تقرير من مصر: لقاء ثقافات وأساليب وأسئلة التجريب المفتوحة

عن مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي

سعيد الناجي

القاهرة مدينة مجنونة، وجنونها قديم قدم الحضارة المصرية، ربما يعود إلى تلك اللحظات التي تشكلت فيها القاهرة مدينة كبرى ترفض أن يقل عدد سكانها عن العشرين مليونا، مرة يخرجون للعمل جميعا، فتتوقف الحركة على الجسور وعلى الطرقات، وحينا آخر، يخرجون "نبطشية" بالفكاهة المصرية، نصفهم في النهار ونصفهم في الليل، فتكون الحركة أكثر انسيابية، ولكن بالمقابل، لا تتوقف الحياة على مدار الأربع وعشرين ساعة في القاهرة.

هي ذي القاهرة، مدينة لكل المتناقضات، وجماع لكل الأصناف ولألوان، يتجمع فيها الناس البسطاء والمثقفون، الأغنياء والفقراء، والسياح ولصوص الآثار، والمناضلون ورجال المخابرات الدولية، والعابرون إلى مدن الشمال الأوروبي أو الشام العربي أو الخليج... وكما أن حركتها لا تتوقف، لا تتوقف حركة مهرجاناتها الثقافية والمسرحية والسينمائية. لا بد لمهرجان المسرح التجريبي من أن يشبه القاهرة لأن المثل المغربي يقول: "الشيء الذي لا يشبه صاحبه حرام". 

المهرجان
بفضل عدد المسرحيات القادمة من مختلف بقاع المعمورة، وبفضل الأسماء والتجارب التي يجمعها، أصبح مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي لحظة مسرحية عربية حاسمة، وموسما للقاء المسرحي وتبادل الخبرات المسرحية عربيا وعالميا. ربما نختلف حول المستوى المتدني لبعض المسرحيات والتي يجتاحنا يأس حقيقي بعد مشاهدتها، ولكني أعتقد أن التجريب منذ صعود نجمه في المسرح كان دائما يتراوح بين الجدة والتراجع، بين النجاح والخيبة، لأنه لكي تعثر على الجديد لا بد من أن تغامر باستكشاف المجهول، وتغامر بالعثور على التجريب وعلى نقيضه من مستويات متدنية للفرجة المسرحية. ولهذا، وبالمقابل، نلتقي خلال المهرجان بمسرحيات أخرى تكشف لنا حقيقة عن رقي الفعل التجريبي، وتعرفنا على مستوى ممارسة المسرح في ثقافات بعيدة عنا ربما لولا المهرجان لما أتيحت لنا فرصة مشاهدتها، مما يحيل المهرجان إلى لحظة لقياس مستوى مسرحنا وأفعالنا التجريبية على الصعيد العربي، ناهيك عن اللقاءات الفكرية والندوات والنقاشات التي تنعقد على هامش المهرجان

المسرح السياسي المخاتل
انعقدت الندوة الرئيسية حول محور المسرح السياسي، واستعادت النقاش حول جوانبه المتعددة من مسرح الصحف الحية إلى المسرح الملحمي إلى المسرح الوثائقي. كانت الندوة بجلساتها المتعددة لحظة للإنصات إلى أصوات نقدية مختلفة، وذهب عدد من المشاركين إلى الحديث عن تجارب المسرح السياسي في بلدانهم. ولربما تمثل العنصر الجديد في بروز مقاربات نقدية جديدة لتجارب المسرح السياسي في العالم العربي، وكيفية تعاملها مع التجارب الغربية في هذا الصدد.

ولكن الملاحظة التي تهمني إثارتها هي خلاسية المسرح السياسي وأشكاله المتعددة. ففي الوقت الذي وجدنا فيه أواسط القرن العشرين تعج بتجارب واضحة في المسرح السياسي، تعلن عن نفسها بقوة نظرية وتطبيقية (بيسكاتور، برشت، بوال...) وذلك في سياق عالمي تميز بالحروب والصراعات، سنجد نوعا من الخفوت في بروز تجارب المسرح السياسي في المسرح المعاصر رغم أن زمن الحروب والصراعات قد استعرت ناره أكثر. لقد أصبحنا أمام تجارب مسرحية لا تهمل الصوت السياسي، ولكنها لا تندرج كلية في إطار نظرية ما للمسرح السياسي. ومن هنا، فالمسرح ليس فنا مرآويا، يعكس مباشرة ما يقع في الحياة من تحولات وصراعات، وهي الفكرة التي أقامت عليها تجارب مسرحية سياسية صروحها. وبالمقابل فإن مسرح الصحف الحية الذي انتشر على نطاق واسع أواسط القرن العشرين يكاد يبدو الآن منقرضا رغم احتداد الأزمات التي قادت إلى بروزه، ورغم تطور العمل الصحافي ومنابره.

