يناقش الباحث المصري في هذا المقال المقولة الشائعة عن أن الرواية قد أصبحت ديوان العرب الجديد ويطرح هنا استقصاءاته وتعليلاته لهذه القضية الخلافية.

الرواية ديوان العرب لماذا؟

شوقي عبدالحميد يحيى

.

في أحد محاور المؤتمر الثاني للرواية بالمجلس الأعلى للثقافة، اعترض القاص محمد المخزنجي على عقد مؤتمر للرواية دون أن يكون هناك مثيل للقصة القصيرة التي رآها مُغيبة عن الساحة. وفي أحد جلسات الشهادات بالمركز الثقافي الفرنسي ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي السادس والثلاثين، وقف القاص فؤاد مرسي ـ رغم أنه روائي أيضا ـ متخوفا من التركيز علي الرواية دون القصة القصيرة. الأمر الذي يدعو للتأمل والبحث في ظل عدد من الملاحظات: ـ

أولاً تحول العديد من كتاب القصة القصيرة إلي الرواية حتى أنه لا يستثني من ذلك سوي عدد قد يعد علي أصابع اليد الواحدة منهم محمد المخزنجي نفسه (حتى هو أيضا دخل مجال الرواية ـ وسعيد الكفراوي، ومن قبلهم يحيي الطاهر عبد الله.

ثانياً تراجع الشعر، بعد شيوع ما سمي بقصيدة النثر وتخليه عن دوره الجمالي وانصرافه عن دوره الاستدلالي.

ثالثاً خفوت صوت المسرح وغياب الكتابة الجادة له بعد سطوته وتزعمه في الستينيات من القرن الماضي وانحساره ثم انحصاره في المسرح التجاري الطارد للمتعة الجادة، الطارد لذوي الدخول المحدودة واقتصاره ـ تقريباً ـ علي الجمهور من البلاد العربية، واقتصار ما قد يعرض من المسرح الجاد علي القليل من النقاد وبعض المثقفين.

رابعاً دخول القصة القصيرة بعنف في التجريب الذي يدخل في كثير من الأحيان إلي دهاليز التغريب، في ضياع الموضوع الذي حتما يبحث عنه القارئ، والشطط في التصوير وتباعده مثلما في الشعر المنثور وغياب المتعة في القراءة، خاصة في الأقصوصة التي قد لا تتعدي سطورها ما يعد علي أصابع اليد الواحدة وأصبح الكاتب يكتب كما لو أنه يكتب شفرات ويفترض أن القارئ رغم أنفه يفهمها، وإن لم يكن، فلا حاجة لنا به.

خامساً غياب دور النقد الشارح المحلل الذي يأخذ بيد القارئ لفهم النص المقدم أو وضعه علي عتبات النص والفهم، خاصة بعد أن دخل النقد أيضا دهاليز الغموض والتخفي في ظل النظريات الحديثة التي أصبحت هي الهم الأول للنقد، يلهث وراءها ويستعرض بها ولها ساعيا لصب العمل المتناول في أي منها، حتى لا يجد القارئ في النهاية شيئا عن النص المفترض أنه موضوع النقد، وكم من أعمال قرأها القارئ وسعي للنقد عندما تناولها فزاده غموضا علي غموض، بل وربما ضاع منه ما كان قد وصل إليه من العمل ذاته، فضلا عن أنه من النادر أن يكتب الناقد عن قصة قصيرة واحدة، وإنما يتطلب الأمر الكتابة إن كتب الناقد عن مجموعة قصصية كاملة.

