وصرتُ وحيدة تقريبا مع الأب العجوز المشاكس.

بعد أشهر من وفاة الأم، وفي ظهيرة يوم صيفي ساخن، حدث شيء ما زلزل حياتي. وشرخها بقوة وعنف من الأعماق. حينها كان زوجي الدكتور آدم التائـه غائباً فيه عن البيت كعادته، وكنتُ قد أعددتُ للعم، والد زوجي، وجبة الغذاء، ثم قدّمت له الفواكه، والبطيخ والرطب، وذهبتُ لآخذ القيلولة في غرفتي. وبعد فترة قليلة على ذلك رأيت العم يدخل غرفتي.

هذه هي المرة الأولى التي يدخل فيها العم إلى غرفة نومي! ودون أيما كلام جلس على حافة سريري، بالقرب مني. كنتُ مستلقية وفي وضع النهوض، فسألني إن كنت تعبة، فقلت له بشكل لا إرادي: نعم.

فجأة جلس على الأرض أمامي. خفت منه. فقد كان يملك سطوة على الجميع. فمنذ دخولي إلى هذا البيت لتأكدت من أن الكل يهابونه في البيت. لذا تسرب الخوف منه إلى نفسي. وفي تلك الظهيرة. وفي تلك الغرفة. أخذ قدمي ليمسح عليهما برفق. شعرتُ بالصدمة من تصرفه. لم أعرف ماذا أفعل. أصبت بما يشبه الشلل. لكني قلتُ بصوت خافت: لا داعي لذلك يا عمي، نظر إليّ نظرة صارمة فيها أمر بعدم الاعتراض. وشبق واضح. وبدون أية كلمة أخذ يصعد كفّه إلى فخذيّ، ويمد يده تحت ثوبي! أردتُ أن أبعد يديه عني لكنه، برغم كبره في السن إلا أنه كان قوياً، فلم أستطع النهوض ولا أن أبعد يده عني، ولم أعرف ماذا يمكن أن يحدث! بل ولم أفكر إلا في شيء واحد هو: ماذا لو أن زوجي يدخل الآن ويرى هذا المشهد المحرم؟

أخذت يداه تصعدان إلى الأعلى، ثم مدهما إلى ما بين فخذي وبدأ يداعبني. حينها لم أعرف ماذا أفعل. وجدت نفسي مشلولة الإرادة والجسد. أردتُ أن أقاوم، لكن المقاومة كانت في أعماقي ولم تظهر قط! لم أُبد أية حركة جسدية بالممانعة، بل كنتُ أستجيب له من أجل أن ينتهي هذا المشهد الغريب والفاضح والمحرم! لكني لم أنتبه إليه إلا حينما بدأ يقبل نهدي. بل انتبهت إلى نفسي عارية تقريباً بين يديه. كنتُ شبه مخدرة. أحسسّتُ بالرضا حينما بدأ ينحدر مقبلا كل تفاصيل جسدي. لم أشعر بلذة ونشوة أكبر وأكثف من تلك التي وجدتها حينما كان يقبل ما بين فخذي بلسانه. كنتُ شبه مغمى عليّ. وفجأة؛ أحسسّتُ بيدي تمسكان بكتفه من شدة الرغبة المحرمة. لكنه وعلى غير توقع مني، قام ليذهب خارجاً وبسرعة.

هكذا بدأت بيننا علاقة محرمة غريبة. وامتلأ البيت بالأسرار واللذة المحرمة. حيث تكرر الأمر مرات. لكنه لا أدري لماذا لم يدخل فيّ. ولو حدث ذلك لما عارضت. بل مرت بيّ ايام ولحظات كنت أتمنى ذلك وبشدة. لكن كل ذلك انتهى بما يشبه الكارثة. إذ فاجأنا زوجي ذات ظهيرة، حين دخل الدار دون أن ينتبه إليه أحد. كان العم قد تسلل إلى غرفتي كعادته. لكن من حسن حظي أنه كان جالساً على السرير بجانبي، ولم نكن في وضع مريب. ارتبك زوجي حينما دخل الغرفة وجفل. أنا لم أرتبك فحسب وإنما تجمد الدم في عروقي واحتبست أنفاسي، لكن موقف العم كان غريباً، فربما ارتبك للحظة، لكنه استرجع وضعه وكأن الأمر لا يحتمل أي شك أو تفسير مريب.

قال العم له موضحاً إنه كان يحدثني عن مستقبلنا، ولماذا لا ننجب أطفالا لنزين بهم حياتنا الجافة، وأنه يسألني أن كانت هناك مشاكل بيننا وأن علينا مراجعة الطبيب. حينها استقبل زوجي الأمر بغرابة ولم يعلق على كلام أبيه، لكني شعرتُ في أعماقي بأن دودة الشك بدأت تنخر في قلبه. وقد انتبهت لذلك حينما بقي زوجي في البيت لأيام عدة. حتى أنه لم يذهب لجامعته. وحينما عاود الخروج، ولو بشكل متقطع. كان يعود مرتبكاً وخائفاً، وأحياناً كان يفز من نومه نتيجة كوابيس تقبض على روحه. كان يخاف شيئاً ما.

بعد تلك الظهيرة. وبعد انقلاب حالة زوجي النفسية. بدأ وبشكل مفاجئ يحدثني عن ضرورة السفر إلى خارج البلاد. حيث أخبرني بأن وضع البلاد مرتبك. وبأن لديه مشاكل في الجامعة التي يعمل فيها، وأنه يكره البلاد والنظام الذي فيها. أخذ زوجي يرجع مبكراً جداً إلى البيت، وبعض الأحيان لا يخرج نهائيا، بل يبقى في البيت لأيام ولا يخرج إلا لضرورات العمل أو لمراجعة دائرة الجوازات للحصول على جوازات السفر لي وله. الغريب أنني لاحظت أنه يتحدث عن سفرنا نحن، أنا وهو فقط، بدون ذكر العم! لكني لم أسأله كي لا أوقظ شكوكه!

**********

ما أثار استغرابي أن زوجي بدأ ينتبه لوجودي، وكأنما يكتشف جمالي لأول مرة، إذ أخذ يقترب مني، بل وأحيانا لا يدعني أنام، مستخدماً معي كل الأساليب والأوضاع. حينها لا أعرف لِمَ أخذتُ أشفق عليه، بل وأميل إليه. لقد كان خبيرا بلغة الجسد، كما كنت أحس بالذنب أمامه!

بدأت صحة العم تنهار. وكان يرفض تعاطي الدواء ويضرب عن الأكل. كان يتحجج ويبحث عن أي شيء للمشاجرة والاصطدام مع زوجي. كان يسخر منه مقللاً من شأنه، وقيمته ودرجته العلمية! الغريب أن زوجي كان لا يرد عليه، وإنما يدخل غرفة المكتبة، ويناديني إليه، يطلب مني أن أعدّ الشاي وأحمل إليه الفواكه والمكسرات. ويقفل الباب ولا يسمح لي بالخروج؛ بينما ينهمك هو بالكتابة كالمجنون. وكثيراً ما كانت خلوتنا تلك تنتهي بممارسة الجنس بشكل محموم!

صار العم أشبه بالمشلول إذ لم يعد يستطيع الحركة بسهولة، وصار شخصاً لا يطاق. إذ أخذ يشتمني بألفاظ جارحة أمام زوجي، الذي لم يكن يعلق شيئاً على أي كلام يصدر من أبيه. وإنما كان الغضب الدفين يملأ عينيه! كنت أستاء من أنه لا يرد على أبيه. لكن حينما أرى عينيه تتقدان غضباً أحس حينها أنه يحبني. فأشعر بنشوة عظيمة. وأحسّ أنني أحبه. بل أعشقه!.

**********

أتذكر ذلك الصباح حينما طـُرق الباب. ولما فتحته ُوجدت رجلين بملابس طبية وسيارة إسعاف خلفهما، ورأيتُ زوجي معهما. دخل الرجلان مع زوجي إلى البيت وذهبا إلى غرفة العم، وسمعت جدلا، ثم تعالت أصوات بين الأب والابن، ومحاولات الرجلين للتهدئة والشرح، ففهمت أنه يريد إيداعه في بيت للمسنين والعجزة. وأخيرا انجلى الموقف عن خروج العم مسنوداً مع الرجلين وهو يشتم ويعربد ويصرخ مذكرا بنكران الجميل وعقوق الوالدين ولعنات الأب على الابن إلى يوم القيامة، شاتماً إياي، وكأني أنا التي أشرت عليه للقيام بذلك، مذكراً الابن بأنني سأركب له القرون، وأنني عاهرة رخيصة سأجلله بالعار!

بعد فترة وجيزة باع زوجي الدار بمبلغ لا بأس فيه، لكنه في كل الأحوال أقل من قيمته الفعلية، كما باع مكتبته الكبيرة، ولم يأخذ معه إلا بعض الدفاتر التي كان يكتب فيها، وبعض الكتب التي واحد منها يحمل اسمه "آدم تائه". والكتاب عنوانه "كوابيس القنفذ"، ورحلنا إلى الأردن التي وصلنا إليها مساءً بعد رحلة طويلة بواسطة السيارة.

**********

في عمان نزلنا في فندق رخيص، وكان زوجي آدم التائـه يخرج صباحا لمراجعة بعض السفارات الأجنبية، ومساءً للالتقاء ببعض العراقيين المقيمين وبعض الفلسطينيين، بينما كنت أبقى في غرفتي أشاهد التلفزيون منتظرة أن يأتي زوجي لأتواصل من خلاله مع العالم وأفهم منه ما ينتظرنا. وحين طالت فترة الحصول على التأشيرات، أجّر زوجي بيتاً، لكنه في الواقع ليس بيتاً، بل غرفة بالكاد تتسع لأثنين مع زاوية مغطاة بالصفيح فيها حنفية بمثابة مطبخ، إلى جانب غرفة صغيرة هي حمام ومرفق صحي في آن واحد.

في أول يوم لسكننا هناك جاءتني امرأة منقبة بدأت بالحديث معي عن ضرورة الحجاب والابتعاد عن طريق الشيطان. ! وقدمت لي عباءة وحجاب وفوطة وكتاب المصحف الكريم! وحين جاء زوجي وأخبرته بمسألة المرأة المحجبة، سخر منها، وقال إن عليَّ أن أنتبه من هؤلاء الناس، وإن الأيمان في القلب. وإن الإنسان ما دام لا يؤذي الآخرين فهو غير مذنب أمام أحد، وإن المسلم هو من سلم الناس من لسانه ويده، وإن الحجاب مسألة شخصية، فإذا أردتُ أن أتحجب فهذا شأن يخصني وهو لا يمانع، وإذا لم أشأ فهو لا يجبرني عليه. حينها أحسست أني تزوجت من إنسان رائع. وإني أحب زوجي بشكل حقيقي. ؛ على الرغم من أنني لا أبوح له بمشاعري!

**********

أتذكر كيف أنه ذات صباح دعاني إلى أن أذهب معه لمراجعة إحدى السفارات الأوربية. وبعد أيام جاء فرحاً على غير عادته، طالباً مني الخروج معه لشراء بعض الملابس لأننا سنهاجر إلى أوروبا.

وحينما جاء يوم السفر عرفت أننا لم نكن وحدنا! لقد اتفق زوجي مع عائلة عراقية أخرى التقينا معها في المطار. طبعاً عن طريق مهربين مختصين يتعاملون مع موظفي السفارات ويستحصلوا تأشيرات السفر. وأن هذا الأمر كلف الكثير من المال! وهكذا سافرنا إلى أوروبا حيث دخلنا برلين من محطة تسمى محطة (تسو غارتن)، وهناك كان من ينتظرنا.

**********

ما الذي جاء بي إلى هذه المتاهة؟ فمن متاهة حياتي في بلدي إلى متاهة حياتي هنا في أوروبا! ومما يثير سخريتي من نفسي أحيانا هو أنني الآن لاجئة سياسية، بينما لا أفهم في السياسة شيئاً، ولم أشارك فيها أبداً. بل وأتعجب من الأوربيين الذين يصدقون كل أكاذيب الأجانب عن كفاحهم والمخاطر التي تهددهم نتيجة صراعهم مع السلطة في بلادهم! الحياة هنا في ألمانيا منظمة بشكل كبير وهادئة جداً، لكنني غير سعيدة، لماذا. ؟ أنا نفسي لا أعرف السبب. أحسستُ أنني، وبمرور الأيام، صرت قاسية القلب باردة الأحاسيس. أشعر بالوحدة والوحشة. زوجي الذي انتبهت إلى أنه يكنّ لي شيئا من المودة يكشف عنها لحظة ممارسة الجنس معي، هو أيضا صار قاسياً. ومنعزلاً. وأحسه تائهاً كما هو لقبه. التائه.

أنا متأكدة بأنه لا يزال يشك بعلاقتي غير الطبيعية مع أبيه، لأن تصرفاته تشي بذلك أحياناً، بل صار يتحدث بصراحة عن إعجابه بالنساء الألمانيات أمامي. وكأنه يريد أن ينتقم مني. أنا أبتلع المهانة لأني أشعر بالذنب أمامه، فما لديه من شكوك أعرف أنها حقيقة! ولو عرف ما جرى بيننا لربما قتلني! لكن ثمة شعوراً جديداً بدأ يخترق عالمي، إنها مشاعر الأمومة التي بدأت تغرقني. أحس بالحاجة إلى أن أحمل، أن أنجب طفلا. أريد أن أصير أما.

**********

آدم البغـدادي: هذا الفصل فيه الكثير من الأحداث المهمة، ربما يفضل أن يتم الكشف عن علاقة العم بحواء المؤمن، زوجة ابنه، في فصل خاص وأن يتم التوسع في التفاصيل، وأن تسمّي الأشياء والأعضاء بأسمائها.

 لكنه ربما، حينها، لن أستطيع نشر الكتاب، أو حتى لو نُشر؛ فربما لن يتم توزيعه في الكثير من البلدان العربية، لأنه سيوصف بالإباحية والسوقية والابتذال، وربما سيثير عليه فئات اجتماعية محافظة كثيرة. إذن عليّ أن أكتفي بهذا القدر من التفاصيل وأترك الأمر لمخيلة القارئ.

هل هناك ضرورة لذكر التفاصيل الجنسية في العمل الروائي؟ ألا يمكن أن يفسر بمحاولة ابتزاز مشاعر القارئ وإثارته أو أنه تعبير عن كبت الكاتب الجنسي وتعويضه ذلك من خلال الكتابة، أو هو استمناء ذهني يقوم فيه الكاتب بوعي أو دون وعي!

ربما لهذه التفاصيل علاقة بالصدق الإبداعي، فأنا لم أقابل حواء المؤمن الحقيقية في الحياة إلا مرات قليلة وعابرة، واسمها في الرواية مجازي، وليس هو الاسم الحقيقي لزوجة صديقي الدكتور آدم التائه، وأنا إذ أسترجع صورتها في مخيلتي لأنني أمنحها مساحة للتحرك، مستعينا بتجربتي مع نساء أخريات وبتفاصيل حقيقية عرفتها من أخريات، بل وحتى آدم التائـه، وهذا ليس اسمه الحقيقي، إنما لديه اسم آخر، فأنا لا أستطيع أن أروي كل شيء عنه كما رواه هو لي، وإنما أنا آخذ الخطوط العريضة من حياته، وأرسم الشخصية التي في ذهني.

لكن هنا، ربما كان بالإمكان أن أغير من أسلوب وطريقة الدكتور آدم التائه للتخلص من أبيه، إذ ربما عليه أن يخنقه بالوسادة أثناء النوم أو أن يسممه عن طريق تغيير أدويته، لكن ذلك ربما سيكون مبالغ فيه، فعقوق الوالدين وبهذه الطريقة أكثر قبولا لدى القارئ، وأنا شخصيا أعرف قصصا أشد هولا من هذه وأكثر إثارة للألم من عقوق الأبناء تجاه الآباء.

الـفـصــــل الــرابــــــع
النســـاء خُـلقــــن هـكـــــذا
كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة مساءً حينما عاد الدكتور آدم التائـه مع اثنين من أصدقائه إلى البيت. فوجئت بعودته مبكرا، لكن زوجته ما أن لمحت كيس النايلون المليء بعلب البيرة حتى فهمت بأنهم ينوون قضاء السهرة في البيت. عاد الدكتور آدم التائـه مرحاً، وكان بين لحظة وأخرى يلقي نكتة أو عبارة ماجنة عن النساء الألمانيات. ولم يكن هذا بجديد عليها، لكنها الآن تشعر بمهانة أكبر لأنه يتحدث أمام رجال آخرين، بل إن أحدهم ارتبك لوجودها عندما أطلق زوجها نكاته الماجنة. هي تعرف أنه يتعمد الإساءة إليها انتقاما لنفسه، وتهدئة لشكوكه وكرامته المهدورة، وكان هو يزاد مرحا كلما رأى الغضب في عينيها.

أعدّ زوجها صحناً من الخيار والطماطم، وفتح كيساً من اللوز، ووضع علب البيرة على الطاولة، ثم اتجه إلى غرفة النوم وعاد بقنينة فودكا. أما هي فحاولت إشغال نفسها في المطبخ، لكن الوقت كان مبكرا كي تذهب إلى النوم، لذلك جلست على الأريكة المقابلة بعيدة عنهم وأخذت تشاهد التلفزيون الذي كان يعرض فيلما ألمانيا عن الحرب. كان الفيلم يروي قصة امرأة يهودية هربت من الجنود الألمان، وحينما وصلت إحدى القرى اختفت في كوخ أحد الفلاحين الأغنياء الذي أعجبته حينما رآها لذا لم يخبر عنها واتخذها عشيقة له.

لم تكن حواء المؤمن تفهم الحوار لكنها كانت تفهم سياق الأحداث بصريا، وكانت قد تابعت الفيلم قبل وصول زوجها وأصدقائه بفترة.

كانت حواء المؤمن في ثوبها الشفاف، الذي تلبسه عادة في البيت، حينما دخل زوجها وأصدقاؤه، لذا انتبهت إلى أن أحد الأصدقاء كان يبصبص بين الحين والآخر إلى جسدها الذي كان ثوبها يحدد معالمه الفتية.

تضايقت من نظراته أول الأمر، لكنها ارتاحت لها في ما بعد، بل صارت تشعر بالغضب حينما ينهمك الصديق بالحديث وينشغل عن النظر إليها. كانت مشاعرها متناقضة، فهي تريد استفزاز زوجها وإثارة غيرته، وأيضا كانت تريد إرضاء غرورها بأنها تثير إعجاب الرجال وأنها مشتهاة.

الفيلم الذي كانت القناة الألمانية تعرضه وصل إلى مشهد حميم، حيث كانت المرأة تركض في الغابة القريبة، ثم عادت إلى الكوخ، فحمل الفلاح طستا وإبريقا من الماء ثم وضع قدميها في الطست وبدأ يغسلها. انتبهت حواء المؤمن إلى أنهم توقفوا عن الحديث لمشاهدة الفيلم. كان الفلاح قد مد يده لفخذيها وهو يلهث، كانت المرأة تتوسل إليه وتتحدث معه، لكنه لم يسمعها بل ألقاها على الأرض ورفع ثوبها ودخل بين ساقيها.

كان الصمت قد لجم الجالسين فلم ينطق أي منهم بكلمة. أحسّتْ بارتباكهم. بل هي ارتبكت أيضاً. نظرت إلى الرجل الذي كان يختلس النظر إليها. انتبه زوجها لذلك، وارتسمت علامات الغضب على وجهه. لم تعرف من أين جاءتها فكرة الانتقام منه. أرادت أن ترد عليه بالأسلوب المهين نفسه. لكنها في الوقت نفسه شعرت وكأنها عارية بينهم. فالمشهد في الفيلم كان حميمياً. ولا شعورياً تذكرت تلك الظهيرة الصيفية الملتهبة مع العم. فبدأ الدم يصعد إلى صدغيها، ولم يكن أمامها سوى أن تقوم لتخرج من الغرفة، كي لا ينتبه أحد لما هي فيه، وأيضا للحرج الذي يسببه متابعة الفيلم أمام هؤلاء الرجال.

حين سمعت أنهم واصلوا الحديث. وعرفت أن الأحداث والمشاهد في الفيلم قد تغيرت. عادت إلى الصالة. لكن رغبتها في الانتقام لم تهدأ. حاولت أن تشاركهم حديثهم، لكنها استغربت أنهم كانوا يتحدثون عن مجموعة من الشباب العرب الذين يقومون بالسرقة ويبيعون الحاجات المسروقة بربع ثمنها، وأن أثنان من أصدقاء زوجها يودون شراء بعض هذه المسروقات. وبيعها. لآخرين. فلم تتمالك نفسها، إذ قالت:

-                     لم يبق سوى أن تتحولوا إلى لصوص.

نظر الرجال إلى آدم التائـه معاتبين على طريقة كلام زوجته، فقال لها غاضبا:

-                     أغلقي فمك.

فالتفت إليها الرجل الذي كان ينظر إليها بإعجاب:

-                     ما العمل يا حواء، القانون هنا لا يسمح للاجئ بالعمل إلا بعد خمس سنوات، وراتب المساعدة الاجتماعية لا يكفي.

فقاطعته باستياء:

-                     المساعدة التي يعطونها يمكن أن تكفي إذا لم يذهب الشخص إلى المراقص ولا يشرب الكحول، ثم أنكم جميعكم حينما جئتم إلى هنا أدعيتم بأنكم سياسيون مطاردون في بلدانكم.

لم تكمل حواء المؤمن كلامها إذ قام زوجها وأخذها من ذراعها بقوة وخرج بها من الغرفة متجها إلى غرفة النوم، وهناك دفعها وأغلق الباب عليها. وحينما عاد قال له أحدهم:

-                     لا تهتم يا دكتور آدم. النساء خلقن هكذا.

**********

في غرفتها شعرت حواء المؤمن بالندم لما قامت به. فهي تحترم زوجها وتحبه. وعليها أن تقدّر أنه يعيش وضعاً نفسياً صعباً. فقد كان أستاذاً جامعياً في بغداد. وله مكانته وسمعته، بينما هو الآن لاجئ لا يحق له العمل. وأين يعمل؟ هنا حاله حال اللصوص والحرامية وموزعي المخدرات والأميين والكذابين. هو لاجئ مثلهم. لا أحد يعرف أنه أستاذ جامعي. وكاتب. ولديه كتب. وأنه من ابن عائلة محترمة! بينما هي انجرّت تحت تأثير غرورها الأنثوي. والشبق الغامض الذي في أعماقها كي تجرحه أمام هؤلاء الذين هم ليسوا اصدقاء له، لكنه أضطر لمصادقتهم بحكم الظروف. !

**********

آدم البغـدادي: أعتقد أنني بهذا قد اقتربت أكثر من عالم حواء المؤمن.

الـفــصـــــل الـــخـــامــــــس
أحـــــــــلام وكـوابـيـــــــس
في وسط المرج الأخضر الذي تحيطه الأشجار لم يكن ثمة أحد من البشر. كانت الشمس محتجبة بالضباب. الضباب الكثيف يغطي الأفق المفتوح من المرج. في وسط المرج كان تابوت من الخشب الصندل. من خلف الأشجار بدأت حركة ما. شيئاً فشيئاً برزت أشباح ملفوفة بالقماش الأبيض وكأنها مومياء. أخذت الأشباح تقترب من التابوت بحركة بطيئة إلى أن التفّت حوله، ثم انحنت وفتحت التابوت. لم يكن داخل التابوت سوى دمية من القماش. أغلقت الأشباح غطاء التابوت ثم أخذت تبتعد راجعة إلى مكانها خلف الأشجار إلى أن اختفت.

التابوت ما زال وسط المرج. شيئاً فشيئاً بدأ غطاؤه يُفتح. من التابوت خرجت حواء المؤمن واقفة. كانت في ثوب أبيض شفاف. خرجت من التابوت ومشت مثل السائر في النوم نحو جهة الضباب إلى أن اختفت فيه. سُمع صوت طائر نقار الخشب وهو يضرب على جذع شجرة بمنقاره.

من الضباب جاءت أصوات حركة بدأت تقترب. ظهر حصان أبيض. أخذ الحصان يقترب من التابوت إلى أن وقف قربه. مدّ رأسه فيه ثم رفع رأسه وفي فمه باقة ورد. ابتعد الحصان مختفيا في الضباب من حيث أتى. من أعماق الضباب ظهرت حواء المؤمن ثانية، وبنفس الخطوات والأيدي الممددة للأمام، جاءت التابوت ودخلت ثم تمددت فيه وأغلقت الغطاء على نفسها بقوة. طارت العصافير والطيور من بين الأشجار أسراباً على صوت انطباق غطاء التابوت.

فزّت حواء المؤمن من النوم مرعوبة. كان العرق قد بللها. أزاحت الغطاء وجلست على حافة السرير بصمت لفترة ليست بالقصيرة. نهضت بتثاقل وخرجت من غرفة النوم إلى غرفة الاستقبال. أشعلت النور في المصباح الكهربائي، وجلست على الصوفا بإعياء. كان زوجها قد خرج مع الرجال الذين جاء معهم. تأملت الكتب القليلة التي على الرفوف. اقتربت من طاولة الكتابة. كانت أوراق زوجها مبعثرة هناك. كانت ملزّمة من الأوراق قد كتب عليها (المــرأة المجهــولة) وتحت هذا العنوان كتب بخط عريض (متـاهـة آدم). وعنوان صغير آخر. (رواية).

هي تعرف أن زوجها أستاذ جامعي. كما أنه يؤلف الكتب، لكنها لم تقرأ له يوما أياً مما كتب. تدري أنه حمل معه من بغداد كتاباً يحمل صورته واسمه. رواية عنوانها" كوابيس القنـفذ". لكنها الآن ترى أنه كان منذ أن كانا في بغداد يكتب. وحمل أوراقه معه إلى الأردن. وإلى ألمانيا. وها هي رزمة الأوراق التي عليها عنوان" المرأة المجهولة" أو" متـاهـة آدم"!

راودها فضول بأن تقرأ الذي كتبه زوجها. ربما كتب أسراره في هذه الملزمة. قررت مع نفسها أن تقرأ هذه الملزمة. . دون علمه. أرادت أن تتعرف على هذه (المرأة المجهولة)، فهل يا تُرى هناك امرأة أخرى في حياته!

ما أن همت بأخذ الملزمة والجلوس لقراءتها حتى سمعت حركة المفتاح في الباب. فأسرعت بالجلوس على الصوفا. بعد لحظات دخل زوجها، ثملاً، متعباً، ساهي النظرات. ارتسمت على وجهه علامات الاستغراب حينما وجدها لا تزال صاحية ولم تنم لحد الآن، إذ كانت الساعة تقارب الثالثة فجراً.

راود الدكتور آدم التائـه للحظة شعور بأنه كان قاسياً معها أمام الأصدقاء هذا المساء. تأملها. كانت حواء المؤمن امرأة مثيرة. هي طويلة القامة نوعا ما متناسقة الجسد، ممتلئة الشفاه، طويلة الأنف قليلا، بنية العينين، يكشف جسدها عن انحناءات مثيرة لاسيما الجزء الأسفل من جسدها. شخصيتها وملامحها تشي بأنها امرأة لديها عالمها الخاص، فهي تتجه إلى الداخل ولا تهرب إلى الخارج!

جلس إلى جانبها بطريقة وكأنه يرمي بنفسه عليها، فأزاحت نفسها قليلاً كي يجلس براحته إلى جانبها. أحتك فخذه بفخذها فأحس بطراوتها. تصاعدت رغبته في مضاجعتها، لكنه لا يعرف كيف يبدأ، فهو يعرف أن تعامله معها هذه الليلة أمام الرجال لا يمكن إصلاحه بسهول. لكنه يعرف أنها يمكن أن تنسى أي خلاف بينهما بعد أي مضاجعة له معها، أو على الأقل تنسى لفترة قصيرة!

أحسّت حواء المؤمن برغبته التي كشفتها نظراته المليئة بالشبق، لكنها أرادت أن تعاقبه على تصرفه معها أمام الآخرين. أرادت النهوض. لكنه أمسك بيدها ساحباً إياها إليه. تمانعت وصدته فأحتضنها بذراعيه، ووضع رأسه على بطنها وهي واقفة بين يديه تحاول التملص منه إلى أن استطاعت تحرير نفسها منه، وذهبت إلى غرفة النوم، وأغلقت الباب خلفها.

قام خلفها دافعا الباب بقوة. لم تكن قد استلقت على السرير. فوجئت وهو يحتضنها من الخلف. حاولت التخلص منه فلم تستطع. بدأت تحس بحرارته وشبقه الذي أثار فيها رغبة عارمة، لكنها لا تستطيع الاستسلام والقبول بسهولة، فظلت تمانع وتماطل في الاستجابة. كانت تستمتع بمحاولاته السيطرة على جسدها. وبالرغم من أن آدم التائـه كان ثملاً، إلّا أنه كان قوياً، لذا سيطر عليها بذراعيه ودفعها إلى السرير رافعا ثوبها من الخلف إلى الأعلى وساحبا سروالها بقوة كي يصل إلى قدميها. ومثل أي حصان هائج بطحها وأولجه في فرجها من الخلف، فأحست بعضوه يدق باب رحمها.

كانت تشعر بلذة عنيفة، بينما هو يطلق كلمات بذيئة منتشيا، وطالبا إياها أن تردد ما يقوله لها. ولم يكن أمامها سوى الاستجابة. كانت في بداية الأمر تستحي، لكنها أخذت تكرر تلك الكلمات دون أن يطلب منها ذلك، بل وتشعر بالراحة والشبق حينما تلفظها.

كان زوجها سريعا في الوصول إلى النشوة والقذف بينما كانت هي في ذرى الرغبة. همد عليها كالجثة. كانت هي تنتظر أي حركة منه. فجأة قام عنها منسحباً من الغرفة، بينما ظلت هي على رقدتها تائهة في منعطفات اللذة المقطوعة، فمدت يدها إلى أسفلها لتداعب نفسها وتصل بنفسها إلى الذروة.

**********

آدم البغـدادي: بعد قراءة هذا الفصل شعرت بالتوتر الجنسي. هل هذا الإحساس سيراود كل من يقرأ الفصل؟.

أتذكر أني قمت بهذه التجربة مع جارة لنا حينما كان زوجها غائبا، وكانت هذه الجارة تثيرني وتدعوني وحينما أود الاقتراب منها تبتعد. وقد صادف أن كان الجو ملائما لي ولها. لم يكن أي شخص في الدار. دخلت عليها وفعلت معها ما فعله آدم التائــه مع حواء المؤمن، بفارق وحيد هو أنها كانت امرأة جريئة، فقد كانت هي التي تطلب مني أن أتلفظ ببعض الكلمات الجنسية الفاحشة معها، بل وقامت ببعض الحركات التي لم يكن قد جربتها من قبل. لكني لم أود أن يكررها آدم التائه، لأن تلك الحركات لا تنسجم مع شخصية حواء المؤمن، لذا اكتفى بهذا القدر.

 أتذكر أيضا بأني شاهدت مثل هذا المشهد في فيلم أميركي ل(مايكل دوغلاس) حينما يغتصب أحدى صديقاته من الموظفات اللاتي معه. لستُ متأكداً من أين جاء هذا المشهد أثناء الكتابة. ؟ من تجربتي الشخصية أم من بقايا صور الفيلم العالقة في ترسبات اللاوعي.

حقا لا أعرف سر العملية الإبداعية وينابيعها الأصلية. ؟ كيف تتشكل الصورة الفنية. ؟ ومن أين للمخيلة تركيب هذه الأشياء. ؟ أتذكر المحلل النفساني والمفكر (غوستاف يونغ) ونظريته عن جبل الثلج في توضيح العلاقة بين الوعي الذي يشبهه بالقمة البارزة من جبل الثلج، وعن اللاوعي الذي يشكل ما تبقى من الجبل المغمور في أعماق المياه. فهل يستمد الكاتب من لا وعيه وبلا وعي أثناء تشكيله وإنجازه للعمل الفني. ؟

هل علي إبقاء هذا الفصل بهذه الصورة التي كتبتها أم أن علي تغييره أو حذفه بالكامل. ؟ أليس هذا الوضوح في رسم تفاصيل العلاقة فيه شيء من الإباحة وينتمي إلى الأدب المكشوف. ؟

أحقا أريد كتابة نص مكشوف أم أريد أن أكتب بصراحة وأكشف ما يجري بين المرأة والرجل بوضوح دونما تزويق. ؟ أنا أعتقد أن شخصية الإنسان الحقيقية تتكشف في السرير أو في العلاقة الجنسية.

الــفــصــــــل الـــــســــــــادس
هـــــــروب آدم
التـائــــه
استيقظت حواء المؤمن من نومها متعبة ومهدودة الأعصاب. أحست بجسدها ثقيلا على الحركة لكنها قامت ببطء متجهة إلى المطبخ لتعد الشاي. نظرت إلى الساعة الحائطية فوجدتها تشير إلى الحادية عشرة والنصف. حينما دخلت غرفة الاستقبال وجدت زوجها منهمكا بالكتابة، ومن ملامحه عرفت أنه لم ينم أو أنه استيقظ مبكراً جداً لكي يكتب، ولمحت أنه يواصل الكتابة في الملزمة التي تحمل عنوان (المـرأة المجهــولـة ) أو (متـاهـة آدم)، كما انتبهت إلى منفضة السجائر التي كانت مليئة بالأعقاب المحترقة والرماد.

لم ينتبه آدم التائه لها وهي واقفة قرب الباب. فجأة رفع رأسه إليها ونظر إليها بشرود وكأنه لم يرها ثم واصل الكتابة، لكنها وقبل أن تلتف لتخرج سمعته يقول:

-                     ممكن تعدّين لنا الشاي.

لم تلتفت إليه وإنما واصلت طريقها إلى المطبخ قائلة:

-                     لقد بدأت أعدّه.

في المطبخ انتظرت للحظات حتى بدأ الماء يغلي في الدورق. وضعت أوراق الشاي اليابسة في الدورق وسكبت عليه الماء المغلي. وضعت الدورق على النار ليغلي قليلاً. ثم بدأت بتخفيض النار إلى أقصى حد، وتوجهت إلى الحمّام.

في الحمّام نزعت ثوبها مباشرة ووقفت تحت دش الماء وفتحته على أشد قوة فيه وبقيت هناك للحظات تحت وابل الماء الذي أحست به يطهرها ويعيدها لنفسها.

**********

بينما كانت حواء المؤمن منشغلة بنفسها، واقفة تحت وابل الماء، كان آدم التائـه قد أنهى فصلاً جديداً من روايته التي أمضى أشهراً وهو يكتب في فصولها. فكّر مع نفسه لحظتها في أنها رواية مُتعِبة، ولا يدري كيف سينهيها. لم يكن قد خطط لها بهذه الطريقة. لقد ولدت في ذهنه بشكل بسيط وأحداث واضحة المعالم، لكن ما أن بدأ الكتابة حتى أخذت الأحداث مسارات لم يفكر فيها، والشخصيات تواجه مصائر لم يفكر بها قط! وبالرغم من أنه بدأ الرواية في بغداد إلا أنه واصل كتابتها في عمّان، واستمرت معه في ألمانيا دون أن يستطيع الوصول إلى الخاتمة التي لا يعرفها لحد الآن.

حينما بدأ الكتابة في هذه الرواية كانت علاقته بزوجته حواء المؤمن سطحية. صحيح أنها زوجته، لكنه تزوجها تلبية لرغبة أمه التي يحبها كثيراً، وأنه فعلاً كان يحتاج لامرأة تخدمها وتخدم أباه الذي لا يحبّه، والذي كان يجرح كرامة أمه التي كانت تعرف بأنه يقيم علاقات مع نساء أخريات.

يتذكّر حينما كان صغيراً في السابعة من عمره، كيف جاء أبوه ذات ليلة ثملاً ومعه امرأة غريبة، ودخل معها إلى البيت بصلافة. وكيف تشاجرت أمه معه أمام المرأة الأخرى، وكان هو واقفاً يبكي، خائفاً من هذا الشجار الذي انتهى بضرب أمه، حيث دفعهما الأب إلى غرفتهما، وأغلق الباب عليهما، بينما دخل هو مع المرأة الغريبة إلى غرفته. !!. لم ولن ينسى تلك الليلة التي ظلت تفاصيلها تعاوده كلما أراد أن يسامح أباه!

كان الدكتور آدم التائه هو الابن الوحيد المدلل للعائلة، فقد ولدته أمه على كبر. وهو يتذكّر أنه لم يعان من الحرمان المادي قط، فكل ما يشاء كان موجوداً حوله. وكل ما يتمنى يتحقق ويستجاب. فوضع العائلة من الناحية المادية جيد جداً، إذ أن والده كان تاجراً للحبوب والتبغ. وحينما بدأ الذهاب إلى المدرسة عيّن والده أحد العاملين لديه بأخذه إلى المدرسة وإرجاعه عند نهاية الدوام، وكم كان يكره ذلك، لأنه كان يحب أن يلعب مع بقية التلاميذ وأن يرجع معهم دون رقيب، فهم يرجعون جماعات وأثناء عودتهم إلى بيوتهم يثرثرون ويضحكون وأحيانا يمرون بمواقف مضحكة وغريبة، يتبادلون الحديث عنها في اليوم الثاني عندما يتجمعون أثناء الفرص بين الدروس، فكان يحس بالأسى لأنه لم يمر بأي موقف مسل وطريف.

يتذكر الآن أنه كلما كبر ازدادت شدة رقابة والده عليه، بل وكان يقسو عليه وكأنه ليس ابنه. كثيراً ما كان يشكو لأمه التي كانت تلوذ بالصمت عندما كان يسألها: لماذا يعاملني أبي بهذه القسوة وكأني لست ابنه؟ حينها كانت عيناها تغرورقان بالدموع، ولم يكن أمامها سوى أن تحضنه وتقبله مخففة عنه دون أن تقول كلمة واحدة. يتذكر ذلك جيداً، ولن ينساه. بل ظل لسنوات، ولا يزال، يسأل نفسه: لماذا كانت أمه تصمت حينما كان يسألها عن سبب معاملة أبيه له بهذه القسوة. ؟ بل وحينما يعرب لها صراحة بشكوكه وكأنه ليس ابنه. ؟!.

كان يحسّ بأن أباه لا يحبه من أعماق قلبه، بل يتذكر جيداً أنه حينما كان صغيراً. والده كان يوقفه أمامه ويتأمله وكأنه كان يبحث عن شيء في وجهه!

وكلما تقدم الفتى آدم التائــه بالعمر توسعت الهوة بينه وبين أبيه والتصق أكثر بأمه. وحينما دخل الجامعة شعر بأن أباه لم يكن راضياً على ذلك. ، فقد طلب منه عدم مواصلة الدراسة والعمل معه، إلا أن إصرار أمه على أن يكمل دراسته هو الذي أنقذه من مصيره الذي أراد أبوه أن يرسمه له!

حين انتهى من دراسته الجامعية كانت البلاد تمر بمشاكل سياسية وحرب أهلية بين الحكومة والكورد الذين كانوا يقاتلون في الجبال، وكان كل من ينهي دراسته عليه أن يخدم إلزاما في الجيش، وكان معظمهم يرسلون إلى جبهات القتال في الجبال لمواجهة البيشمركة الكورد.

كانت الجثث القادمة من هناك تبث الرعب في قلوب الأمهات! ولقد استمرت هذه الحرب حتى بعد أن أنهى دراسته الجامعية. لذلك ما أن حصل على شهادة البكالوريوس حتى سجل لدراسة الماجستير. وكانت أمه هي التي سعت له في التوسط من خلال قريب لها! لكن آدم التائه انتبه حينها إلى كراهية والده الشديدة لذلك الرجل القريب لأمه. بل كانت الحقد يتوهج في نظراته حينما ورد ذكره مرة أو مرتين أمامه. !!. لكن أمه لم تبال بحقده وكانت تعرف كراهيته للرجل القريب. لذلك بعد أن أنهى الماجستير طلبت منه أن يساعد ابنها في أن يواصل الدكتوراه. وهذا ما جرى. !! حينها جن جنون الأب.

كان الفتى آدم التائــه يدرك بأن هناك هوة غامضة مليئة بالأسرار تكتنف العلاقة ما بين والديه، لكنه لم يصل أبداً إلى قرارها. ولا إلى إضاءة أية من أسرارها! كل ما توصل إليه هو أن هذا الرجل القريب كان في شبابه يحب أمه بكل طهرها وخطاياها إن كانت لديها خطايا، لأن آدم يشك بأن لأمه خطايا فهي بالنسبة له قديسة، شهيدة. ولا يعرف عمق العلاقة بينها وبين ذاك الحبيب. لكنها كما يبدو لم تستطع، لظروفها العائلية الغامضة، أن تتزوجه. ويبدو أن علاقتهما بقيت قوية جداً. وبقيت قوية حتى بعد زواجها. لكن الشخص الآخر إنسان مثقف وله حضوره وسمعته ورزانته. وهو لم يلتق به وإنما كان يساعده عن بعد. بعد أن تتصل به الأم. لكنه يعرف أباه جيداً. فهذا الرجل الذي هو ابنه، برغم علاقته به فهو شخص غريب إليه، بل هو الشخص الذي عذب أمه، وضربها، وجاء بالعاهرات ليضاجعهن أمام عينيها. !