للمسرح إذن ديدنه الخاص، وتجاربه الخاصة، يتفاعل مع العصر بمزاجه الخاص، ولا يتبع الحياة عاكسا إياها في مراياه. وحين انفجرت نظريات المسرح السياسي غداة تحولات القرن العشرين، تحول المسرح الآن إلى ما يشبه مصهرا للخطابات دون أن يعلن ارتهانه بنظرية محددة، فامتزجت الأساليب والجماليات، وتراجعت النظريات الشمولية لتفتح المجال إلى الأساليب المتجددة

لغة الجسد والإشارات
خلال المهرجان برز فرق أساسي بين عروض المسارح الأوروبية وبين المسارح العربية خاصة في مجال الاختيارات الجمالية وتحقيقاتها على صعيد الخشبة. فالعديد من المسرحيات الأوروبية راهن على لغة جسدية راقية، وعلى اشتغال مكثف على الممثل الذي بدا مدربا بإتقان مبهر. بدا هذا مثلا في المسرحية النمساوية لفرقة كونيكس في شخصية مايسترو يحاول جاهدا تسيير فرقته الموسيقية بخيبة كبيرة. اعتمد الممثل على طاقة جسدية رهيبة لكي يبرز الحالات النفسية للشخصية. وفي عروض كثيرة، ستحل لغة الجسد الراقص محل الجسد المتكلم، ولعل قمة هذه اللغة تجلت في مسرحية ألوان لمسرح ميهر من أرمينيا، حيث قدمت عرضا راقصا بامتياز.

وفي العروض المسرحية التي اعتمدت على نصوص قوية مثل "منزل برناردا ألبا" للمسرح المتروبولي من المكسيك أو "ماكبث" لفرقة مشروع جاراندا من كوريا الجنوبية الفائز بالجائزة الكبرى للمهرجان، سنلاحظ اشتغالا إخراجيا رهيبا يعتمد أساسا على ممثل متدرب إلى أقصى الحالات، موظفا لغة جسدية رائعة تجعل النص يتراجع أحيانا أمام لغة الجسد البليغة. ومن نماذج هذا الاختيار الجمالي مسرحية برشت "قيام مدينة ماهاجوني وسقوطها" التي قدمتها فرقة دار الصلصال من إيطاليا. بإخراج قوي، وسينوغرافيا مبدعة، وممثلين أكفاء، كان العرض تحفة تشكيلية حقيقية لولا طول بعض مشاهده التي طغى فيها التكرار، لأنه حافظ على تمام نص برشت، واختار إخراجا ملحميا حقيقيا محافظا على روح وفلسفة النص البريشتي.

لن أنسى طبعا ليلة اختتام المهرجان، حين كان الممثلون الإيطاليون مكسوري الخاطر، لأنهم لم يتلقوا تتويجا، بعد جهد كبير في تقديم المسرحية ذات الساعتين إلا ربعاً، مرتين متواليتين في نفس الليلة. كانوا يجلسون على درج الأوبرا الصاعد إلى طوابقها العليا، احمرت وجوههم الكالحة، يدخنون السيجارة تلو الأخرى، يكاد يغالب الدمع بعضهم. هي ذي المسابقة، ولكن مسرحيتهم، تنضاف إلى المسرحية المكسيكية والكورية لتصبح جواهر المهرجان ودرره المضيئة... 