كل تلك الظواهر ساعدت علي تأمل أحوال الرواية وضرورة دراسة ظاهرتها في ظل عدد من المستجدات التي تنحي الأنواع الأدبية الأخرى مفسحة لها مكان الصدارة ولتظل في خدمتها، لا خدمة السيد للعبد، ولكن خدمة المرؤوس للرئيس. وليس ذلك تحيزا إلي الرواية، أو تجنيا علي الأنواع الأخرى، وإنما نظرة إلي تقنيات الرواية بصفة عامة والرواية الحديثة بصفة خاصة نجد أن الرواية قد استخدمت الأنواع الأدبية الأخرى فمن اليسير جدا الاستدلال من عديد الروايات التي استعانت بالشعر، سواء في استخدام خواص الشعر في التعبير أو الاستعانة بنصوص شعرية لشعراء آخرين إبرازا للمعني أو إيجازا في التعبير أو تعميقا لإحساس معين، وبالمثل يمكن الاستدلال أيضا علي استخدام الرواية للطرائق الموسيقية سواء في استخدام العلاقات الزمنية وتأثيرها علي إيقاع الأحداث، أو في تقنية الكتابة الموسيقية ذاتها والسيمفونية منها خاصة والتي تتحدد في السريع فالبطيء فالسريع ويستعيض الكاتب الكلمات عوضا عن اللحن، في استخدام الجمل القصيرة المتسارعة، فالجمل الطويلة البطيئة فالقصيرة السريعة ونستطيع أن نجد ذلك في روايات بهاء طاهر علي سبيل المثال وإن كنا نستطيع أن نجد مثل ذلك في القصة القصيرة أيضا مثلما نجد في قصص محمد مستجاب علي سبيل المثال كذلك. وإلي جانب استفادة الرواية من الفنون التشكيلية واستخدام العلاقات المكانية وعلاقة الأضواء والظلال، نستطيع كذلك العثور علي المقال داخل الرواية كما في بعض أعمال ماركيز.

وإن كان يمكن القول بتواجد هذه العناصر في القصة القصيرة أيضا إلا أن استخدام الرواية للقصة القصيرة ذاتها هو ما لا يمكن إيجاده في الاتجاه العكسي، حيث يمكن تواجد القصة القصيرة بكاملها داخل الرواية، ولكننا لا نستطيع أن نجد الرواية داخل القصة القصيرة، فنستطيع تعداد الكثير من الروايات يمكن قراءة فصولها علي أنها قصص قصيرة كاملة العناصر، وفي مجملها تشكل رواية متكاملة العناصر أيضا مثلما في روايتي فؤاد مرسي علي سبيل المثال. كما يمكن ذكر العديد من الروايات التي بدأت بذرتها كقصة قصيرة لكن بعد البداية يكتشف أن جدران القصة القصيرة تتفسخ أمام تنامي الكتابة وانطلاقها إلي الأفق الأوسع زاحفة إلي خارج حدودها وداهسة لقواعدها، وكأننا أمام قطعة ملابس فصلناها لتصلح لطفل في الرابعة من عمره، لكنها لا تصلح له عندما يصير في الرابعة عشرة من عمره.

إلا أن هناك العديد من الأسباب التي ساعدت علي تسيد جنس الرواية في الزمن الحاضر وجعلت كل كتاب القصة القصيرة ذاتها يتحولون إلي كتابة الرواية ـكما سبق أن أشرنا إلا قليلا منهم، منها:

ـ أن المبدع في بداية عهده بالكتابة ربما لا يكون قد تمرس بالكتابة بعد، ولا يملك النفس الطويل الذي يتطلبه كتابة الرواية.

ـ لا يكون ما لديه من خبرات وتجارب كافيا لخلق رؤية كلية للأشياء، ولا كاف لخلق عالم متباعد الأطراف زمانيا ومكانيا.