**********

درس آدم التائـه في كلية الآداب قسم اللغة العربية، وقد واصل دراساته العليا في حقول الدراسات الإنسانية أيضا. في الجامعة شعر برغبة في الكتابة. كان قارئاً نهما، لكنه لم يفكر أن يكون كاتباً، وبرغم ذلك وجد نفسه يكتب. ربما شجعه ما لاقاه من ثناء حول أسلوبه في الكتابة وطريقة سرده للأشياء والأفكار بشهادة جميع أساتذته وزملائه طلبة الجامعة. لذا بدأ بكتابة الخواطر، لكنه وجد أنها تافهة ولا تلبي ما يغلي في نفسه، وجرب كتابة القصة القصيرة، لكنه وجد أنها أقصر من أن يقول ما يريد، لذا حينما كتب أحدى قصصه لم يلتزم بشروط القصة القصيرة فاستمر في سرد الأحداث حتى صارت لديه قصة طويلة لا هي بالرواية ولا هي بالقصة القصيرة، لذا قرر أن تكون رواية فأعاد بناء الأحداث. أضاف شخصيات جديدة وأطال من بعض الحوارات وأسهب في الوصف، فصارت لديه قصة طويلة يمكن القول عنها إنها رواية. ولم يكن النشر بالنسبة إليه مشكلة من الناحية المادية، لكنه حينما قدمها إلى وزارة الإعلام تم رفضها لأنها (لا تستجيب لمشاكل المجتمع العراقي الذي يعيش التحولات الثورية وان معظم شخصياتها سلبية)، لذا قرر طبعها في بيروت. وفعلاً، راسل إحدى دور النشر المعروفة هناك واتفق معهم على المبلغ الذي كان بالنسبة لبقية الكتاب العراقيين كبيراً، وتم نشر الرواية التي لاقت صداً طيباً في الصحافة اللبنانية، ولم يكتب عنها في بغداد سوى أخبار عابرة وعرض مبسط، لكنها برغم ذلك رسمت له اسماً في المشهد الأدبي.

ربما كان هو محبطا من الاستقبال البارد للرواية بين أوساط النقاد في بلاده، لكن الذي عوض عن هذا ما كتبه أحد الصحفيين اللبنانيين بأنه يجد في آدم التائه كاتبا موهوباً، فهذا الأسلوب الغامض والبوليسي والغرائبية تكشف عن مخيلة خصبة.

**********

أشد اللحظات إثارة في حياته الإبداعية كانت عندما دخلت إمرأة فاتنة، لم يظن أنها إحدى الطالبات الجامعيات، إلى مكتبه في الجامعة، ذات يوم، وقالت له بأنها قرأت روايته (كوابيس القنفذ)، وإنها معجبة بهذه الرواية جداً، ومعجبة بطريقته في الكتابة، لكن لديها بعض الملاحظات.

بعد أن قام الدكتور آدم التائـه بمراسيم الترحيب طلب أن يسمع ملاحظاتها فقالت له بأن ملاحظاتها ربما لا تعجبه، وربما سينزعج منها، فنفى ذلك وأصر على أن تقول ما لديها وبصراحة شديدة، فقالت له كلاما وكأنها كانت قد أعدّته، لأنها لم تتوقف ولم تتردد في سرد ملاحظاتها الجريئة، وما زال يتذكر كل تلك اللحظات والجمل التي فتحت باباً لسعادة مؤقتة في حياته:

-                     أنت يا دكتور آدم التائـه كاتب تائـه كلقبك. كاتب متردد. لا تستطيع أن تقول كل شيء. إن الغموض في روايتك ليس متأتيا من طريقتك في الكتابة، وإنما لخوفك من أن تقول كل شيء عن الشخصية. وبصراحة، وأنك وقد سمحت لي بالحديث معك بصراحة، كاتب معقّد، وعلى الرغم من اعتقادي بأنك نفسك بطل الرواية أو على الأقل اعتمدت على تجربتك الشخصية فأنك جسّدت نمطا من الناس يعيش بيننا حقاً، فزوجي تقريبا يشبه بطلك في الكثير من الأوجه.

فقاطعها آدم التائه مستفسرا وكأنه استلم رسالة خفية منها:

-                     هل أنت متزوجة. ؟

نظرت إليه أول الأمر بغرابة لمقاطعته لها مستفسراً عن هذا التفصيل من كل ما قالته، ثم استرخت ملامحها وابتسمت ابتسامة خفية، وكأنها فهمت بأنه يريد أن يتعرف عليها شخصياً، ولا يعنيه ما تقول فيه:

-                     نعم أنا متزوجة من رجل عسكري وبرتبة كبيرة.

صُدم من إجابتها وكأنه جاء كرسالة تهديد تنبهه أن لا يتمادى معها، واستمرت:

-                     أرجو أن لا تكون ملاحظاتي جارحة أو مزعجة.

فكر آدم التائه بسرعة خارقة. كيف له أن لا يحاصر هذه المرأة الفاتنة بشبكته العنكبوتية.

وأن يقيم معها علاقة. ؟ لقد تأججت الرغبة فيه وهي تتحدث، لكنها أربكته بكلامها عن زوجها. إذن، عليه أن يستخدم أساليبه الأدبية وكل خبرته في التواصل معها. فقل لها بحرارة:

-                     ملاحظاتك ليست جارحة. على العكس. هذه المرة الأولى التي أجد من يفهمني بهذه الطريقة العميقة. أنت، إذا سمحت لي، مرآتي. مرآة روحي القلقة والمعذبة.

انتظر وقع كلماته عليها. أدرك بأنه أثر فيها من خلال تعظيم شخصيتها ومنحها هذه التوصيف الذي أعجبها وأثار غرورها ودفعها للتعاطف الخفي معه، فقالت مبتسمة:

-                     يشرفني أن أكون بهذه المكانة لديك. برغم اعتقادي أني كنت قاسية عليك. أسعدني جدا أنك تقبلت ملاحظاتي بهذه الأريحية. هذه من سمات الكتاب الواثقين من أنفسهم. الذين لا يهابون النقد مهما كان قاسياً.

لم يجبها الدكتور آدم التائـه لأنه في تلك اللحظات كان يتخيلها عارية، لكن كان عليه الإجابة ايضا، فقال لها:

-                     أتمنى شيئا واحداً. بل هو رجاء أكثر مما هو أمنية.

ابتسمت بغموض وكأنها تتوقع ما سيطلبه، لكنها أرادت أن تتأكد:

-                     ما هي أمنيتك أو رجاؤك؟ بودي معرفة ذلك لو سمحت. !

نظر آدم التائـه إليها بتفحص. عرف أنها تعرف ما سيقول وأنها تتقبل ذلك، لكنها تلعب معه أيضا:

-                     أريدك أن تكوني مرآتي دائماً. سأريك كل حرف أكتبه، وأستمع إليك وكأنما أستمع إلى نفسي الغائبة. أريد أن أرى نفسي فيك دائماً.

ابتسمت أكثر وقالت وهي تنظر في عينيه مباشرة:

-                     دائماً. ؟

-                     دائما. دائما. وإلى آخر لحظة في حياتي.

ضحكت بمرح وقالت:

-                     أوه. بدأنا ندخل المناطق الخطرة. إلى آخر لحظة في حياتي؟؟!! هل أنت متأكد؟!

-                     متأكد. متأكد.

أحس بالتهيج. أراد أن يقوم من مكانه ويحضنها مباشرة لكن توقف وكأنما هناك نداء داخلي ناداه بأن يصبر ولا يستعجل إلى أن تنضج الفاكهة. إذن عليه الاستمرار في الدور. أصطنع الحزن والخيبة، فقال:

-                     لكني أعرف أن ذلك مستحيل!

فوجئت بتحول حاله وأحست بالخوف من فقدان شيء ثمين، فقالت:

-                     لماذا مستحيل؟

نظر إليها كمن يريد إطلاق طلقته الأخيرة على الهدف الذي سيحسم وضعه معها:

-                     لأنك متزوجة من شخصية عسكرية وبرتبة كبيرة كما تقولين. وهذا الأمر كما تعرفين ربما سيكون سببا لخلق بعض الصعوبات والمشاكل لك. ولي. !

أحسّت هي ببعض الراحة حينما عرفت سبب الخيبة التي ارتسمت على ملامحه، فقالت مبتسمة:

-                     من هذه الناحية لا تقلق، أولا أنه غائب دائماً أو شبه غائب. وثانيا: أنا التي أتحكّم في كل شيء، كما أني لن أجعلك عرضة للمشاكل.

ثم نهضت فجأة ومدت يدها مصافحة إياه ومبتسمة، فنهض أيضا، فقالت له:

-                     أرجو أن تحمل ما لديك من كتابات كي استطيع قراءتها وإبداء رأيي فيها إن أحببت:

-                     طبعا. طبعا. ستكون معي هنا غدا.

-                     غدا ليست لدي محاضرات. بعد غد سأكون في الجامعة.

-                     بعد غد. إذن بعد غد.

وحينما استدارت خارجة نظر إليها من الخلف سارحا بنظره إلى مؤخرتها وإلى ساقيها، ثم جلس على كرسيه مذهولا وكأنه في مشهد روائي متخيل، وليس واقعا عاشه بكل تفاصيله.

ظل جالسا في كرسيه لفترة طويلة دون أن يفعل شيئا غير الاستغراق في التخيلات الجنسية وأحلام اليقظة. فجأة أحس بلقلق حينما طرأ تساؤل غريب على ذهنه: ماذا لو اتضح أنها مرسلة من جهات أمنية لتوريطه في مسألة ما تكون نتائجها وخيمة عليه؟ لاسيما وانه لا ينتمي إلى الحزب الحاكم. وبسبب ذلك صار وضعه في الجامعة مقلقاً له. !! لكنه أجاب بنفسه على سؤاله: لماذا يرسلون امرأة فاتنة لهذه المهمة وبطريقة أدبية، ولا يتبعون أساليبهم المعروفة بالضغط والإكراه الصريح والمباشر؟ ثم أنها فعلا قدمت ملاحظات جيدة حوله، وربما هي محقة في ما يخص ملاحظاتها عنه شخصيا!

**********

في اليوم المحدد بينهما لم تأت. تذكّر أنه لم يسألها في أية كلية هي أو أن كانت إحدى طالباته. وبرغم أنه لم يحمل معه أي شيء من كتاباته الجديدة لأنه ببساطة لم يبدأ بأي عمل روائي جديد، إلا أنه كان متحرقاً لرؤيتها، فهي امرأة أنيقة بل وفاتنة، وبدت له أنها مثقفة وجريئة، ومن خلال ملاحظاتها خمّن ربما هي أيضا تمارس الكتابة، فكلامها يشي بمعرفة نقدية متميزة، وثقافة عالية لم يجدها حتى بين أساتذة الجامعة، فمن هي يا تـُرى. ؟ لكن كيف سيلتقي معها، وأين؟

فكّر مع نفسه. عليه أن يؤجر شقة خاصة لكي تكون عشا للقائهما،إذ يبدو أنها أيضا امرأة مغامرة، وأنها تريد أن تقيم علاقة معه، فهي لم تعترض بل رحبت بالتواصل بينهما. لكن لماذا. ؟ ما الذي أغراها فيه، هل أن روايته (كوابيس القنفذ) هي التي أثارتها إلى هذه الدرجة حقاً. ؟ أم أنها امرأة حالمة تريد أن تكون بطلة لرواية، وبالتالي بدأت معه علاقة لأنها متأكدة أنه سيكتب عنها رواية أو ستكون إحدى شخصياته الروائية، فهل هذا طموحها حقا؟ ثم هل هو معقد كما قالت. ؟ وهل هو مفضوح إلى هذه الدرجة بحيث أن القاريء يستطيع تلمس عقده النفسية؟ ما الذي كانت تقصده بأنه معقد. ؟ حينها لم يكن يستمع لها بوعي وانتباه برغم أن وجهه كان يعبر عن الانتباه، لأنه حينها عراها وهي جالسة أمامه. !!.

هل أن جميع الرجال أو على الأقل الكتاب والفنانين، أو بشكل عام المثقفين، هكذا مثله حينما يقابلون امرأة جميلة وفاتنة مثلها لا يفكرون إلّا في سبل الوصول إليها. وإقامة علاقة معها. ؟ ما معنى الحب إذن؟

لم تأت المرأة الغامضة. ضاقت بنفسه. وصار عصبيا. وشحبت أحلامة، بل وداهمته أفكار سوداوية حول غموض هذه السيدة. ولغز مجبئها واختفائها المفاجئ. !

**********

حينما رجع ذلك اليوم ظهرا إلى البيت وجد أن أمه نائمة وأباه يرش باحة الدار بالماء من حنفية الدار. ألقى التحية دونما اهتمام ودخل إلى غرفته حتى دون أن ينتظر سماع رد التحية فوجد زوجته نائمة والمروحة تدور حولها قرب السرير. انتبهت لدخوله، فقامت وعلى وجهها ما يشبه الاعتذار، قائلة:

-                     لقد تأخرت اليوم، فظننت أنك لن تأتي إلا مساءً، فتمددتُ ثم غفوت. سأصب الطعام، فهو جاهز، بل وما زال ساخناً.

لم يعلق على كلامها وإنما سألها عن والدته:

-                     هل أكلت، وهل أخذت أدويتها في مواعيدها. ؟

-                     نعم. أنا بنفسي ساعدتها على تعاطيها.

-                     هل هي نائمة. ؟

-                     لا أدري. يمكن أن تكون قد نامت لأنها تمددت بعد أن أخذت الأدوية، لكن عمي لم يأخذ قيلولته. فقد قرّر أن يرش باحة الدار بنفسه رغم أني قلت بأني يمكن أن أقوم بذلك.

-                     لا يعنيني ماذا يفعل هو. المهم أمي.

لم تعلّق على كلامه، لكنها كانت تحس بأنه لا يطيق أباه. خرجت من الغرفة، بينما وضع هو حقيبته الجلدية جانباً ونزع قميصه الذي كان قد ابتل من التعرق، وكذلك بنطاله، ثم لبس دشداشته التي أخذها من على حمالة الملابس.

**********

حينما جاءت حواء المؤمن بصينية الطعام كان الدكتور آدم التائه متمددا على الأريكة محدّقاً إلى سقف الغرفة. ! وضعت الصينية على الأرض فنزل هو وجلس على البساط المفروش على إحدى جوانب الغرفة، وبدأ يأكل وهو ساهم النظرات، فسألته مستفسرة:

-                     هل حدث شيء ما. ؟

انتبه إلى سؤالها ونظر إليها مستفسرا:

-                     لا، لم يحدث شيء، ماذا يمكن أن يحدث. ؟

انتبهت لجفاف لهجته. فقالت بنبرة مترددة:

-                     لا أعلم، لكنك ساهي النظرات، فقلت ربما حدث شيء. ؟

فقال بعصبية واضحة واستياء من الأسئلة:

-                     لا لم يحدث شيء.

واستمر في الأكل وملامحه تؤكد أنه يفكر في شيء آخر. انتبه لها وهي تنظر إليه وهو يأكل، فلم يعجبه ذلك فقال لها:

-                     لا أحب أن ينظر أحد إليّ وأنا آكل!

ارتبكت حواء المؤمن فقامت خارجة ملتفتة له:

-                     سأساعد أباك في رش الباحة، وإلا فأنه سيغرق البيت بالماء

نظر إليها قائلا:

-                     حضري الشاي، وبعد ذلك احمليه لي في المكتبة.

-                     حاضر.

وخرجت إلى الباحة. بعد لحظات سمع أنها تحدّث أباه، بينما استمر هو في طعامه، ثم توقف فجأة حينما سمعها تقهقه وتصرخ جذلة طالبة من أبيه أن لا يرشها بالماء. ، فترك صينية الطعام جانباً، وقام ليخرج إلى الباحة صارخاً بها:

-                     ألم أقل أريد شايا.

-                     الشاي جاهز.

كانت حواء المؤمن واقفة بالقرب من والده، وكان الماء قد بللها فالتصق ثوبها الصيفي الخفيف بجسدها المثير فكشف عن مفاتنها وحتى عن سروالها الداخلي، فغضب منها، ثم توجه داخلا إلى غرفة المكتبة، فأحسّت بالانكسار ونظرت إلى أبيه الذي كان أيضاً غاضباً من تصرف ابنه، فتوجهت هي إلى المطبخ، لتحمل له الشاي.

**********

حينما دخلتْ إلى المكتبة وجدته متمدداً على الأريكة التي هناك. وقفت أمامه. تأمل جسدها المثير. طلب منها أن تقترب إليه فتقدمت حتى صارت أمامه مباشرة. بيدها صينية الشاي وعليها ابريق الشاي الصغير مع قدح الشاي وقندون السكر. وبلمح البصر مد يده متلمسا بين فخذيها، فرجعت إلى الوراء خطوة وقد شعرت بإثارة مفاجئة.

لا يدري لِمَ جاء مشهد الممثلة هند رستم في فيلم (باب الحديد) حينما كانت تغتسل وهي بثوبها الخفيف إلى ذهنه في تلك الظهيرة الساخنة. فجأة انتبه إلى أن لزوجته شبه كبير بهند رستم، إلا أنها أكثر شباباً من الممثلة المصرية. ، فهي في بداية العشرين من عمرها. فكّر للحظة بأنها أجمل حتى من المرأة الفاتنة الغامضة التي اقتحمت مكتبه في الجامعة فجأة، وطلب منها أن تكون مرآته!

شعرت حواء المؤمن بالخجل برغم الإثارة التي اشعلت جسدها، فقالت باستحياء:

-                     أبوك موجود في الباحة.

شعر بالغضب من جملتها، وكأنما أراد تحدي أباه، فقال لها:

-                     ضعي الصينية على الطاولة هناك. وتعالي. لا يعنيني من هو موجود أو غير موجود في الباحة.

فقالت بارتباك وخجل:

-                     ولكن يمكن أن يسمع صوتنا. !

فقال لها بحزم وبنبرة آمرة:

-                     قلت لك إنه لا يعنيني.

وما أن وضعت الصينية على الطاولة حتى سحبها من يدها إليه فقالت له:

-                     دعني أغير ثوبي فهو مبلل.

نظر إليها بشبق للحظات وقال برقة كاد يخجل منها:

-                     أريدك هكذا، بثوبك المبلل.

ثم قام فجأة وأجلسها على الأريكة رافعا ثوبه إلى الأعلى طالبا منها أن تأخذه بفمها فقالت له:

-                     لا أرغب بذلك، لم أفعلها سابقاً.

-                     افعليها الآن. جربيه.

-                     لكن.

-                     قلت خذيه بفمك. جربي. سيعجبك!

لم يكن أمامها إلا أن تفعل ما يريد فأسدل ثوبه عليها وظلت هي تحت الثوب.

**********

في اليوم الثاني كانت لديه في الجامعة محاضرتان. حينما توجه إلى مكتبه وجدها واقفة قبالة باب المكتب تنتظره. اجتاحته مشاعر متضاربة. غضب لأنها لم تأت على الموعد، وفرح لأنها موجودة وتنتظره. لكنه حاول أن يتماسك ولا يكشف عن لهفته بسهولة. لم يحدثها في الممّر، وإنما فتح باب مكتبه فدخلتْ خلفه بشكل طبيعي، وما أن صارا في المكتب أسرع وهو عند الباب لمصافحتها، داعياً إياها إلى الجلوس، بينما جلس هو على كرسيه خلف طاولة مكتبه، مبادرا الكلام:

-                     أعتذر إن جعلتك تنتظرين أمام الباب.

انتبهت هي إلى أنه يكابر فلم يسألها عن عدم حضورها إلى الموعد الذي حددته، فقالت وكأنها تحاول أن ترضي غروره وكبرياؤه:

-                     أنا عليّ الاعتذار يا دكتور. لأني أخلفت موعدي! فلقد كان يفترض أن أكون هنا بالأمس، لكني لم أتمكن من ذلك لأن زوجي جاء من السفر ومكث ليوم واحد قبل أن يلتحق بمعسكره.

شعر برضا نفسي لأن حجتها مقبولة. برغم الخاطر الذي مرق في ذهنه مباشرة بأنها مرت بليلة حمراء. فتعكر مزاجه، فقال بنبرة فيها عتاب وإحباط:

-                     وأنا قد حملت كتاباتي الأخيرة بالأمس لكنك لم تحضري. ولم أتوقع مجيئك اليوم، بل ظننت أنك لن تأتي أبدا.

فابتسمت له وقالت بدلال:

-                     أولا: أنا آسفة حقا لأني لم أستطع المجيء. ثانيا: كيف تفكّر هكذا، ألست مرآتك إلى آخر لحظة من حياتك كما قلت، أم إنك تراجعت عن ذلك؟

غمرته سعادة لا يعرف كيف تفجرت في أعماقه. وأحس أنها تريده فعلاً، فقال بحماس:

-                     أنا؟ أنا أتراجع عن ذلك؟ أنا لم أصدق أنكِ كنت هنا. ظننتك وهما.

-                     وهماً. أم حلماً؟

نظر إليها بإعجاب لهذه الالتفاتة الذكية وقال:

-                     نعم. أنت حلم جميل ومذهل. ولا أصدقك أنك الآن أمامي ثانية. !

أعجبها ما قاله. شعرت بأنها تتجاوز معه الكثير من الحواجز والمواضعات الرسمية. فقالت بمرح وإلفة:

-                     أهووووو. سيصيبني الغرور يا دكتور.

مدّ نصفه الأعلى على طاولة المكتب وكأنه يريد أن يصل إليها وقال:

-                     بالمناسبة. هل تدرين أنني لا أعرف اسمك؟ فمن شدة ذهولي لم أسألك عنه!

نظرت إليه بغنج وقالت:

-                     ربما سيصيبك الذهول أكثر إذا ما ذكرت اسمي. لأننا سنكون ثنائي غريب.

صمت لحظة ثم نظر إليها بتساؤل، وقال بتردد وكأنه يحل لغزا:

-                     لا تقولي إن اسمك. حــــــواء!

-                     بالضبط!

أصابت الدكتور آدم دهشة حقيقية. تراجع إلى الوراء. وقال وكأنه يحدّث نفسه:

-                     طريدة الفردوس. !

صمتت للحظات. انتبه لظلال كآبة مرت على وجهها، وقالت:

-                     عن أي فردوس تتحدث يا دكتور؟ ليس أمامنا سوى الجحيم!

تدارك هو الموقف حين انتبه لنبرة الحزن في صوتها، وقال متراجعاً:

-                     أقصد كنا في الفردوس.

نظرت إليه بتركيز وقالت بنبرة مشوبة بالتحدي واستقلالية الرأي:

-                     شخصياً لم أكن يوما في الفردوس! إلّا إذا اعتبرتَ رحم أمي هو الفردوس. أعتقد أن العدم هو الفردوس!

انتبه للحظات بأن عليه أن يكون دقيقاً في الحديث معها، فقال:

-                     ألا تؤمنين بقصة أدم وحواء وطردهما من الفردوس؟

انتبهت لتراجعه قليلا. وانكماش حماسه، فأرادت أن تطمئنه، فقالت:

-                     أنا اقرأ هذه القصة كأسطورة. أفهمها بشكل رمزي. لا أدري إن كان هناك فردوس بالمعنى الحسي الملموس، وإذا ما كان فأين هو. ؟ في أي كوكب أو مجرة يقع. ؟ لأنه، وبالتالي، فأننا أنا وأنت من لحم ودم، أقصد آدم وحواء، كانا مخلوقين ماديين، وكانا في الفردوس أو جنة عدن، حيث الأشجار وأنهار العسل والحليب والخمر. وحيث الثمار. والملائكة. وهذا يعني أنهما كانا في موقع مادي وملموس. ، ثم طردا إلى الأرض. وهي مكان ملموس أيضاً. أي ان الجنة مادية. !! وإلا كيف يمكن لهما وهما المخلوقان الماديان، وقد خلقهما الله من الطين، أن يكونا في موقع روحاني غير ملموس وغير مادي؟ وهذا مخالف للكثير من الأديان والعقائد. لأنه يجر إلى أسئلة صعبة.

وجد الدكتور آدم التائـه أنه أمام شخصية غريبة، بل نسيَ كل تفاصيل جسدها الطاغية ولباقتها المثيرة، وأخذ يفكّر بما قالته، فشحب لون وجهه وقال بارتباك:

-                     من أنت. ؟

ابتسمت بدلال وقالت:

-                     أنا حواء. حواء الغريب. لستُ حواء الفردوس، إنما حواء الجحيم الأرضي.

نظر إليها باستغراب وسأل:

-                     هل أنت ملحدة؟

ابتسمت له وقالت بطريقة ودودة لكنها متزنة وكأنها أدركت ما أثارته في نفسه من ارتباك:

-                     لا. على العكس. أنا مؤمنة جداً. مؤمنة بوجود خالق لهذا الكون العجيب، لكني لا أؤمن بالأديان. وحتى الأديان لا أفهم نصوصها بشكل الحرفي. أنا أفهم قصة حواء وآدم على أنها صراع الخير والشر في أعماق الإنسان، صراع الذكورة والأنوثة. ، صراع العقل والعاطفة. ، صراع الحرية والجبر الإلهي.

كان الدكتور آدم التائـه منبهرا بكلامها أشد الانبهار. شعر بدفق الفرح في عقله وروحه وقلبه، فقال بحماس واضح:

-                     لا. لا. هذا غير معقول. أنا لا أصدق أنني أمام امرأة من هذا الزمان!

ابتسمت له ثم فجأة ارتسمت علامات الحزن على وجهها الجميل:

-                     أنا امرأة من هذا الزمان. أو من أي زمان.

-                     ومن أي زمان أنت. ؟

ابتسمت له وقالت:

-                     يبدو لي أنت لا تؤمن بوجود أية امرأة عاقلة تستطيع التفكير ومجارات الرجل في طرح الأسئلة وتفكيك النصوص. ؟!!.

فأرتبك وقال بما يشبه الاعتذار.

-                     لا أبدا. لا أقصد بأنه المرأة أقل من الرجل قيمة، أو أنها أقل ذكاء، وإنما أردت أن أعبر عن إعجابي الكبير بك وبطريقة تفكيرك. هل تصدقين أنني لم أفكر بقصة آدم وحواء بهذه الطريقة وهي بالنسبة لي من المسلمات التي لم أفكر في أن أضعهما أمام محكمة المنطق الحسي هكذا!

ابتسمت. شعرت بالتميز. وقالت بدلال ومرح:

-                     سامحتك، لكن عليك الحذر من حواء ابنة الجحيم، ولا تنظر إليّ باعتباري طريدة الفردوس. اتفقنا. !!.

فقال مردداً باستسلام:

-                     اتفقنا.

كان الدكتور آدم التائـه يريد أن ينهي هذا الحوار المتعالي وأن يهبط إلى الأرض، أو إلى الجحيم كما تقول هي، وفكّر في نفسه للحظة، كيف ستكون في السرير، وبماذا تفكّر حين ذاك. لذا أراد أن يدير دفة الحديث نحو هدفه الواضح، فقال بمرح وحيوية:

-                     بالمناسبة، لقد فتشت عليك اليوم في قاعة المحاضرات وفي كلا الشعبتين فلم أجدك، هل أنت طالبة في كلية الآداب.

-                     لا. أنا طالبة في كلية الحقوق، السنة الرابعة. هل تريد أن تعرف عني أكثر. ؟ اسألني وسأجيبك. لا تتردد أن تسأل عن كل ما يدور في ذهنك. وأنا أعرف ما يدور في ذهنك.

فقال باستغراب إذ وجد في كلامها شيئا من الاستفزاز:

-                     تعرفين ما يدور في ذهني. ؟ كيف. ؟ ماذا يدور في ذهني يا حواء؟

نظرت في عينيه مباشرة وقالت بثقة:

-                     إنك مليء بأسئلة تخص وضعي العائلي، مثلاً تتحرق لمعرفة من هو زوجي، وكيف تزوجته. ؟ وهل هو أكبر مني أو لا. ؟ وهل لدي أطفال. ؟ وهل أنا مرتاحة مع زوجي أو هناك مشاكل بيننا، وأقصد بمرتاحة كل تفاصيل العلاقة الزوجية بما فيها علاقتنا كرجل وامرأة. ؟ وأسئلة أخرى تخصك، مثلا لماذا جئتك بنفسي وأردت التعرف عليك. ؟ وهل أنت الكاتب الوحيد في البلد الذي أعرفه أو أنا لدي علاقات مع أدباء آخرين ذهبتُ إليهم مثلما جئت إليك. ؟ وأخيرا إلى أي مدى يمكن أن تتطور علاقتك معي؟ و.

أحس الدكتور آدم التائـه بما يشبه الانهيار، فقال لها بلهجة شبه آمرة:

-                     اسكتي رجاء. اسكتي.

ثم حدق إلى وجهها مقربا وجهه إلى الأمام. نحوها مباشرة وكأنه يريد تأملها ومعرفة شخص مجهول:

-                     من أنت. ؟

نظرت إليه محدقة وكأنها تقرأ ما يدور في نفسه من مخاوف:

-                     أنا حواء. وأنا كما أنا أمامك واضحة كالمرآة.

-                     وغامضة أيضا. كالمرآة. !

-                     ربما.

مرت لحظات من الصمت، ثم قال لها وكأنه يستسلم أمامها:

-                     لنفترض جدلاً أن كل ما قلته صحيح، وأن هذه الأسئلة تدور في ذهني، فما هي إجابتك عليها؟

ابتسمت له وقالت بمرح:

-                     هل أنت متشوق لسماع الأجوبة؟

-                     نعم.

-                     جميعها؟

-                     نعم جميعها.

انتهبت لنبرته المتحدية باستسلام وقالت بمودة:

-                     أي سؤال من بينها تود أن تسمع إجابته أولاً. ؟

لم يجبها. ظل صامتاً. نظرت إليه بتفحص وقالت مبتسمة:

-                     تريد أن تسمع إجابتي عن السؤال الأخير قبل بقية الأسئلة التي هي أيضا مهمة بالنسبة لك، لكن الإجابة عن سؤالك حول المدى الذي ستتطور علاقتك بي هو الذي يهمك. أليس كذلك؟

فقال باستسلام كامل:

-                     نعم. أريد أن أعرف ذلك.

صمتت لفترة قصيرة، لكنها كانت بالنسبة إلى الدكتور آدم التائـه وكأنها اللحظات التي تسبق النطق بالحكم النهائي بالحياة أو الموت. شعر بعرق بارد يغطي جبينه. نظرت إليه. اكتسى وجهها مسحة من الحزن، وقالت بهدوء، وجدية، بعيداً عن أسلوب الدلال الذي كانت تمارسه قبل قليل:

-                     إلى أقصى مدى يمكنك أن تتصوره.

أمتد الصمت الذي بينهما. نظر إليها وكأنه غير مصدق ما نطقت به، فطلب منها بارتباك أن تعيد ما قالته:

-                     أرجوك. هل يمكنني أن اسمع ما قلته للتو؟

فقالت بهدوء شديد وهي تنظر في عينيه:

-                     يمكن لعلاقتنا أن تتطور إلى أقصى مدى يمكنك أن تتصوره. هل تفهمني. ؟

-                     أفهمك. لكني لا أفهمك أيضاً.

-                     بلا تلكن. سأجيبك على أسئلتك الأخرى بمرور الوقت. أم أنك مستعجل. ؟

كان مرتبكا وفرحا في الوقت نفسه لاجابتها الواضحة والحازمة، فقال:

-                     لا. لا. أنا الآن مرتاح. كل الأجوبة الأخرى يمكن أن تؤجل.

نظرت إليه وكأنها صُدمت وقالت بحزن:

-                     لا يعنيك من كل الذي أنا فيه سوى أن تحصل علي. ؟

انتبه إلى أنه ارتكب حماقة بهذه الإجابة التي كشفت نواياه، لكنها استرسلت قائلة:

-                     لا يغرنك هذه الأناقة والثراء الواضح في ملابسي، ولا السيارة، أوالسائق الذي ينتظر خارج الكلية، ولا كمية الدنانير التي أحملها في حقيبتي، ولا طريقة كلامي التي هي ليست سوى تكرار لأفكار كتّاب ومفكرين آخرين قرأتهم وحفظت أفكارهم، فأنا لستُ سوى امرأة حزينة. حزينة جداّ.

قالت ذلك ثم قامت فجأة وكأنها أرادت منع الدموع من أن تنهمر من مآقيها، وعند الباب التفتت إليه وقالت:

-                      سأمر غداً.

وخرجت. ظل الدكتور آدم التائه مصدوماً. لم يستطع استيعاب ما جرى خلال لحظات. ظل جالساً مذهولاً من قرارها المفاجئ بالمغادرة. قام من مكانه ولحق بها، لكنه لم يجدها! ركض في الممر ليلحق بها. وحينما صار خارج الكلية لمحها وهي تصعد سيارة مرسيدس جديدة يقودها سائق مسن لتجلس هي في المقعد الخلفي.

وقف صامتا تملأه الخيبة. ثم رجع منكسرا إلى مكتبه. جلس على كرسيه غارقا في لجّة أفكاره المتلاطمة.

**********

مرت أيام عصيبة على الدكتور آدم التائه لأن حواء الغريب لم تظهر. ولم تأت كالمرة السابقة على الموعد الذي حددته بنفسها. شعر أنه فقدها نتيجة لتهوره وواندفاع شبقه اللعين! فهذه المرأة ليست أنثى فقط وإنما هي امرأة مثقفة بشكل استثنائي ومتمردة مخيفة وشجاعة بامتياز. أحس وكأنه ممسوس بها، فهي شخصية لا يجدها إلى في الروايات، إذ لم يرَ امرأة في حياته تمتلك هذا الوضوح وهذه الجرأة. وهذا الغموض. فقد اختفت بطريقة غريبة مثلما جاءته بطريقة غريبة.

مر شهر. إنشغل الدكتور آدم التائه بأمور جرت في البيت، إذ مرضت أمه مرضا خطيراً، فقد أصابتها حالة من الألم الذي لم تستطع مقاومته بأي من المسكّنات، فنُقلت إلى المستشفى، وبعد إجراء الفحوصات تبين عندها حصى في المرارة مما يستوجب إجراء عملية لها. حينها لاحظ اهتمام زوجته حواء المؤمن الكبير بأمه فأعجبه ذلك جداً وأحس أنها قريبة منه. على عكس الذي لم يبد اي غهتمام بمرضها بل ولم يزرها إلى المستشفى قط!

كانا يذهبان مع زوجته إلى المستشفى، ويبقيان عند الأم فترةً طويلة ثم يرجعان معا. انتبه لخصال زوجته الإنسانية، فهي طيبة، ومسكينة، تعيش في عزلة نفسية، ويبدو أنها عانت كثيراً خلال زواجها الأول، برغم أنه يحاول أن ينسى أنها كانت متزوجة قبله. فقد كان يحاول أن يبعد عن تفكيره أن هناك من نام معها، ورحل في أنحاء جسدها المثير، ويعرف تفاصيل جسدها، قبلها وأولجه فيها، بل وإنها كانت تلهث من اللذة، فمثل هذه الأفكار والتخيلات تعذبه! لكنه يعود ليسأل نفسه: ماذا ذنبها هي. ؟ لقد زوجها أخوها إلى ابن عمها وهي صغيرة في العمر، وطلّقوها أيضا وهي صغيرة في العمر. ؟ إنه يعرف بأن أمه تحبّها كثيراً، وتعطف عليها وتعتبرها ضحية، لذا سعت لتزويجها له، فقد كانت أمه على الرغم من أنها لم تتعلم سوى إلى مرحلة المتوسطة، امرأة ذكية بل وحكيمة، لكن ليست حكمة الكتب وإنما حكمة الحياة، وهو يثق بأمه ثقة عمياء، وحين فاتحته بأنها تريد تزويجه، وأنها وجدت له المرأة الصالحة لم يفكر طويلاً، ولم يعترض، لكن حينما أخبرته بأنها مطلقة انتفض رافضاً، بينما انتقدته على موقفه!

يتذكر هو الآن بأنه امه استغربت من تعقيدات وتناقضات تفكيره الشخصي، وواجهته حين قالت له: كيف وأنت الأستاذ الجامعي تفكر بهذه الطريقة. ؟ ما ذنب المطلقات في مجتمعاتنا. ؟ بل من يضمن أن غير المطلقة هي الأفضل دائماً. ؟ ألم يتزوج النبي نساء مطلقات، بل ألم يطلق إحداهن من زوجها ليتزوجها، فكيف وهو الإنسان العادي، حتى ولو كان دكتورا، أن يحتج بهذه الطريقة؟

يتذكّر أن أمه حين ساقت له حجّتها بزواج النبي من المطلقات، خجل من ضعف موقفه وتخاذله الاجتماعي! وبرغم عادة الأمهات أنهن لا يرغبن تزويج أبنائهن من نساء مطلقات، فها هي أمه تختلف عن بقية النساء. ؛ إنها تدافع عن فتاة مطلقة، بل هي تسعى لتزويجها من ابنها الوحيد! لقد أكدت أمه له بأنها امرأة مريضة وكذلك أبوه، وهما يحتاجان للعناية، وأن أية فتاة أخرى لن تقبل بسهولة أن تكون خادمة لهما. ؟!. إذ ربما تسعى الفتاة الباكر لتكوين بيت خاص لها وتعتزلهم معه. ؟!. بينما حواء المؤمن فتاة مسكينة، ليس لديها مكان آخر غير بيت أخيها الذي تعاني ما تعاني فيه، وبالتالي ستكون شاكرة لهما أن تعيش معهما كزوجة لابنهما الوسيم والأستاذ الجامعي. صحيح أنه أكبر منها بحوالي خمسة عشر عاما، إلا أنه يفيض بالحيوية والرجولة.

وبعد أيام ذهبت الأم لتخطب حواء المؤمن من أخيها الكبير، وتمت الموافقة بسهولة، وكأنما لم يصدق الأخ الكبير كيف تخلّص من أخته! وهكذا تم الزواج بسرعة ودونما ضجة كبيرة بسبب مرض الوالدين وضعفهما، ولامبالاة الدكتور آدم التائـه بالتقاليد الاجتماعية، ولكون عائلته المكونة من أمه وأبيه تبدو وكأنها شجرة بلا جذور، فهو ليس لديه أقارب، ولم يعرف يوما أن له أقارب سوى إشارة إلى قريب لأمه، الذي ساعده في عدم الالتحاق بالخدمة العسكرية من خلال سعيه لقبول آدم التائــه لدراسة الماجستير ومن ثم الدكتوراه! هذا الرجل الذي هو أكثر إنسان يحقد الأب عليه ويكرهه، والذي كثيرا ما كان أبوه يلمز لأمه بالإشارة إليه حينما كان صغيراً، ولم يفهم هو حينها شيئاً عن دلالة ذلك. لم يتجرأ الدكتور آدم التائـه أن يسأل نفسه إن كانت أمه قد خانت أباه مع قريبها هذا. ؟ بل ولم يود أن يذهب أبعد إن كان هذا الرجل أباه الحقيقي. ؟ وإلا لِمَ لم يشعر بحب أبيه الحالي أبداً؟

حياته مع زوجته حواء المؤمن عادية. هي فتاة مثيرة، وطيبة، وطيعة وبريئة، ولا تفهم شيئا في أمور العلاقة بين الرجل والمرأة برغم أنها كانت متزوجة، وقد كان مستمتعا معها، لاسيما حينما يجرها إلى مناطق غير مألوفة في العلاقة ويحس بتمتعها معه، وها هي الآن تكشف عن معدنها الطيب بالعناية والقلق الحقيقي على صحة الأم وكأنها أمها وليست أمه.

**********

يتذكر الآن كل شيء. فذات يوم وقبل أن يخرج من مكتبه دخلت حواء الغريب. كانت في فستان أسود مكشوف الذراعين ويمتد إلى الركبتين ويكشف عن تناسق جسدها المثير، لكنها كانت بلا زينة واضحة، وكانت هالتان سوداوان تحيطان بعينيها، من أثر السهر كما يبدو، وكانت تبدو متعبة ومنهكة جدا.

ارتبك الدكتور آدم التائـه عند رؤيتها، فلم يأمل رؤيتها ثانية. نهض من مكانه، متوجها إليها، وأراد احتضانها لكنها مدت إليه يدها على امتدادها مصافحة لتوقفه على مسافة منها. أحس بأن التي تقف أمامه ليست هي نفسها التي كانت تتحدث معه بدلال في اللقائين السابقين. ثم اختفت فجأة.