التجريب بحثا عن المعنى... المأساوي
بالمقابل، سارت أغلب المسرحيات العربية في اتجاه البحث التجريبي اعتماداً على نصوص مشحونة وقوية، وعلى بحث حثيث عن المعنى والدلالة، عبر تشغيل عمل إخراج قوي، كانت تخونه أحيانا قدرة الممثل العاجز عن امتلاك لغة تعبير جسدي مناسب. ففي المسرحية العراقية "صدى" للفرقة القومية للتمثيل، وإخراج حاتم عودة، سنلتقي شخصية قاتل يعود إلى لقاء أمه بعد مدة، بعد أن أنهكه الندم وصور ضحاياه التي لا تفارق خياله. وإذا كان أهم ما أثارني في العرض هو خروج المسرحية عن كمين الحديث المباشر عن الأزمة العراقية، واتصالها بحالة إنسانية تعبر ضمن ما تعبر عنه عن المأساة العراقية، فإن الإخراج المسرحي اشتغل برهافة وذكاء، معتمدا إيحاءات الألوان ورمزية الدلاء للتعبير عن الحالات المتناقضة.

في أغلب المسرحيات العربية، سنجد شخصيات قلقة، تجر وراءها ماضيا مثقلا بالهموم أو الفظاعات، فـ "الأستاذ كلينوف" لفرقة المسرح الوطني الجزائري شخصية مقيتة تجر وراءها تاريخا من البؤس والحقارة وتصرفه في حياتها اليومية، والزوجة في مسرحية "الظلال" لورشة التمرين من العراق، ستضطر إلى استقبال الدكتور الذي اغتصبها أيام الاعتقال، بعد أن يدعوه زوجها، رجل القانون، إلى المنزل، ويشترك معه في ترتيبات مريبة. وفي المسرحية السورية "ظل رجل القبو" لشبيبة الثورة، ستبرز الشخصية مثقلة مأساوية، تجر وراءها ذكريات طفولة قاسية معذبة. وستبلغ ذروة الانشغال بالخيبة والمأساة في مسرحية "دون كيشوت" لفرقة كون المسرحية، حيث تستعيد تلك الشخصية الورقية الخائبة، دون كيشوت، الذي سيموت في النهاية على يد خادمه، لسبب بسيط هو أن هذا الأخير ليس مستعدا لقتل زوجته، وكسب صداقة البطل دون كيشوت ومهماته العصيبة.

إننا نعيش في عالم قلق، تميزه الحروب والصراعات، شخصياته قلقة، وأبطاله إشكاليون خائبون يبحثون عن قيم أصيلة في عالم منهار، يبحثون عن التخلص من كل الهموم للاتصال بحالة حياة أفضل. ولهذا هيمن هذا الطابع المأساوي على عدد من المسرحيات العربية. حتى العرض السوداني للفرقة القومية للتمثيل "خيوط الأفق" رغم محاولته الاشتغال على لغة الجسد الإيقاعية، واتخاذه شعر محمود درويش سندا للكتابة، إلا أنه لم يفلت من مأساوية الموت والبحث عن معنى للخراب الذي نعيشه. ويكفي أن ننظر فقط إلى بنية عناوين المسرحيات وحقولها الدلالية التي تحيل عليها: صدى، ظلال، ظل رجل القبو، خيوط الأفق، دون كيشوت لنتبين العوالم المأساوية الخائبة التي تسبح فيها المسرحيات العربية.

ولكن في أغلب هذه العروض، تجاورت هذه الدلالات الكثيفة للبناء الدرامي وشخصياته مع بحث إخراجي حقيقي، واشتغال عميق على لغات المسرح من سينوغرافيا وإنارة وملابس وغيرها. ولربما بقي الممثل هو الحلقة التي تحتاج إلى جهد تجريبي أكثر، واهتمام أعمق. ولعل ضعف الممثل في المسرح العربي يبدو أكثر جلاء في بعض المسرحيات التي راهنت على الكوريغرافيا والتشكيلات الجسدية، حيث برز أننا ما زلنا بعيدين عن تحقيق أفضل تجليات الممثل ولغته الجسدية على الخشبة

أنا هاملت... الاستثناء المصري
لأن الشخصية المصرية لها طابعها الخاص المختلف، ولها مرحها الخاص الذي لا نكاد نعثر عليه عند شعوب أخرى، لم تشذ مسرحية "أنا هاملت" لمركز الإبداع الفني عن هذه القاعدة. قررت مع صديقي الدكتور كريم عبود أن نذهب سيرا للعرض المصري، وأن نعبر كوبري قصر العيني (إن لم تخنّي الذاكرة). على طول الطريق المحاذي للنيل، أفواج من الشباب، مأخوذون في لجة الحب والحديث الغرامي، لا تقطعه غير حبات الترمس أو الذرة وهي تلاعب أفواه المتجولين أو الجالسين على حافة الجسر يتبادلون الكلام وأشياء أخرى. المصريون يقومون بأشياء عديدة في لحظة واحدة، لأن لا وقت لديهم لتوزيعه بانتظام على كل الحاجيات والأغراض. نسير ونشوة القاهرة تملؤنا بإحساسات غريبة، ونحن نحاول أن نسرع، لكي نلحق بالمسرحية، ونهضم كشري المعلم "أبو طارق". وصلنا دار الأوبرا، وناضلنا كي ندخل ونسترخي على مقعد في القاعة، لنشاهد "أنا هاملت".

