يقدم الكاتب المغربي هنا تحليله لمسرحية الكاتب العراقي قاسم مطرود، وهو تحليل يعتمد تأويل المسرحية من داخلها، ولكن هذا التأويل يعزز في الوقت نفسه فاعلية النص الدرامي في السياق الذي ظهر فيه، وفي تعامله الخصوصي مع مأساة العراق المحتل.

انكسار الأحلام في النص الدرامي

"سيمفونية الموت والجسد" لقاسم مطرود

أحمد بلخيري

"هذه النصوص نتاج صراع مع الزمن الذي يحاول الانتصار". هذه الجملة وردت في الإهداء الخاص الذي خصني به الكاتب المسرحي العراقي قاسم مطرود. وكان قد بعث إلي مشكورا، من لندن، كتابه "سيمفونية الموت والجسد"(1) الذي يتضمن نصوصا درامية له. ألتقط في هذا الإهداء الخاص عبارة "الصراع مع الزمن" وكلمة "الانتصار". فهما قد يلخصان بعمق المشروع الدرامي لقاسم مطرود. ذلك أنه مشروع قائم على "الصراع مع الزمن". وهنا تكون الدراما والمسرح مرتبطين بالواقع من أجل إعادة تركيبه دراميا ومسرحيا، حسب زاوية النظر إليه في النص الدرامي. لكن هذا المشروع لا يقتصر على هذا، ولكنه يحدد الهدف، الهدف من الكتابة، وهو الانتصار. هذاعلما بأن كلمة الانتصار تنطوي في ذاتها على وجود معركة. معركة وانتصار ضد الاستبداد والاحتلال، احتلال العراق. وعليه، فإن المعركة والانتصار بهذا المعنى يكونان خارج الدراما والمسرح. لكن طرفي المعركة، أي الصراع، في كتابته الدرامية، لاسيما في النص الدرامي "سيمفونية الموت والجسد"، هما الواقع والحلم. الواقع الكائن والحلم الممكن.

هذه الثنائية الأخيرة حاضرة بقوة في النص الدرامي "سيمفونية الموت والجسد". ففي عالم درامي يشكل الإحباط موضوعته الرئيسية، توجد شخصية درامية تعتبر قطب الرحى في الأفعال الدرامية هي شخصية الرجل.. إنها هي الشخصية الرئيسية أو المركزية، لذلك كانت كل الحوارات الدرامية مرتبطة بها، إما باعتبارها شخصية فاعلة ومشاركة في الحوار الدرامي، وإما باعتبارها موضوعا لحوار الآخرين أي الشخصيات الدرامية الأخرى.

قبل تتبع المسار الدرامي لهذه الشخصية وتقاطعاتها مع باقي الشخصيات الدرامية، تجدر الإشارة إلى أن المؤلف حدد العناصر الأساسية للسينوغرافيا تحت عنوان "تنويه"، الذي جاء باعتباره عتبة لولوج عالم النص الدرامي. في هذه العتبة الافتتاحية نجد مايلي: "ومن الخيال والتعرف على الشخصيات والمكان الذي يعتبر البطل الأساس في العرض وبعض الإكسسوارات يمكننا تشكيل قمم الجبال وسفوحها، وأرصفة الشوارع المزدحمة بالمارة الذين يجرون خلفهم جثثهم داخل المسافة المتخفية بالصوت والصورة التي حددها العرض ليعلنوا عن وحشة ردهات الإنعاش وصالات العمليات ومراسم الدفن ورتابة التأبين ذلك الذي يلف خشبة المسرح والجمهور.

ومن الإحساس بالموت والبحث عن المستقر الأخير نجانس الرقص بالطقوس والحلم بما هو آت كسحابة أبدية"(2). إن "المارة الذين يجرون خلفهم جثثهم"، و "ردهات الإنعاش"، و "صالات العمليات"، و "مراسم الدفن"، و "رتابة التأبين"، و "الإحساس بالموت" هي عبارات تحيل كلها على الجو الجنائزي. والمفترض أن ما تم التعبير عنه هنا بالألفاظ الخاصة بهذه الإرشادات المسرحية، سيتم التعبير عنه، حين إنجاز العرض المسرحي، بواسطة السينوغرافيا من قبل المخرج المسرحي. لذلك فإن هذه العبارات الممهدة للأفعال الدرامية تخلق إطارا دلاليا عاما حزينا. يزيد من هذا الحزن "صوت اللهاث" المنبعث من "وسط الظلام".