ثمة مياه كثيرة مرت تحت الجسور. كان يحس نفسه بأنه ليس ذاك الأرعن الذي تقوده شهوته، فقد أحس بعد مرض أمه واكتشافه لشخصية زوجته حواء المؤمن أن ثمة تحولا ًطرأ على مزاجه الشخصي. هل كان هذا بفعل غيابها أو أنه بفعل مرض والدته أو بفعل اكتشافه لإنسانية زوجته؟. لكن لماذا أحس بالارتباك عند رؤيتها، وكأنه كان مقيداً وقد فك وثاقه، فلم يعرف ماذا يفعل لحظتها؟

حين جلست ظلت صامتة للحظات كما ظل هو صامتا لا يريد أن يقتحم سكونها بالكلام، لكنها بعد فترة ليست بالطويلة بدأت بالكلام:

-                     أنا أعتذر جداً عن اختفائي المفاجئ دونما أي إشارة أو ترك أي أثر، لكني كنتُ مضطرة لذلك، فقد توفي والدي قبل فترة، وقد حطمّني هذا الحدث. لقد كان سندي في الحياة ومعلمي وصديقي.

أخرجت منديلا حريريا لتمسح دموعا ترقرقت في زوايا عينيها. تأثر الدكتور آدم التائه بهذا الخبر وحاول أن يشاركها حزنها فتمتم بكلمات تقليدية تُقال عادة في مثل هذه المناسبات:

-                     البقاء في حياتك، أشارككِ هذا المصاب الأليم، ولا أدري كيف أواسيك بهذا الفقدان الجلل.

-                     شكرا جزيلا.

-                     لم أكن أعرف عن كل هذا، لقد افتقدتكِ كثيراً، وظننت أنك لن تعودي أبدا، لاسيما بعد آخر حديث جرى بيننا.

صمتت للحظات. ثم قالت:

-                     أنا أيضا افتقدتك. لقد مررت بلحظات شعرت بحاجة كبيرة إليك. بعد رحيل والدي بقيت وحيدة في هذا العالم. أمي قد رحلت عن عالمنا منذ سنين، وليس لدي أي أشقاء فأنا كنت وحيدة أبي الحبيب. بالمناسبة، كان أبي يعرفك ومن المعجبين بروايتك (كوابيس القنفذ)، وقد كان يعرف أنني قابلتك، وهو الذي علق بأنك شخصية معقّدة، ولكنك كاتب موهوب لذا فقد كان يعتقد بأنك ربما ستكتب أشياء جيدة.

فاجأه كلامها، فأحس وكأن هناك أكثر من عين تراقبه وهو لا يدري، وفي الوقت نفسه شعر بشيء من الكبرياء، فقال لها:

-                     لماذا لم تخبريني بهذا في لقائنا الأول، فربما كنا قد تقابلنا، فشخصية مثله يتشرف المرء بالتعرف إليها.

-                     هو أيضا قال نفس الكلام تقريبا، لكنه كان مقعداً، ولا يتحرك إلا على كرسي، لكنه رحل وتركني وحيدة.

مرت لحظات صمت ثقيلة بينهما. لكنه تجرأ وقال:

-                     أنا موجود، وستجديني دائما إلى جانبك.

تألق وجهها وتوهجت نظراتها وقالت بمودة:

-                     شكرا جزيلا. هذا من لطفك.

-                     أنا أقصد ما أقول.

-                     شكرا جزيلا.

أمتد الصمت بينهما ثانية، فقالت وكأنها تود أن تحسم أمرا:

-                     هل ما زلت تنظر إلي وكأني مرآتك.

فقال بطريقة لا إرادية:

-                     نعم. طبعاً.

-                     إذا علينا أن نتواصل، لكني لا أستطيع أن أزورك هنا في المكتب باستمرار، فوضعي لا يسمح، لاسيما أن إحدى أخوات زوجي جاءت لتعيش معي. أبي كان يعيش معنا، وكنا أنا وهو وحدنا لأن زوجي لا يتواجد إلا عند الإجازات والظروف الطارئة، وقد أرسل إلى أخته كي تعيش معي بعد وفاة والدي، وبالتالي فأن حركتي سوف تكون محسوبة، فعندما كان أبي حيّاً كنت أذهب إلى أي مكان أشاء، وأقضي الوقت الذي أريد في أي مكان، لكن الآن. صار الأمر صعباً.

-                     أفهم. أفهم. ولكن كيف سأراك ومتى.

صمتت وعلى وجهها علامات التفكير. ثم سألته:

-                     لا أدري. هل لديك مكان خاص نلتقي فيه ونتحدث؟

-                     لا. لكني سأفكر في الأمر وسأجد شيئا من هذا القبيل.

-                     هل تعيش أنت وحدك أم مع عائلتك. ؟

صدمه هذا السؤال لاسيما في مثل هذا الوقت الذي أحس فيه بأنه اقترب من هدفه، ولم يستطع أن لا يجيب عليه فقال:

-                     أنا أعيش مع عائلتي، لكني فكرت أن استأجر شقة تكون ملجأ للكتابة ولعزلتي الأدبية.

-                     هذا جيد. ولماذا لم تقم بهذا الأمر سابقاً.

-                     لأني. لأني.

فقاطعته:

-                     إذا كان السبب مادياً فأنا مستعدة لأن أدفع إيجار الشقة والإنفاق عليها، المهم أن تستأجرها. قد أبدو وكأني أتصرف بغرابة وتهور أو أبدو وكأني امرأة مستهترة لا تقيم وزناً للعادات والتقاليد الاجتماعية، فكيف بامرأة متزوجة ومن شخصية مهمة أن تأتي لرجل تريد التعرف عليه، وتطلب صداقته، وأخيرا تريد أن يستأجر شقة لكي تلتقي معه فيها، بل وتدفع له إيجار الشقة؟ امرأة مثل هذه ربما لا توجد إلا في الروايات أو في المجتمعات المتحررة وليس في مثل مجتمعنا المغلق. أليس كذلك. ؟

فقال باستسلام وكأنه يؤيد كل ما قالته أو هكذا راودته انطباعات عنها:

-                     هذا صحيح، فأنت امرأة غريبة، ومن ينظر إلى تصرفاتك وكل ما قمت به لحد الآن سيتكون لديه الانطباع الذي ذكرته قبل لحظات.

-                     أعرف ذلك، لكنك لا تعرفني جيداً.

-                     ربما.

-                     بل أكيد، فأنت تنظر إليّ كطريدة، كصيد جميل يستحق المغامرة والعناء، بل وربما سأكون حافزاً لكتابة رواية جديدة. أليس كذلك. ؟

-                     هذا أيضا صحيح لحد ما. لا أنكر.

-                      بل أكيد أيضا.

صمت هو فلم يشأ أن يتحدث كي لا يوقعه كلامه في مأزق. كانت هي تفكرّ بأشياء تدور في أعماقها، وبعد لحظات قالت له:

-                     دكتور آدم. أبي هو معلمي وصديقي، وعلمني أن أكون واضحة مع نفسي ومع الأشياء والآخرين، علمني أن أكون صريحة مع نفسي، ومع أفكاري ورغباتي، وأن أتحمل مسؤولية أي تصرف أو خطوة أخطوها أو قرار أتخذه. لكن وكما ترى الآن، أنا محطمة ووحيدة، وأحتاج إلى من أشعر بالأمان معه ليكون منبعا للقوة بالاستمرار في الحياة، وإلا فأنني سأنتهي.

-                     وزوجك. ألا تشعرين بالأمان معه.

ابتسمت بحزن. نظرت اليه للحظات وكأنها تدرس ملامحه. ثم قالت:

-                     إنه آخر إنسان يمكن أن أفكّر فيه، أو لا أفكّر فيه أصلا، لأنه بعيد عن عالمي. لا أريد أن أشكو مثل بقية النساء لتبرر تصرفاتها بالتعرف لرجال آخرين غير زوجها، فهو رجل لديه أحلامه وطموحاته وكرس حياته لهذه الأحلام والطموحات، وأنا له ديكور مكمل يحتاجه للوصول إلى هذه الأهداف. أنا بالنسبة جسد مثير يركن إليه من تعب الأيام والحياة يستمتع فيه بطريقته. في أي وقت يشاء وكيفما يشاء.

امتد بينهما صمت قصير. ثم سألها:

-                     ولماذا تزوجته إذن.

-                     أنه قريب لي. ابن خالتي. وتزوجني حينما كانت المرحومة أمي على قيد الحياة، وكانت خالتي قد طلبت يدي من أمي وأقنعت أبي. وبالمناسبة فهو رجل وسيم، وشخصية قوية، لكنه بالنسبة لي ليس زوجا. أنا لا أشعر بالأمان معه. حينما يكون في إجازة لا نجد ما نقوله بيننا سوى بعض الكلمات التافهة والعادية التي تتكرر كل مرة، ولا ينقذنا إلا زيارة أخته أو خالتي أو بعض الأقرباء الذي يتوافدون حينما يكون هو موجوداً. على أية حال. أوجعّت رأسك بهذه التفاصيل. لكني أعتقد أنك كنت تحتاج لمعرفتها. أليس كذلك!

انتبه هو إلى أنها دائما تنهي جملها بالسؤال: إليس كذلك؟ لكنه اعتبر ذلك جزء من شخصيتها وطبيعتها اللغوية. فقال لها:

-                     صحيح جداً. فأنا لا أعرفك. فأنت بالنسبة لي المرأة المجهولة. المرأة الحلم الذي يأتي ولا يأتي.

أعجبها تعبيره وتوصيفه لها. زابتسمت. ثم قالت:

-                     سأكون موجودة دائما معك. إذا كان هذا لا يضايقك طبعاً، ولا يخلخل نظام حياتك واستقرارها!

فقال بحرارة:

-                     سأكون أسعد رجل في العالم.

-                     إذن اتفقنا على تأجير الشقة وبأسرع وقت، وخذ شقة جيدة ونظيفة ولا تهتم للإيجار. اتفقنا.

-                     اتفقنا.

أجاب بتردد وخجل فلم يتوقع هو كل هذا الحوار المفصل عن حياتها الخاصة،وتسارع الأمور بينهما بهذا الشكل وإلى الحد أن تؤجر شقة ليلتقيا فيها، وفسّر الأمر بأن حالتها النفسية التي تمر فيها ربما هي التي تدفعها إلى البحث عن ملجأ آمن يعوضها عن حنان أبيها، الذي يبدو أنه كان رجلاً مثقفاً ومتحرراً، وقريبا منها، وعليه أن لا يفوت هذه الفرصة.

 أثناء ذلك قامت هي بعد وضعت منديلها في الحقيبة ثانية واتجهت نحو الباب، فنهض هو أيضا كي يوصلها، فرجته أن لا يقوم من مكانه:

-                     أرجوك أبق في مكانك. سأكون في الأسبوع القادم وفي مثل هذا اليوم عندك.

وخرجت دون أن تترك له فرصة للرد أو للقيام بتوصيلها إلى الباب.

**********

يتذكّر إنه حينما عاد إلى البيت وجد الجو مكفهراً إذ أخبرته زوجته مباشرة بأن والدته انتكست صحيا مرة أخرى، وأنها تتألم، وقد أخذت بعض المسكنات ونامت. صُدم هو عند سماع ذلك وانتابه شعور بالذنب إزاء أمه، فبينما هي تنهار صحيا وتتعذب كان هو يعيش مغامرة عاطفية محفوفة بالمخاطر، وهو يعرف ذلك، لكن رغبته تشل عقله وتخرس منطقه أحيانا.

فتح الباب على أمه في غرفتها فوجدها راقدة في نوم عميق، فأغلق الباب بهدوء ودخل غرفة المكتبة، وحينما دخلت حواء المؤمن عليه قال لها إنه يريد أن يكون وحده، وحينما سألته إن كان يحتاج لشيء فأخبرها أنه لا يحتاج لأي شيء، سوى أن يتركوه وحده.

في اليوم الثاني وبالرغم من أنه لم تكن هناك محاضرات في جدول الدكتور إلا أنه قرر أن يذهب إلى مكتبه في الجامعة، وأثناء ذهابه إلى الجامعة اشترى بعض الصحف الواسعة الانتشار ليبحث في صفحات الإعلانات عن شقة للإيجار، وهذا ما فعله بعد وصوله إلى المكتب، إذ توقف عند بعض الإعلانات عن شقق للإيجار، فسجلّها على ورقة منفصلة، ثم خرج ليقوم بمعاينتها وتأجير المناسب منها! وفعلا وجد شقة جيدة بغرفتين وصالة ومفروشة حديثاً، لكنها مرتفعة الإيجار نوعا ما، وفي منطقة الحارثية الحديثة نسبياً، والتي تسكنها الطبقة الوسطى تقريبا.

اتفق مع صاحب مكتب العقارات الذي كان هو الطرف المعلن بأن يتم ترميم بعض الأشياء الضرورية في الحمام الذي وعده صاحب المكتب بانجاز هذه النواقص خلال أيام، ووعده بالعودة إليه في الأسبوع المقبل.

**********

لم يعرف الدكتور آدم التائـه كيف مر هذا الأسبوع على الرغم من قلقه على أمه التي كانت تذبل يوما بعد يوم. في اليوم المحدد للقاء جاءت حواء الغريب إلى مكتبه كما وعدت! وبرغم كونها ما زالت في ثياب الحداد إلا أنها كانت أكثر أناقة من المرة السابقة.

ذهبا معا لرؤية الشقة، لكن كل بمفرده. بعد أن كتب لها عنوان مكتب العقارات. إلا أنه تأخر كثيراً بسبب الزحام. وصل هو بسيارة أجرة. فسيارته كانت عاطلة لسبب ميكانيكي. ولم يذهب بها إلى ورشة التصليح. لذا كان يتنقل بسيارات الأجرة بسهولة. وحينما وصل إلى مكتب العقارات وجد سيارتها هناك. ! نزل من سيارة الأجرة. وحينما دخل إلى مكتب العقارات وجدها جالسة هناك على إحدى الأرائك، فقام صاحب العقار مرحبا وكأنه يعرفه منذ زمن قائلا:

-                     أهلا دكتور. المدام وصلت قبلك، وقد عاينت الشقة بنفسها، والحمد لله أعجبتها، وقد اتفقت معها على كل التفاصيل، وقد تكرمت فأعطت إيجارا لستة أشهر مقدماً، ووقعت العقد باسمها، وكما وعدتك تم إصلاح كل النواقص التي اتفقنا عليها.

لم يجد هو حينها ما يقوله، فهو لا يعرف ما دار بينهما من حديث، لاسيما وأن صاحب المكتب أطلق عليها لقب المدام! نظر إلى حواء الغريب مستغربا فابتسمت له مشجعة.

بعد أن بارك صاحب المكتب لهما متمنيا إقامة طيبة، سألهما أن كان لديهما أطفال، فنظر هو إلى حواء الغريب وقال: لا. فعلّق صاحب المكتب بأنهما ما يزالان في عزّ شبابهما، وعليهما الاستمتاع بالحياة أولا، ثم أعطى نسخة من العقد للدكتور ونسختين منفصلتين من المفتاح الرئيس للشقة.

خلال حديث صاحب المكتب نهضت حواء الغريب، وما أن استلم الدكتور آدم التائـه نسخة من العقد ومفاتيح الشقة حتى قالت له أعطني العقد ونسخة من المفتاح كي أذهب أنا لشراء بعض الأشياء الضرورية للشقة، بينما تذهب أنت إلى جامعتك، فناولها نسخة من المفتاح والعقد دون أن يقرأ ما فيه، فقد ولدت رغبة في نفسه لحظة استلامه للعقد بأن يقرأ اسمها كاملا. مستغربا من سرعة البداهة وقوة الارتجال لديها، فهي لا تريد أن يعرف أسمها الكامل ولا أية معلومات خاصة عنها. لكنه سأل نفسه: يا ترى أية وثيقة قدمت لصاحب المكتب العقاري بحيث لا ينتبه أنها متزوجة من شخص آخر غيره؟ وما أن أعطاها نسخة من العقد والمفتاح حتى خرجت، بينما ظل هو لدقائق بعدها وهو يتبادل التحية مودعا صاحب المكتب.

بعدما أن غادر هو مكتب العقارات توجه إلى مكتبه في الجامعة، وحينما دخل الرواق وجدها واقفة بانتظاره، ففتح الباب ودخلا، وكالمعتاد جلس هو على مقعده خلف الطاولة وهي على كرسيها أمامه.

ارتبك الدكتور آدم التائـه ولم يعرف كيف يبدأ، أحس بالخجل لأنها دفعت الإيجار لستة أشهر مقدما. فقال:

-                     ما كان يجب أن تدفعي الإيجار وتوقعي العقد.

-                     ألم نتفق بأنني سأساعدك في النفقات.

-                     صحيح ولكن.

-                     إذن، ما المشكلة، ادفع أنت بعد ذلك. بالمناسبة الشقة جيدة ونظيفة والأثاث لا بأس فيه لكنه يحتاج لعدة القهوة والشاي، سأشتريها أنا، لدي مفتاحي. عموما، في الأسبوع القادم وفي مثل هذا اليوم سأنتظرك هناك في الساعة العاشرة صباحاً، لديك مفتاحك. وأتمنى أن تأتي بكتاباتك الجديدة. وإذا ما طرأ أي شيء عارض يمنع مجيئي أو مجيئك. فسأكون هناك في الأسبوع الذي يليه وفي نفس الوقت ونفس اليوم، وليكن هذا يوما وموعدا ثابتا من كل أسبوع. اتفقنا

فقال الدكتور آدم التائـه وهو يفتش جيوبه:

-                     اتفقنا.

فجأة بدأ القلق على ملامحه، وأخذ يفتش جيوبه ويقلبها:

-                     يبدو أن المفتاح قد ضاع، ربما سقط من جيبي في سيارة التاكسي.

بدا القلق على وجهها فقالت:

-                     ربما نسيته في مكتب العقارات.

-                     لا أبدا. لقد سلمني المفتاحين، أعطيتك أحدهما ووضعت الثاني في جيب سروالي.

صمتت للحظات ثم قالت:

-                     لا مشكلة، خلال الأيام القادمة سأحاول أن أعمل نسخة من مفتاحي، لكن إذا لم أستطع إيصاله إليك فسأضعه فوق الباب أو سأكون في الموعد المحدد الأسبوع القادم هناك.

قالت ذلك ثم قامت خارجة وفي عينيها ألق مجنون. بقيَ الدكتور آدم التائـه في مكتبه. دخل عليه الفرّاش أبو هابيل قائلا له بأن السيد العميد سأل عنه عدة مرات وأخبره بأنه يريد مقابلته في مكتبه حينما يكون موجودا، فسأله إن كان العميد موجود حالياً، فأخبره بأن لديه اجتماعا ً، فشكره هو ثم قام خارجا.

يتذكر ذلك اليوم بكل تفاصيله الجميلة والمحزنة. لاسيما حين رجع إلى البيت. وحين دخل زقاقهم في تلك الظهيرة من نهاية آيار. حيث وجد الكثير من الرجال والنساء أمام باب دارهم، فتوقع حدثاً جللا قد وقع، وخمن بأن شيئاً ما وقع لوالدته، وصدق ما توقعه، فقد كانت والدته قد فارقت الحياة، ولم يبق في ذاكرته من ذلك الموقف سوى عويل زوجته حواء المؤمن ولطمها لوجهها حزنا على رحيل الأم!

ربما يكون من الصعب وصف الحال التي كان فيها عندما سمع بفقدان أمه، فقد انهار وأخذ يبكي وينتحب كالطفل لفقدانها، حتى استغرب الكثير من الجيران من الحال التي هو فيها، فقد كانوا يهابونه وينظرون إليه نظرتهم إلى رجل قوي وأستاذ جامعي يتمتع بمكانة خاصة بينهم، ولم يكن استغرابهم هذا سلبيا بل زاد من إعجابهم به فلم يتوقعوا أنه سيكشف عن عواطفه وضعفه أمامهم بهذه الطريقة. ووجدوا في نحيبة وفاء لأمه تكشف عن طيبة قلب.

**********

بعد انتهاء مراسيم الدفن والفاتحة غرق في حزن عميق. لم تستطع زوجته حواء المؤمن أن تخفف عنه. كان ينام معظم الوقت في غرفة المكتبة على الصوفا. لم يكلم أباه إلا نادراً، مكتفيا بإلقاء التحية، بل وصارت علاقته معه أكثر جفاءً، وكأنه يحمله وزر موت أمه! وكان أكثر ما يؤلمه أنه لم يتحدث معها في فترة مرضها الأخيرة إلا نادراً، فدائما كانت نائمة حينما يأتي أو حينما يهم بالخروج تكون قد أخذت الدواء ونامت. ! وكان يتابع أخباها الصحية عن طريق زوجته.

**********

بعد أسبوعين ذهب إلى الجامعة. واضطر لمقابلة العميد الذي أخذ يحدثه بضرورة الانتماء إلى الحزب الحاكم، واخبره بأن هناك الكثير من الأقاويل والتقارير تكتب عنه وحوله، وكلها سليبة المضمون! وحينما لم يبد الدكتور آدم التائـه استعداده للانتماء إلى الحزب بدأت نبرة العميد تتغير. واخذت يشوبها التهديد المبطن بأنه يسيء استخدام مكانته كأستاذ والحرم الجامعي كحرم للعلم ليس لإقامة العلاقات العاطفية. ! انتبه هو إلى أن العميد يلمّح إلى زيارات حواء الغريب إلى مكتبه في المرات السابقة. وأخيرا أنذره العميد بأن ينتبه لنفسه وإلّا فأنه سيوقعها في مشاكل.

تذكّر أنه لم يذهب إلى الشقة المؤجرة في منطقة الحارثية لمقابلة حواء الغريب في الأسبوعين السابقين، فقد كانت وفاة أمه ضربة قوية له، بحيث احتاج لبعض الوقت كي ينتبه لما يدور حوله، وتذكّر بأن يوم الغد هو اليوم الأسبوعي المتفق عليه للقاء.

حينما عاد الدكتور آدم التائـه إلى داره ظهيرة ذلك اليوم الساخن لم يجد والده الذي عادة كان يرش باحة الدار بالماء في مثل هذا الوقت، ولم يسمع حركة لزوجته حواء المؤمن تأتي من المطبخ، فهي عادة ما تعد له الطعام، وتبقى تنتظره في المطبخ المقابل لمدخل الدار، قرب غرفة المكتبة.

 كانت صدمته كبيرة حينما دخل غرفته فوجد أباه جالسا على السرير بجانب زوجته. ارتبك هو. بل جفل. انتبه إلى أن زوجته ارتبكت أيضا. ؛ أما الأب فربما ارتبك للحظة لكنه استرجع وضعه وكأن الأمر لا يحتمل أي شك أو تفسير مريب.

قال الأب إنه كان يحدثها عن مستقبلهما، ولماذا لا ينجبان أطفالا ليزينوا بهم حياتهما الجافة، وإنه كان يسألها إن كانت هناك مشاكل بينهما أو إن عليهما مراجعة الطبيب! استقبل هو الأمر بغرابة ولم يعلق على كلام أبيه. كانت نظراته تائهة وثمة حقد دفين يتقد في أعماقهما.

انسحب الأب من الغرفة دون أن يضيف أية كلمة أخرى عارفاً أن ابنه لم يصدق كلمة مما قاله، لكنهما، الزوجة والأب لم يكونا لحظتها في وضع مريب. فقد كان أبوه جالساً بجانبها لا أكثر. ! صحيح أنه من الغريب أن يدخل غرفة نومهما وأن يجلس على سرير الزوجة وبجانبها، لكنه أبوه، ولا يمكنه أن يشك فيه. ربما هو يشك في زوجته وليس فيه!

أغلق هو باب الغرفة وبدأ ينزع ملابسه دون أن يعلق على ما شاهده. أحست حواء المؤمن بأنه شك فيما رآه. صحيح أنه لم يسألها عن أي شيء إلا أنه بات تلك الليلة في المكتبة.

**********

في اليوم التالي نهض مبكراً. خرج في حدود التاسعة، وبعد أن صار في الشارع العام أوقف سيارة أجرة، واتجه إلى منطقة الحارثية، فهو اليوم المتفق عليه.

صحيح أنه لم يذهب إلى الشقة لموعدين متتاليين لكن هذه المرة سيكون في الموعد المحدد، وسيخبرها بأن عليهما الحذر لأنه كما يبدو، وربما هي، وربما كلاهما مراقب. فهذا ما استشفه من كلام العميد!

حينما دخل البناية التي تقع الشقة فيها كانت الساعة تشير إلى العاشرة بالضبط. وهو الموعد المتفق عليه. صعد إلى الطابق الثاني. عند باب الشقة مد يده إلى الإطار الحجري الذي يطوق الباب من الأعلى فلم يجد المفتاح. نظر إلى ساعته التي كانت تشير إلى العاشرة وثلاث دقائق. ؛ هذا يعني أنها في الداخل. هكذا فكّر مع نفسه.

 ضغط على جرس الباب مرات عديدة دونما جدوى. لم يكن هناك من أحد في الشقة. انتظر قرب المصعد لعشر دقائق أخرى عسى أن تأتي، ولم تأت، فنزل سريعا على درجات السلم.

عند باب البناية لاحظ حارس البناية والمسئول عن خدماتها جالسا على علبة من الصفيح وهو يشرب الشاي، فقام له محييا.

حينما خرج من البناية أوقف سيارة أجرة واتجه إلى الجامعة، قائلا لنفسه بأنها ربما ستأتيه إلى هناك لأنها لم تفهم لماذا لم يأت خلال المرتين الفائتتين!

 حين وصل الجامعة ودخل الممر المؤدي إلى مكتبه أصيب بالخيبة لأنه لم يجدها واقفة تنتظره. قفل راجعا من حيت أتى، وفي الشارع أخذ سيارة أجرة ذاهبا إلى الشقة ثانية، فعسى أن تكون هناك تنتظره!

**********

حينما دخل المبنى وجد الحارس جالسا في مكانه. فكر مع نفسه في هذا الرجل الذي لم يترك مكانه خلال ساعتين تقريبا. صعد إلى الطابق الثاني حيث الشقة، وضغط على جرسها لمرات عدة فلم يجيبه أحد.

نزل قلقاً. مرّ من أمام الحارس. راودته خاطرة بأن يسأله عن حواء الغريب، لكنه تراجع لأن ذلك ربما يثير فضوله ويثير الشكوك. خرج من المبنى، وانتظر قليلا في الشارع إلى أن جاءت سيارة أجرة فأوقفها ودخل راكباً.

لا يدري لماذا إستذكر ما دار بينه وبين العميد من حوار وما غمز به العميد من استخدام الحرم الجامعي مكانا للعلاقات العاطفية. تُرى هل تتبعوها وعرفوا من هي ومن تكون ومن هو زوجها. ؟ شعر بالخوف وبحالة ترقب لكارثة قد تحصل، لكنه لا يعرف كيف ومن أين!

**********

كانت تلك الفترة هي التي تسبق الامتحانات بأيام لذا كان لديه بعض الوقت للكتابة، ولم تكن لديه الرغبة بالخروج إلا في اليوم المتفق عليه بينهما، لكنه وهو في البيت لم يشأ أن تلتقي زوجته مع أبيه بأي شكل كان إلا لواجبات تقديم الطعام والدواء.

كان يدعوها أن تكون معه في المكتبة عندما يكون هناك أو في غرفة النوم، ولم يكن له أي علاقة أو تواصل مع أبيه. خلال هذه الفترة اقترب أكثر من زوجته حواء المؤمن التي كانت تذكّره بأمه. لم ينس بأن أمه كانت تحبها وهي تحب أمه بإخلاص أيضا، وكان حزنها بفقدانها حقيقيا، لذا كان يتعاطف معها، لكنه من ناحية أخرى وخلال تواجدهما أطولَ الوقت في مكان واحد اقترب منها أكثر وأكتشف عالمها الجسدي بشكل كامل، وهذا ما خفف من رغبته الواهية أصلا في الخروج من البيت والذهاب إلى الجامعة.

كان وضع والده يزداد سوءا، وكانت زوجته حواء المؤمن تطلب منه أحيانا أن يتحدث معه أو يزوره لأنه صار لا يطاق، فهو عصبي وحاد المزاج، وأحيانا يرفض تعاطي الدواء، إلّا أن زوجها كان يرفض طلبها بشدة ويبدي غضبه دونما أي تعليق أو تفسير.

وفي يوم اللقاء الموعود في الأسبوع التالي نهض مبكراً. حلق لحيته إذ أنه منذ وفاة زوجته لم يكن يحلق لحيته إلّا حينما يخرج إلى الجامعة التي صار يرتادها مرة في الأسبوع. وفي الشارع أوقف سيارة أجرة وتوجه إلى الحارثية حيث الشقة المؤجرة التي لم يدخلها غير مرة مع صاحب مكتب العقار.

**********

عندما دخل المنطقة التي تتواجد فيها البناية أحس أن شيئا غير طبيعي يجري. ثمة سيارة إسعاف وسيارات النجدة التابعة للشرطة. طلب من السائق أن يسير بهدوء، وحين صارت السيارة على مقربة من البناية سمع صاحب مكتب العقارات يروي بارتباك لضابط من الشرطة ورجل مدني معه وآخرين تجمعوا حولهم في حلقة دائرية، كا ما يعرفه عنهما. طلب هو من السائق أن يتوقف للحظة ليعرف ما يجري. توقفت السيارة على مسافة بحيث يسمع الكلام من صاحب المكتب:

-                     لقد سجّلت العقد باسمها، وكان معها زوجها واعتقد أنه أستاذ في الجامعة، لكنهما لم يسكنا الشقة أبدا، فقد كانت تأتي مرة في الأسبوع وفي وقت محدد وتبقى لساعة أو أكثر وتخرج. هذا ما أخبرني به الحارس. وزوجها أيضا لم يكن متواجدا في الشقة بل جاء مرة في نفس اليوم الذي كانت تأتي فيه عادة لكنها صدفة لم تأت ذلك اليوم، ومرة ثانية كانت هي موجودة، لكنه صعد ونزل وخرج، ثم عاد بعد حوالي ساعتين وصعد وخرج أيضا، بينما هي لم تخرج. إلى أن تصاعدت رائحة كريهة جدا ًفي البناية كلها واشتكى بعض الساكنين منها، وعندما أخذ الحارس يتتبع الرائحة وصل إلى الشقة فطرق الباب وحينما لم يجبه أحد طلب مني أن أزوده بالمفتاح الإضافي.

طلب هو من السائق أن ينطلق وحاول جاهداً أن يحافظ على توازنه كي لا يكتشف السائق اضطرابه. ما أن ابتعدت السيارة عن مكان البناية ودلفت إلى شارع فرعي حتى أوقف السيارة ونزل منها بعد أن نقد السائق الأجرة. مشى سريعا متجها إلى شارع عام آخر وأوقف سيارة أجرة أخرى وركبها متجها إلى البيت.

**********

بقيَ هو لأيام يعيش قصصا وتخيلات مرعبة. كيف ماتت حواء الغريب. ؟ هل قُتلت أم كان حادثا. ؟ ربما عرف زوجها بالأمر. ؟ وإذا ما كان الأمر كذلك فربما يعرفون عن علاقته معها. ؟ لكن صاحب العقار لا يعرف اسمه ولا يعرف في أي كلية يحاضر، كما أن العقد مكتوب باسمها، ولم تتكرر زيارته إلى الشقة ولا أعتقد أن أحداً يمكن أن يستذكره. ؟!.

بعد أيام حاول الذهاب إلى الجامعة. ما أن دخل الرواق الذي يقع فيه مكتبه حتى صادفه الفراش أبو هابيل، الذي أخبره بهمس بأن هناك أشخاصاً مدنيين جاءوا يسألون عنه، لكنه لم يكن موجوداً، وسألوا عن عنوانه، لكن العنوان الموجود في الإدارة هو العنوان القديم.

لم يرتبك. وكأن الأمر لا يخيفه. لكنه لم يتجه إلى مكتبه فقد أبدى للفراش أبي هابيل بأنه قد نسيَ شيئاً، وعليه أن يرجع ليأخذه. خرج من الكلية مسرعاً. عاد إلى البيت مذعوراً، لكنه حاول أن لا يبين لزوجته أي شيء. أحس بحاجته الكبيرة لها، ولم يكن يعرف أنه سيلجأ إليها وسيحتاجها إلى هذا الحد؟

فكر في الهروب بأقصى سرعة، لكن ماذا يفعل بأبيه المريض. ؟ عليه أن يتخلص منه بطريقة ما! ظل لياليَ يفكر في الأمر، إلى أن جاءته فكرة أن يضعه في دار للعجزة. وفعلا بحث عن ملجأ للعجزة، ودفع كل الرسوم لخمس سنوات مسبقاً. قبلت إدارة الدار مبلغ السنة ووضعت المبالغ الأخرى إيداعا عندها، إذ شرح لهم بأنه سيذهب إلى إحدى الدول للتدريس لأن لديه عقد عمل هناك، فوافقوا.

**********

بعد بضعة أيام من دفعه رسوم الملجأ جاء رجال إلى الدار لأخذ أبيه الذي أعترض، وأخذ يسبه ويسب زوجته ويشتمها بأقذر الألفاظ ظنا منه أنها هي التي لا تريد خدمته وطلبت من زوجها إيداعه في دار العجزة!

بعد ذلك باع الدار بمبلغ أرخص بكثير من سعره الاعتيادي، وكذلك سيارته شبه العاطلة. وحوّل المبالغ إلى الدولار في البنك والسوق السوداء. وسافر مع زوجته إلى الأردن، ومنها إلى ألمانيا، وطلبا اللجوء السياسي فيها.

**********

في بداية علاقته وتعرفه على حواء الغريب بدأ في كتابة روايته الجديدة التي وضع لها عنوانين الأول هو (المرأة المجهـولة) والثاني هو(متـاهـة آدم)، لكن هذه الرواية أخذت تتطور مع تطور الأحداث، وهو لم ينته منها، ولا يعرف كيف ينهيها. إنها متاهة حقيقية، متاهته هو آدم التائـه.

الآن. هو يحس بأن الأحداث التي جرت في الواقع، وما تراكم لديه من تجارب يومية مع اللاجئين، وغياب الوسط الثقافي والفكري من محيطه، قد أثرت على شخصيته بشكل كبير. صار يتعرف على اللصوص وعصابات الأجانب ويشاهد الأفلام الإباحية، وابتعد كثيرا عن زوجته حواء المؤمن، بل أحس أن وجودها صار عائقا بالنسبة إليه. لكن عليه أن ينتهي من هذه الرواية.

**********

آدم البغـدادي: هذا الفصل يمكن بحد ذاته أن يكون رواية، لكني أعرف بأن الدكتور آدم التائـه سيمر بتحولات كبيرة في الفصول اللاحقة، وأنه سيكتب روايته (المرأة المجهولة) أو (متاهة آدم) وسيواجهه السؤال الإبداعي نفسه الذي واجهني أنا، آدم البغدادي، حينما بدأت برسم شخصية الدكتور آدم التائـه هذه، وهو: إلى أي حد يستطيع الدكتور آدم التائه أن يعيد صياغة الواقع والأحداث والشخصيات ويضيف عليها. ؟ هل سيكتب نصاً روائياً مستمِداً مادته من بعض ما جرى له مع السيدة حواء الغريب، المرأة المجهولة، التي لا يعرف اسمها الكامل، ولا أين تسكن، أو من أين هي؟ ومن هو زوجها. ؟ وأين كانت حينما ضغط جرس الشقة. ؟ وكيف ماتت؟

لكن إلى أي حد أستطيع أنا آدم البغدادي أن أتحكم في مشاعر وسلوكية الدكتور آدم التائـه. ؟ هل هذه النزعات الجنسية التي تتجسد من خلال شخصية الدكتور آدم التائـه هي حقيقية أم أنها نزعات مكبوتة عندي أنا آدم البغدادي الكاتب. ؟

لكن من هي حـواء الغريب حقاً. ؟ هل توجـد مثل هذه المـرأة في الواقــع. ؟ من أين انبثقت في ذهني. ؟ أذكر أنني صادفت امرأة متزوجة حينما كنتُ طالبا. تعرفتُ عليها صدفة عند صديقي الصائغ المندائي آدم العيداني. جاءت لتشتري ذهبا وحليا. عرفت أنها زوجة ضابط عسكري لكنها لم تعطني الكثير من المعلومات عن شخصيتها. أتذكر أني كنت ألتقي بها في دكان صديقي. ندخل غرفة صغيرة جداً في أقصى الدكان، أمارس الجنس معها. لكنها اختفت فجأة. تُرى هل كانت هذه المرأة هي التخطيط الأولي لشخصية حـواء الغريب التي وضعتها في علاقة مع الدكتور آدم التائه. ؟ وأنها كانت تسكن في قاع الذاكرة واللاوعي؟ ربما. وربما لا.

الـــفــــصــــــــــل الـــســـــــابــــع
حـمــــــــــــار فــي الســـــريــر
حين خرجت حواء المؤمن من الحمام وقد لبست ثوباً شفافا، مبتلة الشعر، دخلت المطبخ. صبت لنفسها ولزوجها الشاي في كوبين وحملت أحدهما إليه. وجدته ينظر متأملا في الورقة البيضاء التي أمامه. وضعت كوب القهوة أمامه. كان منهمكاً بالكتابة. لم ينتبه إليها للحظة، لكنه سرعان ما نظر إليها وكأنه فوجيء بوجودها. نظر إليها بتأمل، حيث كان ثوبها الشفاف قد التصق بجسدها المبتل، ولم تكن ترتدي شيئاً تحت الثوب فشعر بدبيب الرغبة يسري في عروقه، لكنه فجأة قال لها:

-                     اجلسي. بودي أن أسالك شيئاً.

نظرت إليه باستغراب وتوجست من سؤاله:

-                     خيرا إن شاء الله.

-                     خير. لا تقلقي. أنا أحتاج رأيك في أمرٍ ما.

نظرت إليه بدهشة وقالت:

-                     تحتاج رأيي؟ أنت الدكتور والأستاذ الجامعي تحتاج إلى رأيي.

نظر إليها بطيبة وهدوء وثقة وقال:

-                     نعم. ولِمَ لا. اجلسي.

-                      هل سيطول الحديث؟

-                     لا ادري. هذا متعلق بك.

-                     إذن دعني آتي بكوبي.

-                     طيب. بسرعة

خرجت حواء المؤمن إلى المطبخ للحظة ثم عادت وهي تحمل كوبها. جلست على الصوفا التي بجانب طاولة المكتب. نظر إليها زوجها بتأمل ورقة وقال لها:

-                     سوف أروي لكي قصة من دون تفاصيل كثيرة. أحتاج رأيك في احتمالاتها، لأني محتار في نهايتها.

-                     اسمع أولا.

-                     طيب. كان هناك رجل ارتبط بامرأة متزوجة. وكان يزورها في شقتها. وذات يوم اتفقت معه على أن يزورها الساعة العاشرة صباحا لأن زوجها مسافر خارج البلاد. ذهب الرجل إليها في الموعد المحدد. طرق الباب مرات عديدة لكن لم يكن هناك أحد في الشقة. بعد أيام جاءت الشرطة لتعتقله متهمة إياه بقتلها. لقد وجدت مقتولة في شقتها. الطبيب الشرعي حدد ساعة الجريمة في الساعة العاشرة صباحا.

-                     كيف تتهمه وهو لم يقتلها.

-                     المشكلة هنا. جميع الأدلة ضده.

-                     أية أدلة.

-                     البواب كان يعرفه. وحينما دخل البناية في ذلك الوقت شاءت الصدف أن يكون البواب موجوداً.

استغربت حواء المؤمن من هذه القصة فقالت وهي سعيدة أن تشارك زوجها الدكتور أفكاره وأنه يأخذ رأيها في أمر مهم كهذا:

-                     ربما زوجها عرف بعلاقتهما فقتلها؟

-                     زوجها كان عسكرياً وغير موجود في المدينة.

-                     ربما ثمة لص دخل الشقة وقام بالجريمة. ؟

-                     لم يُسرق أي شيء من الشقة. فحقيبتها لم تمس وكذلك المجوهرات التي كانت ترتديها.

-                     ربما لديها أخ أو عشيق آخر عرف بعلاقتها بالرجل الجديد فدخل وقتلها بعد صراع بينهما. ؟

-                     لم يجدوا أي علامات عنف على وجهها، ولا أي توتر أو رعب أو مفاجأة لوجود قاتل. كانت في أبهى زينتها. وكانت مطعونة بسكين من الخلف. وليس في الشقة أي أثر لأحداث عنف أو شجار.

-                     حيرتني!