وفيما جاءت مسارح العواصم العربية بمسرحيات مأساوية يلفها الحزن والخيبة والبحث عن الخلاص، اتجه العرض المصري إلى وجهة مخالفة، فقرر أن يقدم مسرحية هاملت المأساوية حتى النخاع بطريقة كوميدية خفيفة، وبإخراج تجريبي قطع أوصال بنية النص الدرامية وشحنها في مقاطع مرهونة باليومي المصري أكثر من ارتباطها بالنمو الدرامي الصارم عند شكسبير. بين لحظة وأخرى، يبدو لنا هاملت راكبا المترو، ملتصقا بالأجساد المتزاحمة، أو يتجول في شوارع القاهرة الهادرة.

اعتدت أن ألتقط لكل المسرحيات صورا، كانت الكاميرا لا تفارقني، ولي فيها أغراض أخرى، إذ لا شيء يبعد عنك ملل وثقل مسرحية ما غير التقاط الصور. بهذا تحافظ على هدوئك، وتحافظ على هيبة الناقد الرزين الذي لا يخرج من المسرحية قبل انتهائها، وطبعا تحافظ على صداقتك مع المخرج والممثلين الذين يطمئنون إلى أنك أنهيت المسرحية، بمعنى أنها أعجبتك.

في مسرحية "أنا هاملت" كان كل شيء مختلفا. انتهت المسرحية، وانتبهت إلى أني لم ألتقط صورة واحدة. نسيت الكاميرا في جيبي، وأخذتني متعة المسرحية وإيقاعاتها الذكية في الحفاظ على الخط المأساوي العميق، وتكسيره بمواقف كوميدية خفيفة. استهواني كذلك عمل المخرج في تحديد مستويات للفعل الدرامي والتركيز على عمل الممثل بحفاظ تام على صلب القصة. كان يبدو لنا هاملت حقيقيا، ثم لا يلبث أن يظهر لنا مصريا حتى النخاع.

وطبعا فإن تقنية المسرحية معروفة ومستهلكة وهي المتمثلة في استدعاء هاملت لكي يعيش زمنا معاصرا، ومنذ بدايات القرن العشرين، وجدنا تجارب في المسرح الأوروبي تقدم لنا هاملت يلبس سروال الجينز أو يستعمل السيارة أو غيرها من أساليب تحيين القصة والشخصية نفسها. ولكن أصالة العرض المصري تكمن في استعماله لهذه التقنية المعروفة بذكاء وخفة وبطريقة لا يبدو فيها أي تكرار. ولعل التراكمات التي تحققت الآن في المسرح التجريبي تقودنا إلى التفكير في إمكانية اعتبار التجريب لا يكمن فقط في الإتيان بأشياء مبتكرة وجديدة، ولكن باستعمال أساليب معروفة بطريقة خاصة ومبتكرة، وبحفاظ تام على إيقاع خاص للعب المسرحي.

في العرض المصري، تيقنت من أن المسرح، قبل أن يكون متراسا من الأساليب والجماليات، هو إيقاع جذاب، وتيقنت أكثر من أن أعمق موقف نقدي يمكن أن نتبناه هو ذلك الإحساس التام بالمتعة ونحن نشاهد مسرحية ما. لهذا قررت أن أتخلى عن ترسانة المفاهيم النقدية التي تتحول في بعض اللحظات إلى جدران إسمنتية، وأن ألوذ بمتعة مسرحية عرفت كيف تجعلني أنسى الكاميرا التي لا تفارقني.  