ـ عند بداية التجربة يكون الكاتب لا زال مرتبطا بذاته ويرغب في التعبير عنها، وتكون الفطرة هي التي لا زالت تحكمه ولذلك نجد العديد قد بدأ بكتابة الشعر، حتى لو كانت الكتابة ساذجة، والقصة القصيرة أقرب لهذا أيضا من الرواية بالطبع في حمل همومه، علاوة علي ما قد يكون لدى المبدع في هذه المرحلة من العمر من الرغبة في الظهور وتقديم نفسه للآخرين حيث يكون مجال النشر في القصة القصيرة أيسر منه في حال الرواية. كما أنه لا أحد يستطيع إنكار السبب وراء تحول الغالبية العظمي من كتاب القصة القصيرة إلي الرواية من الرغبة في الانتشار الأوسع حيث إمكانية تحويل الرواية إلي الصورة المرئية علي الشاشتين الصغيرة والكبيرة، بينما فرصة القصة القصيرة في ذلك لا شك أنها نادرة.
يضاف إلي كل ذلك ما أكده د. محمد براده حين قال: -

«أن ما يميز الرواية ويستلزمها، هو أنها جنس تعبيري يتيح لنا أن نقول من خلاله " كل شيء " وهذه خاصية لا تتوفر في أجناس أخري»(1) 

ومن ذلك يتضح أن الرواية أكثر قربا واحتكاكا بالمجتمع ومشاكله وأكثر تعبيرا عن صراعاته وتقلباته، فإذا كان المبدع إنسانا أولاً يعيش في بيئة ومجتمع يتفاعل به و معه، في أفراحه وأتراحه، ينفعل به وله، يأخذ منه ويحاول أن يعطيه، وعلي صعيد العالم الأكبر وما أصبح يسوده من صراعات تبدو علي السطح ويخفي أسفل منها مجموعة من التشابكات والتداخلات التي يحتاج الأمر إلي كثير مجهود لحل خيوطها والوصول إلي أطرافها، خاصة بعد سهولة الترابط بين البلدان وما أصبح علي الإنسان معه ضرورة التشابك مع الآخر وترابط المصالح وتعدد العلاقات، وعلي الصعيد المحلي ووسط مجموعة من التحولات التي ترتبط بطبيعة الشخص الحاكم حيث يرتبط النظام بالفرد، يحكمه توجهات ورؤى هذا الشخص الحاكم، فإذا ما ذهب الشخص وجاء آخر كان هناك تغيير في السياسة وما يستتبعها من تغييرات اقتصادية واجتماعية وثقافية حتى أصبح تاريخ مصر والتاريخ العربي مجموعة من الكتل المتجاورة تمتد في الزمان أفقيا بدلا من أن تمتد في المكان رأسيا.

وبعد الهزات العنيفة التي حدثت في الوطن العربي عامة وفي مصر خاصة بعد ما حدث في يونيو 1967 وانهيار العديد من القيم واختلال الكثير من المفاهيم والمعايير وانكسار الروح المصرية والعربية، تشرنق الكتاب والمبدعون داخل أنفسهم، يحطمهم اليأس وتدور برؤوسهم التساؤلات، يجترون ذواتهم ويتمردون علي خيباتهم، اتخذوا من إبداعاتهم مادة لإخراج مكنوناتهم المتداخلة الضبابية، فكان التغريب وكان التداخل، وانفرط عقد التسلسل المتصاعد في الحدث داخل العمل وغاب التنامي فيه، وغابت الشخصيات التي كانت أقرب إلي الشخصيات الحية في الوجود المعاش، وأصبح البطل أو المحور هو الذات وهو اللحظة وهو المكان وهو الحالة. إلا أن الاستسلام لا يمكن أن يدوم طويلا، فما أن أفاق المبدع حتى راح يتساءل ويلهث وراء الحقيقة، يريد أن يصل إلي الأصل وإلي الجذور، يريد أن يحاكم ويريد أن يستوعب ما فات ويحذر مما هو آت، فكان لا بد أن يتتبع الحدث ويتتبع تناميه وتصاعده، وكان حتما أن تتعدد الجهات وتتعدد الأشخاص، وهو ما لا تستطيع القصة القصيرة أن تستوعبه ولا القصيد أن تلم أطرافه، وكانت الرواية بما تمنحه من حرية في الزمان والمكان لا يحدها حدود ولا تمنعها قيود هي الوعاء الأرحب والأنسب ليشكل المبدع رؤيته ويضمنها رسالته. فضلا عن أن الرواية تمنح فرصة البوح التي تنتاب كل مبدع والإفاضة فيه حين تقترب وتمتزج بالسيرة الذاتية دون التوقف عندها، ففي الوقت الذي يوزن فيه كل من الشعر والقصة القصيرة بالدرهم يمكن أن توزن الرواية بما هو أكبر من ذلك.