-                     هي حيرة بالفعل. لأن الدلائل كلها تدين صاحبنا البطل.

-                     لكنه بريء. ؟

-                     لكنه أمام القانون مجرم!

-                      أي قانون هذا الذي يحكم على البريء لأنه لا يستطيع إثبات براءته. ؟ نحن نعرف الحقيقية هو أنه لم يقترف الجريمة!

-                     القانون هو القانون. على الرجل إثبات براءته.

-                     لكن هذا ليس عدلا. ؟!.

-                     وهل القوانين تحقق العدالة كما تعتقدين. ؟

-                     هكذا أفهم القانون.

-                     وفي حالة بطلنا المسكين.

-                     لا أدري. أنت قلت بأنه لم يجد أحدا في الشقة حينما كان هناك في الموعد المحدد. وهو لم يدخل إليها، علما أن المرأة قُتلت في ذلك الوقت بالضبط!

-                     هذا صحيح,,

-                     ألم يسمع هو صراخا أو عراكا أو حتى صوتا قادما من الشقة في تلك اللحظات. ؟

-                     أبداً.

-                     هذه ورطة حقيقية. ! أنت ماذا تعتقد. ؟

-                     لا أدري. لماذا أسالك إذن. ؟

-                     هل هذا حقيقة أم أنها قصة تكتبها. ؟

-                     نعم. إنها قصة أكتبها أو كتبتها، لكني لا أستطيع أن أجد نهاية لها.

-                     هل يمكنني قرأتها. ؟

-                     يمكنك لكن ليس الآن.

-                     متى أستطيع قراءتها؟

-                     قلت ليس الآن.

كانا يتحدثان ويرتشفان الشاي. شعرت حواء المؤمن بالسعادة وهي تراه يحدثها بجدية واحترام، إلا في اللحظات الأخيرة حينما ألحت عليه في ما يخص قراءة القصة فتغيرت لهجته معها.

أرادت حواء المؤمن أن ترضيه وأن تتقرب منه إذ أحسته للحظات قريبا منها. قامت واستدارت حول الطاولة ووقفت إلى جانب كرسيه. أحس بحضورها الهائل، وبرغبتها الخفية في أن تكون قريبة منه. انحنى للأسفل قليلا ثم مد يده تحت ثوبها وصعد إلى الأعلى مداعبا ما بين فخذيها، وجدها رطبة. لكنه ولرغبة عمياء في داخله أراد أن يعذبها فأستمر يداعبها برقة ويثيرها بينما كانت هي واقفة لا تتحرك من مكانها، إلّ أن الرغبة كانت تتأجج في جسدها. وحينما وجد بأنها بدأت تقترب من الذروة سحب يده فجأة. ارتبكت، ولم تعرف ماذا تفعل. أحست بإحباط شديد. لم تعرف لماذا توقف، وما الذي بدر منها كي يتوقف فجأة. ظلت لدقائق واقفة عسى أن يواصل مداعباته، لكنه أبدى انشغالاً بالورقة التي أمامه.

غضبت حواء المؤمن من نفسها ومن زوجها. خرجت من الغرفة متجهة إلى غرفتها. حينما دخلت الغرفة فوجئت بوجود جسد متمدد في السرير، ولا يظهر منه سوى رأسه الذي هو رأس حمار. أرادت أن تصرخ، لكنها حينما نظرت ثانية لم تجد شيئا.

أصابها الذعر مما رأته أو خيل لها أنها رأته. فكرت للحظة عن معنى وجود حمار في السرير. خرجت من الغرفة إلى المطبخ للحظات. سمعت صوت بكاء طفل قادم من الغرفة. دخلت مذعورة إلى الغرفة فلم تجد أي شيء. شعرت بالخوف. خرجت من الغرفة متجهة إلى الغرفة الأخرى حيث زوجها. نظر إليها بتساؤل حين رآها خائفة قائلا:

-                     خيراً. هل جرى شيء ما. ؟

فسألته بنبرة مشوبة بالخوف:

-                     هل سمعت بكاء طفل. ؟

-                     لا.

-                     لكني سمعته في غرفة النوم!

نظر إليها مستغربا. ثم قال بهدوء:

-                     إنك تتوهمين. ربما ابن الجيران.

-                     الجار الذي يسكن معنا في الطابق وبابه قريب من بابنا لا عائلة لديه. الجيران في الطابق الأول ليس لديهم طفل رضيع.

-                     إذن. مجرد وهم لا أكثر.

-                     لكني سمعته مثلما أسمعك الآن. !

نظر إليها وفكر بأنها ربما تفكر بإنجاب طفل لذلك يراودها مثال هذا الوهم. فقال لها:

-                     يحصل أحياناً أن نرى أو نسمع أشياء غريبة.

-                     ربما. لكنني أيضاً رأيت رأس حمار في السرير.

نظر إليها مستفسرا ثم ابتسم قائلا:

-                     حمار في السرير. ؟

-                     نعم. أقسم بجميع الأئمة والمقدسات.

ارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة. وقال:

-                      وبعد ذلك. ؟

-                     اختفى. أقصد حينما أعدت النظر ثانية لم يكن هناك أي شيء.

-                     غريب أن تري حمارا في السرير. ؟

لم يعلق أكثر إذ غرق في صمته وكأنه يحلل ما قالته. ظلت هي تنتظر للحظات لمواصلة الحديث لكنها استمر في صمته، تائها في أفكاره. خرجت من الغرفة واتجهت لغرفتها.

في غرفتها جلست أمام المرآة تمشط شعرها، بينما ظل الدكتور يفكر في الدلالات الجنسية لوجود حمار في السرير زوجته. فكر مع نفسه: ربما لأنها امرأة شهوانية لذلك انعكست رغباتها الدفينة برموز حيوانية، حيث يتميز الحمار بعضوه الكبير والطويل. ؟ وأن هذه الرغبات الدفينة لم تستطع كبتها فتجلت لها بهذه الصورة؟ لاسيما أنها كانت مثارة بشكل كبير لذا فأن عقلها الباطن حاول إشباع رغبتها بتجسيد الحمار في سريرها!

**********

ظل آدم التائه طوال اليوم منهمكا بالكتابة. شرب الشاي. والنسكافيه. والقهوة. تناول الطعام متأخراً. بقي يكتب! كانت حواء المؤمن تعرف طقوس الكتابة لديه، فكانت لا تقترب منه. وتحافظ على أقصى ما تستطيع من هدوء في البيت. لكنها تدخل عليه بين فترة وأخرى لتسأله إن كان يريد شاياً أو نسكافية أو قهوة.

حين جاء المساء. دخلت بهدوء وجلست على الصوفا. ظلت تنظر إليه وهو يكتب. لم تبق طويلا. مضت إلى غرفتها. بينما ظل هو يكتب إلى ساعات الفجر الأولى.

خلال هذه الساعات كانت حواء المؤمن تفكر بالحكاية التي رواها لها عن الشخص الذي جاء الشقة فوجد عشيقته قتيلة. ظلت تفكر بالقاتل. محاولة أن تكتشفه. أحست بالعجز. ظلت تفكر بالرواية التي ينهمك زوجها بكتابتها. ودت لو قرأتها. !!.

**********

آدم البغـدادي: أحس أن ثمة شيئاً ناقصاً في هذا الفصل. ربما من المفيد إنهاء الفصل بطريقة أخرى، أي أن الدكتور آدم التائـه بعد هذا التفسير الفرويدي لرؤية حواء المؤمن حماراً في السرير كان عليه أن يقوم من مكانه ويذهب إليها، لاسيما وأنها كانت متهيجة، وهناك يحاول أن يطفئ رغبتها المتأججة. التي أوحت لها بهذه الرؤية الغريبة!!.

الــفـــصـــــــل الـــثــــــــــامــــــــن
المــــرأة المجــهولــة
استيقظت حواء المؤمن صباحا على شخير زوجها النائم على الأريكة في غرفة الاستقبال. كان الشخير عالياً ومزعجاً. اعتقدت أنه غير مرتاح في النوم. مرت بالمطبخ. بدأت تغلي الماء لإعداد الشاي. ثم مضت إلى حيث ينام في الصالة. هي تعرف أنه حي يتأخر في الكتابة ينام هناك. حاولت إيقاظه قائلة له:

-                     دكتور. دكتور. قم إلى سريرك في غرفة النوم

لم يستيقظ آدم التائه مباشرة، وحينما هزته ثانية برفق فز من نومه مرعوبا وكأنه مطارد من قوى مجهولة، وتمتم بخوف:

-                     ماذا. ماذا حصل. ؟

فقالت له حواء المؤمن بهدوء وهي تنظر إليه بإشفاق:

-                     لا شيء. لم يحدث أي شيء. فقط انهض وخذ راحتك على السرير. يبدو أنك تعبت البارحة جداً.

انتبه لما هو فيه وعرف أنه نام بعد تعب شديد من التفكير. بهدوء استيقظ لكنه نظر إلى الساعة الحائطية فقام بسرعة وهو يقول:

-                     الساعة الحادية عشرة. لدي موعد لدى دائرة المساعدات الاجتماعية. علي أن أذهب. وربما سأتأخر اليوم إلى المساء لأنني سأذهب مع أصدقائي إلى مدينة (إيسن).

نهض خارجا من الغرفة وذاهبا باتجاه الحمام. تبعته زوجته متجهة إلى المطبخ لتعد لهما الفطور.

بعد قليل خرج من الحمام وهو ينشف وجهه بمنشفة وردية. كانت حواء المؤمن قد صبت الشاي في كوبين وأخرجت علبة المربى مع علبة القشطة من الثلاجة كما كانت قد وضعت الخبز في جهاز التسخين الكهربائي. كانت تريد أن تضع هذه الأشياء في صينية لتذهب إلى غرفة الاستقبال كي يفطرا إلا أن زوجها كان كما يبدو مستعجلا فعلا، لذا أخذ الخبز وبدأ الأكل وهو واقف في المطبخ. حينما نظرت إليه زوجته باستغراب نظر هو إليها مستفهما ثم قال:

-                     لماذا تنظرين إليّ هكذا. ؟ ألم أقل إنني مستعجل ولدي موعد.

ثم أخذ يشرب الشاي بسرعة بجرعات كبيرة، وما أن انتهى حتى خرج مسرعا من الشقة، بينما ظلت حواء المؤمن وحيدة. وضعت كوبها وقطعة من الخبز وشيئاً من القشطة والمربى في الصينية وحملتها إلى الغرفة الثانية، ثم جلست لتأخذ فطورها لكن قبل ذلك ضغطت على زر الريموت كونترول فبدأ بث التلفزيون.

**********

بعد أن أنهت حواء المؤمن فطورها انتبهت إلى الأوراق المبعثرة على طاولة الكتابة. راودها شعور غريب وفضول حارق بالاطّلاع على هذه القصة التي يكتبها زوجها. وبما أنه سيغيب اليوم عن البيت طويلا فبإمكانها قراءة ما مكتوب! فجأة اجتاحتها حيوية غريبة. قامت من مكانها. أغلقت الباب الخارجي بالمفتاح. عادت إلى الصالة. اقتربت من الطاولة. جلست على الكرسي الذي يجلس عليه زوجها عند الكتابة. أخذت رزمة الأوراق المرتبة. قرأت على الصفحة الأولى العنوان (المرأة المجهولة). وتحته قرأت عنوانا آخر وضع زوجها تحته خطوطا عديدة (متـاهـة آدم).

فجأة. قامت للحظة حاملة الصينية إلى المطبخ، ثم عادت بكوب مليء بالشاي وجلست ثانية لقراءة القصة. قلبت ورقة العنوان وتوغلت في القراءة:

المــــرأة الـمجـــهولــة
أو
مـتــــــاهـــــــة آدم

(1)
كانت الساعة في حدود العاشرة صباحا حينما دخل المهندس آدم المطرود إلى الشقة التي تقع في الطابق الول من مبنى حديث البناء. والتي هي مكتبه الهندسي فوجد أن سكرتيرته حواء اللهيبي، التي كانت في بداية الثلاثين من العمر، ترتب بعض الخرائط والملفات الموجودة على طاولة مكتبها، فبادرها مرحا:

-                     صباح الخير

فالتفتت إليه وقالت وهي تبتسم بعذوبة:

-                     صباح النور أستاذ آدم.

دخل المهندس آدم المطرود إلى مكتبه الخاص بينما استمرت السكرتيرة حواء اللهيبي بترتيبها للخرائط والملفات. بعد فترة وجيزة توقفت. أخرجت مرآة صغيرة من حقيبتها ونظرت لنفسها ثم أخرجت قلما للشفاه ومررته على شفتيها ورشت على نفسها عطرا من قنينة أخرجتها أيضا من حقيبتها، وبعد ذلك لحظات دخلت إلى المكتب.

حينما دخلت حواء اللهيبي المكتب كان المهندس آدم المطرود مشغولا بوضع أدواته الهندسية على الطاولة التي يرسم عليها الخرائط. تقدمت منه وهي تسعى إلى لفت انتباهه. تنحنحت قليلا وهي تبتسم فانتبه لها فقالت:

-                     نسيت أن أخبرك بأن المحقق الجنائي آدم التكريتي جاء إلى المكتب وسأل عنك، فأخبرته بأنك ستكون هنا في الساعة العاشرة فقال أنه سيطلبك تليفونيا.

نظر المهندس آدم المطرود إلى ساعته وقال مستغرباً:

-                     آدم التكريتي. ؟ المحقق الجنائي المعروف بنفسه يطلبني. ؟ لقد مرت عشر دقائق على العاشرة.

ولم يكمل المهندس آدم المطرود جملته حينما رن جرس التليفون في مكتب السكرتيرة فخرجت مسرعة وهي تقول:

-                     ربما هو!

خرجت مسرعة كي ترد على المكالمة. حين رفعت سماعة التلفون في مكتبها كان المحقق آدم التكريتي فعلا على الخط، فضغطت على جهاز للنداء القريب يصلها بمكتب مديرها وقالت له:

-                     المحقق آدم التكريتي على الخط أستاذ آدم.

-                     صليني معه.

-                     حاضر.

ضغطت على زر التوصيل بينهما ثم وضعت السماعة.

في غرفته رفع المهندس آدم المطرود سمعة الهاتف. أخذ يكلم المحقق آدم التكريتي المعروف في المدينة وفي وسائل الإعلام:

-                     الأستاذ آدم التكريتي. يا أهلا وسهلاً. صباح الخير. نعم أخبرتني السكرتيرة قبل لحظات عن زيارتك للمكتب وأنا آسف جداً لأني لم أكن موجوداً. بماذا أستطيع أن أفيدكم. (صمت للحظات). ماذا. ؟ تحتاجني سريعاً ولمدة نصف ساعة. ؟ (صمت للحظات). أمر ضروري جدا. ؟ طيب. سأكون عندك خلال نصف ساعة.

وضع المهندس آدم المطرود السماعة. أخذ يفكّر مع نفسه للحظات: ما هو الأمر الضروري الذي يطلبني فيه آدم التكريتي أشهر محقق في المدينة. ؟

خلال هذه الأثناء دخلت حواء اللهيبي المكتب وسألته:

-                     هل أعد لحضرتك القهوة. ؟

فقال لها وهو يعد نفسه للخروج قائلا:

-                     لا شكرا. سأذهب حالاً إلى مكتب التحقيقات. إنهم يحتاجونني هناك لبعض الوقت في موضوع مهم لا أعرف ما هو!

**********

غادر المهندس آدم المطرود المكتب على عجلٍ. شعرت السكرتيرة حواء اللهيبي بالخيبة. ليس لأنه خرج فحسب وإنما لأنه خرج دون أن ينتبه إليها، ولم يعلق أي شيء في هيئتها، فمن عادته أن يعلق على ملابسها وأناقتها ويمتدحها إذا ما أعجبته أو أن يعلق بكلمات رقيقة عن عطرها. لكنه اليوم خرج مسرعا ولم ينتبه إلى أنها استخدمت عطرا فرنسيا جديدا.

**********

واصلت حواء المؤمن القراءة. أعجبتها البداية المشوقة. كما أعجبها أن زوجها استخدم اسم (حواء) في روايته. ظنت أنه يكتب عنها، لذلك سألت نفسه: لماذا اختارني لأكون سكرتيرة له؟ ولماذا أطلق لقب اللهيبي عليّ. ؟ لكن سألت نفسها أيضاً: من قال إنه يقصدني أصلاً. ؟

داهمها الفضول لمعرفة ما سيحدث، فواصلت قراءة الفصل الثاني.

(2)
حينما دخل المهندس آدم المطرود إلى دائرة التحقيقات الجنائية أوقفه أحد الموظفين وسأله:

-                     هل أستطيع أن أخدمك؟ هل جئت لرؤية أحد؟

ارتبك آدم المطرود لثوان. ثم قال موضحاً:

-                     - نعم. لدي موعد مع السيد آدم التكريتي.

اطمئن الموظف حينما سمع اسم آدم التكريتي واشار بذراعه وهو يقول:

-                     مكتبه عند نهاية الممر هناك. في الطابق الأول من المبنى.

-                     شكرا جزيلا.

مضى المهندس آدم المطرود صاعداً إلى الطابق الأول. وفي نهاية الممر وجد غرفة شبه مفتوحة. نظر إلى داخلها فوجد المحقق آدم التكريتي جالساً يشرب القهوة، وكان يعرفه لأكونه يظهر كثيرا في وسائل الإعلام. نظر المحقق إليه. لم يعرفه أول وهلة. لكنه أدرك المهندي آدم المطرود الذي ينتظره. وما أن دخل حتى قام له المحقق مرحباً. فقدم آدم المطرود نفسه:

-                     المهندس آدم المطرود.

ابتسم المحقق له وهو يقول:

-                     أهلا أستاذ آدم. أهلا وسهلا. تفضل استرح. هل تشرب شيئاً؟

-                     شكرا جزيلا.

-                     ضروري أن تشرب شيئا.

-                     شكرا جزيلا. فقط أردت أن أعرف بماذا يمكنني أن أفيدكم.

صمت المحقق للحظات وكأنه كان يفكر بالكيفية التي يجب عليه بدء الحديث بهل. وبهدوء وبلا أي توتر، بل وبتركيز شديد في نظراته حدق في وجه آدم المطرود وقال:

-                     يمكنك أن تفيدنا جداً. ويمكنك أن تتعبنا جداً. الأمر متوقف عليك.

أحس آدم المطرود من جملته الثانية (ويمكنك أن تتعبنا جداً) ببرودة تسري في أعماقه. فليس من السهل ان تتعب أجهزة الدوبة. فقال بتوتر:

-                     متوقف عليّ. ؟ إذا كان الأمر كذلك فيسرني طبعا أن أساعدكم.

انشغل المحقق بفتح علبة سجائره للحظات وكأن المهندس آدم المطرود غير موجود، ثم فجأة نظر في عينيه محدقا فيهما بتركيز قائلا:

-                     أستاذ آدم. سأسألك سؤالاً أرجو أن تجيبني عليه بدقة.

-                     تفضل.

صمت المحقق للحظات. أخذ سيجارة من علبة السجائر. ومدّها إلى آدم المطرود دون أن يسأله. فوضع الآخر يده على صدره علامة على التشكر، وبلع ريقه، فلم تكن الكلمات تخرج من فمه من شدّة التوتر. فقد كان ينتظر السؤال الحاسم.

-                     متى شاهدتَ السيدة حــواء الصايغ آخر مرة. ؟

أحس المهندس آدم المطرود برعشة تسري في جسده. إذن هم يعرفون علاقته بالسيدة حواء الصايغ، وليس من الحكمة أن ينكر لكنه أراد كسب بعض الوقت، فسأل:

-                     أي حواء. ؟

ابتسم المحقق آدم التكريتي بخبث وكأنه يقول له لا تلعب معنا فنحن نعرف كل شيء. صمت للحظات. سحب نفساً طويلاً من سيجارته. ونفث دخانها إلى الأعلى ثم قال:

-                     كم حواء توجد. ؟ نحن نسأل عن تلك الحواء التي تعرفها يا أستاذ آدم، حواء الصايغ زوجة الأستاذ آدم الولهان، ونحن نعرف عن علاقتك معها منذ. منذ. منذ أن كنتما في الجنة! قال جملته الأخيرة مبتسما.

ارتبك آدم المطرود. كان يريد أن يرتب أفكاره ويكسب بعض الوقت، فقال محاولاً أن يسيطر على نبرة صوته:

-                     طيب. إذن كنت تقصد السيدة حواء الصايغ. !

نظر المحقق إليه بابتسامة مشوبة باستخفاف وقال:

-                     هكذا بدأت تتعاون معنا.

صمت آدم المطرود للحظات وكأنه يحاول أن يتذكر، وقال:

-                     منذ أسبوع أو خمسة أيام كما أعتقد، لا أتذكر تماما.

حدق المحقق آدم التكريتي منحنياً على طاولة المكتب وقال له بنبرة حازمة:

-                     يجب أن تتذكر يا سيد آدم.

أحس المهندس آدم المطرود بالارتباك حينما خاطبه المحقق بلقب "السيد" وليس "الأستاذ" حينما بدأ الحوار بينهما، وأراد أن يخفي ارتباكه، فأخذ يسترسل من حيث لا ضرورة للاسترسال:

-                     إنني لا أذكر تماما. فأنا أراها في أماكن متعددة. أحيانا في "نادي العلوية" وأحيانا في "نادي الصيد"، وأحيانا في مطعم ما، وأحيانا أزورهم في البيت. يعني أراها بمناسبة وبدون مناسبة، وأحياناً أقابلها صدفة في الأسواق، لكن ذلك لا يعني شيئاً، ولست ملزماً بن أدون ذلك في مفكرتي.

نظر المحقق آدم التكريتي إليه بإمعان وكأنه يقرأ أفكاره. تضايق المهندس آدم المطرود من نظراته، وفكّر للحظات في نفسه بأن هذه وقاحة منه لذا يبادر ليسأله:

-                     لكن هل لي أن أعرف لو سمحت سيد آدم، لماذا كل هذه الأسئلة. ؟

نظر المحقق آدم التكريتي إلى آدم المطرود بهدوء. سحب نفسا طويلا من سيجارته التي كانت على وشك النهاية. وسحق السيجارة في منفضة السجائر وهو ينفث الدخان من فمه. ثم قام عن كرسيه ودار حول طاولته، واقترب من المهندس آدم المطرود دون أن يخفض نظراته عن وجهه، ثم قال ببرود:

-                     لأنها قد قُتلت. ؟

هب المهندس آدم المطرود واقفا ًدون إرادة منه، مصدوماً من هول الخبر، وهو يقول:

-                     قُتلت. ؟ كيف. ؟

نظر إليه المحقق آدم التكريتي وكأنه مسك شيئا خفيا، وقال له ببرود:

-                     هل تعطيني سيجارة من فضلك. ؟

لم يفهم المهندس آدم المطرود شيئا من إشارات المحقق آدم التكريتي ولم ينتبه إليها لأنه كان مشغولا بالخبر في أعماقه. أراد أن يرتب الأشياء في داخله، لذلك وجد أن طلب المحقق سيجارة فرصة للتفكير للحظات. عاد المحقق إلى كرسيه المقابل. بينما كان آدم المطرود يجيبه:

-                     أنا لا أدخن. .

-                     هل أنت متأكد بأنك لا تدخن. ؟ سأله المحقق

نظر آدم المطرود إليه مستغربا وقال:

-                     طبعا لا أدخن. هل هذا الأمر يحتاج إلى تأكيد. ؟

-                     ظننتك تدخن.

فجأة سحب المحقق سيجارة أخرى من علبة سجائره. أشعلها بجداحته الذهبية. أخذ نفسا طويلا بتلذذ. ثم نفث دخانها بهدوء، وكأنه يريد من المهندس آدم المطرود أن يفقد أعصابه، فلعله حينها يفصح عن أشياء تفيده وتؤكد شكوكه. قام المحقق وأخذ بالمشي في الغرفة رواحا ومجيئا دون أن يعير للمهندس آدم المطرود انتباها.

أحس آدم المطرود بنفسه وكأنه يختنق، وداهمته رغبة حقيقية في البكاء لموت حواء الصايغ، لكنه لم يود أن يكشف عن ذلك. عضَ على شفتيه كي يمنع نفسه عن البكاء. فجأة، انتبه المحقق لحالة المهندس آدم المطرود فسأله مغتنماً حالته النفسية المرتبكة وشبه المنهارة:

-                     أين كنت أمس الساعة العاشرة صباحا. ؟

أعاد سؤال المحقق المهندس آدم المطرود إلى وضعه الذي هو فيه، فقال بانتباه:

-                     كنت في طريقي إلى المكتب.

-                     هل تعتقد بأن هناك من رآك في الطريق من معارفك. أقصد هل لديك شهود على ذلك؟

انتبه آدم المطرود بأن المحقق يجره إلى منعطفات في الكلام ربما ستضره، فأحس بالغم وبالغضب يتصاعد شيئا فشيئاً في أعماقه. لكنه ضغط على نفسه كاتما ما يعتمل في داخله، وقال:

-                     شهود على أني كنتُ في طريقي إلى المكتب. ؟ من أين آتي بالشهود. ؟ من الشارع. ؟ ثم هل أنا متهم يا سيد آدم حتى تسألني كل هذه الأسئلة. ؟

لم يجبه المحقق آدم التكريتي وإنما اقترب منه وجلس على كرسي آخر للمحادثة قبالته وقال له بهدوء:

-                     أستاذ آدم، أنت مهندس ممتاز، ولديك سمعة جيدة في مجال عملك، ومشهود لك بالذكاءـ. لكنك لا تريد أن تساعدنا في التحقيق. !

شعر آدم المطرود بارتجافه وبرودة تجتاجان جسده. وقال بضيق وبنبرة تشوبها بعض العصبية:

-                     أي تحقيق. ؟ هل أنا في تحقيق. ؟

صمت المحقق لثوان. ثم عقب بنبرة فيها اتهام مشوب بعتاب:

-                     أنت لا تريد أن تخبرنا كيف قُتلت السيدة حواء الصايغ. ؟

فقال آدم المطرود مباشرة:

-                     أنا الذي أريد أن أسألكم كيف قُتلت. ؟

ابتسم المحقق آدم التكريتي وهو ينظر إلى وجه آدم المطرود ساخراً، وقال:

-                     أنت تريد أن تسألنا كيف قُتلت. ؟ ههه. أنا الذي أسألك الآن كيف قُتلت. ؟

لم يتحمل آدم المطرود أكثر فقفز من كرسيه غاضباً ومنفجراً وهو يقول للمحقق:

-                     سيد آدم إذا كنت تريد القول بأن لي علاقة بمقتل السيدة حواء الصايغ فوفر على نفسك هذا الطريق المسدود. يمكنني أن أساعدك في تحقيقك عن الجريمة، لكن قبل كل شيء يجب أن تضع في رأسك شيئا واحدا هو أني لم اقتل حواء الصايغ وليست لي أية علاقة بهذه الجريمة، بل أنا أريد أن أعرف من قام بهذا الفعل الشنيع.

قال آدم المطرود ذلك بعصبية وكأنه كان يريد أن يهم بالخروج، فنظر المحقق آدم التكريتي إليه بحزم وقال:

-                     أنت موقوف أيها المهندس آدم المطرود، فأجلس لو سمحت.

إرتسمت علامات الدهشة والغضب على وجه آدم المطرود، لكنه لم يستطيع أن يقول أي شيء وكأنه صُعق.

**********

آدم التائـه: أحسُ أن ثمة خللا في طريقة التحقيق فالأمور لم تجر بهذه الطريقة، لأني بالأساس لم أعُتقل ولم يجر معي أي تحقيق، وهذا كله من مخيلتي الروائية، وربما لا تجري الأمور بهذه الطريقة، لاسيما في قضايا التحقيقات الجنائية، ففي بلد مثل العراق لا تجري الأمور دائما حسب القانون وبهذا التهذيب، وربما دونتُ طريقة سير التحقيق مع آدم المطرود تحت بتأثير لا واع بالأفلام الأميركية أو الأوربية، لاسيما أفلام الجريمة والتحقيقات.

**********

شعرت حواء المؤمن بالخوف بعد أن انتهت من قراءة هذا الفصل. سألت نفسها من هي يا تُرى حواء الصايغ هذه. ؟ هل هي امرأة يعرفها زوجها. ؟ ولماذا البطل هنا اسمه المهندس آدم المطرود؟ لماذا النساء هنا يحملن اسم حواء الرجال اسم آدم. ؟ وإذا لم يكن هو فلماذا يحمل نفس الاسم. ؟ ولماذا يكتب زوجها مثل هذه القصص المخيفة وكأنها فيلم بوليسي؟

وبرغم ذلك أعجبتها القصة فواصلت القراءة في الفصل الثالث.

**********

آدم البغدادي: انتبهتُ لملاحظة الدكتور آدم التائـه عن نفسه. ونصه الروائي، والذي يخص سير التحقيق مع المهندس آدم المطرود في قضية موت حواء الصايغ. وأعتقد أن تعليقه هنا صحيح جداً. فالعراق بلد خارج الحياة المدنية وخارج القانون في كل شيء. حاله حال الكثير من بلدان الشرق.

(3)
تحرك الباب الدوار الذي يتجه بحركته للدخول والخروج من وإلى صالة اللوبي الرحبة والأنيقة لأحد الفنادق الراقية بدرجة النجوم الخمس في إحدى المدن الساحلية التركية المطلة على البحر الأبيض المتوسط.

دفع إلى الداخل بمجموعة من السواح القادمين. حيث توقف الباب لزحمتهم فيه وتدافعهم. وبعد لحظات واصل دورانه ليجد السائحون أنفسم بالقرب من مكتب الاستعلامات.

كان فريق السواح مختلطاً من جنسيات مختلفة. كان يمكن تمييز جنسياتهم من أشكالهم وألوان بشرتهم وشعرهم. أوربيون وشرقيون. وكان كما يبدو أنهم قادمون لحضور مؤتمر ما. فقد كانت هناك استعدادات لاستقبالهم. بل كان كل شيء معدّ ومنظم سلفا.

عند مكتب الاستعلامات تجمع أعضاء الفريق السياحي كي يستلموا مفاتيح غرفهم. بينما كان عدد من نزلاء الفندق يجلسون على المقاعد والأرائك المنتشرة في باحة الفندق التي تطل على حدائق الفندق وأحوا ض السباحة فيه.

كان موظف الاستعلامات يوزع المفاتيح على السائحين فالتفت إلى المهندس آدم المطرود الذي جاء مع الوفد في مهمة المشاركة في المؤتمر العلمي الهندسي الذي سيُعقد في هذا الفندق قائلاً:

-          السيد آدم المطرود رقم غرفتك 111.

أخذ آدم المطرود المفتاح وسحب حقيبته الصغيرة الحجم نسبيا، قياسا لحقائب السائحين الآخرين، وتوجه إلى المصعد الذي لم يبعد كثيرا عن مكتب الإستعلامات. كان وحده هناك. انتظر هناك نزول أي من كابينتي المصعد التي كلاهما كانتا في الأعلى وفي، طوابق متفاوتة، وعندما وصلت إحدى الكابينتين، وفُتح الباب ذهل حينما وجد أمامه امرأة في الأربعين من العمر. لا يمكن القول إنها جميلة جداً فحسب، لكنها كانت بالنسبة له مذهلة.

كانت المرأة هادئة الملامح، حزينة النظرات، مثيرة الجسد، ليست مثل عارضات الأزياء والممثلات في المجلات الفنية، وإنما كانت امرأة غامضة بتناسقها، بل تميل شيئا إلى الامتلاء، تفيض أنوثة، حنطية البشرة، ذات شفتين شهوانيتين. ووجه حزين، بل يفيض حزنا هادئا.

لم يكن في كابينة المصعد أحد غيرها. انتظر هو أن تغادر الكابينة لكنه لم تتحرك. ظلت واقفة ولم تخرج. تردد آدم المطرود منتظرا لكنها لم تخرج، وإنما بقيت مكانها. ففهم أنها لا تريد الخروج. وإنما تريد أن تصعد ثانية. كانت هي قد ضغطت على زر الطابق التاسع.

دخل هو وسلم باللغة الإنكليزية فأجابته بابتسامة آسرة بدلاً من الكلام. أغلق المصعد بابه وصعد إلى الأعلى.

انتبه آدم المطرود إلى أنه لم يضغط على زر الطابق الذي يشير إلى وجهته، فضغط على الرقم واحد (1). لكن المصعد كان قد اجتاز الطابق الأول صاعداً. أحس بالارتباك. وفي الوقت نفسه بفرح غامر في أنه سيرافقها إلى الأعلى. انتبهت هي إلى أنه ضفط على الرقم واحد. وفهمت أنه تأخر. ابتسمت مع نفسها ابتسامة خفيفة. ظل هو يتأملها بتركيز. بينما هي شغلت نفسها بالنظر إلى لوجة الأرقام المضيئة التي تشير إلى الطوابق.

حين وصل المصعد إلى الطابق التاسع توقف. وفُتحت بابه. ابتسمت المرأة مع نفسها. انتبه هو إلى أنها قد وصلت. خرجت وعلى وجهها ابتسامة غامضة. ظل هو يتأملها من الخلف. إلى أن أغلق المصعد ليهبط. ضغط مرة أخرى على الرقم واحد(1). بينما قلبه يخفق بشدة. ثمة حالة انخطاف كامل كانت تهيمن عليه.

**********

في الطابق الأول وجد آدم المطرود نفسه أمام ممر طويل ومتعدد الاتجاهات، فنظر إلى لوحة تشير إلى سلسلة الغرف الموجودة في كل اتجاه فانطلق في الاتجاه الذي تقع غرفته ضمن تسلسله (111).

كانت الممرات مفروشة بالسجاد الأحمر في كل الاتجاهات. فجأة ظهرت إحدى عاملات الخدمة من غرفة في منتصف الممر. ومن غرفة أخرى مقابلة خرج عامل خدمة شاب. اجتازه آدم المطرود، لكنه سمعه يقول بالتركية لزميلته عاملة الخدمة:

-                     هذا كما يبدو كنز ثمين. أكيد جيوبه مليئة بالمال.

فأجابت المرأة بنبرة فيها تذمر:

-                     وهل سيوزع ماله علينا.

لم يكونا يدركان بأن آدم المطرود يعرف اللغة التركية لأنه درس الهندسة في جامعة اسطنبول. ابتسم هو مع نفسه ثم توقف، فقد كان أمام باب غرفته. أدخل البطاقة البلاستيكية الذكية وفتح الباب داخلا في الغرفة.

**********

دخل المحقق آدم التكريتي إلى الزنزانة المنفردة في مبنى التحقيقات الجنائية التي تم حجز المهندس آدم المطرود فيها لحين النظر في حيثيات الجريمة!

 كان آدم المطرود مستلقيا على اللوح الخشبي الذي فُرشت عليه بطانية قديمة كي يبدو وكأنه سرير، غارقا في أفكاره، متسائلاً عن كيفية موت حواء الصايغ؟ لم يكن قلقا جداً على مصيره، فهو متأكد من براءته. بل هو حزين جداً ويحس بالإختناق لموت حواء الصايغ.

جلس آدم المطرود على السرير تأدباً ولياقة حينما رأى المحقق آدم التكريتي داخلاً. ارتسمت على وجهه ملامح الغضب الخفي والإحساس بالغبن. انتبه المحقق آدم التكريتي لذلك. لكنه كان ينتشي بإذلاله. لم يقل المحقق شيئاً، وإنما أخذ يمشي في الزنزانة جيئة وذهاباً. ومع رواحه ومجيئة إزداد توتر آدم المطرود. واحس بأن الأمور اخذت تتعقد. فجأة التفت المحقق آدم التكريتي نحو آدم المطرود وقال:

-                     اسمع سيد آدم، أنت الآن في وضع صعب جداً. ولا أخفيك. إن جميع الأدلة والشواهد تشير إليك، وتدينك، لذا أرجو منك أن تكون في غاية الحذر عندما تجيب على الأسئلة. وأنصحك بأن تتعاون معنا لأن كل محاولة منك لتضليل العدالة ستدفع المحكمة بأن تكون شديدة معك. وانصحك. ربما ستحتاج إلى محام بارع جداً لينقذك من ورطتك هذه.

كان آدم المطرود ينظر إلى المحقق آدم التكريتي نظرة متأملة ومستخفة، تخفي غضباً مكثفاً، بينما ارتسمت على وجهه ابتسامة يائسة هازئة. امتد الصمت بينهما للحظات. كان المحقق ينتظر منه أن يقول شيئاً. أن يعلّق بأية جملة. إلّا أن آدم المطرود ظل صامتاً.

انتبه المحقق إلى نظرته الساخرة، فلم يتحمل ذلك فترك الزنزانة سريعا. فوجئ آدم المطرود لمغادرته. تمنى أن يبقى أكثر وأن يتحدث أكثر فربما كان سيتحدث بتفاصيل أخرى عن الجريمة. فهو يريد أن يعرف من. وكيف. وأين. ولماذا. ومتى. حدثت الجريمة؟ هو لا يعرف سوى أنها قُتلت. وهو المتهم في قتلها. !!. ظل للحظات على جلسته. ثم استلقى مجدداً على اللوح الخشبي المغطى ببطانية قديمة. وغرق في بحار ذكرياته المتلاطمة.

**********

دخل آدم المطرود إلى صالة الطعام الرحبة المترامية الأطراف والتي تتمدد على شكل حرف L. وان قد ارتدى ثيابا جديدة. كانت الصالة مليئة بالزائرين. تتدلى من سقوفها ثريات جميلة. وتشع القاعة بالأضواء الباهرة التي تبعث النشوة والبهجة في النفس.

وقف آدم المطرود عند باب القاعة مفتشاً عن مكان فارغ. وفي الوقت نفسه مفتشاً عن المرأة التي أذهلته. فجأة. من بعيد لمح صديقه وزميله في الدراسة المهندس العراقي آدم الصاحب، وهو من الأعضاء المشاركين في المؤتمر العلمي أيضاً. وجاء معه من بغداد أيضاً. فاتجه نحوه. تبادلا التحية. وجلس إلى طاولته الصغيرة المخصصة لأربعة أشخاص.

أخذ قائمة الطعام ليقرأ ما فيها. لكن حينما جاء موظف الخدمة في المطعم ليسجل طلبيهما تحدث معه صديقه بالتركية، فاستغرب موظف الخدمة في المطعم من إجادته للتركية. وسره ذلك. فأخذ يشرح له بتفصيل أكثر عما لديهم من طعام.

**********

بدأت الفرقة الموسيقية تأخذ موضعها بالقرب من ساحة الرقص إستعدادا ًلتقديم برنامج السهرة، وفي ذلك الوقت جاء موظف الخدمة في المطعم بالطعام إلى المائدة وبدأ بترتيبها. ثم غادرهما متمنيا لهما بالتركية شهية طيبة. لكن ما أن بدأ آدم المطرود بتناول الطعام حتى توقف فجأة وعلى وجهه إمارات الدهشة.

كانت المرأة المجهولة، المثيرة والحزينة، التي رآها في المصعد قد دخلت إلى صالة الطعام ومعها رجل في منتصف عقده السادس. كانت هي قد ارتدت ملابس السهرة فبدت وكأنها إحدى نساء القرن التاسع عشر.

اجتازت المرأة المجهولة والرجل الذي معها الصالة بحثا عن طاولة فارغة، ومن حسن حظ آدم المطرود لم يكن هناك من طاولة إلا واحدة قربهما فاتجها نحوها.

لم يحوّل آدم المطرود عينيه عنها قط، فانتبه صديقه آدم الصاحب إليه، واتجه هو أيضا بعينيه تلقائياً نحوها، فارتسمت على وجهه علامات الإعجاب الشديد والرغبة الفاضحة، وقال له بصوت خافت:

-                     إنها رائعة حقا. امرأة حقيقية.

لم يجب آدم المطرود على ملاحظة صديقه إذ ظل يواصل نظرات الدهشة والإعجاب والذهول إلى المرأة المجهولة ومرافقها اللذين جلسا على المائدة وبدأ كل منهما يتفحص قائمة الطعام. فجأة وكأنما هناك إشارة خفية وصلتها التفتت المرأة إلى الطاولة التي يجلس حولها آدم المطرود وصديقه فالتقت نظراتهما، فارتبكا كلاهما. لقد تذكرته.

في تلك اللحظات جاء موظف الخدمة في المطعم ليسجل طلبات الطعام فانشغلت المرأة معه، حاولت أن تتفاهم معه بالانكليزية، فجأة التفتتْ إلى الرجل الذي معها وسألته بالعربية وباللهجة العراقية:

-                     أنت اختاريت شي. ؟

-                     بلي، اختاريت رقم اثنين واربعين.

لم يخف آدم المطرود سعادته فهمس لصديقه:

-                     إنهما عراقيان.

