سعيد حجي ووظيفة الأدب المغربي

محمد زهير

 

1 ـ تقديم:
سعيد حجي (1912 ـ 1942) أحد مثقفي النهضة المغربية الحديثة. مثقف متنور داع إلى التجديد. دافق الحيوية مستوفز التطلع. حقق في عمره القصير ما رسخ حضوره الثقافي النهضوي في الثقافة المغربية الحديثة. أحد مؤسسي الصحافة الوطنية ومجددي الخطاب الثقافي المغربي الحديث. فقد ساند حركة التجديد الثقافي في مرحلته، وانخرط فيها بفاعلية ووعي، مساهما في الكتابة في الفكر الأدبي وغيره، وممارسا للعمل الصحفي الوطني بعصامية وصبر، في شروط إرغامات الاحتلال ومسؤوليات المثقف المسكون بفعل التطوير.

أصدر سعيد حجي خلال الثلاثينيات من القرن الماضي، "جريدة المغرب" وأشرف على إدارتها. وساهم في صحف ومجلات مغربية أخرى. وكان مشغولا بقضية النهضة الأدبية وأسئلتها في مرحلته. ومقالاته الأدبية تقع في صلب هذه القضية المركزية في تفكير وممارسة النخب الأدبية النهضوية آنذاك.

ولد سعيد حجي بمدينة سلا سنة 1912. سنة احتلال المغرب. فكان عمله لتحقيق ميلاد آخر في شرط مغاير، لم يدرك زمنه، لكنه ـ بكل تأكيد ـ كان ممن عملوا بإخلاص من أجله. فقد توفي وهو في ريعان شبابه سنة 1942 قبل أن يستقل بلده. توفي بعد عمل وعطاء ثقافيين جعلا منه إحدى العلامات الثقافية المضيئة في تاريخ المغرب الحديث.

ومقالته "وظيفة الأدب المغربي" التي نستحضرها الآن، تدل على منزعه وبؤرة انشغاله. فهو مستشعر بعنف ومدرك بقوة للآثار الصادمة لحركة التطور الغربي الجارف، الذي اخترق كل مجالات الحياة، عاصفا أو يكاد بما كان المجتمع المغربي مرتكنا إليه من قبل. ووعيه بما يجري طرح عليه سؤالا كبيرا مقلقا، عن علاقة الذات الجماعية المغربية بهذا التطور الجارف. وسؤاله في خضم التحولات الحديثة وتأثيراتها القوية، يستضمر خشية على هوية الذات الجماعية من أن يذيبها هذا التطور إن لم تجد من يحصنها ويوجهها إلى الكيفية الإيجابية للتعامل معه في المستقبل، لئلا تتكرس نواقص الحاضر ونقط ضعفه إن لم تتضاعف. يقول سعيد حجي: "ولعل الوقت آن لنفكر في هذا المستقبل ولنضع لتطوراته أسسا متينة ندعم بها مصيرنا ونبين بها عن شخصيتنا وبذلك نتلمس قوة وجودنا". وقبل ذلك لا بد من الإعلان الجريء عن مظاهر الاختلال والضعف في المجتمع. وهنا يرى حجي أن على الأدباء أن يتدخلوا للإعلان عن ذلك، حتى تنكشف الأدواء وتستنهض الإرادات محفزة بأقوى ما تحقق في ماضي الأمة، وبما يدل على أن لها تاريخا راسخا هو أساس هويتها. إن الأدباء يمهدون السبيل لغيرهم من النخب الحية في المجتمع "الأدباء هم دعائم التطورات الاجتماعية الصحيحة وعلى مجهوداتهم الأولى يرسم المصلحون والمفكرون والعلماء وكل العقول النيرة خططهم..".

هكذا حدد سعيد حجي وظيفة الأدب المغربي مرحلتئذ. وظيفة ريادية جماعية منشغلة بحال واقع الأمة، الذي يحتاج إلى كل طاقاته الحية ليتحرر ويتطور. وفي واقع إرغامات هذا الشرط لا يمتلك الأديب ذاته لذاته ولا استقلاله بنفسه لنفسه. فهو مرتهن للجماعة معبر عن صوتها ناطق بلسانها. فقيمة كلمته تقاس بميزان هذا الميثاق الذي يموضعه في صلب القضايا الأساسية للأمة.