وقد أوضح د. جابر عصفور هذه الفوارق وتلك الطبائع والخصائص في كتابه " زمن الرواية " في:ـ

«وإذا كان الشعر كالقصة القصيرة ابن اللحظة الآنية التي تومض كالبرق، تقتنصها الصورة الشعرية لتديم حضورها وتبسطها أمام العين كي تتأملها، فتأسرها القصيدة كأنها تأسر بوارق الحدس ولمعة الكشف في العمق الرأسي لحضور آني، ما بين المبدع والمتلقي، فإن الرواية ابنة اللحظات المتعاقبة كالنهر، حيث الامتداد الأفقي للمنظور، والمتابعة المتعاقبة حتى لو تقطعت وتذبذبت للتحولات، والحركة الصاعدة مع تتابع اللحظات لا الوامضة الواحدة من اللحظة. وإذا كان الشعر ابن للحظات الحدية من التاريخ، حيث تنطوي اللحظة علي شعور حدي بالأشياء، والكائنات، في مواجهة حدية اللحظة الزمنية، فإن الرواية ابنة اللحظات الرمادية من التحول، حيث تتولد " حركة لا شرقية ولا غربية " تمزج النقائص وتجاور ما بين الأضداد» ص42.(2)  وعلي هذا كانت الرواية هي التي استطاعت أن تسجل وترصد وتتعامل مع الفترات التاريخية علي مدار القرن العشرين بأكمله، إلي الحد الذي نؤكد فيه مقولة. علي الراعي بأن الرواية بحق هي " ديوان العرب المحدثين ". «فإذا كانت كلمة الديوان لغويا هي معربة عن الفارسية بمعني " الكاتب أو كلمة "دب " الأشورية بمعني سجل الحسابات العامة».

ولا أظنه بخاف عن كل متتبع ما قدمه نجيب محفوظ عبر رواياته ما يمكن أن نعرف منه كيف كانت الحياة الاجتماعية في مصر منذ قبيل ثورة 1919 وإلي ما بعد نكسة يونيو 1967، وكيف استقرأ في العديد من أعماله ما سوف تؤل إليه البلاد في ظل ما كان يسودها قبلها، وكيف عبر عن مقدمات وتوابع ما حدث في يونيو وهو ما أوضحناه تفصيلا في كتابنا " يونيو 67 وأثره في الرواية المصرية " -، وكيف عبرت روايات يوسف السباعي وإحسان عبد القدوس ويوسف إدريس وفتحي غانم وخيري شلبي وبهاء طاهر وجميل عطية إبراهيم وجمال الغيطاني وإبراهيم عبد المجيد وغيرهم مما عبرت وتناولت الأحداث التي مرت بالبلاد خلال الفترة من بداية القرن العشرين وحتى ما قبل انتصارات أكتوبر 1973، والتي لم تحظ بما تستحقه من عناية كتاب الرواية بصفة خاصة، وهو ما سنحاول تناوله في هذه الدراسة، ولمذا تخطاها كتاب الرواية متجاوزينها إلي ما بعدها مركزين علي فترة الانفتاح الساداتية وتأثيراتها الاجتماعية السلبية فقط وسوف نركز بإذن الله علي الروايات التي تناولت الخمسة والعشرين عاما الأخيرة من القرن العشرين، حتى لو كان صدورها الروايات قبل أو بعد هذه الفترة.


Em:

shyehia@yahoo.com

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
 1 ـ الموسوعة العربية الميسرة المجلد الأول ص 84.
 2 ـ زمن الرواية. د. جابر عصفور. مكتبة الأسرة 1999
.