وأحس بشهية كبيرة فأخذ يضع الخضار والسَلـَطـَة في صحنه. لكن فجأة، حدثت ضجة في أقصى القاعة إذ سقطت الصينية من يد العامل الذي يحمل الطعام على بعض الجالسين، بعد أن تعثر. صمتت القاعة لثوان. التفت الجميع نحو جهة الصوت. وبعد لحظات عادت الغوغاء إلى القاعة.

**********

دخل شرطي يحمل صينية الطعام إلى الزنزانة التي يستلقي فيها آدم المطرود. لم يكن هو نائماً. وإنما كان لا يزال مستمرا في تداعياته وذكرياته وأسئلته العصية. وضع الشرطي الصينية أمامه دون أن يفتح فمه حتى بالتحية. وتوجه لمغادرة الزنزانة، لكن قبل أن يغلق الباب سأله آدم المطرود:

-                     قل لي رجاءً. هل من جديد. ؟ هل اكتشفوا شيئا يدلهم على القاتل. ؟

التفت الشرطي إليه بلا مبالاة. لم يشأ أن يجيب في البداية لكنه نظر إلى المهندس آدم المطرود، ورأى اللهفة البريئة في عينيه، فقال:

-                     أنا لا أعرف اي شيء. لكنني سمعتهم يتحدثون عن اكتشافهم لبعض الآثار التي ربما ستؤكد لهم هوية القاتل.

فتنهد آدم المطرود براحة وهو يحس بشعور أنه سيخرج قريباً من هذه الزنزانة بريئاً من التهمة التي وجهت إليه. وسيتابع بنفسه تفاصيل الجريمة. فقال بفرح واستبشار:

-                     الحمد لله

بنظر الشرطي إليه متعجباً وكأنه ينظر إلى إنسان غامض وغير طبيعي. فانتبه آدم المطرود إليه وسأله:

-                     لماذا تنظر إليّ هكذا؟ أهناك شيء؟

فارتبك الشرطي وكأنه قال شيئاً ما كان له أن يقوله وتمتم على عجل:

-                     لا شيء. لا شيء.

فوجئ آدم المطرود من ارتباك الشرطي. لم يفهم شيئاً محدداً من إجابته، وبينما كان الشرطي يغلق باب الزنزانة من الخارج بالمفتاح. كان آدم المطرود يتأمل صينية الطعام، إذ شعر برغبة مفاجئة في الطعام. فأخذ التفاحة من الصينية لكنه ما أن رأى بقية الطعام حتى غابت رغبته فلم يمس شيئاً من الطعام.

لم يكن آدم المطرود يائسا لأنه كان واثقا من براءته، وأنه كان متأكدا من أن الجهات المختصة بالتحقيق ستكتشف القاتل وتعلن براءته قريبا جداً، كان واثقاً من ذلك بعمق. لكن ما كان يؤلمه هو موت حواء الصايغ، لذا ما أن قضم التفاحة حتى غرق ثانية في بحر الذكريات.

**********

بدأت الفرقة الموسيقية برنامجها بقطعة موسيقية راقصة. أخذ بعض رواد المطعم من الأجانب التوجه إلى ساحة الرقص، كما توجه بعض الرجال إلى بعض السيدات الجالسات إلى طاولات أخرى لدعوتهن إلى الرقص.

قام المهندس آدم الصاحب متجها نحو امرأة شقراء تجالس رجلا كهلاً. وكانت المرأة تتلفتت وكأنما تنتظر من يدعوها للرقص غير آبهة بالرجل الذي يجالسها. حين وصل إليهما أنحنى بإيماءة من رأسه بطريقة مهذبة متوجها للرجل الكهل مستأذناً في مراقصة السيدة التي معه، إلّا أن المرأة قامت لتراقصه قبل أن ينتبه الرجل الكهل أو يشير بالموافقة.

**********

نظر آدم المطرود إلى السيدة المجهولة في اللحظة التي نظرت هي فيها إليه أيضا فالتقت نظراتهما مرة أخرى. كل منهما شعر بالحرج من الآخر، لكن في الوقت نفسه أكد اهتمام كل منهما بالآخر أيضا.

راودته رغبة قوية في دعوتها إلى الرقص، لكنه كان مترددا. كان يصارع في نفسه في القيام بهذه الخطوة، وفي اللحظة التي حسم أمره وقرر أن يدعوها قام جليسها ليدعوها إلى الرقص، فلعن نفسه لتردده وتأخره في دعوتها للرقص.

وبينما كانت تقوم متجهة مع الرجل الذي معها إلى حلبة الرقص نظرت إلى المهندس آدم المطرود نظرة يمتزج فيها الاستفسار والعتاب والإعتذار في الوقت نفسه، وكأنها تود أن تسأله لماذا لم يدعوها إلى الرقص. وتعاتبه على ذلك؟

ظل آدم المطرود في مكانه يتابعها بعينيه، وكانت هي بين لحظة وأخرى تنظر إليه من وراء كتف مرافقها كلما استدارت وصارت في مواجهته. حين عاد صديقه آدم الصاحب إلى المائدة بعد أن أوصل مراقصته إلى مائدتها ورأى آدم المطرود وحده سأله مستغربا:

-                     لماذا تجلس وحيداً؟ لماذا لم تبادر لدعوتها للرقص؟

فأجابه آدم المطرد بغضب مكتوم مداريا خيبته:

-                     أنا أحب مشاهدة الآخرين وهم يرقصون، أحس بالمتعة أكثر مما لو كنت أرقص!

في تلك اللحظات عادت السيدة المجهولة ومرافقها إلى طاولتهما، ولم تمض إلا لحظات حتى بدأت موسيقى جولة الرقص الجديدة وبدأت الفرقة تعزف موسيقى بطيئة وناعمة. مال الرجل الذي يرافق المرأة نحوها وقال لها شيئاً لم يسمعه، لكنه انتبه من هزة رأسها بالنفي بأنه أراد مراقصتها ثانية، لكنها اعتذرت ولم تود ذلك. ولاحظ أنهما أخذا يتحدثان بكلمات مقتضبة. وليس حديثاً سلساً، ثم فجأة قام جليسها خارجاً من القاعة، متجهاً إلى جهة الحمامات.

كان آدم المطرود ينظر إليها بحب وشغف واضح، وكانت هي منتبهة له، لكنها لم تشجعه بشكل صريح، وفي الوقت نفسه لم تبد أية إشارة أو ملمح لرفضها هذا الوله في نظراته وعدم قبولها لتصرفه بالتركيز عليها. انتبه صديقه لغياب مرافقها فقال له محرضاً:

-                      اسمع. السيدة تنتظرك لدعوتها للرقص. انهض قبل أن يأتي الرجل الذي معها. والذي لا نعرف صفته. فربما هو زوجها؟

أعجبه ما قاله صديقه لكنه في الوقت نفسه كان متردداً، وقال له:

-                     هل تمزح. ؟ إنها تنتظره ولن تقوم معي. إنها عراقية وليست أوروبية حتى تقوم معي. أنت تعرف العراقيات والعراقيين هم كتلة من العقد.

آدم الصاحب كان أكثر تحرراً في علاقاته النسائية وأكثر مرحاً وخبرة فقال له وهو يحثه ويشجعه للقيام بدعوتها للرقص:

-                     أقول لك إنها تريدك أن تدعوها. لا تضيّع الفرصة يا رجل!

آدم المطرود كان يرى أن الفرصة سانحة، وأنها فعلاً أخذت تلتفت لساحة الرقص، لكنه لم يكن مستعداً للقيام بدعوتها، فقال وكأنه يلعن نفسه:

-                     إنني مرتبك. أخشى أن تعتذر. ولا أريد أن أجد نفسي في مثل هذا الموقف!

نظر إليه صديقه حانقاً بمودة وقال له:

-                     اسمع. إذا لم تذهب أنت لدعوتها فسأذهب أنا. من المؤسف أن تُعزف مثل هذه الموسيقى الرقيقة والرومانسية، وأمامك هذه السيدة الرائعة ولا تدعوها للرقص.

فقال آدم المطرود يائساً وهو يشعر بأن جسده قد تخشب:

-                     حاول أنت. ! وأنا متأكد من أنها سترفض. جرب!

كانت السيدة المجهولة قد انتبهت بأنهما يتحدثان عنها، لاسيما وأنها أدركت من خلال ما تناهى إلى سمعها بأنهما من العراق، فارتبكت. لكنها لم تسمع كل ما قيل.

ارتسمت خيبة الأمل على وجهها حينما رأت الصديق مقبلاً نحوها وليس هو. إذ تقدم المهندس آدم الصاحب منها قائلا بأدب وباللغة الانكليزية:

-                     هل تسمحين سيدتي. ؟!.

نظرت السيدة إلى آدم المطرود نظرة عتاب للحظات ثم قامت لتراقص صديقه وكأنها تعاقبه على ذلك، فما كان منه إلّا أن نهض مغادراً القاعة نقمة وغضباً من نفسه وغضبا منها.

**********

خرج آدم المطرود من المصعد مجتازاً الممر الطويل المفروش بالسجاد الأحمر. أخرج البطاقة البلاستيكية من جيبه وأخذ ينظر لأرقام الغرف إلى أن وجد غرفته المتطابقة الأرقام (111). وحينما وصلها وضعها أمام قفل الباب فأنفتحت. فدخل وكأنه يهرب من شيء يطارده.

جلس على سريره تعباً. كان حانقاً من نفسه. استلقى وهو بملابس السهرة على السرير. نظر إلى سقف الغرفة، ثم إلى المنضدة التي كانت إلى جانب السرير من جهة الرأس فرأى جهاز الريموت كونترول فمد يده وأخذه. ضغط على أحد أزراره فبدأ التلفزيون يبث أغنية بالتركية. انتقل إلى محطة أخرى فكانت تبث برنامجاً بالتركية أيضاً. ؛ ومع أنه كان يجيد اللغة التركية لكن رغبته لم تكن في أن يشاهد التلفزيون وإنما ليشغل نفسه بأي شيء كان، لذا انتقل إلى قناة ثالثة فكانت تبث برنامجا غنائيا بالروسية. أخذ ينتقل بين القنوات فكانت معظمها بالتركية. ضغط على الزر الأحمر فانقطع البث. بقيَ للحظات مستلقيا. فجأة جلس. ظل في جلسته وعلامات التفكير مرتسمة على وجهه.

لم يفهم هو نفسه ما الذي يجري بداخله منذ لحظة رؤيته لهذه السيدة الجميلة والغامضة. لم يفهم لماذا غادر صالة الطعام. ؟ لماذا غضب كل هذا الغضب حينما قامت السيدة لمراقصة صديقه آدم الصاحب. ؟ كان عليه هو أن يدعوها للرقص فلماذا لم يفعل ذلك. ؟ ثم لِمَ كل هذا الانفعال الذي يجتاحه. ؟ هل وقع في حب هذه السيدة. ؟ مَن هي يا تُرى. ؟ ومَن هو هذا الرجل الذي معها. ؟ لقد تحدثا بالعربي وباللهجة العراقية، لكنها لا تشبه العراقيات كثيراً. ثم ما الذي يريده هو منها. ؟ هل يحبها. ؟ هل يرغب فيها ويريد أن يضاجعها. ؟ لا. لم يطرأ في ذهنه ونفسه شيء من الرغبات الجنسية، انه موله فيها، مسحور برقتها وأنوثتها وشخصيتها، وحزنها الشفاف، وبرغم ذلك لم يتوصل إلى السبب الواضح الذي يشده إلى هذه السيدة المجهولة.

فجأة بدا على وجهه وكأنه إتخذ قرارا. نهض بنشاط، ونظر نظرة خاطفة وسريعة إلى أرجاء الغرفة. ، وغادرها بعد أن ضغط على زر النور فغرقت الغرفة في الظلام.

**********

عندما دخل آدم المطرود إلى صالة الطعام والمقصف ثانية رأى أن روادها أقل مما كانوا حينما غادرها. توجه بنظره إلى الطاولة التي كان يجلس إليها فلم يجد صديقه المهندس آدم الصاحب. نظر إلى الطاولة التي كانت السيدة تجلس إليها فلم يجدها وإنما رأى مرافقها فقط يجلس وحيداً.

توجه آدم المطرود إلى طاولته وجلس إليها. فتش بنظره في أرجاء الصالة، ثم إلى ساحة الرقص فلم يجد أثرا للسيدة، لكنه لمح صديقه منشغلا بحديث جاد مع المرأة الشقراء التي راقصها في الجولة الأولى. ولم يكن الكهل الذي معها موجوداً.

التفت ثانية لطاولة السيدة فرأى مرافقها وهو يهم بمغادرة الصالة، ويبدو أنه كان ينتظر شيئاً ما، وفعلاً تقدم منه موظف الخدمة في المطعم حاملاً علبة من السجائر، وما أن استلمها ووقع على قائمة الطعام حتى قام مغادراً الصالة.

جاء موظف الخدمة إلى طاولة المهندس آدم المطرود على أثر إشارة منه، وحينما وصل إليه قال له:

-                     فودكا

ابتسم موظف الخدمة وغادر الطاولة بينما أحس هو بخيبة كبيرة وحزن يجتاح روحه.

**********

حينما أنهت حواء المؤمن قراءة هذا الفصل لم تجد أية ملاحظة من زوجها عليه، لكنها أحسّت بالحيرة، فهذا المهندس الذي اسمه آدم المطرود لا يشبه زوجها الدكتور آدم التائه، كما أن هذا المهندس يعرف اللغة التركية وزوجها لا يعرف التركية، ثم أنها تعرف أنه لم يسافر في حياته فكيف يكتب الآن وكأنه كان في تركيا. ولم تكن حواء المؤمن تعرف شيئاً عن فن كتابة الرواية ولا عن مفهوم الإبداع والشخصية الفنية! لكنها برغم ذلك شعرت بالشفقة والتعاطف مع المهندس آدم المطرود المتهم بجريمة قتل حواء الصايغ! ولكن من هي حواء الصايغ هذه. ؟ هل هي نفس المرأة المجهولة التي التقى بها في تركيا. ؟ ربما هي حواء الصايغ. وربما هي غيرها. هذا سيتضح في الصفحات القادمة. لتواصل القراءة وتنتهي قبل أن يصل زوجها الدكتور آدم التائـه.

**********

ترك آدم البغـدادي حواء المؤمن تبدي مع نفسها ملاحظاتها، وهي ملاحظات قارئة عادية تتفاعل ببساطة مع الأحداث والشخصيات دونما أي تأويل.

(4)
سحب المهندس آدم المطرود ستائر نافذة غرفته فامتلأت بنور الصباح الذي تدفق بكرم عبر الزجاج، وكشف عن منظر رائع للبحر الذي يمتد على امتداد البصر.

تأمل البحر، ساحل البحر الرملي، طيور النوارس المحلقة في السماء. كانت في أفق البحر ثمة سفينة تبدو وكأنها واقفة.

مطّ آدم المطرود جسده ليطرد ما تبقى فيه من نعاس وكسل ورغبة في العودة إلى السرير. فتح ذراعيه مؤدياً بعض التمارين الرياضية. توجه إلى غرفة الحمام وأطبق الباب خلفه ليأخذ حماماً ساخناً.

بعد فترة وجيزة خرج من الحمام عاريا سوى من منشفة عريضة بيضاء لف بها القسم الأسفل من جسده، ثم بدأ يرتدي ملابسه على عجل كي يسرع إلى قاعة الطعام عسى أن يرى سيدته هناك!

**********

دخل إلى صالة الطعام عجلا. يبدو أنه تأخر قليلاً عن موعد الفطور، لأنه وقبل أن يجتاز الصالة مفتشاً عنها واجهته السيدة مع مرافقها وهما يغادران الصالة.

ارتسمت علامات الخيبة على وجهه، إلا أن السيدة التي لاحظت خيبته فابتسمت له ابتسامة خفية لم ينتبه لها أحد غيره. بعد لحظات انتبه إلى صديقه المهندس آدم الصاحب الذي كان يلوّح له من أحد أطراف القاعة. تقدم منه ملقيا تحية الصباح، فبادره آدم الصاحب بمرح قائلا:

-                     ماذا. هل سهرت ليلة أمس طويلا؟

-                     لا، إنما لم أوقت المنبه فأخذني النوم.

دفع آدم الصاحب كرسيه ليغادر، إذ كان قد انتهى من الطعام حينما أقبل آدم المطرود، فقال له:

-                     على أية حال، الفطور على المائدة. قبل قليل أعلنوا عن برنامج سياحي لطيف من قبل إدارة الفندق لجميع النزلاء وليس للمؤتمرين فقط. ستكون تحت تصرفنا سيارتان سياحيتان لزيارة إحدى القلاع الشهيرة القريبة. أنا أنهيت فطوري. سأنتظرك في اللوبي.

قال المهندس آدم الصاحب ذلك ومضى مغادراً القاعة، أما آدم المطرود فتوجه إلى موضع الفواكه والأغذية التي بدأ عمال المطعم يجمعونها شيئاً فشيئاً. ملأ لنفسه قدحا من عصير البرتقال، ووضع في صحن صغير بعض القطع من الجبن والزيتون وقطعة من الخبز الأسمر، وكان حينها يفكر إن كانت السيدة ستذهب معهم في الرحلة أم لا؟

**********

في الساحة العريضة لوقوف السيارات السياحية بالقرب من الفندق كانت هناك سيارتان سياحيتان إحداهما قد امتلأت بالركاب ومستعدة للحركة، أما السيارة الأخرى فلا تزال أبوابها مفتوحة تستقبل بقية الراغبين بزيارة القلعة.

حين وصل المهندس آدم المطرود إلى الساحة ونظر للسيارة الأولى رأى وجه السيدة المجهولة من جانب أحد النوافذ، وفي اللحظة التي نظرت هي إلى جهته بدأت السيارة بالتحرك. لم يجد أمامه سوى أن يتجه إلى السيارة الثانية التي كما يبدو ستتأخر عن الأولى التي توجهت إلى طريق القلعة الإغريقية. شعر بالغيظ حينما صعد إذ كانت السيارة الثانية شبه فارغة.

بعد أقل من نصف الساعة تحركت السيارة الثانية، وحينما وصلوا إلى مكان القلعة التي بُنيت على مرتفع صغير يمتد كلسان في البحر بدأوا بالصعود إليها. ما أن وصلوا إلى هناك حتى التقوا بركاب السيارة الأولى وهم راجعين. لم تكن السيدة ومرافقها بينهم، فمنـّى النفس بلقائها في القلعة. هناك فتش عنها ولم يجدها. ؛ فأحس بغضب يجتاحه وتعكّر مزاجه ولم يستمتع بالرحلة.

**********

عند فترة الغذاء دخل القاعة وعلى وجهه ترتسم علامات اللهفة. كانت صالة الطعام مزدحمة برواد الفندق. هناك الكثير من السواح الروس والأوربيين. بل وصلت سمعه كلمات بلغات لم يعرف إلى أية لغة تنتمي. وجد طاولة فارغة لإثنين فجلس إليها.

كان صديقه قد جلس إلى طاولة صديقته الشقراء. فتش بنظره في أرجاء القاعة عن السيدة ومرافقها فلم يجدهما. تناول طعامه بدون شهية وببطء شديد ليمد من وقت الغذاء عسى تظهر سيدته. ثم قام وأتى بصحن وضع فيه فواكه كثيرة، لا لأنه يريد ذلك وإنما ليجد حجة لبقائه في المطعم لفترة أطول. وبرغم ذلك لم تظهر السيدة. ، ثم طلب شاياً وشربه على مهل. ولم تظهر السيدة!!.

مرّ كل هذا الوقت ولم تظهر السيدة. صار البقاء في المطعم محرجاً بالنسبة له إذ لم يترك أية طاولة طعام في قاعة الطعام لم يذهب ليأخذ حصة منها. ؛ لذا قرر مغادرة المطعم فقام خارجا. وعندما صار خارجا القاعة بالضبط أحس بالصدمة، إذ واجه السيدة مع مرافقها وهما مقبلان. وكانت قد غيرت ملابسها وتزينت بأبهى ما يمكن.

أحس آدم المطرود بالحنق من نفسه ومن تصرفاته التي لم يحصد منها سوى الخيبة، وأخذ يلوم نفسه. لماذا لم ينتظر لدقائق أخرى. ؟ الآن صارت عودته إلى المطعم محرجة! أحس بالغضب تجاه المرأة المجهولة. ؛ فلماذا لم تأت قبل فترة. ؟ ما واساه في تلك اللحظات أنه لاحظ ظلالا ًمن الخيبة ارتسمت على وجهها، وكأنها استاءت من خروجه أيضاً.

اتجه هو نحو بهو الفندق. جلس على أريكة هناك مؤملا النفس أن تأتي السيدة إلى البهو بعد وجبة الغداء، وبينما هو جالس جاء صديقه المهندس آدم الصاحب فرحاً ومشرقاً وقال بحيوية:

-                     الساعة الخامسة ستكون هناك رحلة بحرية عامة أيضاً. هل ستأتي. ؟ ستكون رحلة ممتعة. سأذهب مع إيفا صديقتي الروسية.

-                     أية إيفا. تلك التي كانت معك في المطعم. ؟

-                     إيفا التي راقصتها البارحة. وكانت معي قبل قليل في المطعم.

نظر إليه آدم المطرود بود متناسيا ما هو فيه وسأله بمرح:

-                     وهل صارت صديقتك بهذه السهولة. ؟

ابتسم آدم الصاحب وقال بمرح وتنبجح:

-                     وهل أنا مثلك. أرتجف أمام النساء. ؟!. البارحة كانت تلك المرأة المجهولة تريدك. قلت لك ذلك فلم تسمعني. أتدري ماذا فعلت. ؟

-                     ماذا فعلت. ؟ سأل آدم المطرود بلهفة

-                     ما أن قامت معي. ووصلنا حلبة الرقص. ولم نكن قد بدأنا الرقص حتى مسكت رأسها معتذرة بأنها تشعر بالدوار، شخصيا لم ألح عليها لأنها تخصك! المهم رجعت إلى طاولتها. بينما كانت إيفا الروسية الشقراء تنظر نحوي وتدعوني بعينيها. فذهبت إليها ودعوتها للرقص. أما السيدة صاحبتك فقد تابعتها بنظري. كانت متلهفة وكأنها تبحث عن شخص ما. كنتَ أنت قد غادرت. فرأيتها تجلس دقائق على الكرسي حول طاولتها. ثم غادرت القاعة. وبعد فترة جاء مرافقها وجلس لفترة ثم غادر. أما أنا فقد رتيت أموري مع إيفا الروسية. وكانت البارحة في غرفتي. والآن قل لي. هل ستذهب معنا في الرحلة البحرية أم لا. ؟

شعرت آدم المطرود بالغبطة من كلام صديقه. وقال بمرح:

-                     سأذهب بلا شك.

لا يدري آدم المطرود لماذا لم يود مواصلة الحديث مع صديقه، إذ قال له بأنه يود أن يأخذ القيلولة لنصف ساعة على الأقل، ثم قام متوجها إلى غرفته.

لم ينتبه صديقه المهندس آدم الصاحب إلى حالة صديقه، ولا لعدم رغبته في مواصلة الحديث معه، لأنه هو أيضا كان يريد أن يسرع إلى إيفا الروسية.

**********

عند العصر وفي الساعة الخامسة تقريبا وبالقرب من الشاطئ الرملي الذي يمتد بين الفندق والبحر كان المركب الخشبي الذي يشبه سفينة للقراصنة منتظراً السائحين من رواد الفندق. كان رواد الفندق يتوافدون على المركب ويأخذون أماكنهم المرصوفة على سطحه عابرين جسراً خشبيا يفصل بين الساحل والمركب. بعضهم كان لا يجلس وإنما يظل واقفاً مطلا على البحر متكئاً على سياج المركب.

حين جاء آدم المطرود إلى المركب وجد صديقه المهندس آدم الصاحب محتضنا صديقته إيفا الروسية. وهما يقفان في الطابور الصغير الراكب إلى سطح المركب. أشار إليه آدم الصاحب بأن ينظم إليهما وكأنه كان معهما. طالباً منه الصعود معهما. ارتبك لأن بعض السائحين أخذ ينظر بانزعاج لخرق سلسلة الطابور. إلا أن حيوية آدم الصاحب التي أوضحت للجميع بأنهم معاً خففت من نظرات الآخرين. ولم يكن أمام آدم المطرود سوى أن يصعد إلى سطح المركب. وحينما التفت إلى طابور الراكبين أحس بصدمة مفرحة. إذ لمح السيدة المجهولة ومرافقها وهما قادمان ليصعدا المركب.

فكر آدم المطرود مع نفسه بأنها فرصة ذهبية للتعرف إليهما، وأخذ يخطط بسرعة مع نفسه في كيفية التعرف إليهما. وقرر أن يتعرف على الرجل الذي يرافقها أولاً، لاسيما وهما عراقيان مثله! ولم يكن هو يعرف من هو هذا المرافق. لكنه رجح أن يكون زوجها. فمثل هذه المرأة الرزينة والراقية في هيئتها وحركتها لا يمكن أن ترافق عشيقاً!

**********

فتش عنهما بنظره بين الركاب فلمحهما على جانب من سطح المركب. لكن ها هو مرافقها يتركها وحدها ويتجه إلى إحدى الجهات حيث كان واضحا بأن هناك بوفيه لبيع الحلوى والقهوة والشاي والفطائر. انتبه المهندس آدم الصاحب للأمر فقال له هامسا:

-                     تحرك. إنها وحدها. هذه فرصة لن تتكرر. الأمر لا يثير أي شك أو انتباه. فهنا حشر وزحمة. والجو يساعد على التعارف بكل بساطة.

اقتنع هو برأي صديقه لكنه تردد مرة أخرى. وقال:

-                     وإذا جاء الرجل الذي يرافقها؟ ولا تنسى انهما عراقيان.

-                     حين تراه مقبلا انسحب. وإذا كانت هي تريدك فعلاً فستختلق هي العذر لتواصلك معها.

فكّر آدم المطرود لحظة. همّ بالتوجه إليها لكنه فجأة توجه نحو مرافقها الذي أخذ مكانه في طابور الذين يودون شراء شيئاً من البوفيه ووقف خلفه مباشرة.

حينما جاء دور مرافق السيدة للشراء فأنه تحدث بلغة انكليزية سليمة طالبا كوبين من القهوة الوسط. لم يفهم الشاب التركي ماذا يريد بالضبط فاستغل آدم المطرود هذا الموقف فتدخل شارحاً له بالتركية ما يريده مرافق السيدة. ابتسم الشاب التركي وقدم له كوبين من القهوة، فابتسم مرافق السيدة له وشكره بالانكليزية معاتباً بأن معظم العاملين في قطاع السياحة في تركيا لا يتكلمون الانكليزية بشكل جيد. فجأة لمعت فكرة ذهبية في ذهن المهندس آدم المطرود فسأله بالانكليزية:

-                     من أين حضرتكم. ؟

-                     من العراق.

فقال آدم المطرود مبتهجا وبصوت عال وكأن الأمر مصادفة وقال بالعربية وباللهجة العراقية:

-                     وأنا من العراق، يا أهلا وسهلا. ويا لمحاسن الصدف. من أي مدينة حضرتك؟

-                     من بغداد.

فأبدى آدم المطرود دهشته بفرح وقال:

-                     يا للمصادفة، أنا أيضا من بغداد.

ومد يده مصافحاً ومقدماً نفسه إليه:

-                     أنا المهندس آدم المطرود.

-                     وأنا رجل الأعمال آدم الولهان.

-                     تشرفنا.

-                     لي الشرف.

أخذ آدم المطرود كأسا من عصير البرتقال دافعا للتركي ثمن القهوة والعصير، غير أن آدم الولهان لم يقبل ذلك فأصر آدم المطرود على الدفع مبرراً بأن ذلك عربون الصداقة، وانسحبا معاً من الطابور، فما كان من آدم الولهان إلا أن يقترح عليه بأن ينظم إليهما، وقاده إلى حيث تقف المرأة الغامضة، التي فوجئت بقدومهما معا، وما أن وصلا إليهما حتى قدمه مرافقها لها قائلا بمرح:

-                     اسمحي لي أن أقدم المهندس آدم المطرود.

نظرت إليه نظرة محايدة وقالت:

-                     أهلا وسهلا.

-                     زوجتي حواء الصايغ.

أحس آدم المطرود برجفة تسري في جسده عندما سمع اسمها. وعرف أنها زوجة هذا الرجل، فقال:

-                     تشرفنا.

وتصافحا. لم يصدق آدم المطرود أنه قربها ويكلمها بل ويصافحها أيضاً. أحسّ بالحرج. فأراد زوجها أن يخلق جوا أليفا فقال:

-                     المهندس آدم المطرود يتحدث التركية، وكذلك الانكليزية طبعا.

ارتسمت ملامح الدهشة المحببة على وجه حواء الصايغ وكأنها تبحث عن تفسير لذلك، فانتبه آدم المطرود لذلك فقال موضحا:

-                     القصة وما فيها ياسيدتي أنني درست الهندسة في اسطنبول، وأعمل في بغداد طبعاً، لدي مكتب هندسي هناك. لكني عملت صحافياً لسنوات عديدة. لاسيما أثناء دراستي الجامعية.

أشرق وجه السيدة وقالت:

-                     يعني أنت مهندس. و صحافي.

ارتبك هو وقال:

-                     كنتُ. صحافياً. ومترجما ً أحيانا.

نظرت إليه وكانت عيناها تتألقان وسألت:

-                     ومترجماً أيضا. والآن؟

شعر آدم المطرود بالفرح يغمره لاهتمامها الواضح وغير المجامل به، فقال:

-                     تركت الصحافة والترجمة منذ سنوات، لكني لم أترك الكتابة.

-                     كيف ذلك. ؟ ماذا تقصد؟

كان آدم الولهان ينظر بسعادة إلى هذا الحوار بين زوجته والمهندس آدم المطرود، فكثيرا ما كان لا يجد ما يتحدث فيه معها كي يثير اهتمامها، وها هي تثار وتسري الحيوية في نفسها، وفكر مع نفسه بأن حضور المهندس آدم المطرود في هذه الرحلة سيكسر روتين الحوار بينهما. واستمع لآدم المطرود وهو يشرح لها:

-                     أقصد إنني على الرغم من أن مهنتي الهندسة المدنية إلا أني كاتب. ولست صحافيا.

-                     كاتب. ؟ تقصد أديب. ؟ تؤلف الكتب. ؟

قالت ذلك بانبهار وفرح. فأجاب منتشيا بالسعادة لدهشتها كونه كاتباً:

-                     نعم. لقد نشرت رواية واحدة، وحاليا أخطط لكتابة رواية أخرى.

-                     لديك رواية منشورة. ؟ ما اسمها. ؟

شعر آدم المطرود بالحرج، لكنه واصل:

-                     أوه. رواية يتيمة بعنوان (البرزخ) أو (الأقنعة الزجاجية).

صمتت للحظات. وارتسمت علامات التفكير على وجهها لثوان. ثم قالت:

-                     مع أني أعتبر نفسي قارئة جيدة ومتابعة للنشاط الأدبي والثقافي بشكل عام لكني مع الأسف لم أطلع عليها. بل لم أسمع بها.

فقال آدم المطرود بنبرة مليئة بالمرارة والإحباط:

-                     لقد نُشرت على نطاق ضيق. ظلّت في الرقابة لأكثر من عام، ولما نُشرت عنها بضع المقالات والأخبار في الصحافة الثقافية اللبنانية والمصرية تم الإفراج عنها.

فقالت هي باستغراب:

-                     ماذا؟. ظلت في الرقابة لأكثر من عام؟. ما هو السبب. ؟

كان زوجها آدم الولهان مستمتعا بالنقاش بينهما، بل إن حديث آدم المطرود عن الرقابة أيقظ في نفسه الفضول لمعرفة سبب عدم السماح للرواية بالوصول إلى القارئ العراقي، لذا دعاهما للانتقال من مكانهما والتوجه إلى طاولة قريبة، فاتجهوا إليها وجلسوا حولها. وبادره آدم الولهان مكرراً سؤال زوجته حواء الصايغ:

-                      لماذا ظلت في الرقابة لأكثر من عام؟. ما هو السبب. ؟

إزداد ارتباك آدم المطرود لكنه كان مضطرا للإجابة فقال:

-                     لا أدري بالضبط. ولا أدري ماذا أقول. لقد تم منعها بحجة أنها إباحية أو أنها تثير موضوعا حساسا يخل بالآداب والتقاليد.

انتظرت السيدة حواء الصايغ أن يوضح أكثر. لقد أحست بانجذاب شديد نحوه. انتبهت لإحساسها هذا منذ أول لقاء بينهما في المصعد. الآن تجد أن لهما اهتمامات مشتركة، لذا توجهت إليه بكل حواسها، وقالت له:

-                     أفصح أكثر. لا تخف. لسنا من أهل القمة كما يقال. تستطيع أن تتحدث معنا بحرية. وأمان. زوجي آدم رجل أعمال متفتح، وقد زار بلدان عديدة وتعرف على شعوب كثيرة، ولديه أفكار متحررة، فيمكنك أن تأخذ راحتك معنا.

شعر آدم المطرود وكأن حملاً ثقيلاً انزاح عن كاهله لهذا الإيضاح، فقال بهدوء:

-                     روايتي تتحدث عن ازدواجية المثقف الشرقي، فهو متحرر مع الآخرين لكنه رجعي ومتردد مع نفسه أو مع أهله. تراه يدعو لحرية المرأة لكنه يحجب هذه الحرية وينظر إليها بريبة وشك حينما يجب منحها لأخته أو زوجته أو ابنته.

ساد الصمتُ عليهم للحظات وكأنه مسَ شيئا خطيراً أو اقتربَ من منطقة محرمة، وحينما استمر الصمت أكثر، سألته حواء الصايغ:

-                     عن أي شيء تتحدث الرواية. ؟ أقصد ما هي حكايتها؟

كان آدم المطرود متردداً بالحديث عن تفاصيل الرواية لكنه كان أيضا غير مصدق في أنه يحاور سيدته التي أذهلته منذ أول لحظة قابلها فيها. ناهيك أنه انتبه لقولها إنها قارئة جيدة ومتابعة للأدب، فقال متشجعاً:

-                     كنت أتحدث عن إحدى الإشكالات الاجتماعية، عن البكارة عند المرأة، أقصد غشاء البكارة ومفهوم الشرف، والمسافة بين القول والفعل.

ارتبكت حواء الصايغ للحظة، ثم عقبت:

-                     مع الأسف لم أقرأ هذه الرواية، فكما يبدو أن موضوعها حساس جداً، لكن لماذا تحمل عنوانين. أذكر أنك ذكرت البرزخ وعنوانا آخر.

فأكد هو:

-                     الأقنعة الزجاجية.

وهنا سأل آدم الولهان وكأنه يريد المشاركة أيضا في النقاش، ليؤكد لهما أنه أيضا موجود وأنه مثقف ولديه اهتمام بالأدب أيضا وليس بالمال فقط:

-                     ولماذا جعلت الأقنعة زجاجية. ؟

أحس آدم المطرود بالارتياح قليلاً لابتعاد الحديث عن حبكة الرواية، فقال بحماس:

-                     لأن الأقنعة الزجاجية حينما تنكسر فأنها ستجرح الوجه.

ابتسمت السيدة حواء الصايغ من طريقة إجابته التي لم يستطع زوجها التعليق عليها، لكنه قال بمرح مصطنع، لكنه مكشوف:

-                     هذا كلام صحيح.

فقالت السيدة حواء الصايغ وكأنها تريد أن تعرفه أكثر:

-                     سيد آدم. هل لي بسؤال فضولي. ؟

-                     تفضلي. قال هو برحابة صدر

-                      من هو كاتبك المفضل؟

-                     أوه. لديّ عدد من الكتـّاب المفضلين.

ابتسمت له وقالت:

-                     مثلاً.

دب الحماس في أعماق آدم المطرود إذ وجد السؤال فرصة لكي يتحدث عن عالمه. وليبني الجسور السرية بينه وبينها، فقال:

-                     أنا أفضل مثلاً: دستويفسكي. تشيخوف. تورغينف. ميلان كونديرا، هنري ميلر، موباسان، أميل زولا، نجيب محفوظ، عبد الرحمن منيف، محمد ديب، الطاهر وطار.

شعرت حواء الصايغ بأن ثمة نقاط ضوء بدأت تتقد في المسافة بينهما، فقالت بمودة:

-                     هذه سلسلة من الكتاب، ولو سألتك من هو الأقرب بين هؤلاء. ؟

-                     صدقيني لا أدري. كلهم قريبون.

ساد الصمت بينهم للحظات. أحسَّ آدم المطرود أنه قطع شوطاً نفسيا بعيداً بينهما. وتوغل إلى مساحات كبيرة في نسج العلاقة الروحية بينهما. لذا أراد أن يقوم بالخطوة المماثلة، فسألها دون أن يعير الاهتمام لزوجها:

-                     وأنتِ. أي الكتّاب مقرب إليك أو المفضل لديك. ؟

ارتبكت حواء الصايغ وقالت بحياء:

-                     أنا أختلف عنك. أنا قارئة بينما أنت كاتب!

ابتسم لاجابتها الذكية، لكنه أصرّ على معرفة جوابها فقال:

-                     ومع ذلك من هو كاتبك المفضل أيتها القارئة. ؟

ابتسمت بعذوبة فسحرته ابتسامتها وشعر بنشوة روحية كبيرة. نظرت إليه وقالت:

-                     كقارئة. لدي عدد من الكتاب ربما أكثر مما لديك. لكني أحيانا لا أفضل مؤلفات الكاتب الكاملة. فأحيانا أحب عملاً واحداً للكاتب أو عملين وليس جميع أعماله، وأحيانا أحب فصلاً في رواية أو قصيدة محددة في مجموعة شعرية، بل وبيتاً معيناً في قصيدة.

أحسّ آدم المطرود بأنها تسحره ليس لجمالها الذي أذهله فحسب، وإنما لشخصيتها الجذابة وذكائها الوقاد، فأراد أن يقترب منها اكثر، فسأل:

-                     مثلا! هل يمكنك أن تحددي أكثر. ؟

فقالت بارتباك:

-                     مثلا أحب رواية آنا كارنينا لليف تولستوي، ورواية مدام بوفاري لفلوبير. ومن العرب أحب معظم روايات حنا مينه، الطاهر وطار، وهاني الراهب.

أدرك آدم المطرود بسرعة خارقة العالم الروحي لهذه السيدة المذهلة من خلال الكتاب الذين ذكرتهم. لكنه أحس بأن ثمة جاذبية وتوترا صارا بينهما واضحا لاسيما بحضور الزوج، ولكي يجعل الوضع طبيعيا توجه بالسؤال إلى زوجها آدم الولهان وسأله:

-                     وأنت سيد آدم. أي الكتّاب تفضل. ؟

ارتبك الزوج آدم الولهان فلم يكن يتوقع أن يشركه في النقاش، فقال محاولاً أن يداري وضعه:

-                     أنا. أنا. أنا أفضل الشاعر نزار قباني. لكني أحب الفن التشكيلي أكثر. أحب أن أزور المتاحف حينما أكون في أي بلد أجنبي.

-                     رائع جدا.

ولكي لا يتورط أكثر بادر الزوج آدم الولهان بالسؤال:

-                     لكن قل لي يا أستاذ آدم. هل لديك اهتمام بالفن التشكيلي؟

انتبه آدم المطرود بشكل غامض إلى أن هذا الزوج ربما يسعى لابعاد زوجته من الحوار غيرة منها أو عليها، فأجابه:

-                     لحد ما. لكن ليس كمتخصص، وأنت. هل أنت متخصص بالفن التشكيلي. ؟

ارتبك آدم الولهان. لكنه أجاب بعد لحظات:

-                     أنا لستُ متخصصا في الفن التشكيلي لكن يمكن أن تقول إنني أتذوقه. أحب اللوحات الغربية ذات الموضوعات الشرقية. أحب الفنان الفرنسي ديلاكروا، وأحب أعمال روبنس.

انتبه آدم المطرود إلى أن ما يعنيه هذا الزوج هي لوحات الاستشراق أو ذات الموضوعات الشرقية، فقال:

-                     أنا أحب رينوار.

فجأة. انتبه المهندس آدم المطرود إلى نفسه، وكأنما ستارة سوداء انزاحت عن مشهد في لاوعيه. لقد اكتشف سر تعلقه بالسيدة حواء الصايغ من أول نظرة له. إنها تشبه (لورا انتونيللي)، الممثلة السينمائية الايطالية التي شاهدها في فيلم (البريء) لفيسكونتي. المرأة الشهية والمثيرة والفياضة بالأنوثة والحالمة والتي تفيض طهرانية وقداسة لكنها أيضا شهية وتشع بالرغبة، وهنا التفت إلى السيدة حواء الصايغ وسألها:

-                     هل تحبين السينما. ؟

استغربت سؤاله، وقالت:

-                     نعم، ولكني أميل للأفلام الرومانسية.