بعد رسم هذه الملامح الأساسية، المعبرة والدالة، من قبل المؤلف الدرامي بواسطة الألفاظ، تظهر أول شخصية درامية. إنها شخصية الرجل. ومثلما كان هو أول شخصية درامية من حيث الظهور على خشبة المسرح، فقد كان كذلك آخر شخصية توجهت إليها الزوجة بالخطاب بعد أن جلس مع الجمهور وقد سلط عليه ضوء خافت. وهو واحد من شخصيات لا تحمل كلها أسماء معينة. ذلك أنه تم تقديمها في لائحة الشخصيات وكذلك في الحوارات إما باعتبار جنسها (الرجل ـ المرأة)، أو باعتبار عمرها (الصبي ـ العجوز)، أو باعتبار مهنتها (رجل التأمين ـ ساعي البريد ـ الطبيب)، أو باعتبار علاقتها (الزوجة)، أو باعتبار هوايتها (الرسم). هذه الاعتبارات كان لها دور في رسم الإطار الدلالي العام للنص الدرامي وفي تحديد علاقات باقي الشخصيات بشخصية الرجل. إذ ليست علاقة الطبيب بالرجل هي نفسها علاقة الرسام، أو رجل التأمين، أو الزوجة به. وهنا تتمايز مفردات اللغة الدرامية الخاصة بكل شخصية درامية على حدة، لتمنح لكل شخصية فرادتها(3).

في العتبة المشار إليها سابقا، هناك مارة يجرون خلفهم جثثهم. يكون هذا في الكواليس. لكن على الخشبة ستظهر شخصية واحدة تجر جثة، سيتبين من خلال المسار الدرامي أن هذه الجثة هي للرجل الذي يدفعها. إذن يتعلق الأمر برجل يدفع جثته. وقد تزامن ظهور الرجل الذي يدفع جثته الموضوعة على عربة بحركة إعادة إطلاق اللهاث من لدن باقي الشخصيات. وقد كان الرجل يبحث عن مكان لدفن جثته. وهي مفارقة شديدة الدلالة والإيحاء، كما أنها خارج نطاق المعقول. ذلك أن الرجل الذي يدفع جثته هو إنسان حي، أما الجثة فهي تنتمي إلى عالم الأموات أو المفترض أنها كذلك. وعلى هذا الأساس، هناك ثنائية أساسية في النص الدرامي، إنها ثنائية الحياة والموت. لكن الموت وأجواءه هو الذي يهيمن. ولذلك، فهو الذي يشكل الموضوعة الرئيسية للنص الدرامي. وعليه، ليس اعتباطيا أن يشتمل العنوان على كلمة الموت، موت الجسد. لكن هل يتعلق الأمر بموت الجسد أم بموت الأحلام؟ أحلام الرجل. إن المصرح به في النص الدرامي، وكذلك في العنوان، هو موت الجسد. لكن الجسد هنا قد يتجاوز الدلالة التعيينية المباشرة إلى الدلالة الإيحائية غير المباشرة، وهي تتعلق تحديدا بالأحلام. وإذا صح هذا الانتقال من الدلالة التعيينية إلى الدلالة الإيحائية في تحديد المراد من الجسد، وهناك أدلة نصية تؤكده، فإن الأمر لا يتعلق بموت جسد، وإنما بموت أحلام. إذ كيف يمكن أن يفاوض إنسان حي، جسدا وروحا، على كيفية دفن جسده الميت، إن لم يكن للجسد معنى آخر غير المعنى المباشر.

من خلال عدد من مفردات الحوار الدرامي، يتبين أن هذا الرجل كان كبير الأحلام. لكن هذه الأحلام لم تتحقق. لذلك، ليس صدفة أن يبدأ وهنه من الرأس، حيث موقع الفكر والأحلام من الجسد دون بقية الأطراف الجسدية الأخرى. هذه الأحلام "تدحرجت من القمم وانسابت مع مياه المنحدرات". والقمم ومياه المنحدرات استعملتا استعمالا استعاريا،. استعمالهما، في هذا السياق، انتقال من الأعلى إلى الأسفل مع ما يعنيه ذلك من انحدار وإحباط. هذا الإحباط هو الذي جعل الرجل يرغب في التخلص من أحلامه، وبالتالي الاستسلام. هذا الاستعمال الاستعاري (من الاستعارة) يفتح أفقا للتأويل مثلما تفتحه كلمة المطر. إذ بالرغم من عدم وجود المطر في قمة الجبل تصر المرأة على انهماره، بل وتفتح مظلتها تأكيدا لقولها. تعزز أفق التأويل أيضا إيحاءات الأعلام الموضوعة على أطراف الجثة في المشهد الأول غير محددة الهوية في النص الدرامي، وخياطة جميع الشخصيات "لقطعة قماش واحدة وكأنها تخيط كفنا كبيرا كفيلا بدفن العالم"(4)، وكذلك الشلال الذي حذر الرجل الصبي من أن يخطفه.