من أوبرا عايدة... إلى كراج الأوبرا
نحث الخطى من مسرح الطليعة إلى مسرح الجمهورية حيث يقدم المسرح الوطني الجزائري مسرحيته. نتوقف أولا عند خربة محروقة، لنعرف فيما بعد أنها المسرح القومي الذي أتت عليه النيران. ياه... مصر عظيمة حتى في نكباتها... نسير قليلا نجد أنفسنا في ساحة الأوبرا. نلحظ بناية شاهقة كتب عليها كراج الأوبرا...استغربت للأمر... قبل أن يصدمني محدثي: هنا كانت تنتصب أوبرا القاهرة، وأتى عليها حريق مهول... يبدو أن موظفا كان يتلاعب في ميزانية الأوبرا، ولما أحس بقرب اكتشاف أمره، أشعل النار في كل شيء... من قال إن نيرون مات؟ لحسن حظي أني شاهدت في الأوبرا الحالية بعض صور الأوبرا القديمة، كانت تحفة معمارية حقيقية. أتوقف... أغمض عيني... أهدم كراج الأوبرا... وأعيد بناء الأوبرا الحقيقية... وأتخيل فيردي يدخل من بوابتها يلحق به الناس في قمة أناقتهم... في الحلم متسع لكل شيء... وإلا كيف نستسيغ تحويل مكان الأوبرا بكل ثقله التاريخي والرمزي إلى كراج... وكيف نستسيغ هذه الجملة العبثية التي تجعل كلمة بهيبة أوبرا مضافا إلى كلمة رديئة مثل كلمة غير عربية أصلا هي كراج. يبدو لي في الأمر حماقة ربما أفظع من حماقة من أحرق الأوبرا نفسها. ولا يمكن القبول بتاتا بهجمة أباطرة الإسمنت على الأمكنة المدثرة بعبق التاريخ وشذى الفن الأوبرالي النبيل. تصورا لو أقدم احدهم على هدم هرم من الأهرامات وبنى محله بناية سماها كراج الهرم... هي جريمة في حق تاريخ الإنسانية، وليس في حق الحضارة المصرية وحدها. نعم... تم إنشاء دار أوبرا جديدة... ولكن رغم ذلك لا شيء يعوض تلك الساحة التي عرفت تدشين الأوبرا برائعة فيردي. كنت، لما أعبر ساحة الأوبرا، أتعمد ألا ألتفت إلى الكراج العجيب... وأوهم نفسي أن الأوبرا ما تزال قائمة... وإلا... كنت أفضل الذهاب إلى مسرح الطليعة مستقلا الميترو... على الأقل في الأنفاق لا تضطر إلى معاينة ذلك العبث التاريخي الذي يحول أوبرا إلى كراج... 

المطار
يوما بعد يوم، نحس أن المهرجان حياة صغيرة... بدأت واقتربت من الانتهاء... نحس بقرب وداعنا لأصدقائنا الجدد، وللقدامى منهم... ونترقب الاختتام بما يلفه من حزن وفرح في نفس الوقت.... سيقع تتويج المتوجين، وسينكسر خاطر الآخرين، وسنلتقي أصدقاءنا لوداعهم... نهايات المهرجانات مأساة حقيقية... بكثرة المسرحيات وعدد المشاركين في التجريبي أكاد أقول إن الجوائز تفقد الكثير من معناها... فالمشاركة واللقاء أهم... يوم الاختتام ضاغط إلى حد لا يطاق... عليك أن تودع الأصدقاء، أن ترتب حقيبتك، أن تجمع ركام الكتب التي أهديت إليك... أن تجمع تذكارات وهدايا، وأن تستعد لموظف شركة الطيران الذي لا بد أن يدعوك إلى دفع ثمن الوزن الزائد...

الثالثة صباحا... أستقل السيارة مع صديقي د. مبارك الكنعاني نحو المطار.. طرقات القاهرة ما تزال تغلي بحركة السيارات... ندخل المطار مرفقين بكلمات الباشا والبيه الأسطوريتين في مصر... وكل منا يلتحق بتسجيل الأمتعة... التي تجاوز طبعا وزنها الحد المسموح بها. تستوقفني شرطة المطار في تحقيق جديد: متى دخلت؟ وكيف؟ هل تملك جواز سفر آخر؟... يبدو أن موظف شرطة المطار عند دخولي إلى مصر قد نسي أن يضع خاتم الدخول على جوازي، ولحسن حظي احتفظت بورقة المعلومات حيث كان الخاتم واضحا. فكرتُ: ما جدوى الأختام، وقد صارت مصر تسكنني... 

ناقد وباحث مسرحي من المغرب