فألح بالسؤال:

-                     هل شاهدت شيئاً من أفلام المخرج الايطالي فيسكونتي.

فقالت دون ان تفهم اصراره على ذلك:

-                     لا أركز على أسماء المخرجين، لكن لماذا تسأل. ؟

نظر إليها مرتبكا وقال:

-                     لاشيء. لكن هل شاهدت لوحة (اللوج) للرسام الفرنسي رينوار. ؟

-                     لقد تصفحت ألبوم أعماله، فلدينا الكثير من ألبومات الفن العالمي في البيت، لكني لم أركز على هذه اللوحة. من المؤكد أنني شاهدتها لكني لم أتوقف عندها بشكل خاص. لماذا تشير إلى هذه اللوحة بالذات؟

هنا تدخل الزوج آدم الولهان ليشارك في النقاش، إذ وجد أن سؤال آدم المطرود لزوجته عن الفن التشكيلي، وعدم سؤاله هو، هو إهانة له، فهو، أكثر من زوجته، يمكن أن يقول شيئاً في الفن التشكيلي، فقال على غير انتظار من أحد:

-                     أنا أحب أحد الفنانين الروس واسمه سوريكوف.

التفت إليه آدم المطرود ماسكا نفسه من الانجرار وراء عواطفه الجياشة، وقال للزوج:

-                     يبدو أنك ملّم بالفن جيدا يا سيد آدم. شخصيا يمكنني أن أقول عن نفسي بأني أحب جميع الفنانين وجميع المدارس الفنية والتيارات الأدبية. أحب جميع الألوان، حتى أشدّها تناقضا. عمري خمسة وثلاثون عاما. مؤمن بالله الواحد الأحد، لكني لستُ على وفاق مع الأديان. ثم ماذا بعد. ها. ليس لدي أي ضمان على الحياة، سوى ضمان سيارتي.

ضحكوا جميعا من تقديمه لنفسه بهذه الطريقة. نظرت حواء الصايغ إليه نظرة متعاطفة يغمرها الحنان، إذ أحست بأنه قريب منها وأنها قريبة منه، لكنها برغم ذلك قالت له:

-                     إن لديك طريقة غريبة في الكلام. لقد قلت كل شيء عن نفسك تقريباً، لكنك أيضاً لم تقل شيئا قط.

فتدخل زوجها مازحا وقال:

-                     وأنا أتفق معها. فمثلا أنت لم تقل لنا هل أنت متزوج أم لا؟

نظرت زوجته إليه وكأنها تؤنبه على سؤاله، وقالت:

-                     ما هذا يا آدم، هذه أشياء شخصية.

ابتسم زوجها وقال بمرح:

-                     أعتذر.

فقال آدم المطرود بهدوء:

-                     لا داع للاعتذار. لستُ متزوجا، كما.

وقبل أن يبدأ ليسترسل في كلامه تقدم صديقه المهندس آدم الصاحب الذي أندهش من طريقة التعارف التي تمت بين آدم المطرود والمرأة المجهولة، لاسيما وهو كان يراقبهم من بعيد، وحينما سمع أنهم يتحدثون بالعربية وباللهجة العراقية، قال:

-                     إنها رائحة بغداد التي جذبتني. يا إلهي. كم هي طيبة رائحة العراق واللهجة العراقية.

لم تكن مفاجأة لهما لأنهما شاهداهما معا لمرات عدة في المطعم كما أنه راقص السيدة حواء الصايغ قبل ذلك. فقام المهندس آدم المطرود بتقديمه لهما.

-                     صديقي المهندس آدم الصاحب. (والتفت لصديقه معرفا بهما). السيد آدم الولهان وزوجته السيدة حواء الصايغ.

-                     أهلا وسهلا.

في هذه الأثناء التحقت إيفا الروسية بصديقها آدم الصاحب الذي قدمها لهم بالانكليزية، فرحبوا بها من باب المجاملة، ولكن كما يبدو أن حواء الصايغ استاءت من حضورها، لذا قالت لزوجها، وكأنما تريد إنهاء الموقف:

-                     لقد بدأت الشمس تميل للغروب، ويبدو أن الشمس ستذهب للنوم في أعماق البحر.

-                     يا له من تعبير شاعري.

علق آدم المطرود بمبالغة واضحة. ؛فبادر الزوج آدم الولهان مفتخراً وهو يقول:

-                     إنها تكتب الشعر والخواطر أحيانا.

فارتسمت علامات الدهشة الحقيقة على وجه آدم المطرود الذي كان يتوهج بالمشاعر الجياشة وقال:

-                     هذا شيء رائع، وتقولين إنك قارئة فقط. ؟ اتضح أنك كاتبة وشاعرة أيضا، فهل يمكننا سماع أي شيء مما كتاباتك؟

ارتبكت حواء الصايغ ونظرت إلى زوجها بحياء وبنظرات عتاب، وقالت:

-                     لا. لا. لا أحفظ أي شيء مما أكتب.

فقال زوجها بمرح مشاكس:

-                     هيا. هيا. لنسمع ما كتبته ليلة أمس.

نظرت إلى زوجها بحياء وقالت له وكأنها تؤنبه:

-                     آدم، لا تحرجني. لا أحفظ شيئا مما كتبته. إنها خاطرة. من الصعب أن تسميها شعرا.

فتدخل آدم المطرود قائلاً:

-                     لي الشرف بأن أسمع شيئا مما تكتبين.

ارتبكت لاسيما وانها انتبهت لنبرة الصدق في صوته فقالت:

-                     صدقني لا أحفظ شيئا، لكني أعدك بأني سأقرأ شيئا مما كتبته في ما بعد.

انتبه المهندس آدم الصاحب إلى أن وجود ماريا الروسية قطع سلاسة وتلقائية الجلسة التي كان التواصل فيها باللهجة العراقية، فأخذها من خصرها قائلا للجميع:

-                     اسمحوا لنا. سأراكم فيما بعد. تشرفت بمعرفتكم.

-                     أهلا وسهلا لنا الشرف.

قال آدم الولهان باحترام شديد، وبدا الارتياح على وجه حواء الصايغ، ثم التفت الزوج إلى آدم المطرود وقال ضاحكا:

-                     يبدو أن صديقك يبلي بلاءً حسنا. بالمناسبة. لقد قرأت إعلانا عن مؤتمر للمهندسين. هل لديكم مؤتمر هنا؟

-                     نعم. لقد دعتنا إحدى الجامعات التركية بالاتفاق مع جامعات فرنسية وألمانية إلى هذا المؤتمر.

نظرت حواء الصايغ مستفهمة إلى زوجها، مستغربة سؤاله، وادركت أنه يريد أن ينتقل بالحوار عن قصد من الأدب إلى الهندسة والمعمار، لكنه منجذبة برغبة في أن تتحدث معه فسألته:

-                     وعن أي شيء يتحدث مؤتمركم.

-                      عن تيار (الهاي – تيك) في عمارة ما بعد الحداثة.

فسأل الزوج آدم الولهان باهتمام وفضول حقيقي:

-                     وما هو تيار (الهاي – تيك) هذا. ؟

أحس آدم المطرود بأنها فرصة أخرى أمامه ليكشف عن معارفه أمام السيدة حواء الصايغ، فقال:

-                     (الهاي – تيك) اختصار لمصطلح (التقنية المتقدمة – هاي تكنولوجي) وهو من أكثر التيارات انتشارا في فن العمارة المعاصر والذي يكاد يمثل قطيعة معرفية مع بقية أشكال العمارة والتصميم المعماري المعروف سابقاً. وقد برز هذا التيار في السبعينات، ويعتبر مبنى مركز جورج بومبيدو للفنون المطل على ساحة بوبور في باريس والذي شُيد ما بين الأعوام 1971-1977 أبرز علامة أو رمز يمثل هذا التيار الذي يستخدم جماليات التراكيب المعدنية مع الألواح الزجاجية.

كان السيد آدم الولهان وزوجته حواء الصايغ يستمعان بانتباه واستمتاع للمهندس آدم المطرود وهو يشرح لهم عن تيار التقنية المتقدمة في فن العمارة. فجأة سألته حواء الصايغ سؤالا ً محرجا:

-                     هذا التيار كما فهمت منك يمثل توجهات ما بعد الحداثة ويلقي بكل الجماليات السابقة جانبا، كما تقول. لكن ومن خلال حديثك عن الأدب بل وحتى عن الفن التشكيلي فأنك تميل للتعبيريين والكلاسيكيين وجمالياتهم الأدبية والفنية، فهل أنت من أنصار هذا التيار؟

فكّر المهندس آدم المطرود للحظات في هذا السؤال وأجرى وخلال لحظات مراجعة داخلية مع نفسه ثم نظر إلى أعمق أعماق عينيها وكأنه يتوغل في أعماقها، وقال:

-                     معرفتي لهذا التيار وتقبلي له كخطوة في مجال فن العمارة لا يعني أبدا أنني من أنصاره، ففن العمارة هو فن الحيز والمكان والزمان، لكني شخصيا أميل للروح الشرقية لأني أحس أحيانا بالاغتراب مع تيارات العمارة الحديثة التي تعتمد على تصميم الفضاء وتشكيل الهيئات المعمارية غير العادية التي يحتاج المرء لإدراكها إلى التفسير الذاتي والتأويل الشخصي لكل التصميم المعماري المقدم. إنني مع تيار الحداثة في فن العمارة وليس مع تيارات ما بعد الحداثة التي أجدها بعيدة عن الروح الشرقي.

كان واضحا انهما لم يستوعبا كل ما قاله، لكنها سألته:

-                     هل تستفيد من فن العمارة في بناء رواياتك؟

ابتسم المهندس آدم المطرود قائلا:

-                     شخصيا لم أنتبه إلى هذا الأمر. ربما في اللاوعي، كما أنك تتحدثين عن روايات وأنا لم أكتب سوى رواية واحدة لم يحالفها الحظ بالانتشار.

فقالت وعلى وجهها ابتسامة مشرقة:

-                     يمكنك إعادة طباعتها وتوزيعها ثانية.

-                     إنني مشغول بالتخطيط لرواية جديدة، بل لقد كتبت بعض فصولها.

-                     وعن أي شيء تتحدث روايتك الجديدة.

-                     عن الحياة، عن أحد الأزقة وأهله وشخصياته وفي حقبة سياسية عصيبة من تاريخ العراق، وبالتحديد في بداية السبعينات.

-                     يعني مع بداية نشوء تيار (الهاي – تيك) وبداية إنشاء مركز بومبيدو للفنون. !!

علّقت حواء الصايغ مبتسمة. ؛فضحك المهندس آدم المطرود عاليا، وقال:

-                     لم أكن أعرف أن لديك ذاكرة بلورية بهذا الشكل، وكل هذه القدرة على الربط والسخرية، عموما، لقد استخدمت الأسلوب الكلاسيكي التقليدي في السرد.

فقالت بمودة وعلى استحياء:

-                     هل لي أن أتشرف بقراءتها؟

-                     لي الشرف في أن تكوني أول قارئة لها، لكنها لم تكتمل بعد.

-                     على العكس سيسرني متابعة تشكيلها فالعمل الإبداعي ينمو مثل الجنين، وجميل أن أرى وأتتبع تشكل عملك الروائي هذا.

كان الظلام قد خيم على البحر والأمواج، وبدأت تتلاطم بشكل خفيف تمهيدا لحركة المـد. كانت أضواء المركب ترقص على صفحات الموج الخفيف الذي تحدثه حركة المركب، وكان الساحل بعيداً تقريباً، وأضواء الفنادق على الساحل تبدو مثل نجوم على الأفق. كانت تلك الأمسية بداية لحياة جديدة لكل من حواء الصايغ وآدم المطرود، حياة وسط ظلام البحر وتلاطم الأمواج.

**********

أحست حواء المؤمن بالملل من هذا الفصل الذي كان فيه الكثير من النقاشات عن الأدب وفن العمارة، لكنها أخيراً عرفت بأن هذه المرأة المجهولة، هي حواء الصايغ التي عرفت أيضا أنها قُتلت.

مرة أخرى فكرت بأن زوجها الدكتور آدم التائه هو أستاذ جامعي وليس مهندسا، يعني أن القصة ليست قصته، وإنما هو يحكي قصة إنسان آخر، لكن لماذا أسماه آدم المطرود. فكرت في أن تواصل القراءة فربما ستعرف نهاية هذه القصة.

**********

(5)
كان المهندس آدم المطرود يمشي مقيد اليدين وسط حراسة مشددة تتألف من شرطيين وأمامهم يمشي شرطي وخلفهم شرطي. توقف الجميع أمام باب عريض. دخل الشرطي الذي كان يتقدم المجموعة أولا ثم خرج ليفتح الباب لهم كي يدخلوا جميعاً.

كانت الغرفة واسعة وعريضة، وكان في وسطها طاولة كبيرة جلس حولها أربعة محققين. كان المحقق آدم التكريتي بينهم. أجلس رجال الشرطة المهندس آدم المطرود على كرسي أمامهم وفكوا قيوده وخرجوا، ولم يبق منهم سوى شرطي واحد وقف منتصب قرب الباب الخارجي.

دخل رجل يحمل صينية فيها أربعة أكواب مليئة بالقهوة. وضعها أمامهم ثم غادر المكان، بينما أخذ المهندس آدم المطرود يفرك ساعديه ويحركهما.

الرجال الأربعة كانوا ينظرون بلا مبالاة إلى المهندس آدم المطرود. فُتح الباب ودخل رجل نحيل يضع على عينيه نظارة طبية حاملا آلة كاتبة. نظر للحظة بعينية في المكان. وألقى نظرة على آدم المطرود ثم توجه إلى زاوية، تبدو أنها مكانه المعتاد، حيث يوجد منضدة وكرسي ورزمة من الأوراق. وضع الآلة الكاتبة هناك ومد سلكها ليدخل الموصل في القابس الكهربائي عند حافة الجدار الأرضية ثم جلس على الكرسي، منتظرا بدء التحقيق.

فجأة قام أحد الجالسين الذي يبدو أنه الأكبر منصباً ببينهم وأخذ يتجول في أرجاء الغرفة على مهل، ثم جلس على كرسيه ثانية وتوجه إلى المهندس آدم المطرود بلهجة رسمية جافة لكنها محايدة:

-                     نحن آسفون جدا سيد آدم، فلقد اضطررنا أن نمنع عنك المقابلات. لقد عاد السيد آدم الولهان من سفره خارج العراق أمس وأراد أن يقابلك. تستطيع أن تفهم لماذا لم نسمح له بذلك. إننا نأسف لذلك. كما جاء صديقك المهندس آدم الصاحب أيضا.

نظر المتحدث إلى بقية الجالسين نظرة عابرة وكأنه يستشيرهما عن جدوى هذا المدخل للتحقيق، لكن آدم المطرود قاطعه قائلا بهدوء:

-                     أيها السادة، لا أستطيع أن أرى مبرراً لمنع الزيارات أو المقابلات عني في هذه المرحلة من التحقيق على الأقل. لقد كنت أود مقابلة السيد آدم الولهان فلماذا منعتموه. ؟ كما أود أن يزورني صديقي المهندس آدم الصاحب عسى أن يفاتح أحد المحامين ليوكله لمتابعة وضعي.

تبادل المحققون النظرات في ما بينهم. فأجابه المحقق الذي كان لايزال واقفاً:

-                     لكن السيد آدم الولهان هو زوج القتيلة حواء الصايغ يا سيد آدم. ؟! وقد كان في حالة نفسية سيئة، وقد خشينا من هذا اللقاء وما ينتج عنه. إنه إجراء احترازي لسلامتك قبل كل شيء.

فقاطعه آدم المطرود ثانية بنبرة مليئة بالتعجب والاستغراب:

-                     هل يشك السيد آدم الولهان فيّ؟ ثم ماذا عن صديقي المهندس آدم الصاحب. ؟ لماذا لم تسمحوا له أيضا؟

عاد المحقق الذي كان واقفا إلى كرسيه وجلس عليه بينما فأجابة محقق آخر:

-                     لقد اقتضى استكمال التحقيق مثل هذا الإجراء.

نظر المحقق الذي تحدث أولهم إلى زملائه ثم نظر إلى آدم التكريتي وسأله:

-                     هل نبدأ. ؟

نظر المحقق آدم التكريتي نحو آدم المطرود ثم إلى رئيس المحققين وهز رأسه بالموافقة. نظر الإثنان الآخران نحوه أيضا وأشارا برأسيهما بالموافقة. التفت المحقق الرئيس إلى آدم المطرود وسأله:

-                     سيد آدم. ما هي علاقتك بالسيدة حواء الصايغ. ؟ كيف تعرفت عليها. ؟

نظر آدم المطرود يائسا إلى آدم التكريتي. فقد أجابه في التحقيق الأولي على هذا السؤال، لكن الآن أمام أربعة محققين. فأجاب:

-                     إنها وزوجها الأستاذ آدم الولهان من أقرب أصدقائي. لقد تعرفت عليهما صدفة في في سفرة لي إلى تركيا لحضور مؤتمر علمي أقيم في إحدى مدنها الساحلية، ثم تعمقت علاقتنا أكثر حينما رجعنا إلى بغداد، وكنت أزورهم باستمرار، وأحيانا كثيرة كانوا يدعونني فيها للعشاء عندهم في البيت.

تبادل المحققون النظرات. نظر آدم المطرود إلى آدم التكريتي نظرة مبهمة وكأنه يريد ان يساله عن سر هذه التكرار في الأسئلة، إلّا أن المحقق الرئيس سأله مقاطعاً بنبرة حازمة:

-                     هل كنت تزور السيدة حواء الصايغ ذلك اليوم في الساعة العاشرة صباحاً. ؟

ارتبك المهندس آدم وقال بتردد:

-                     كنتُ أحاول زيارتها لكنني لم أجد أحداً في البيت.

فقاطعه المحقق آدم التكريتي قائلا:

-                     لقد قلت سابقا ً أنك كنت في الطريق إلى العمل. !

إرتبك آدم المطرود. أحس أن عليه ان يكون بالغ الحذر في إجاباته، فقال مبرراً:

-                     كنت أقصد الفترة التي سبقت زيارتي للسيدة حواء الصايغ.

فسأله أحد الجالسين بهدوء:

-                     ولماذا أردت زيارة الضحية. ؟

تألم آدم المطرود من تسمية حواء الصايغ بالضحية، فقال ببنرة حزينة واضحة:

-                     إنها زيارة ودية عادية، فقد كنتُ أزورهم بمناسبة وبدون مناسبة.

فسأله المحقق الذي لم يتحدث لحد الآن:

-                     هل كنتَ تعرف أن زوجها السيد آدم الولهان غائب وأنه خارج العراق في سفرة عمل. ؟

فوجئ آدم المطرود من سير الأسئلة، وأجاب:

-                     نعم.

فواصل المحقق نفسه سؤاله:

-                     إذن كيف سمحت لنفسك بزيارتها. ؟ هل علاقتك بها من العمق والقوة بحيث يمكنك القيام بذلك بغياب زوجها. ؟ وهل يعرف زوجها بأنك تزور زوجته بغيابه. ؟ كيف هو وضعك المادي. ؟

استغرب آدم المطرود هذه الأسئلة، وأحس بأن جسده بدأ يتفصد عرقاً. ، وأن رعشة برد تسري في سائر جسده. وتقلصات خفيفة في عضلات قلبه. لكنه، في الوقت نفسه، انتبه إلى أن الأمور تتخذ مجرىً آخر، فأجاب بنبرة متعبة وبارتباك حاول كبته في داخله كي لا يفسر تفسيرا ليس في صالحه:

-                     ماذا تقصد حضرتك. ؟ أولاً. إن علاقتنا قوية جداً، وكنت أزورهم حينما يكون السيد آدم الولهان غائبا أحياناً، وكثيرا ما كان يلتحق بنا، بل كثيراً ما كان يطلب مني الذهاب إليهم لمجالسة السيدة زوجته لأنها ترتاح للحوار معي، لاسيما إذا ما أراد التأخر في العمل بالمكتب. ؟ ثم ما علاقة وضعي المادي بالتحقيق. ؟ (صمت لحظة) على أية حال أن وضعي لا بأس. فكما تعرفون أنا مهندس. وعندي مكتب هندسي. صحيح أني لا أستطيع الدخول في مقاولات كبيرة، لكن وضعي المادي جيد.

فجأة أحس آدم المطرود بأنه لن يستطيع المواصلة. وأن غشاوة من الظلام تكبس على عينيه وعقله، وأحس بأن قلبه قد توقف عن النبض، وأنه ينهار في لجة عميقة سوداء، سوداء، وأن هناك من يسحبه إلى المجهول. واختفى كل شيء. ولغاب في المجهول.

**********

حين أفاق وجد نفسه في زنزانته. لم يتذكر كيف انتهى التحقيق. أحس أنه في مكان آخر، ولم يكن يحس بجسده. كانت روحه تقاوم من خلال الذكريات.

**********

كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة ليلاً حينما رن جرس التليفون في غرفته فرفعه بمرح ظنا منه أن المتصل هو صديقه المهندس آدم الصاحب كي يروي له شيئا من مغامراته مع إيفا الروسية، لكنه فوجئ بصوت آخر:

-                     تحياتي أستاذ آدم. أنا آدم الولهان.

قفز آدم المطرود من المقعد الذي كان يجلس عليه قبالة التلفزيون واقفاً، وخلال ذلك ضفط على زر في سماعة الهاتف بحيث صار الصوت مسموعاً، وفي الوقت نفسه كتم صوت التلفزيون من خلال الريموت كونترول، وقال بلطف محاولاً كبت فرحه:

-                     أهلا أستاذ آدم. أرجو أنني لم أكن قد ضايقتكم بالحديث عن الأدب والفن والهندسة، إذ لم أترك لكم الوقت لتكونوا لأنفسكم فقد شغلتكم بالحديث.

-                     أبدا يا سيدي. كان حديثك ممتعاً جداً ومفيداً. كما بودي أن اخبرك بأنني اتصلت بك لأن زوجتي حواء منذ أن رجعنا قبل ساعة وهي تحثني على الاتصال بك، فلقد جهزت بعض نصوصها الشعرية وتريدك أن تقرأها الليلة.

لم يصدق آدم المطرود ما سمعه، لكنه سيطر على نفسه، فهو يحدث زوجها لذا كبت فرحه وقال:

-                     يشرّفني ذلك. كيف سأستلمها؟

-                     لحظة من فضلك. (وبعد لحظات) ياسيدي إنها تريد أن تقرأها نصوصها بنفسها أمامك، وتدعوك إذا لم يضايقك ذلك للنزول إلى اللوبي. هل لديك الوقت أم أنت متعب. ؟ إذا كان الأمر كذلك نؤجله إلى لقاء آخر.

لم يصدق المهندس آدم المطرود ما سمعه، فهو سيراها ثانية. وسيتأملها وهي تقرأها نصوصها، فقال بلهفة وبنشاط:

-                     سأنزل حالاً. أو لنقل بعد عشر دقائق. اتفقنا.

-                     اتفقنا.

حينما وضع آدم المطرود سماعة الهاتف لم يصدق نفسه. دخل إلى الحمام بسرعة ومشط شعره ورش شيئاً من العطر على وجهه وجوانبه وصدره وخرج مسرعا حتى أنه لم يُطفئ الضوء في الغرفة.

**********

حينما خرج آدم المطرود من المصعد توجه مباشرة إلى صالة الاستقبال. فتش بنظراته القلقة عن حواء الصايغ وزوجها فلم يجدهما، وانتبه أنه نزل قبل مرور الدقائق العشر التي قال إنه سينزل خلالها. لم يكن هناك الكثير من الزوار في الصالة. ثمة رجل وامرأة في إحدى زوايا الصالة يتهامسان، وموظفو الاستقبال قرب الباب الزجاجية الكبيرة.

فتش عن زاوية مريحة بعيدة عن الأنظار. جلس هناك منتظرا. سمع باب المصعد يُفتح. فجأة رآها قادمة وقد غيرت الملابس التي كانت تلبسها عصر هذا اليوم على سطح المركب البحري وتحمل بيدها ملفا، وخلفها بخطوة كان زوجها آدم الولهان قد غير ملابسه أيضاً.

وقف في استقبالهما مرحبا داعيا إياهما للجلوس، ثم أشار للنادل في زاوية البهو كي يأتيهم. ما أن جلسا حتى كان النادل قربهم، فسألهم عما يشتهون شربه. طلب زوجها كأسا من الويسكي بينما طلبت هي كأسا من عصير الجزر، أما هو فطلب قهوة اكسبريس.

كان ثمة شيء من الارتباك في بداية الجلسة، فقد كان هو منبهراً بحضورها القريب لاسيما وهي توسطت المقعد بينه وبين زوجها فكان عطرها الزكي يصل إليه. وأخذ لثوان يبحث في ذاكرته عن اسمه. إلا أن زوجها بادره معتذراً وهو يقول بلطف مبتسما:

-                     نحن نعتذر، لقد أقلقناك في هذه الساعة من الليل.

ونظر لزوجته بحنان وواصل الحديث:

-                     لكنها أصرت على أن تقرأ نصوصها بنفسها، وأنا شخصياً ضعيف أمامها، لا أستطيع أن أرفض لها طلبا، لذا اتصلت بك.

شعر آدم المطرود بموجات الفرح تجتاحه فقال بمودة:

-                     لا تعتذر يا استاذ آدم. فأنا شخصيا كنت في شوق لقراءة نصوصها، وها هي تريد أن تقرأها بنفسها، فيا للسعادة.

شعرت حواء الصايغ بسعادة غامرة تسري في أنحاء روحها وجسدها، وخلال ثوان سألت نفسها: هل هي سعيدة لرؤيته مجدداً أم أنها حقا تريد أن تُسمعه ما كتبت. ؟ ولكونها كانت تتحقق دائما من أفكارها ومشاعرها في أعماقها فقد أجابت على هذا السؤال في أعماقها: إنها تريد رؤيته هو، وهي متأكدة من نفسها ومن مشاعرها.

 جاء النادل بما طلبوا من مشروبات ووضعها على الطاولة وذهب. هي تعرف أنه بانتظار أن تقرأ نصوصها فهذا هو السبب الظاهر الذي على الأقل اجتمعوا من أجله. فتحت الملف الذي أمامها وأخذت بعض الأوراق التي أمامها. صمتت لحظة. كانوا ينتظرون أن تقرأ. أخذ زوجها رشفة من الويسكي بينما ظل آدم المطرود صامتا ومتأملاً وجهها المثير ومنتظرا عما ستكشفه نصوصها من عالمها وأحلامها وطريقة رؤيتها للعالم. كانت هي مرتبكة، فقالت والكلمات تكاد نختنق في حنجرتها:

-                     أحس بالارتباك.

ابتسم آدم المطرود وقال بتعاطف وحنان:

-                     لا ترتبكي. كلنا نرتبك حينما نقرأ نصوصنا أمام الآخرين الذين لا نضمن ردود أفعالهم إزاء ما نقرأه لهم.

نظرت إليه بمودة وقالت:

-                     شكرا لتشجيعك. سأقرأ.

رتبت الأوراق التي أخذت بالشكل الذي كان ضروريا بالنسبة لها، أخذت إحدى الأوراق وقرأت بصوت هادئ وحزين، كان في البداية مرتعشا لكنه صار فيما بعد واثقا:

أيــــــــــــــام.

يـــوم يســلمني لآخــــر

ومـدينــة تســلمنـي لـمــدينـة

زقـــاق يسـلـمنــي لـزقــــاق

ودهـــليز يســلمنـي لـدهــليز

كـابوس يسـلمنـي لكـابــوس

تـعـبــت روحـــــي

فـلــمــن سـأســـلم نـفـســـي؟

صمتت للحـظـات منـتظـرة أن يـعــلّق شيئا على ما قـرأ، لكنه كان هو غـارقا في شيء بعـيد وكأنها مسـت شيئا في أعمــاق روحـه. أما زوجهـا فلم يبد أي تعليق بل أخذ رشفة أخرى من كأسه. نظرت هي إليهما وواصلت القراءة:

اعــتــــــــــــذار

آه.

أسمع صوتَ ناي حـزين في الشارع

لأنـزل من شـرفتي

صـوت النـاي الحـزين يبـتعــد

أيتهـا الـوردة اعـذرينـي

سأمضـي مـع صـوت النـاي الحـزين

لبـلادي رائحــة الـرازقـي المتـفتـح ليـلاً

أيتهـا الــوردة

هـذه بهـجــتي تـذوب مثـل شـمعة حـزينــة

وعـمــري يهــرب مـذعـورا

مـثــل عـصـفــور وحـيــــد

في سـماء مـليئــة بالصــقــور

 

نظرت إليهما. كان هو متوهج الروح، نظراته تفيض أسى وحنين. نظر إليها نظـرات ذات معنى وكأنه يتوسـل أن تواصل قراءة نصوصهـا، فلم تتوقف أكثر بل واصلت:

مـعـــــــــــرفــــــــــة

فـي مقــابر الليــل

وأمــام ضــريح نـجـمــة عاشــقة

رقـصــتُ

وتـذكــرتُ

كـيف كـانت أمـي تغـمـضُ عيـنيـهـا

مـن دخـــان الـمــــوقـد فـي الشــتـاء

وتــذكــرتُ غـــزالـــة شـــاردة ً

انـقـّضَّ عـليـهـا النـمـر عنـد النبع

وتـذكــرتُ بـأنـني ذات يــــوم

لـن أذكــــر شيــئا

فـي مـقــابر الليـــل

عــرفـتُ الصـــباح

 

نظرت إليهما مرة أخـرى. لم يجبها أحد. زوجها كان قد أنهـى كأسه وأشار من بعيد للنادل رافعا كأسه بأنه يريد كأسا أخرى. لم يستطع المهندس آدم المطرود أن يقول شيئا فقد كان مختنقا بالكلام، لذا أشار إليها بأن تستمر. نظرت إليه وكأنها تقول أنا أقرأ من أجلك أنت وحـدك:

مـصـــــــابيــــح الـطـفـــــــــولــــة

مـصـابيــح طـفـــولتي شاحبـة الضــوء

المصـابيح التي عـرفتها ترتعش دائمـا

ورغـم ذلك ليـس هنـاك في ظـلمـــتي

غيـر هـــذه المــصـــابيــح.

أيتــها الـمصــابيـح.

يا مصـــابيح الـعـــالـم. اتـقـــــدي

وأنـــت َ أيهــا الـحــارسُ

حــذار ِ أن تـنـسـى مصـباحـك فـي البـيـت.

صمتت للحظات ونظرت إليه فوجدته ينتظر أن تواصل القراءة. استفهمت منه بنظراتها،فقال هامسا:

-                     واصلي القراءة رجاءً

لم تجبه وانما استمرت في القراءة:

غـــــــــــــــريــــــــــــب

ليل بهيم

سماء ليـس فيها قـمــر

سـماء تســـح مطــراً وعتــمة

المطـــر والظــلام المنهمر بقـــوة

ليس هنـاك في الـمحـطـة سـوى المرأة الغريبة

ليس من نـأمــة سـوى صـوت انهمار المطــر والظـلام

مـن تـُرى سـيوصـلـها إلـى البـيـت

الـبـيـت الكئـيـب

إنــها تـكــره البيــت،

لــكنها فكـــّرت

ليتــها الآن فـي البيــت

فـي البيـت الـكئيــب. الكئيــب

ليتــها الآن هـنـــــاك.

 

-                     وهذا نص آخر. قالت ذلك دون أن تنتظر:

هــــــــــــــــذيـــــــان

هـل أنا

حطـــام سـفيـنة ٍ أحــرقهــا القــراصنـة

أم نجـمــة تهـــرب من السـماء

قـُلتُ للأرض: إنني وردة جـريحـة

قـلتُ للـريح: اذكــري خطـوتي وباركيها

قـُلتُ للأشـجار: وداعـا ً أيتهــا الجــذور

قـُلتُ لأمــي: آه. كــم أحبــُــك ِ

ثم قـُلتُ لنفسـي: مـا هــذا الهـــذيـان؟؟

صـمتت للحـظــة ثم قـرأت نصـا جـديداً:

لـــــــو

أذكــرُ مـن طفـولتي

إننـي كنـتُ جائعــة ذات مســاء

أذكـــرُ مـن مدينتـي

مقـبــرة لجنـود الحــرب الأولــى

أذكــرُ مـن بــلادي

هــاوية بمســـاحة بـلادي

أذكــرُ مـن الـــورد

شــوكــة جـرحتنـــي

أذكــرُ مـن جنـوني

أننــي دفـنتُ في كهــوف الليـل راســي

أذكــرُ مـن الليـــل

أننــي قـذفـتُ فـي خـلجــان النجــوم بآهــة محــرقة

أذكــرُ مـن النسـيان

أننــي نـسـيتُ نـفســي

آه

لــو أنســى الــذكــريات

نظرت إليه بتساؤل ممزوج بتوسل خفي، فكأنها كانت تنتظر النطق بحكم قضائي عليها كشاعرة. سبق لها أن قرأت نصوصها على زوجهـا، لكنه لم يتحمس لها أبداً. كان زوجها يتجنب أن يفصح عن رأيه السلبي بكتاباتها لذا كـان يتعــذر بأن هذا الأمر ليس من اختصـاصـه ولا يستطيع أن يقول لها شيئا، لكنه يرى أنها نصوص كئيبة.

الآن هي تنتظر أن يقول آدم المطرود، الكاتب، شيئاً. ولم يكن أمامه إلا أن يبدي رأيه، وكم تمنى لو أنهما وحدهما لقال لها الكثير، لأختصر اللغات جميعها في كلمة واحدة: أحبك. لكن زوجها هنا، وهو ينظر إله متسائلاً منتظراً رأيه أيضا، ولو من باب الفضول. تملل آدم المطرود في مكانه وقال:

-                     لا أريد أن أجاملك أبدا.

هيمن عليهم صمت وتوتر، فقالت حواء الصايغ وكأنها تنتظر حكما قاسياً:

-                     وأنا لا أريد أن تجاملنـي.

نظر آدم المطرود لها ثم إلى زوجها وأعاد النظر إليها وهو يقول:

-                     بصراحـة شديدة أقـول: إنك تكتبين برقة وحساسية عالية. صورك تشي بعزلة روحية. لـمستُ في أعمـاقك غـربة روحيـة وبراري من الوحشـة. إنك تكتبين عن غربة الروح وسط العالم. تكتبين عن الخلاص أو بشكل أدق عن محنة الخلاص، بل تبحثين عنه وسط عبث الوجود الذي يحيط بنا. كتاباتك تنم عن موهبة. رغم أنك من الناحية الأسلوبية ربما تحتاجين إلى خبرة ومران أكبر. هل لديك نصوص أخرى؟

كانت حواء الصايغ منبهرة لتشخيصه الذي مس أعماقها، ليس في مدحها فهو انتقدها بطريقة غير مباشرة، لكنها في الجوهر شخص حالتها الروحية. بينما كان زوجها مرتبكا من تعليق آدم المطرود فقال مدارياً ارتباكه:

-                     نعم. لديها الكثير منها.

نظر آدم المطرود إليه للحظة، ثم التفت إلى حواء الصايغ سائلاً:

-                     ألم تنشري من كتاباتك شيئا. ؟

فقالت هي على استحياء:

-                     لا. لم أنشر شيئاً أبدا. أنا أكتب لنفسي. لا أريد أن أنشر شيئا مما أكتب.

هنا تدخل زوجها آدم الولهان موجها كلامه آدم المطرود مازحا:

-                     سيد آدم. الله يخليك لا تورطنا بالنشر. حواء تكتب لنفسها. تشعر بالحزن لأسباب كثيرة، فهي حساسة جداً. لا تستطيع أن تتحمل الأخطاء والمآسي حولها، بينما عالمنا مليء بالأخطاء والمآسي. هذا هو سر حزنها، وسر كل هذه الكتابات.

أخفضت حواء الصايغ رأسها وأخذت تنظر إلى الطاولة والنصوص التي أماها شاردة الفكر، بينما أحس آدم المطرود بأن زوجها ثعلباً ماكراً، فهو إما أنه لا يفهما وإما أنه يفهمها لكنه يحاصرها خوفاً من أن تنطلق إلى عالمها، وهذا يعني بالنسبة له أنها ستغادره، تاركة كل شيء وراءها، لكن آدم المطرود لم يود أن يوتر الأجواء فقال موجها كلامه لحواء الصايغ:

-                     يسرني أن أقرأ أو أسمع منك نصوصا أخرى.

رفعت رأسها للحظة، وكأنها أفاقت من شرود ذهني، صمتت لثوان ثم ابتسمت بحزن وقالت:

-                     إن شاء الله، ربما في بغداد.

في تلك اللحظة راود آدم المطرود سؤال مفاجئ لم يفكر به سابقاً فقال:

-                     بالمناسبة، إلى أي وقت أنتم باقون هنا؟

وجد زوجها السؤال فرصة للانتقال بالحديث عن شيء آخر غير الكتابة والشعر ووحشة حواء روحيا وخواء عالمها، فقال بمرح:

-                     غدا صباحا نسافر إلى اسطنبول، ومنها إلى جنيف، ومن هناك نمر بباريس، ومن باريس نعود إلى بغداد إن شاء الله. يعني خلال أسبوعين سنكون في بغـداد. وأنت، كم ستبقى هنا. ؟

شعر آدم المطرود بكآبة حين عرف بمغادرتهما في اليوم التالي لكنه كتم ما في نفسه، فقال بهدوء:

-                     غـدا سيبدأ المؤتمـر، وسيستمر ليومين، ربما سأبقى لبضعة أيام أخرى بعدها. سأحاول السفر إلى استنبول لأبقى فيها بضعة أيام ثم أعود إلى بغداد.

فقال آدم الولهان بمرح:

-                     سنلتقي في بغداد إذن، لأننا ربما لن نلتقي في استنبول حيث سنبقى يومين فقط، بعدها سنطير إلى جنيف.

أحس آدم المطرود وكأن تشنجا قبض على صدره. نظر إلى حواء الصايغ التي كانت مستسلمة لعالمها ولم تعلق شيئاً، أما هو فأحس برغبة مفاجئة بالبكاء، لكنه تدارك نفسه لإابدى بشكل مفاجئ رغبته في الذهاب. وكان لا يعرف نفسه حينها. هل هو يعاقبها أم يعاقب نفسه؟ تمنى لهم سفرة سعيدة، بعد أن استعلم عن عنوان مكتب الزوج وعنوان البيت في بغداد.

فوجئت حواء الصايغ من تسارع الأحداث وقرب النهاية. داهمها حزن شديد، بينما وقف آدم المطرود مودعاً. مضى نحو النادل وتحدث معه ثم وقع على قائمة المشروبات التي وضعها على حساب غرفته.

حينما مضى من أمامهما ثانية أحس وكأنه تركها وحيدة. أدرك أن علاقتها بزوجها غير طبيعية أو ودية برغم تعلقه الواضح بها، وأن نصوصها التي قرأتها تكشف عن طفولتها الفقيرة والبائسة، ربما أن زوجها يحاصرها بثروته وبالسفر والرحلات والفنادق الراقية والعواصم الجميلة. فهي روح مليئة بالبساطة والطيبة. وسأل نفسه: هل سأراها مرة أخرى؟ نعم. لا بد من ذلك. ، لقد أخذتُ عنوان مكتب زوجها وتليفونه المدون على بطاقته الشخصية. وعنوانهم البيتي. لكن يالغبائي. لم أعطهما عنواني. المهم. يجب أن أراها. لقد أحسستُ بسعادتها لوجودي معها. كان ذلك واضحاً. نعم. كما أنني مسحور بها. لكن لماذا تصرفت هكذا بغباء. كان بإمكاني قضاء السهرة معها والجلوس معهما أطول. لماذا أنهيت الجلسة وغادرت؟ كم غبي أنا.

**********

حينما أنهت حواء المؤمن هذا الفصل شعرت بالتعاطف مع حواء الصايغ. إنها امرأة، برغم الثراء الذي هي فيه لم تنكر طفولتها الفقيرة. راودها شعور بالتعاطف مع المهندس آدم المطرود أيضا، وأشفقت عليهما، فهما يحبان بعضهما لكنهما وجدا نفسيهما في الزمان والمكان الخطأ.

أحست بشوق لمتابعة القصة، فقد كانت متلهفة لمعرفة القاتل. قلّبت الأوراق بين يديها، إذن، لم يبق الكثير من القصة، ستعرف كل شيء، وبدأت بقراءة الفصل السادـس.