نشرت مقالة "وظيفة الأدب المغربي" لسعيد حجي، بالملحق الثقافي لـ "جريدة المغرب" السنة الثانية، العدد الرابع، بتاريخ 28 أبريل سنة 1938. ونصها هو التالي: 

2 ـ نص مقالة "وظيفة الأدب المغربي":
"ليس هناك من ريب أن حياتنا تسير نحو تطور أو بالأحرى نحو انقلاب يعم بصورة تدريجية جميع مظاهرنا وليس هناك أي ريب في أننا بعد سنوات معدودة سنقبر حاضرنا في مستقبل مجهول فنصبح حينئذ نتساءل عن كثير من صور حاضرنا هذا فلا نجد لها من أثر. ليس في ذلك كله من ريب ولكن الريب هو جميعه في نقطة واحدة: أفترانا نتجه في تطوراتنا المقبلة وانقلاباتنا المنتظرة ونحن على بصيرة من الأمر يضع مفكرونا الخطط فتتبع فإذا انقلابنا أو تطورنا صدى يردد ما في أعماق النفس المغربية من حيوية برهنت عليها في تاريخنا الماضي؟

يظهر جليا لمن يلقي نظرة واحدة على مجتمعنا أنه سائر في تيار يجرفه فلا مصلح يكشف له مواقع الزلل ولا عقل نير يدفعه خطوة صحيحة نحو تطور منشود فكل ما هنالك أن الوسط المغربي يسير على غير هدى ويتتبع خطوات الغير دون أن يعلم من أمرها شيئا.

ولعل الوقت آن لنفكر في هذا المستقبل ولنضع لتطوراته أسسا متينة ندعم بها مصيرنا ونبين بها عن شخصيتنا وبذلك نتلمس قوة وجودنا.

ولكن قبل أن نتطلب هذا الحيز من التفكير في مستقبلنا يجب أن تدوي صيحة عالية تعلن في غير وجل أن حياتنا ينقصها كثير من عناصر القوة وأنها محفوفة بمظاهر يجب أن تحارب وأن الجمود يحول بينها وبين النور فتظل بذلك في ظلام دامس وتجد مكروبات التأخر معفنة تعشش في خلاياها وتحبس الدم فلا يسري في عروق الأمة لتنتعش ولتتقدم خطوة واحدة.

كل شيء يتوقف على تلك الصيحة فنحن لا نطمح في مرحلتنا الحاضرة أن تصبح أمتنا قادرة في أي ميدان من ميادين الحياة ولكننا نرغب في شيء واحد هو أن تقدر الأمة حالتها من التأخر والجمود وهناك يتناوب المفكرون ليشرحوا الأدوية الناجعة وتأخذ الأمة طريقها المأمون نحو التطور الصحيح واليقظة الحقة.

فمن يجرؤ على تلك الصيحة؟

لا يجرؤ على تلك الصيحة العلماء ولا المفكرون ولا المصلحون ولا الفنانون إنما يجرؤ عليها الأدباء.

الأدباء هم الذين يجرؤون على صيحة تردد أصوات الغابرين من أجدادنا وتفصح عن الآلام المنتعشة التي تدور في خلد المصلحين اليوم وترمز للمجهودات التي سيبنى عليها مصيرنا في المستقبل.

الأدباء هم دعائم التطورات الاجتماعية الصحيحة وعلى مجهوداتهم الأولى يرسم المصلحون والمفكرون والعلماء وكل العقول النيرة خططهم. ذلك لأن الأديب يتكلم من أعماق نفسه فلا يخاطب الأشباح ولكن يخاطب النفوس في أعماق أغوارها فينتزعها من خمولها المميت وينتشلها من حياتها الآسنة ليجعلها تعيش لحظة وقد تجردت من أدران التأخر وشوائب الجمود وهناك تجد أي جو من الحرية يعيش فيه العالم وأي جو تلزم نفسها بالحياة فيه وهناك لا غير نجد في الأمة من يردد دعوة المصلحين ويستمع لموعظة المفكرين.

تلك الصيحة هي مهمة الأديب المغربي، فلا يطمع الأدباء المغاربة أن يعيشوا لخيالهم وإنتاجهم كما يعيش الأدباء في أمم أخرى أخذت حظها من الرقي فكل مجهودات المغاربة يجب أن تتجه نحو الأمة فاستقلال الفرد لا وزن له ما دامت الأمة مستعبدة لجمودها، وتذوق الفرد لمظاهر الجمال في الحياة لا يستطاب وهو يرى الجهالة تحتل كل جزء من أمته حله أو ارتحل عنه.

تلك الصيحة هي مهمة الأديب المغربي فهل قدرها وهل استعد لها؟ ...".