أعجبتها شخصية حواء الصايغ. صحيح أنها لم تفهم كل ما ألقته من شعر، فهذا ليس شعراً، لكنها أحست بحزن هذه السيدة الغامضة، ولم تجد مبررا لكي تُقتل، وكانت تريد أن تتسارع الأحداث كي تعرف النهاية، لكي تعرف لماذا قُتلت. ؟ ولماذا أُتهم آدم المطرود بقتلها. ؟ لذا باشرت بقراءة الفصل السادس.

**********

انتبه آدم البغـدادي إلى أن تضمين الرواية نصوصا شعرية هي تقنية قديمة، فقد ترك الشاعر الروسي السوفيتي بوريس باسترناك مجموعة شعرية كاملة تقريبا باعتبارها النصوص التي كتبها الدكتور زيفاكو في الرواية التي تحمل اسمه أيضا، وكذلك استخدمها الكاتب الروائي الألماني هيرمان هيسه في روايته ( لعبة الكريات الزجاجية)، وكذلك استخدمها صديقه الشاعر والروائي العراقي حميد العقابي في روايته (أصغي إلى رمادي)، فلا ضير أن يترك حواء الصايغ تقرأ نصوصها.

(6)
دخل آدم المطرود إلى غرفته المرقمة (111). استلقى على السرير العريض سارحاً في أفكاره حول حواء الصايغ وزوجها، وما سمعه من نصوص لها. وانتبه أن صوتها كان مرتعشا. رقيقاً. خائفاً. مبتهلاً. وسأل نفسه لماذا انتبه لصوتها الآن وهو في غرفته. ؟ فكّر مع نفسه بأنها مشروع شاعرة مهمة لو انتبهت لنفسها وتقنياتها اللغوية والفنية، ووجهت قراءاتها، ووسعت من معارفها النقدية. فكر في وضعها العائلي وخمّن بأن زوجها لا يريد لها أن تبرز في أي مجال ثقافي، فهو في أعماقه يخاف أن يفقدها، لاسيما إذا ما دخلت إلى تلك الأوساط الثقافية الفاسدة التي من المؤكد أنها ستقابل فيها رجالاً أكثر منه ثقافة وشبابا! وربما هي نفسها لا تريد مثل هذه الأوساط بسبب طبيعتها الانطوائية، وإحساسها بالاكتفاء الذاتي، وتواضعها الذي يكاد يصل إلى الخجل من كل شيء، وعدم رغبتها في الشهرة والأضواء، بل على العكس يبدو أنها تخاف الأضواء.

أخذ يسترجع كل اللحظات من أول لحظة رآها فيها. راوده إحساس أشبه باليقين بأنها ارتاحت له، وتود أن تعمق علاقتها معه، أما هو فيعشقها، فهي المرأة الحلم، المرأة الغامضة، المرأة - المستحيل بالنسبة له، لكن هل هي مستحيل حقا؟ سأل نفسه.

راودته أفكار غريبة وأحلام يقظة، فتصور نفسه معها وتسائل: كيف لمثل زوجها أن يضاجعها. ؟ وكيف هي في السرير. ؟ هل ستبقى حزينة وشفافة وحالمة كما يراها دائما أو أنها ستتحول إلى امرأة أخرى تصرخ من الشهوة وتنطق بكلمات شبقية بذيئة. ؟ لا. إنها هادئة وشفافة حتى في تلك العلاقة! قال لنفسه.

**********

حين استيقظ آدم المطرود صباح اليوم الثاني لم يجد في نفسه الرغبة أن ينزل إلى المطعم، لكنه إضطر لذلك لأن المؤتمر سيبدأ بعد الفطور في القاعة الكبرى في الطابق الأول والتي تقع في الطرف الآخر من الطابق الذي يسكنه، فنهض متثاقلا ودخل غرفة الحمام.

**********

في قاعة الطعام لم يجد صديقه آدم الصاحب. فتناول فطوره على عجل وصعد إلى الطابق مابين اللوبي والطابق الأول، حيث قاعات الاجتماعات وقاعة رجال الأعمال، متوجها إلى قاعة المؤتمر. وعند باب القاعة رأى شابة تركية وضعت أمامها عددا كبيراً من البطاقات العاجية التي تحمل أسماء المشاركين ودولهم، إلى جانب بعض الكراريس والمعلومات عن المؤتمر وجدوله.

لمح صديقه المهندس آدم الصاحب وهو يتحدث مع إحدى المشاركات الأجنبيات. امرأة مثيرة. ناضجة. انيقة. بشعر بني. شرقية الملامح لكنها ملامح أنيقة، لا يستطيع الناظر إليها ان يخمن هل هي إيطالية. أسبانية. تركية. فرنسية. ولم يتعب نفسه كثيرا في تحديد هويتها.

أخذ البطاقة التعريفية التي تخصه بعد أن وقع على استمارة مقابل اسمه، كما أخذ جدول المؤتمر وبعض المنشورات الأخرى واتجه نحو صديقه. تصافحا وبادر صديقه المهندس آدم الصاحب بتقديمه لزميلته، بالتركية، معرّفا بعضهما ببعض، فهي حواء كوناي (وتلفظ هوّاء لأن حرف الحاء غير موجود بالتركية)، مهندسة ألمانية - تركية وجاءت لتمثل إحدى شركات المقاولات الكبرى، وهو آدم المطرود من العراق لكنه خريج استنبول.

نظر كل منهما في وجه الآخر للحظات، وكأن لحظة انجذاب شدتهما قبل أن ينطقا شيئاً، ثم تحدثا مباشرة بالتركية وانسجموا جميعا وكأنما يعرفون بعضهم منذ زمن، فقد قربت اللغة بينهم.

**********

بدأ المؤتمر أول فقرات برنامجه بعد كلمات الترحيب التقليدية. كان المتحدث الأول هو معماري عالمي تحدث عن تجربة تصميم مبنى المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان في مدينة ستراسبورغ. كانت محاضرة ممتعة وعميقة، على الرغم من أن آدم المطرود لم يستوعب بعض المفاهيم التي تحدث عنها، إذ كان المحاضر يدعو إلى خلق مبنى مميز في لغته التصميمية ضمن البيئة المحيطة، أي خلق مبنى صرحي من دون صرحية. وانتبه آدم المطرود إلى نفسه، إذ أنه تذكر حواء الصايغ فجأة، وتمنى لو أنها كانت موجودة لتستمع إلى هذه المحاضرة.

عند استراحة الغذاء وعلى المائدة جلس مع صديقه المهندس آدم الصاحب والمهندسة حواء كوناي التي شعر برغبة في أن يكون قريباً منها إذ هي شدته بجاذبيتها الأنثوية.

انتبه المهندس آدم الصاحب برغبة صديقه آدم المطرود فهمس له باللهجة العراقية أن ينتظر إلى الليل وحينها سيدعوها وسيدعو صديقته الروسية ايفا أيضا، وسيشربون النبيذ والفودكا، والبقية عليه، وعلّق على المصادفة التي جمعتهم بنساء كلهن اسمهن حواء.

**********

 في الجلسة الثانية بعد استراحة الغذاء شعر بفرح غامض حين عرف بأن المحاضر الأول في الجلسة هو معماري عراقي ترك العراق لأسباب سياسية ويعيش حالياً في اوروبا.

استمع إليه بانتباه شديد. لاسيما وأن محاضرته تدور على موضوع المؤتمر بالتخصيص. إذ كانت محاضرته تعريفية عن تيار (الهاي – تيك)، عرج من خلالها على تيارات ما بعد الحداثة، متوقفا عند مهندسة عراقية شهيرة جداً في فن المعمار العالمي والتي قدمت إنجازات عالمية في فن العمارة، بحيث أُطلق على فنها المعماري مصطلح (واقعية الفضاء الافتراضي)، متحدثا عن انجازاتها العالمية وفلسفتها التـفكيكية، ثم تحدث المحاضر، مستعينا بصور السلايد، عن تنويعات عمارة ما بعد الحداثة، مقدما أنموذج مبنى (البنك المركزي العراقي) والمصمم من قبل مهندس دانمركي، مبينّا قيمته الجمالية الجديدة المتمثلة في مفردة تكوينية واحدة دعاها النقاد فيما بعد ب(الفضاء الفسيح الواسع والرحيب).

بعد انتهاء المحاضرة التي أثارت الجميع بغزارة معلوماتها، تقدم آدم المطرود منه بصحبة المهندس آدم الصاحب، وعرفّا بأنفسهما فرحب بهما جداً، برغم حذره الشديد من أي شخص قادم من بغداد.

حاولا دعوته إلى العشاء فاعتذر منهما بأدب جم، وبعد أن تركهما فكر المهندس آدم المطرود للحظات بهذه الكفاءات العراقية المهاجرة والتي لا يستفيد بلده منها، بل إن السلطة هناك طوتهم في النسيان فلا أحد يعرف عنهم شيئا بينما يستمع العالم كله إليهم لغزارة معارفهم وتميز تجربتهم. وفكر للحظة أنهما محظوظان إذ ليس هنا أي شخص من العراق غيرهما وإلّا ربما كانا سيواجهان المشاكل عند عودتهما إلى بغداد.

**********

عاد المهندس آدم المطرود إلى غرفته ليأخذ قسطا من الراحة إذ تنتظره سهرة لا يعرف نتائجها، لكنه متحمس لخوضها، فهذه المهندسة التركية الألمانية تعجبه بل تثيره، ويبدو هو أيضا يثير إعجابها لأنه راقبها أثناء المحاضرة فوجد أنها نظرت إليه لأكثر من مرة وفي أعماق عينيها رغبة دفينة.

استلقى على سريره ؛ ودون إرادته غط في غفوة عميقة لم يوقظه منها إلا رنين جرس الهاتف. كان بين النعاس واليقظة. ولكسله ضغط على زر الصوت العالي ليرد. فسمع صوت صديقه المهندس آدم الصاحب يأتيه قلقا عليه:

-                     أين أنت يا رجل. ؟ نحن ننتظرك. إيفا الروسية وحواء كوناي هنا أيضاً، وقد سألتني عنك.

أحس بأنه تائه. لم يكن يعرف كم مر عليه من الوقت وهو نائم. لكنه حين سمع أن حواء كوناي التركية موجودة غمره نشاط مفاجئ وشعر بالصحو المباشر، فقال:

-                     لقد أخذتني الغفوة.

-                     اتصلت بك ثلاث مرات ولم تجبني إلا هذه المرة.

فقال آدم المطرود وهو لا يزال متمددا على سريره ويتحدث عن بعد دون أن يرفع السماعة.

-                     لم أسمع. يبدو أني كنتُ غارقا في نوم ثقيل.

-                     على أية حال أسرع فنحن ننتظر.

فجأة وكأنه تذكر شيئاً، فقال بتردد برغم استعادته لنشاطه الجسدي والذهني:

-                     لا أحس برغبة في السهر.

-                     ما الذي جرى يا صديقي. إنها تنتظرك، وأنت كنت متلهفا لها. !

-                     لا أدري. أحس أني أخون حواء.

-                     تخون من. ؟

-                     حواء.

-                     أي حواء منهن يا آدم. أيها المطرود من الجنة. أية حواء تقصد. حواء التركية أم حواء العراقية؟

-                     حواء الصايغ طبعا. حواء العراقية.

-                     هل أنت في كامل قواك العقلية يا آدم؟

-                     أقول الحقيقة. هذا هو إحساسي. أشعر أنها معي في كل لحظة، بل أشعر أنها سكنت أعماقي، فهي في داخلي، ولا أرغب في أية امرأة سواها. أريدها. إنني في شوق لها.

-                     يبدو أن وضعك خطير. تعال يا بني وسأشفيك. تعال. وإذا لم تعجبك الجلسة غادرنا.

قال بنبرة فيها بعض العناد:

-                     قلت لا رغبة لدي!

-                     تعال فقط لربع ساعة، بعدها تحجج بأي شيء لتذهب. وضعي محرج. لقد أخبرت إيفا الروسية بأن تساعدنا في ترتيب الأمور. أوضحت لها بأنك تريد المهندسة حواء التركية. اتفقت معها أن تستعلم عن مدى استعدادها. تعال يا أخي.

ما أن سمع بما خطط له صديقه، من إمكانية أن يحصل على حواء التركية حتى استرخى قليلاً. وقال:

-                     حسنا لربع ساعة فقط!

-                     سنكون بانتظارك في المطعم الذي يحمل أسم ألف ليلة وليلة الذي في الطابق الأول ولسنا في صالة المطعم.

نهض آدم المطرود بتثاقل شديد وبدون رغبة حقيقية في السهر، فهو بين انجذاب جنسي نحو حواء التركية وبين تسامي رومانسي نحو حواء الصايغ. برغم أنه كان قبل غفوته متحمسا لهذه السهرة. فكّر مع نفسه في الأمر وسأل نفسه لماذا جرى هذا التحول في مزاجه، وكيف اختفت رغبته، بينما كان يفكر بمضاجعة المهندسة التركية منذ لحظة رؤيتها.

**********

حينما دخل آدم المطرود إلى المطعم والبار الليلي وقف للحظات مستكشفا المكان. أحس أن الأجواء لطيفة وهادئة، والطاولات موزعة بشكل يحفظ خصوصية الزائرين، والأجواء ليست بالمعتمة لكن الإنارة خافتة. لمح صديقه المهندس آدم الصاحب يجلس بجانب ايفا الروسية بينما جلست المهندسة حواء كوناي قبالتهما منتظرة أن ينظم إليها. أشارت حواء كوناي إليه لترشده. كانت هي في أبهى زينتها، وكأنها ليست تلك المهندسة الوقورة والرسمية التي كانت عليها في المؤتمر. تقدم منهم وسلم عليهم جميعا مصافحاً، ثم جلس بجوار المهندسة حواء كوناي التي كانت ترتدي ثوباً أسود ضيقاً وقصيراً يكشف عن ذراعيها وعن مساحة كبيرة من فخذيها ويبرز جزءاً كبيراً من نهديها الثائرين.

كان المهندس آدم الصاحب قد سبقه بطلب قنينة من النبيذ الفرنسي الأحمر، كما كانت المائدة عامرة بالمقبلات الشهية وكان قد طلب العشاء لهم أيضا، وكانوا بانتظاره فعلاً، وما أن جلس حتى صب صديقه النبيذ في الأقداح. رفعوا كؤوسهم وشربوا نخب صداقتهم مقربين الكؤوس من بعضها.

بعد الكأس الثانية طلبوا قنينة أخرى، وما أن شربوا الكأس الثالثة حتى كان الدفء والانتشاء قد تسرب في نفوسهم جميعاً وصاروا أكثر استرخاء في الحديث. كان معظم الكلام بالتركية، وأحيانا بالانكليزية مجاملة للروسية إيفا التي كانت تتفاهم معهم بالانكليزية.

انحنى المهندس آدم الصاحب إلى إيفا الروسية وهمس في أذنها فابتسمت، وبعد لحظات نظرت إلى المهندسة حواء كوناي نظرة ذات مغزى ثم قامت طالبة الأذن لدقائق، وبعدها بلحظات قامت المهندسة حواء كوناي أيضا طالبة الأذن لدقائق. حينما بقيا وحدهما قال المهندس آدم الصاحب مازحا:

-                     ستأتيك إيفا الروسية بالخبر اليقين، فقد دعتها إلى حمام النساء وهناك ستسألها عنك أن كانت تريد أن تقضي الليل معك وستخبرني سلبا أو إيجابا، وستكون إشارتي بأن أقبل صديقتي أمامكم، فهذا يعني تحرك فالأبواب مشرعة، وإذا لم أفعل فهذا يعني أن التصميم غير ناجح.

تحدثا قليلا عن المؤتمر. وعن المهندس العراقي المعارض الذي قدم محاضرة قيمة جداً. ولم يكملا حديثهما لأن المرأتين وصلتا، وكانت ملامح إيفا الروسية فرحة ومبتهجة، فقاما لهما لباقة كي تجلسا.

بعد لحظات ملأ المهندس آدم الصاحب الأقداح الفارغة بالنبيذ، فرفعوا الكؤوس. كانت إيفا الروسية مرحة أكثر من الجميع وهمست في إذن صديقها آدم الصاحب الذي ارتسمت ملامح الدهشة والفرح على وجهه فأخذها بين ذراعية وقبلها من فمها قبلة حارة.

ارتبك آدم المطرود للحظة ونظر إلى وجه حواء كوناي التي أثارها مشهد التقبيل بين الروسية ايفا وآدم الصاحب، إذ اتقد وجهها بالرغبة، فنظرت إلى آدم المطرود وكأنها تسأله: ما رأيك. ؟ أو تدعوه لفعل أي شيء مشابه، فأبتسم لها. وكان هو أيضا منتشيا من شرب النبيذ، فمد يده ليداعب يدها وقال لها بالتركية:

-                     هل لديك رغبة بالبقاء هنا أم نذهب لمكان آخر. ؟

-                     لنذهب. هل لديك في الغرفة ما نشربه. ؟ هنا الجو صاخب.

-                     لنذهب أولا وبعدها سنرى.

قاما بين ابتسامات ايفا الروسية والمهندس آدم الصاحب الذي علق قائلا:

-                     يا خائن.

ابتسم المهندس آدم المطرود، فلم يكن يتوقع أن مزاجه سيتغير بهذه السرعة. أخرج محفظته ووضع مبلغا من المال على الطاولة مساهمة منه لدفع وليمة العشاء، وأخذ بيد المهندسة حواء كوناي التي اتكأت عليه لأنها شعرت بأنها غير متوازنة.

**********

حينما دخلا المصعد كانت حواء كوناي تشعر بالثمالة والرغبة المتأججة، وكادت تفقد رزانتها التي كانت عليها سواء في المؤتمر أو حتى في بداية السهرة. ضمته إلى صدرها محتضنة إياه مقدمة له شفتيها فلم يستطع أن يرفض عرضها فقبلها بحرارة وشبق.

ما إن وصلا إلى غرفته وفتح الباب حتى هجمت عليه مقبلة إياه، لكنه كان من التهيج والشبق بحيث لم ينتظر فدفعها إلى السرير وفتح فخذيها رفعا ساقيها إلى الأعلى ساحباً سروالها معهما بيد، بينما كانت يده الأخرى تفك حزام سرواله، وفي لحظات أولجه فيها بعنف، كانت هي رطبة، أخذت تصرخ فيه وتطلب منه أن يمزقها، أن يشقها إلى نصفين، أن لا يترك منه شيئاً، أن يقذف فيها ويملأها بمائه وبذوره. كان صراخها الشبق عاليا بحيث ارتبك هو من ان يسمع جيرانه في الغرف الأخرى هذا الصراخ.

**********

استيقظ آدم المطرود صباحاً على حركة ذراع ما تستقر على صدره وهو في سريره. التفت فوجد المهندسة حواء كوناي عارية إلى جانبه في السرير. تذكر أنها جاءت معه. وتذكر اللحظات الأولى من دخولهما الغرفة، لكنه لا يتذكر أبعد من ذلك. ! شعر بالخجل. وفي هذه اللحظة بالذات فتحت حواء كوناي عينيها. ابتسمت له وقالت له:

-                     صباح الخير.

-                     صباح الخير.

-                     كم الساعة الآن.

تلفت آدم المطرود في ما حوله، ثم رفع رأسه إلى الساعة الجدارية وقال لها بتكاسل:

-                     التاسعة.

ففزت من السرير بطريقة مفاجئة من الفراش وقالت:

-                     علي الذهاب إلى غرفتي للاستحمام وتبديل ملابسي.

كانت عارية. مثيرة. مسترخية. جسد يشع عافية وارتواء. وضعت سروالها في حقيبتها، ارتدت ثوبها سريعا. حملت حذاءها بيدها وخرجت مسرعة، بعد أن قبلته قبلة سريعة وخاطفة، وهي تقول:

-                     سنلتقي في المؤتمر.

بقيَ المهندس آدم المطرود في فراشه لدقائق وهو يحاول استرجاع تفاصيل ما جرى في هذه الغرفة ليلة البارحة. انتبه إلى أنه كان عاريا بالكامل أيضا. لكنه انتبه إلى جملتها الأخيرة وهي تغادره. لماذا قالت له سنلتقي في المؤتمر. وليس في المطعم. ؟ فكّر مع نفسه ربما أنها لا تفطر. ابتسم مع نفسه، ثم نهض ودخل الحمام. صعد إلى حوض الاستحمام وفتح دش الماء على قوته، وبقيَ هناك تحت وابل الماء البارد.

**********

كان يقف تحت دش الماء المنهمر وهو في حالة ذهول. فكر مع نفسه سائلاً: كيف اختفت صورة حواء الصايغ أمام بعض كؤوس من النبيذ. ؟ هل علاقته معها كانت عابرة بحيث لم تصمد أمام شهوته المتفجرة. ؟ كيف هذا وهو منذ أيام لا يرى في العالم غيرها، بل كان يرى العالم من خلالها. ؟ بل إنه لم يشأ أن يذهب للسهرة لأنه كان يشعر أنه يخونها. بينما هو ينساها أمام حمم الشهوة الحارقة؟ لا، لا يمكن أن تكون كل مشاعره مزيفة إلى هذا الحد. ؟ هل هو مريض نفسياً ومصاب بمرض انفصام الشخصية. ؟ أحس بالخوف من نفسه، بينما ظل وابل الماء ينهمر على جسده.

بقيَ لفترة طويلة في الحمام ثم خرج منه وقد ارتدى ثوب الحمام الأبيض. لم يفعل شيئا بل ألقى بنفسه على السرير محدّقاً إلى سقف الغرفة دون أن يحيد بنظره إلى أية جهة وكأنه يحدق إلى نقطة في الفراغ. وضاع في ظلام أبيض.

**********

أحست حواء المؤمن أن بين المهندس آدم المطرود وزوجها الدكتور آدم التائه شيئاً مشتركاً، خاصة طريقة ممارسة المهندس آدم المطرود الجنس مع حواء كوناي، فقد كان من عادة زوجها الدكتور آدم التائه أن يلقيها إلى السرير ويرفع ساقيها ويسحب سروالها الداخلي بيد بينما يده الأخرى تفك أزرار سرواله ثم ليدفعه فيها بقوة. وتتذكر أنها أحيانا نادرة، ومن فرط التهيج والشهوة كانت تصرخ فيه أن لا يترك منه شيئاً، وأن يمزقها وأن يملأها بالبذور. هذه هي كلماتها وليست كلمات المهندسة حواء كوناي، وسألت حواء المؤمن نفسها أترى كل النساء هن هكذا في تلك اللحظة؟

تتذكر حواء المؤمن المشاهد التي كانت تجري بينهما، وتخيلت هذا المشهد المكتوب في القصة، أنها هي، لكنها ليست تركية ولا مهندسة، كيف له أن ينقل كلماتها إلى هذه المهندسة التركية؟ كانت متشوقة لمعرفة كيف ستجري الأمور مع حواء كوناي لذا باشرت بقراءة الفصل السابع.

**********

أحس آدم البغـدادي أن الدكتور آدم التائـه كان موفقاً في اقتناص حالة التداخل التي جرت بين حواء المؤمن زوجة الدكتور آدم التائه وبين المهندسة حواء كوناي لحظة الممارسة الجنسية، وكيف أن حواء المؤمن نفسها كشفت ذلك حينما شبهت زوجها بآدم المطرود.

 لكنه بحث في ذاكرته مسترجعا تجربته الشخصية: من تُرى من النساء هكذا تصرفت وتحدثت هكذا، فلم يستطع أن يحدد واحدة منهن لأن معظمهن، كما يتذكر، كن يتحدثن بشبق وبهذه الطريقة، مع شيء من الاختلاف له علاقة بطبيعة المرأة ومجتمعها.

(7)
حين أفاق آدم المطرود مرة أخرى كانت الساعة قد تجاوزت الثانية عشرة. فكّر بأن فترة الفطور قد فاتته. لاضير فهو لا يشعر بالجوع الآن. لكنه لم يعرف كيف مرّ كل هذا الوقت، أدرك أنه كان في شبه غيبوبة وكأنه ملقى في الفراغ.

كان ذهنه ساكنا وكأن رأسه جمجمة فارغة، فهو مفرغّ من الانفعالات وبارد الأحاسيس، وكأن نفسا أخرى تهيمن على جسده.

نهض من سريره بشكل آلي. فتح دولاب الملابس، وارتدى سروالا جديدا وقميصا داخليا، وجواربه. لبس شبشبا أبيض حفيفا من هدايا الفندق ثم دخل مجددا إلى الحمام وحلق ذقنه. رش على نفسه عطرا زكيا. ثم خرج من الحمام وجلس ليضع قدميه في فردتي الحذاء. ثم وقف ناظراً إلى نفسه في المرآة الكبيرة التي تتوسط أحد جوانب الغرفة. ثم أطفأ النور وخرج.

**********

حين دخل المصعد رأى رجلا كهلاً يتوكأ على عكازه، سلّم عليه بالإنكليزية، فلم يجب الرجل. فكّر هو مع نفسه: ربما أنه ثقيل السمع بحكم العمر أو لا هو يعرف الانكليزية! تعكّر مزاجه حينما رأى الرجل الكهل. وأنّب نفسه لعدم نزوله مشياً إلى الطابق الذي تحته.

وصل المصعد إلى الطابق الأرضي وفُتح الباب، سمح للرجل العجوز أن يخرج أولا ثم خرج بعده، لكنه فجأة انتبه إلى أن قاعة المؤتمر تقع في الطابق الذي بين الأول واللوبي، فأراد الدخول إلى المصعد ثانية إلا أن بابه أُغلقت وصعد فارغاً، فاتجه إلى قاعة المؤتمرات صاعداً عبر السلّم.

**********

دخل إلى قاعة المؤتمر. جال بنظره سريعا في أرجائها، وأتجه بنظره إلى منصة المحاضرة، فاستغرب لوجود المهندسة حواء كوناي وإثنين آخرين وهي تتحدث بالتركية عن التوجهات الحديثة لفن العمارة في تركيا، ارتباطا بالزيادة السكانية وكثافتها في المدن الرئيسة، والناتجة عن الهجرة من الريف إلى المدينة ومن المدن الصغيرة إلى الكبيرة، مما دفع بالكثير من المعماريين الأتراك إلى إعادة النظر في أساليبهم المعمارية، والتوجه نحو فن العمارة الحديثة. وكان بعض الوافدين الأجانب يتواصلون معها عبر الترجمة الفورية التي تصلهم من خلال السماعات التي يضعونها على آذانهم.

لم يجلس المهندس آدم المطرود حول أي طاولة، وإنما ظل واقفا عند باب القاعة شابكاً يديه على صدره مستمعاً لها. لم تكن هي المرأة ذاتها التي كانت ليلة أمس تصرخ فيه أن يمزقها، أو التي طلبت منه أن يمارس معها أشياء كان يتجنبها سابقاً خوفا من الأمراض لكنها أصرت أن يفعلها معها.

كانت ترتدي قميصا محتشما وسترة تلقي عليها ملامح الرزانة والحشمة. لكن ما أثار دهشته أنها نظرت إليه مرات عديدة لكنها أشاحت عنه وكأنها لا تعرفه بتاتاً، وبرغم ذلك أعجبه ما قالته وأوضحته في محاضرتها. حينما بدأ زميلاها بالحديث خرج المهندس آدم المطرود من القاعة وتوجه إلى بهو الاستقبال لحين انتهاء الجلسة.

**********

بدأ المؤتمرون يهبطون بالمصعد وبعضهم من خلال الدرج الجانبي، وأخذوا يتوجهون إلى المطعم، فعرف أن الجلسة قد انتهت. فجأة وقف أمامه صديقه المهندس آدم الصاحب متسائلا:

-                     لماذا تأخرت، ولماذا لم تجلس أصلا، يبدو أن ليلتك الحمراء أنستك كل شيء!

فقال لصديقة بغضب مكتوم:

-                     أجلس. أنا مصدوم.

-                     مصدوم. ؟

جلس المهندس آدم الصاحب على الصوفا المقابلة له، وسأل بقلق الصديق:

-                     ماذا حصل. ؟

-                     هذه المهندسة حواء كوناي.

-                     ما لها، أما ذهبتما ليلة أمس معا، هل تركتك. ؟

-                     لا. قضت ليلتها في سريري. لكن.

صمت آدم المطرود قليلا وكأنه يتحدث عن شيء بعيد جداً يحاول تذكره، وعن شخص آخر لا يمت إليه بأية صلة. سأله صديقه بعد أن طال صمته:

-                     تكلم يا أخي. فأنا جائع، أو تعال نتكلم ونحن في المطعم.

-                     غريبة هذه المرأة!

-                     لا غريب إلا الشيطان.

-                     إذن، ربما هي الشيطان.

فقال صديقة بنفاذ صبر ودود:

-                     يا رجل. تحدث وخلصني.

-                     هل تتوقع من هذه المرأة التي كانت اليوم تتحدث مع كل هذه العقول والمواهب العلمية أنها كانت ليلة أمس تتصرف وكأنها عاهرة مرت بكل كهوف الفسق والرذيلة.

نظر صديقه إليه مستفسرا وفي عينيه فضول شبق وقال:

-                     ماذا يعني ذلك؟ أقصد ماذا فعلت. ؟

-                     فعلت كل الذي يمر في ذهنك وخيالك من أوضاع وحركات وكلمات بذيئة!

-                     معقول. ؟!.

-                     هذا ما جرى.

صمت صديقه للحظات مستغربا. ثم قال:

-                     ثم ماذا. لماذا أنت مهموم ومنزعج من هذا. ؟

شعر آدم المطرود بالإحراج. فلِمَ هو غاضب من ذلك حقاً. ارتبك للحظات ثم قال وكأنه يبرر لنفسه:

-                     لا. إنما استغربت حينما رأيتها في المؤتمر بزيها المحتشم.

ابتسم صديقة وقال بمرح:

-                     لا تبالغ يا صديقي. هل تريدها أن تأتي عارية إلى المؤتمر؟ طبعا تأتي بلباس محتشم ورسمي لأنها تتوجه لأشخاص مهمين. وتلقي محاضرة مهمة.

-                     أعرف. لا أقصد ذلك، لكني لا أتصور أنها المرأة نفسها، تلك التي ضاجعتها ليلة أمس!

نظر إليه صديقه مستغربا ثم قال بنبرة مرحة مشوبة بسخرية:

-                     ولماذا لا يمكنك ذلك. يمكنك أن تتصور وأكثر. ظننتك تعرف النساء جيداً. هيا. هيا. أنا جائع، وإيفا الروسية ستسافر اليوم، لذا عليَّ أن آكل جيدا وأذهب بعد ذلك لتوديعها.

قاما معا ً واتجها إلى المطعم.

**********

حينما دخلا قاعة الطعام الكبرى عبر الدرج الذي يربط اللوبي بالمطعم، كانت المهندسة حواء كوناي تجلس حول مائدة قريبة من الباب مع زميليها اللذين كان على المنصة معا ً.

مرَّ آدم المطرود وصديقه من جانبها فلم تعرهما اهتماما وكأنها لا تعرفهما. لم يستغرب آدم المطرود ذلك فهي أهملته حينما كان في القاعة، لكن الاستغراب مس المهندس آدم الصاحب أيضاً الذي لحظتها فسر الأمر مع نفسه بأنها ربما لم ترهما.

انتبهت هي لتجاهل آدم المطرود لها، لذا وجدت نفسها تتجه إليهما بنظراتها، وحينما جلسا حول مائدة لا تبعد كثيراً من مائدتهم ظلت تنظر إليه، لكنه تجاهلها بالكامل، ولأكثر من مرة التقت نظراتهما فحاول تجاهلها وكأنه لا يعرفها، وهذا ما بث القلق فيها فألحّت بملاحقته بنظراتها حتى انتبه اللذان معها فالتفتا إليهما ولم يكن منها إلا أن همست لهما بشيء لم يسمعه سواهم.

بعد أن أنهيا طعامهما قام المهندسان آدم المطرود وآدم الصاحب ومرا من جانب طاولتها دون أن ينظرا إليها، ممن بث تيارا من الغضب الخفي في نفسها.

سألت حواء كوناي نفسها غاضبة:لماذا يتجاهلها. ؟ ألم يفعل معها ليلة أمس كل شيء. ؟ ألم يسافر في كل زاوية من جسدها هائجا كالثور مخترقا إياها من كل الجهات. ؟ ألم يبكِ كالطفل على صدرها، فهدأته كي ينام. ؟ لماذا يتصرف وكأنه لا يعرفها. ؟ لماذا يتعامل معها وكأنها عاهرة قضى وطره منها وألقاها على قارعة الطريق. ؟ هل هي رخيصة إلى هذا الحد. ؟ لكن لا غرابة فالرجل الشرقي يبقى شرقياً، يشارك في الإثم لكنه ينسى ذلك، سوف أحدثه وأعطيه درسا في كيفية التعامل مع النساء. ؟ من يرى نفسه. ؟

وبطريقة دبلوماسية ولطف شديد دون أن تثير أي شك قامت المهندسة حواء كوناي عن مائدتها وانسحبت معتذرة من زميليها.

**********

حين خرجت إلى بهو الفندق كانت متأكدة أنها ستراه هناك، إلا أن خيبتها كانت كبيرة حينما لم تجده بل وجدت صديقه المهندس آدم الصاحب مع صديقته الروسية جالسين في زاوية يتحدثان وأمامهما فنجانان من القهوة.

كانت عازمة على رؤية آدم المطرود ومحادثته والاستفسار منه عن تصرفه غير المهذب معها، فتقدمت منهما وسلمت بتوتر، وسألت آدم الصاحب عنه، فقال لها إنه في غرفته، ثم دعاها للجلوس معهما لشرب القهوة، لكنها لم تنتظر أن يكمل جملته إذ استدارت متوجهة إليه. لم تتذكر رقم الغرفة فرجعت إليهما معتذرة وسألته عن رقم الغرفة فقال لها: 111، فاستدارت ثانية بعد أن شكرته بصوت خافت وكأنها تحدث نفسها.

**********

وقفت المهندسة حواء كوناي أمام باب الغرفة 111 للحظات. كانت مترددة وكانت تبدو وكأنها تتنصت على من في الداخل. وخلال لحظات مرّ في ذاكرتها كل ما جرى ليلة أمس، فاختلطت مشاعرها، لكنها حزمت أمرها وطرقت الباب.

كان المهندس آدم المطرود مستلقيا على سريره حينما سمع طرقات على الباب فقام وسحب اللسان النحاسي الذي يوضع في أعلى الباب وفتحه. فوجىء بالمهندسة حواء كوناي الذي كان وجهها ينم عن غضب وخجل وارتباك ورغبة خفية. وكانت تبدو أكثر جمالا وأنوثة بثيابها المحتشمة. البنطلون والقميص المغلق حتى الرقبة والذي يبرز نهديها النافرين والسترة التي تمنحها رزانة وأنوثة عما كانت عليه ليلة أمس برغم أنها كانت حينها أكثر كشفا لأجزاء مثيرة من جسدها.

ظل لحظات ينظر إليها فقالت له:

-                     هل سأبقى واقفة عند الباب. ؟

فقال بارتباك وخجل:

-                      أوه. عفوا. تفضلي.

دخلت إلى الغرفة وجلست على الكرسي الذي وضع مقابلا للسرير حول طاولة زجاجية مستديرة. وضعت حقيبتها اليدوية على الطاولة فما كان منه إلا أن جلس على الكرسي الآخر المقابل لها حول نفس الطاولة وكأنه ينتظر منها أن تبرر قدومها له. نظر إليها فقالت له:

-                     هل يمكنك أن تطلب لنا قهوة أو شايا؟

لم يعلق هو شيئا وإنما قام نحو التليفون. أخذ سماعة الهاتف وطلب شايا وقهوة من قسم الخدمات في الفندق ثم رجع جالسا إلى كرسيه. نظرت إليه متفحصة وكأنها تستشف مدى استعداده لما ستقوله. ظل هو صامتا ينتظر، وقال مع نفسه إنها بالتأكيد لم تأت إلى غرفته لشرب الشاي أو القهوة!

مرت لحظات صمت مشحونة بتوتر غامض. ثم بدأت تتحدث بهدوء وبثقة، وبدأ صوتها في أول كلماتها مرتعشاً، لكنها سرعان ما انتبهت لرعشة صوتها فسيطرت على نفسها وصوتها، قائلة:

-                     قبل كل شيء أود أن أقول إن تصرفك اليوم معي لا يمكن أن يـُفسر إلّا كتصرفٍ غير محترم، وينم عن عقلية شرقية مريضة، ومتعجرفة.

صُدم أول وهلة من كلماتها وأراد أن يوقفها أو أن يقاطعها مستفسرا عما تقصده لكنه سكت وواصل تأمله لها وأنتظر منها أن تواصل حديثها. سكتت هي للحظات ثم واصلت:

-                     أنا لستُ عاهرة تتنقل من رجل إلى رجل، ومن غرفة إلى أخرى، ومن سرير إلى سرير، وإذا ما كنتُ قد جئت معك ليلة أمس، فلأني امرأة حرة بنفسي وجسدي، وأحترم نفسي وجسدي، ولا أسلّمه إلّا لمن أحس بأنه يستحقه، وهذا الاستحقاق لا يأتي من فحولة الرجل، أو مكانته، أو وسامته، وإنما لقناعتي الشخصية فيه، بشخصيته وأسلوبه مع الآخرين وذوقه! وحينما قبلتُ على نفسي أن أكون معك فهذا لا يعني إنني أفعل ذلك ليلياً، ومع كل من هب ودب، لذا أعتبر أن تعاملك معي اليوم وتجاهلي بهذه الطريقة المهينة هو احتقار لي لأني أعرف تفكير الرجل الشرقي فهو ينظر للمرأة التي تذهب معه قابلة كأنها مومس.

شعر آدم المطرود، برغم نبرة الغضب والإتهام المباشر لعقليته، براحة واسترخاء، فهناك ثمة سوء فهم حصل بينهما، فهي تتهمه أيضا بالإهمال وليس ما اعتقده هو أيضا من تجاهلها له، فسألها بهدوء شديد:

-                     ما الذي يا تُرى فعلته أو صدر مني كي تعتبريه احتقارا؟

نظرت إليه بدهشة حينما لاحظت هدوئه وعدم انفعاله من هجومها الواضح، فقالت بنبرة أكثر هدوءاً:

-                     إنك تجاهلتني بالكامل. وكلما أنظر إليك لأسلم عليك وأحييك تشيح بنظرك عني وكأني دائن تتهرب منه كي لا يراك.

ابتسم آدم المطرود من المثل الذي ضربته بتهربه منها، فقال بارتباك:

-                     أنا. ؟ أنا. ؟ متى كان ذلك؟

فقالت بتحدٍ:

-                     في المطعم عند الغداء!

ابتسم لها بلطف وسماحة وقال:

-                     يا إلهي. أتدرين لماذا تصرفت هكذا. ؟

-                     لماذا. ؟

-                     لأني شعرت نفس شعورك هذا، بأنك كنت معي ليلة أمس ونمت في سريري هذا (وأشار إلى السرير بيده) حتى الصباح، لكني حين دخلت صالة المؤتمر ووقفت عند الباب أنظر إليك، تجاهلتني وكأنني غير موجود، ومضيت مع زملائك، وفي المطعم مررت بالقرب من طاولتك فلم تتكرمي بنظرة واحدة تجاهي، فماذا تنتظرين مني بعد هذا. ؟! أنا بدوري غضبت منك، ولا أخفيك، تصورتك شخصية غريبة الأطوار!

لا تدري حواء كوناي كيف صدّقته، واستغربت من نفسها حينما شعرت بأن كل غضبها منه وتحاملها عليه زال خلال لحظات، ولم يبق منه شيئا في نفسها.

في تلك اللحظة طُرق الباب فقام لفتحه. كان موظف الخدمة قد جاء بصينية فيها دورقان أحدهما فيه ماء ساخن والآخر فيه قهوة، وفى الصينية صحن فيه بعض أكياس الشاي وكوبان. وضع الصينية على الطاولة أمامهما، ووقع المهندس آدم المطرود على القائمة التي تحمل رقم غرفته واسمه. خرج موظف الخدمة، وحينما جلس على كرسيه ثانية وجد أساريرها منبسطة.

سألها ماذا تود أن تشرب فقالت القهوة، فصب لها القهوة في أحد الكوبين، ووضع أحد أكياس الشاي في الكوب الثاني وصب الماء الساخن من الدورق الآخر. نظر إليها وكأنه يبحث في وجهها عن شيء مجهول، فانتبهت له وسـألته:

-                     ما بك لماذا تنظر إليّ هكذا؟

-                     أريد أن أسألك شيئا.

-                     اسأل.

كانت تشعر بأنها مذنبة في حقه، فهي فعلاً لم تمنحه الخصوصة والإهتمام حينما كانت تقدم محاضرتها، لكن هذا شيء طبيعي، فهم في مكان عام ومحفل علمي ولا مجال للخصوصيات، لكنه باعتباره شخصاً شرقيا فهو لم يستوعب ذلك، ووجدت له عذراً، وفهمت رد فعله بتجاهلها، لذا فهي تريد أن تعوض عن سوء الفهم الذي حصل. وكانت متلهفة لسماع سؤاله. وسمعته يقول لها:

-                     قبل كل شيء أعجبتني شجاعتك واحترامك لذاتك بهذه الطريقة. وهذا ما دفعني لكي أسألك: من أنت. ؟

نظرت إليهه للحظة وكأنها تقرأ أفكاره، ثم ابتسمت وقالت بلطف:

-                     توقعت أن تسألني هذا السؤال، لأنه، وأعذرني على قولي، هو أسلوب المثقفين وبياعي الكلام والكتّاب والفنانين، فحينما يودون التقرب من امرأة يطرحون أسئلة عديدة، وأهمها هذا السؤال، فيمنحون المرأة شعورا بالتميز، فيعجبها ذلك ويرضي غرورها، وبالتالي تبدأ بتقديم التنازلات لهم، وشيئا فشيئا يأخذون باحتلالها.

أجبه ردّها الذكي على الرغم من نبرته الهجومية، فابتسم وقال:

-                     ماذا. هل هي حرب بين الرجل والمرأة. ؟

-                     نعم، حرب ناعمة، حرب جميلة.

نظر إليها بمودة وقال مازحاً:

-                     إنك قاسية تجاه الرجال.

صمتت لحظة. وكأنها كانت تستعيد سيرة حياتها في ثوان، وقالت بنبرة جادة مشوبة بيأس مبطن:

-                     أنا واقعية. تاريخ البشرية وتاريخ الأدب والفن يؤكد ما أقول. الرجل يبدأ بالحب الروحي الأفلاطوني ليصل إلى الحب الجنسي.

انتبه آدم المطرود لإجابتها. صمت لثواني. ثم قال:

-                     لكن العكس يحدث أحيانا. ! يبدأ بالحب الجنسي ليسمو إلى الحب الروحي.

ارتسمت على وجهها ابتسامة ساخرة وقالت:

-                     هذا يحصل نادراً جداً، وحتى إذا ما حصل فهو يحصل بحكم العادة والتكرار، ويبقى في الجوهر حباً جنسياً، وإذا ما خَفَتَ فأنه يتحول إلى صداقة.

ابتسم لها وعلّق بمرح:

-                     أوه. بدأنا نتحدث بالفلسفة.

نظرت إليه وبدا واضحا أنها تريد أن تتحدث عن نفسها، وأنها معبأة بالكلام الذي يكاد يخنقها، فقالت:

-                     لقد درست تاريخ الفن في بداية حياتي الجامعية برغم أن درجاتي كانت تؤهلني لدراسة الطب أو الهندسة، لكني كنتُ مولعة بالفن والموسيقى، ثم مررت بظروف دعتني أن أعيد تصميم حياتي فدرست الهندسة لكي لا أحتاج لأحد.

صمتَ آدم المطرود لحظة وكأنه يريد أن يستوعب هذه السيرة الطويلة التي أوجزتها بعدد من الكلمات، وقال بهدوء وبتقدير واضح:

-                     إذن، كنتُ محقا عندما سألت من أنت. ؟

ارتشفتْ هي شيئا من القهوة بعد أن انشغلت بوضع مسحوق الحليب أو المبيض في كوبها، وقالت:

-                     غريب هو الإنسان. لم يدر في ذهني أبداً أن ينتهي بي الأمر إلى أن أجلس معك هذه الجلسة اللطيفة لنتحدث عن الفن والحب وأعماق الإنسان ونحلل شخصيته، فأنا كنتُ غاضبة منك جداً. كنت آتية لأسمعك بعض الكلمات القاسية على موقفك، بينما أتضح أنك مستاء مني للسبب نفسه. يا له من سوء فهم، ويبدو لي أن مآسي البشر تأتي دائما من سوء الفهم المتبادل!

ابتسم لها بمودة وقال:

-                     أكيد. أتفق معك بأن معظم مآسي البشر تأتي من سوء الفهم المتبادل. نعم أتفق معك. بالمناسبة، هل قرأت رواية (مرتفعات وذرينغ) لأميل برونتي. ؟

نظرت إليه مستغربة سؤاله وقالت:

-                     نعم قرأتها، فهي رواية شهيرة، وكذلك شاهدت الفلم المأخوذ عنها.

نظر إليها وهو يتأمل وجهها المثير ويركز نظراته على عينيها، وقال:

-                     إن سبب المأساة في قصة الحب العنيفة تلك جاء من سوء الفهم أيضاً، حينما اعترفت حبيبة البطل (كاتي) للخادمة بأنها لا تستطيع الزواج من حبيبها (هيثكليف)، ذلك الطفل البائس الذي جاء به أبوها قبل سنوات بعيدة، والآن نشأ بينهما حب عاصف وهما في ريعان الشباب،. بينما في هذه الأثناء كان (هيثكليف) في الجانب الآخر من المطبخ ولم تنتبه هي له، فسمع كلامها الذي جرحه. فقام خارجا، بل مغادرا ذلك المكان راحلا إلى أميركا. بينما هي أكملت كلامها بعد تلك الجملة الفظيعة بحق حبيبها بأنها برغم ذلك لا تستطيع الحياة بدونه، فهو الصخرة التي تستقر عليها حياتها. لكن (هيثكليف) مع الأسف لم يسمع بقية كلامها، وإنما سمع النصف الأول منه فقط، ولم تكن عودته بعد سنوات إلا للانتقام منها، وحينما عرف أنها قد تزوجت قرر الانتقام من الجميع. من زوجها وعائلة زوجها بل وحتى من ابنة حبيبته. إنه الغضب الأسود، بل الحقد الأعمى الذي يولد من سوء الفهم، ومن الجمل الناقصة، والعجلة في إطلاق الأحكام. إنها رواية تؤكد مقولة سيغموند فرويد بأن الحقد هو حب معكوس، فبنفس قوة الحب سيكون الحقد، لاسيما حينما يكون المرء في المنطقة الأخرى، منطقة سوء الفهم!

نظرت إليه منبهرة وكأنما تكتشف شخصا آخر أمامها. فهما بالأمس لم يتحدثا بعمق بل كان الحديث عاما، مليئا بالمجاملات، وحينما كانا في الغرفة لم يتحدثا ايضاً وأنما كانت لغة الجسد والرغبة هي التي تنطق. بينما الآن مس روحها بهذا التفسير الجميل لتلك الرواية التي أعجبتها لكنها لم تفسرها بهذا الشكل، فقالت:

-                     هل تدري، أنا قرأت هذه الرواية وشاهدت الفيلم، لكني لم أفهمه بهذه الطريقة. أنا فهمتها كرواية مأساوية عن حب مأساوي لم يتحقق نتيجة للفوارق الطبقية فدفع بأبطاله إلى جحيم الغيرة. إنك الآن فتحت ذهني على جوانب لم انتبه لها. سأعيد قراءة الرواية حينما أعود لألمانيا.

ابتسم آدم المطرود لها بطيبة وقال لها:

-                     يمكن فهمها هكذا أيضاً، فهي تؤكد ما للفوارق الطبقية من تأثير على مصائر البشر. ثم لماذا بالألمانية. ؟ ألا يمكنك قراءتها بالتركية؟

نظرت إليه بحزن خفيف وقالت بأسف:

-                     أنا لا استطيع القراءة الأدبية بالتركية. أنا أتحدث التركية بطلاقة وأستطيع الحديث في مجال اختصاصي جيداً، لكن القراءة العميقة أستطيعها بالألمانية، لغتي الحقيقية هي الألمانية، فقد ولدتُ هناك وترعرعت، ودخلت المدرسة هناك بل إن جميع مراحل الدراسة كانت في ألمانيا، أما التركية فكانت لغتي في البيت. وفي التعامل مع الأتراك.

ارتسمت علامات الاستغراب على وجه آدم المطرود فسألها:

-                     ألست تركية بالكامل. أقصد من ناحية الأم والأب؟

-                     نعم، لكني أشعر بازدواجية الانتماء، وهذا ما يقلقني، فلا أنا بالتركية، ولا أنا بالألمانية، صحيح ولدتُ هناك، وأفكر بالألمانية، لكني لستُ ألمانية، بل إن الألمان أنفسهم لا ينظرون إليّ هكذا حتى لو عشت عمري كله بينهم، صحيح أني أحمل جنسيتهم، لكني أنا إنسانة بلا جذور.

انتبه آدم المطرود إلى طبيعة كلامها ووضوح أفكارها، فسألها:

-                     هل أنت فنانة. ؟

-                     لا.

-                     لكنك قلت بأنك درست الفن.

-                     نعم، درست تاريخ الفن، لكن دعنا من كل هذا. أخبرني عنك فقدت أثرت فضولي!

ابتسم آدم المطرود وقال بمرح:

-                     أنا أثرت فضولك. ؟ بماذا. ؟ بعقليتي الشرقية المتعجرفة كما تقولين؟

ارتبكت حواء كوناي خجلاً، فهو يشير لكلامها أول ما دخلت، وقالت:

-                     أنا أعتذر عن القسوة في حكمي عليك.

لاحظ هو خجلها فأراد أن يخفف عنها، فقال مازحاً:

-                     بالمناسبة، ربما أنت محقة. أنا شخصيا لا أعرف نفسي جيداً، وأحيانا أتسرع في أحكامي وعواطفي.

-                     لا يبدو لي ذلك.

-                     بلى.

-                     هل عشت خارج بلدك، أقصد في أوروبا. ؟

-                     لا. لقد عشت سنوات دراستي الجامعية في استنبول. وسكنت في الجزء الأوربي منها، لكن هذا لا يعني أوربا، لكن لماذا تسألين. ؟

-                     لأنك تفكر بطريقة متحضرة.

صمت لحظة، وقال بنبرة جادة:

-                     ولماذا تعتبرين أبناء الشعوب الأخرى من غير الأوربيين بأنهم غير متحضرين. ؟ في النهاية نحن أحفاد حضارات إنسانية مهمة!

أحست حواء كوناي بالارتباك لأنها أدركت أنها ربما مسّت كرامته، فقالت:

-                     لا أقصد ذلك، وإنما عقليتك، رؤيتك للأمور مختلفة عن الرجال الشرقيين.

فقال بنبرة هادئة لكنها مشوبة بإصرار واضح:

-                     لا أعتقد ذلك. أنا إنسان شرقي، ربما الأمر له علاقة بالتربية وليس بالحضارة، ثم أنك لم تجيبي عن سؤالي. من أنت؟ لماذا أنت هكذا؟ لا أتصور أن امرأة، لا يهم هنا جنسها، أوروبية أو شرقية، تذهب مع رجل وهما ثملان، ويفعلان ما يفعلان. ثم تستاء منه وتحاول استرداد كرامتها لأنه أشاح بنظره عنها؟ هذا غير طبيعي، ولا تفعله أي امرأة إلا أذا كانت مجروحة الكرامة، وتم معاملتها وإذلالها لمدة طويلة!

ارتبك لكنها دارت على ارتباكها بالابتسام، وقال مازحة:

-                     أوه. دخلنا في علم التحليل النفسي.

فواصل هو بنبرته الجادة:

-                     ثم ماذا. ؟ يمكننا أن نحلل كل الأمور وفق آلياتها. وحينما نقترب من النفس فأننا نحتاج لعلم يساعدنا والتحليل النفسي هو هذا العلم!

-                     ليس دائما.

-                     أتفق معك أنه ليس دائما، لكن في كثير من الأحيان.

صمتت لثواني وقالت بنبرة جادة:

-                     يستطيع الإنسان أن يحلل ذاته إذا ما كان يمتلك وعيا ذاتيا لذاته.

-                     الوعي ليس كافياً. عليه أن يمتلك الشجاعة لمواجهتها. الوعي الشجاع.

-                     هذا صحيح. لكن ليس من السهل القيام بذلك.

نظر إليها للحظات وقال لها بنبرة فيها احترام واضح:

-                     أنت شجاعة، وأعتقد أنك قادرة على مواجهتها.

-                     تقصد لديّ الشجاعة على الاعتراف.

-                      نعم.

نظرت إليه بتفحص وهي تقرأ ما يدور في ذهنه، وسألته بمودة:

-                     أتود أن أعترف. ؟

نظر إليها بارتباك وقال وفي صوته إحراج واضح:

-                     إذا كنت تودين ذلك، لأني أحس أنك تبحثين عن إنسان تلقي أمامه حملك الثقيل، تبحثين عن فرصة للاعتراف. وأعتقد أنه حانت الفرصة لذلك.

نظرت إليه وكأنها تطلب منه أن يطلب منها ويشجعها أكثر على الاعتراف لأنها ما زالت مترددة.

**********

كلما استمرت حواء المؤمن في القراءة، زادت قناعتها بأن زوجها الدكتور آدم التائه كان يقصدها حينما يتحدث عن المهندسة التركية حواء كوناي، لكن يا له من كذاب، يحاول أن يبين بأن الآخرين سيئون وأنه هو الإنسان الوحيد الذي لا يخطئ.

لقد شعرت أن حواء كوناي قريبة منها، لذا لم تتوقف كثيراً عند هذا الفصل وإنما أرادت مواصلة القراءة لتستمع إلى اعترافات حواء كوناي.

**********

انتبه آدم البغدادي إلى تعليق حواء المؤمن ووصفها للدكتور آدم التائه بالكذاب، وهو توصيف أخلاقي وشعبي لعملية تغيير الأحداث والحقائق و إعادة صياغتها ونسبتها إلى آخرين، فهي لا تفهم العملية الإبداعية والجمالية ومفهوم الفن والإبداع عموما، لكن هل فن الرواية هو فن الأكاذيب المقدسة؟

(8)
صمتت حواء كوناي فجأة، وشحب لونها، ونظرت في كوبها. ألهت نفسها بصب القهوة في الكوب بالرغم من أنه لم يكن فارغا. كانت تريد كسب الوقت. هل تقول ما عندها أم لا. ؟ أخيرا انبسطت أساريرها لكن نظرتها ظلت حزينة وكأن ألما دفيناً كان يرقد في أعماقهما. رفعت رأسها ونظرت إليه وكأنها تريد أن تقرأ شيئا في وجهه، ثم قالت:

-                     المرأة التي تجلس أمامك والتي تعتبرها إنسانة شجاعة وقوية هي إنسانة محطمة من الداخل.

نظر إليها نظرة متسائلة وقال:

-                     أنت. ؟

-                     نعم أنا إنسانة محطمة وضعيفة جدا من الداخل، وشراستي التي تراها قوة وشجاعة هي محاولة يائسة للدفاع عن نفسي من احتلال الآخرين لي ولعالمي وشخصيتي.

صمت آدم المطرود بينما كانت هي تتوقع أن يعلّق شيئاَ على ما قالته فانتظرت لحظة، وحينما لم يقل شيئاَ واصلت حديثها بهدوء وبنبرة ألم وكأنها تسترجع شريطا سينمائيا يعُرض على شاشة ذاكرتها، فقالت:

-                     ولدتُ في ألمانيا. أنا الوحيدة لوالديّ. كانت أمي قد هربت مع أبي من تركيا، وأبي كان عاملاً بسيطاً، لكنه مات في حادث مؤسف أثناء العمل، كنتُ حينها في السادسة من عمري.

بقيتُ وحيدة مع أمي التي خافت الرجوع إلى تركيا، وأرادت لي أن أتعلم وأواصل دراستي في ألمانيا، ولم تشأ أن أواجه نفس مصيرها القاسي الذي كان ينتظرها في قريتها البعيدة في أقاصي شرق تركيا، لذا عشنا أول الأمر من التقاعد الذي خلفه لنا والدي، ولكن بمرور الوقت، وارتفاع الأسعار للحاجات والحياة عموما، وبنمو جسدي واتساع دائرة حاجاتي سواء الشخصية أو المدرسية لم يعد مبلغ التقاعد يكفي، فاضطرت أمي للعمل في مصنع للعطور خارج مدينتا الصغيرة.

كانت أمي المسكينة تستيقظ في الخامسة فجراً لتعدّ لي الفطور وأحيانا وجبة الغذاء ثم تمضي للعمل، وكانت تعود مع هبوط الظلام لتعدّ لي العشاء وأحيانا تطبخ بكمية كبيرة لعدة أيام كي لا أجوع حينما أعود من المدرسة.

ما زلت ُأذكرها حينما كانت تعود إلى البيت تعبة عند المساء، بالكاد كانت تقف على قدميها، فتتمدد على الصوفا القديمة التي لدينا وتطلب مني أن أدلك قدميها، بل وكثيرا ما كانت تغفو أثناء تدليكي لهما، لكنها كانت تفز بعد وقت قصير لتقوم بإعداد وجبة العشاء، أو لغسل الملابس، ولم تشأ أن أساعدها لأنها كانت تقول لي لا تفكري بشيء ولا تشغلي نفسك بشيء سوى الدراسة.

وفعلا كنت جيدة في دراستي بل حينما أنهيت الدراسة الثانوية حصلت على درجات عالية جدا تؤهلني لدخول الجامعات العلمية لكني اخترت دراسة الفن، وكنت قد حصلت حينها على الجنسية الألمانية بعد بلوغي الثامنة عشرة على الرغم من أن أمي لم تحصل عليها وإنما حصلت على الإقامة فقط، كما أنني حصلتُ على منحة المساعدة الدراسية التي تقدمها الدولة للمحتاجين الذين لا يستطيع أهلهم الأنفاق عليهم لمواصلة دراستهم.

صمتت للحظات وكأنها تستدرج ذكريات جديدة من خزين ذاكرتها لترويها. وبعد لحظات واصلت:

-                     كانت أمي سعيدة بل فخورة بتقدمي الدراسي ونجاحي الباهر، وكأنها انتصرت على قدرها، لكنها كانت واهمة لأنها لم تستطع أن تتمتع بنصرها طويلا إذ أن الموت أخذها مني ورحلت معه إلى عوالمه الغامضة. حينها لم أكن ناضجة بما فيه الكفاية. وكنت على الرغم من روح التمرد التي تغفو في داخلي ما زلت أسيرة التقاليد التي ورثتها عن أمي.

وصمتت للحظات. ثم واصلت. :

-                     لم يكن لدينا أقارب سوى العم آدم كوناي الذي كان يُعدّ من أقارب أبي البعيدين. كان هذا العم البعيد أرملَ، ويعيش مع ابنه آدم تورك الذي كان يكبرني بعامين تقريبا. لا أريد أن أشوه صورة أمي لكني كنت أحس بأن ثمة علاقة قوية تربطها بالعم آدم كوناي. بالمناسبة، حين سمعت باسمك انجذبت إليك مباشرة، فهو اسم محبب لنفسي. آدم.

العم آدم كوناي كما أخبرتني أمي ذات مرة، ولم تكرر ذلك الحديث قط، عاقب زوجته، والدة ابنه آدم تورك، لأنه كان يشك أن لها علاقة بقريب لها، فطلقها وأرسلها إلى قريتها التي تقع في جنوب شرق تركيا، في منطقة هكاري.

كان يشك في أن آدم تورك ابنه، وإنما هو ربما ابن ذلك الرجل الذي كان يعيش في مدينة قريبة من مدينتنا، والذي وجدوه مقتولا في شقته ذات يوم. وبرغم أن الشكوك كانت تحوم حول العم آدم كوناي لأن زوجته أم آدم تورك أتهمته بقتله، إلا أن الشرطة لم تجد أي أثر للجريمة. ولأنها اتهمته بمقتل قريبها فأنه طلقها وأرسلها لقريتها بعد أن حرمها من ابنها. عموما ماتت أم آدم تورك في قريتها بعد سنوات، وظلت علاقة العم بابنه آدم تورك سيئة جداً، وكان آدم تورك يكرهه أيضا، أو على الأقل لا يحبه.

صمتت حواء كوناي للحظات. وكا واضحا أنها تعاني من سرد ذكرياتها. لكنها كانت مصرة على أن تكشف أعماقها برغبة غامضة. ثم واصلت:

-                     على أية حال، لا أدري ما هو سر العلاقة بين أمي وبين العم آدم كوناي، لكنها حينما انهارت صحياً، وكانت على مشارف الرحيل، أوصتني، بل طلبت مني أن أتزوج آدم تورك. لم استطع أن أرفض لها طلبها الأخير، بيد أني لم استطع أن أكشف لها مصيبتي الشخصية، بل لا أخفيك، وربما يبدو كلامي لا إنسانيا وقاسياً إذا ما قلت إني شعرت ببعض الراحة عند موتها، لأني أحسست أن موتها جنبها عار فضيحتي، إذ لم أكن حينها عذراء، وأنت تعرف ماذا يعني ذلك لامرأة شرقية، وسأحكي عن ذلك.

بعد موت أمي كنتُ مضطرة أن أتواصل مع العم آدم كوناي وابنه وكأنهما من تبقى لي في هذه الدنيا. كانت مسألة زواجي من آدم تورك وكأنها تحصيل حاصل، فهم يعيشون وحدهم وأنا المرأة الوحيدة التي بينهم. كنت أحيانا أعود للعيش في شقتنا المؤجرة. عند المساء كان آدم تورك يأتي ليأخذني عندهم، وأحيانا كان العم آدم كوناي يأتي إليّ، وحينما كنت أريد أن أبقى لأغسل ملابسي أو أعدّ نفسي لبحث دراسي مطلوب مني، كانا يأتيان للمبيت في شقتي التي ورثتها من والديّ.

كان العم آدم كوناي قد فاتحني بموضوع الزواج من ابنه مرات عدة، وكنت أتهرب من الموضوع متحججة بالدراسة، لكني كنت أوفر لنفسي المال كي أجري عملية ترقيع لغشاء البكارة المفقود، وكنت قد استطلعت عن الموضوع من بعض الفتيات التركيات والعربيات اللائي أعرفهن، وفعلا أجريت العملية في مدينة بعيدة نسبيا عن مدينتنا.

وبعد نهاية السنة الثانية من الجامعة، وفي العطلة الصيفية وبعد مرور سنة وثمانية أشهر من رحيل أمي، تزوجت من آدم تورك.

لم أكن أحب آدم تورك لكني كنت استلطفه، ولم أكن مرتبطة عاطفيا بأي كان، وكل تجربتي كانت لا تتجاوز اندفاعات مراهقة تملك حرية واسعة بالقياس إلى الكثير من الفتيات، لموت الأب وانشغال الأم بالعمل.

 كنت أقيم علاقة مع شاب ألماني لم نتجاوز القبل السريعة المسروقة، لكن أحد الشبان الأتراك تشاجر معه من أجلي وهدده، فخاف صديقي الألماني وتركني للشاب التركي آدم عصمان، الذي كان أول من لامسني وداعب جسدي، ومارس معي أول الأمر من ثقبي الآخر حفاظا على بكارتي، وبقيت معه إلى أن أنهيت الثانوية، ولكونه كان يعمل في سوق الخضار الكبير مع أخوته وأبيه فلم يجد الوقت للدراسة، لذا لم يتمكن من النجاح وإنهاء الثانوية.

مع آدم عصمان عرفت أفراح الجسد. لم تكن العلاقة طبيعية أول الأمر حيث كان يأتيني من الخلف، وكنت في البداية أكره ذلك، وأكره نفسي، وأشعر بالألم والاختناق، لكني مع مرور الوقت، واستمرار المداعبات والشبق تعودت، بل وكنت أطلب ذلك بنفسي في لحظات معينة من التهيج، نعم تعودت على ذلك بل وأحببته، لكنه كان أيضا يداعبني من الأمام، ولا أدري كيف إننا في لحظة تهيج وشبق التحمنا، واخترقني.

ليت ذلك لم يحصل، لأن آدم عصمان بدأ يتهرب مني، وابتعد شيئاً فشيئاً، ربما لأنه خاف أن أطالبه بالزواج مني، لكني تجاوزت الفضيحة من خلال صديقاتي التركيات والعربيات، وبالتحديد إحدى التونسيات التي كانت قد رتقت نفسها لثلاث مرات. فأجريت عملية رتق غشاء البكارة. وهكذا تزوجت آدم تورك.

صمتت للحظات أطول. كانت ملامحها تكشف عن شرود وكأنها كانت تستعيد شريطا نابضا بالحياة، فواصلت:

-                     كان عرسنا متواضعا. احتفلنا في إحدى المطاعم التركية، ثم انتقلنا إلى شقتهم. شقتنا أنا وأمي بقيت فارغة. وفيما بعد عرضتها للايجار. المهم أنا لن أنسى تلك الليلة ما حييت.

مشكلتي مع آدم تورك أنه شبح، ظل إنسان، فعلى الرغم من أنه شاب وسيم قوي البنية، لكنه كان بلا شخصية، إذ طغت عليه شخصية أبيه الذي تجاوز منتصف الخمسينات، الوسيم، القوي البنيان. لم يكن لدى آدم تورك أي رأي أو وجهة نظر خاصة، كان رأيه من رأي أبيه، وحتى إن كانت لديه وجهة نظر فأنه لم يكن يعترض أو حتى يكشف عنها أو يبدي رأيه.

في تلك الليلة، ليلة العرس الأولى، كنا أنا وهو في شقتهم، فقد ذهب الأب لينام بعد انتهاء حفل الزفاف في شقتي، إذ كان يوما متعِباً حقا. طبعاً، قبل ذلك طلب العم من جيرانهم أن يساعدوني في إعداد نفسي وتجهيزها، ثم ذهبنا أولا إلى المسجد لنتزوج على الطريقة الإسلامية، بعدها إلى المحكمة للتسجيل الرسمي، ومن ثم السياحة بالسيارة في أزقة المدينة، ثم إلى المطعم الذي أكتظ بأصدقاء وأقرباء العم.

على أية حال، تلك الليلة التي كانت بالنسبة لي كارثة بكل المقاييس، إذ شعرت أن آدم تورك مرتبك جداً. حاولت أن أساعده. تخففت من ملابسي ولبستُ ثوبا شفافا جداً يكشف عن كل شيء تحته، حتى وكأني عارية كليا، ثم استلقيت على السرير بوضع مغرٍ منتظرة، لكنه لم يأت.

كان قد ذهب إلى الحمام وبقيَ هناك فترة طويلة. ناديته لكنه لم يجب. حينما عاد وجدته شبه منهار. دعوته للاقتراب مني فاقترب. لقد كان طائعاً. أحسست أنني أقوى منه ويمكن أن أقوده، وأن أساعده، فهو على أي حال صار زوجي، لكنه فجأة أخذ يبكي كالطفل. ارتبكت. بدأت أهدئه، فهدأ. ثم أخذت أنزع عنه ثيابه، وحينما وصلتُ إلى سرواله رفض أن انزعه. بدأت أشك في قدرته، وأردت أن أستكشف الأمر بنفسي. خلعت ثوبي فصرت عارية، اقتربت منه محاولة نزع عنه سرواله، لكنه رفض أن أقترب من سرواله رفضا قاطعا.

استلقيت على ظهري وطلبت منه أن يستلقي إلى جانبي ويسترخي. غطيت جسدينا بملاءة ناعمة، وبدأت أقترب منه، لكنه كان هامداً. بدأت أداعبه، فكان يستجيب، لكن بلا توهج أو إثارة. أخذت يده وبدأت أتجول معها في جسدي، فكان كالنائم. ترك يده في يدي، لكنه لم يبادر بأي شيء.

بدأت أشعر بالإحباط فسألته عن حاله وما يشكو منه، هل أني لا أعجبه، فأجاب كالمذنب، بأنه على العكس من ذلك، أنه يحبني جداً ويراني جميلة جداً، وأنه سعيد بزواجه مني، ثم أخذ    يبكي مجددا، مؤكدا بأنه لا يستطيع أن يفعل أي شيء. إنه يريدني، يريد أن يكون معي، لكنه لا يستطيع. سألته هل هو عاجز، فنفى أن يكون عاجزا، فشهوته الجنسية عارمة، لكنه يضاجعني في خياله، وقد ضاجعني بشبق وعنف وجدارة مرات عديدة، لكن في خياله، حيث كان يمارس العادة السرية وأنا حاضرة في خياله، لكنه الآن عاجز رغم أنا عارية وجسدي بين يديه.

حاولت مساعدته، داعبته، أخذت أقبله من كل جهات جسده عسى أن يتأثر أو يتهيج، لكن دون جدوى. طلبت منه أن يريحني، فأنا متهيجة ومتوترة، كما ذكرتـّه بأن العم ينتظر منه أن يريه رجولته ودم بكارتي.

حينها بدأ يبكي وألقى بنفسه بين يدي يقبلها، وانحنى ليقبل قدمي وهو يولول: خلصيني، أنقذيني، لأن أبي لو عرف سيقتلني ويزيلني من وجه الأرض.

 أشفقت عليه، وأحسست أن واجبي أن أحافظ عليه من طغيان العم. لم يكن أمامي سوى أن أجد مخرجاً من هذه المحنة. وفجأة خطرت في ذهني فكرة شيطانية غريبة. تذكرت أن العم آدم كوناي كان يعاني من ارتفاع بسيط في السكر وأنه يحتفظ بجهاز القياس في الشقة، فأتيت بالجهاز وغرزت فيه الإبرة، وبدأت ألسع نفسي بالإبرة وأعصر إصبعي، فيخرج الدم منه فأمسحه بمنديل أبيض كان الأب قد أعطاه له ليضعه تحتي لحظة الفتح العظيم. كررت هذا الأمر مرات عدة وبمعظم أصابعي، وطلبت منه أيضا ذلك فوافق، حتى تلوث المنديل حقا بالدم، حينها قلت له أن يقدم ذلك لأبيه كي لا يشك بشيء.

في اليوم الثاني جاء العم ليستكشف الأمر. إنزوى مع زوجي آدم تورك ودخلا إلى غرفة أخرى، بينما حاولت أنا أن أشغل نفسي فدخلت إلى الحمام لأستحم وأعطيهما الفرصة لمناقشة مسألة فحولة الابن.

خرج العم مزهوا وكأنه هو العريس لأن الابن أثبت رجولته ورفع رأسه عاليا، وهكذا اجتزنا هذه المحنة. بعد ذلك تدهورت حالة آدم تورك إذ أصابته الكآبة، ربما لخجله أمامي، أو لعجزه عن مضاجعتي برغم رغبته فيّ، أو خوفه من أن يكتشف الأب الحقيقة.

لا أعرف بالضبط ما جرى له، لكنه صار حزينا، قليل الكلام، عصبي المزاج. أحيانا أحسست نمو روح التمرد فيه، إذ بدأ يبحث عن أعمال تتركه بعيدا عن البيت، حيث صار سائقا للسيارات التجارية الكبيرة التابعة لإحدى للشركات الكبرى التي تتيح له السفر لفترات زمنية طويلة.

كنتُ أفهمه، ولم أعترض على تصرفاته، لكن العم آدم كوناي كان لا يفهم كيف يترك العريس الجديد عروسه ليسافر أسابيع ويرجع في الشهر لبضعة أيام ليغادر ثانية. هذا الأمر مبعث توتر بينهما، لكني لاحظت أن آدم تورك صار أكثر ميلا إلى التمرد على أبيه، ويتحجج بأنه يريد أن يجمع المال ليضمن مستقبله ويكـّون نفسه.

تمرد آدم تورك النسبي على أبيه أثر على مزاج العم، فصار أكثر عصبية وصار يتأخر في المقهى الذي يرتاده الأتراك والذي يقع بالقرب من البيت، وأحيانا يأتي ثملا. أما أنا فأصبحت أكثر حرية. أتابع جميع محاضراتي، لا أطبخ الطعام إلا نادرا إذ أن العم آدم كوناي يأكل معظم وجباته في المطعم أو المقهى، بينما أنا آكل في مطعم الجامعة.

حين يعود آدم تورك في إجازة ليقضي أيامه بيننا أقوم بالطبخ. كنا نذهب معا إلى الدكان التركي الكبير، وكنا نقابل بعض المعارف من النساء والرجال فكانوا يسألون عن حياتنا الجديدة وهل هناك طفل في الطريق، فكنت أبتسم وأقول بأن الأمر بيد الله، وأنا ما زلت أدرس، وأمامنا وقت كثير، بينما كان الانزعاج يبدو على وجه آدم تورك.

وفي الليل، حينما ندخل إلى غرفة نومنا، كنت أحس أنه يحاول أن يقترب مني، وكنت أرحب بذلك فأنا أيضا أحتاج إليه، لذا كنت أساعده، فقد لاحظت أنه صار أكثر جرأة مما كان عليه في الليلة الأولى، وفسرت ذلك بخبرة السفر وأحاديث أصدقاء العمل، وربما حصلت له بعض التجارب، والحقيقة لم أكن أعترض حتى لو حصل له ذلك لأني أرى أن ذلك ربما سيشفيه، غير أن محاولاتي لم تجد نفعا مرة أخرى، وهذا ما ترك تأثيراً سيئاً جداً عليه، فهوى في بئر داخلية مظلمة.

أخذ آدم تورك يغيب لفترة أطول في سفراته، وأحيانا كان يراودني شعور أنه في إجازة لكنه لا يأتي للبيت وإنما ربما يراقبني من بعيد، لأني ذات مرة كنت خارجة من الجامعة فوجدت في الزحمة القريبة من شارع الجامعة شابا ظننته هو، وخُيل إليّ وكأنه يتبعني، فألتفت إليه وصعقني الشبه بينه وبين زوجي آدم تورك، إلا أن هذا كان يضع طاقية على رأسه، ولم يطرأ في ذهني لحظتها أنه هو لمعرفتي بأنه مسافر، وحينما أردت التأكد من ذلك التفت ثانية فلم أجده، إذ اختفى.

عموما، كان في بداية الأمر يسافر لمدة أسبوعين إلى ثلاثة كأقصى حد، لكنه صار يسافر لشهر أو أكثر. من جهة أخرى، ساء وضع العم النفسي، إذ صار يأتي إلى البيت أحيان وقد تعته السكر.

كانت تصرفات العم ونظراته إليّ تريبني. أحس في نظراته عتاباً وكأنني السبب فيما جرى لحال ابنه آدم تورك، لكنه لا يجرؤ على مفاتحتي بذلك. أحيانا كان ينظر إلي نظرات غريبة، فيها ما فيها من الرفق والشفقة، والرغبة العمياء وكأنه يحسد ابنه على وجود امرأة مثلي معه بينما هو يختفي. كان ثمة صراع خفي في أعماقه، صراع ما بين بقايا رجولته وبين دوره الأبوي.

كنت حينها قد أنهيت المرحلة الثالثة بتخصص تاريخ الفن، وكنت أعيش تناقضا بين ما أدرسه من غوص في علم الجمال، والعلاقة ما بين الجمال الروحي والحب الجسدي وتحولات هذه العلاقة، وبين ما كنت أعيشه من تناقضات. كنت أعاني كثيراً.

ذات يوم لمحت صديقي الأول آدم عصمان من بعيد. هو لم يرني لكني لمحته. أحسست بالرغبة العارمة. ذلك اليوم نفسه دخلت مكتبة الجامعة أفتش عن كتاب (معنى الحب) لفيلسوف روسي اسمه (فلاديمير سولوفيوف) عاش قبل الثورة البلشفية. حينها أردت أن أكتب بحثا فصليا عن "الإيروس في الفن"، فأخبرتني موظفة المكتبة بأن هناك نسخة منه استعارها أستاذ أجنبي، لكنه أراد أن يتصفحه في المكتبة ويمكنني إذا ما كنت في حاجة ماسة للكتاب أن أنتظر فربما سيعيده قبل نهاية الدوام لأنه لم يرغب في استعارته لفترة طويلة، وأشارت إلى الشخص الذي استعار الكتاب بشكل غير مباشر.

إلتفتُ إليه. كأن ثمة شرارة كهربائية مستني. رأيت رجلا في منتصف الثلاثينات من العمر، حنطي اللون، وسيماً بشكل ملفت، تلك الوسامة التي لا تشبه وسامة نجوم السينما وإنما وسامة الأبطال القادمين من متاهات التاريخ. ربما لا تصدق إذا ما قلت إني توجهت إليه لا إراديا وجلست على الكرسي المقابل له ولم تفصل بيننا سوى الطاولة.

نظر إليّ وابتسم مجاملة. تلك الابتسامة التي نمنحها تعبيرا عن الترحيب والسلام، فابتسمت له. راودتني رغبة غامضة في أن أحدثه، فسألته إن كان يكتب بحثا عن سولوفيوف. ؟ انتبه إلي وتوقف عن القراءة. نظر إليّ وقال مبتسما بأدب:

-                     لا، أنا أتصفح الكتاب لأن علي إعداد محاضراتي في علاقة الإيروس بالثقافة، وسولوفيوف له رؤية مهمة في هذا الموضوع.

كان يتحدث بألمانية فيها اللكنة الأجنبية واضحة، لكنها صحيحة من الناحية النحوية وسليمة البناء، فدفعني الفضول بأن أساله:

-                     من أين حضرتكم. ؟

-                     من مصر.

-                     أوه. من أرض الفراعنة.

ابتسم وقال:

-                     نعم من أرض الفراعنة.

-                     تشرفنا. اسمي حواء كوناي

-                     تشرفنا. أنا آدم المصري.

سألت نفسي عن هذه المصادفة الغريبة التي تجذبني لكل من يحمل اسم آدم، وهكذا تعرفت على آدم المصري. حينها تحدثنا بشكل موسع عن سولوفيوف.

-                     من هو سولوفيوف. ؟ سأل آدم المطرود بفضول.

-                     ألم يترجم إلى العربية. ؟ سألت حواء كوناي بنبرة مستنكرة.

-                     لا أعتقد، فمعرفتنا بالمفكرين الروس في الفترة الروسية القيصرية قليلة جدا، لدينا ترجمات أدبية كثيرة من خلال ترجمات دار التقدم في موسكو، أي من خلال منظار سوفيتي. قال آدم المطرود.

ارتسمت ملامح الاحباط على وجه حواء كوناي وقالت:

-                     خسارة. فلاديمير سولوفيوف مفكر روسي وأحد مؤسسي نظرية الحب الفردي الإيروسي، وصاحب فكرة سمو وتعالي الشخصية الإنسانية عن طريق الحب وتجاوز الأنانية والبعث والكمال الأخلاقي للإنسان. في كتابه (معنى الحب) قدم تحليلا نقديا مفصلا للنظريات اللاعقلانية التي كانت منتشرة في الغرب على نطاق واسع، والتي طورها شوبنهاور الذي أكد بأن الحب هو خدعة الطبيعة أو الإرادة التي تخدع الإنسان، عن طريق غريزة جنسية قوية وتجعله أداة عمياء للتكاثر والانتقاء الجنسي، حيث أكد سولوفيوف أنه إذ عُد الحب مجرد وسيلة لاستمرار الجنس البشري فأنه يتحول إلى مجرد غريزة حيوانية بسيطة.

-                     رائع. صرخ آدم المطرود لاإراديا.

- سولوفيوف أكد على الحب البشري، ففي رأيه أن الإنسان في الحياة الواقعية يرى نفسه مركز الأنانية بل ومركز العالم. يعامل المحيطين حوله انطلاقا من حاجاته ومصالحه الشخصية، ومن هنا فهو يرى الحب القوة الوحيدة القادرة على لجم الأنانية الفردية، دون أن يحذف السمات الفردية، بل يؤكدها ويتفهمها. لهذا فأن مغزى الحب البشري هو تبرير وحماية النزعة الفردية من خلال التضحية بالأنانية، وهذا يحدث عن طريق الحب، فنحن نؤكد الأهمية المطلقة للفرد الآخر، فالحب هو إلغاء كامل للأنانية. إنه نقل اهتمامنا من الذات إلى الآخر، حتى أن سولوفيوف يرى أن الحب الجنسي بالذات هو القوة الرئيسة القادرة على لجم الأنانية الفطرية، لأنه وحده يحافظ على المساواة بين المحب والحبيب.

-                     يبدو أنك مؤمنة بأفكاره. علق آدم المطرود بمزاح.

-                     نعم، فمع اعترافه بأهمية الحب الجنسي، يتحدث سولوفيوف عن ضرورة استنارة الجسد واستلهامه، فالجانب الجسدي في الحب هام، لكنه لا يُعد الهدف الرئيس، ويمكن للحب الحقيقي أن يكون بدون اتحاد جسدي، كما يمكن للتلاحم الجسدي أن يكون بدون حب، وبعبارة أخرى، إذا ما أصبحت الفيزيولوجيا هي الهدف، فإنها تقتل الحب.

لا يدري آدم المطرود كيف انبثقت صورة حواء الصايغ من أعماق ذاكرته وتجسدت في ذهنه المتوقد، لاسيما حينما قالت إنه يمكن للحب الحقيقي أن يكون بدون اتحاد جسدي، بينما لا تربطه بهذه المرأة التي تتحدث معه سوى شهوة عارمة. لم يعد يركز على حديثها الفكري لكنه انتبه أنها رج