إن هذا الكلام الأخير يقدم إشارة هامة، تلقي ضوءا على مسار الأفعال الدرامية التي أعقبته. ومن خلاله يمكن الانتقال من الدلالة الخصوصية والفردية للكفن إلى الدلالة العامة. وبهذا تصير شخصية الرجل رمزا، يتجاوز الدلالة الخاصة والفردية. فهو ليس الوحيد الذي يجر خلفه جثته، ففي المشهد الأول كان المارة يجرون خلفهم جثثهم. وبناء على هذا يكتسب الرجل دلالة جماعية وليست فردية. لذلك عد هنا رمزا لمعاناة جماعية. كما يوحي كبر الأدوات الطبية، مقص كبير، كبسولة، إبرة، أو أية دلالة طبية أخرى، بحجم المعاناة والمأساة. ولصوت إغلاق الباب بقوة وعنف، بعد سؤال الطبيب الرجل فيما إذا كان هذا الأخير يود التعرف على إنجازات الرؤساء الأمريكيين المذكورين في النص الدرامي، دلالة عميقة. هؤلاء الرؤساء الأمريكيون هم حصرا بوش الابن وكلنتون وبوش الأب(5). زاد من عمق الدلالة هنا قول الزوجة:

ـ "الزوجة": بهدوء وكأنها تتحدث عن شخص آخر "حقا إنك أفحمته"(6). لم يكن الإفحام باللغة ولكن بحركة وصوت، صوت إغلاق الباب بعنف. وهذا مثال على تضافر عناصر اللغة الدرامية وتكاملها في إبلاغ المعنى. وكانت الشخصيات قد أفصحت عن مكنونها بضحكها العالي وسؤالها الطبيب إن كان الأمر يتعلق بمزاح، حينما وجه سؤاله إلى الرجل إن كان يعرف من هو الرئيس الأمريكي اليوم. عبرت هذه الشخصيات عن موقفها من الرؤساء الأمريكيين المذكورين بالضحك، الذي لا يدل هنا على الفرح، إذ للسياق دوره في تحديد المعنى، وبكلمة المزاح.

تساعد إذن الاستعارة اللغوية المعنية المتضمنة في الحوار الدرامي (القمم والمنحدرات)، وبعض الإيحاءات التي تتضمنها الإرشادات المسرحية، وقد اعتنى بها المؤلف، في إضاءة محتوى وأبعاد الأفعال الدرامية.

تشكل شخصية الرجل، وهو في الأربعين من العمر، بؤرة النص الدرامي، فهي نقطة الارتكاز فيه. لذا نسجت معها باقي الشخصيات الدرامية علاقة ما. هذه العلاقة تحددها تطلعات ورغبات كل شخصية على حدة، انعكست كلها على الحوار الدرامي الخاص بكل شخصية درامية في النص الدرامي. فعلاقة الزوجة مثلا بالرجل ليست هي علاقة رجل التأمين به. فإذا كانت العلاقة الأولى تتميز بالرباط الوجداني والحميمية، فإن العلاقة الثانية طغى عليها منطق البيع والشراء. أما علاقة العجوز بالرجل فتتميز بالتعاطف والنصح. نصح ناتج عن حكمة وخبرة السنين. وإذا كنت شخصية المرأة تتميز بالغنج والإغراء، فإنها استعملتهما فقط كي تساعده من أجل التحرر من جثته أي من أحلامه. وهناك شخصيتان أخريان تودان كذلك علاج الرجل، لذلك أمسكت كل منهما بأداة طبية. هاتان الشخصيان هما الطبيب، وللمهنة دور في رسم الشخصية، والزوجة. لكن الزوجة هي التي حددت مرضه بدقة. وهي التي حددت الأبعاد الحقيقية لشخصية الرجل. إذ بينت، من خلال الحوار الدرامي، طبيعة مرضه. لذلك سعت إلى علاجه من الأحلام. ولذلك فإن "طبها" معنوي نفسي وليس طبا جسديا.

والعلاج من الأحلام يعني الاستيقاظ من النوم. وهنا تساوي الأحلام النوم، أما الاستيقاظ فيساوي الحقيقة الواقعية. بناء على هذا، ليس المرض مرضا جسديا، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، ولكنه "مرض معنوي". لهذا اقترحت الزوجة على الرجل علاجا يتمثل في التدوين والكتابة. الكتابة بوصفها علاجا. وقد ساهمت شخصية الصبي في تسليط الضوء على ماضي الرجل، الماضي الذي لا يشبه الحاضر. فقد كانت له في طفولته لعب، وكان في شبابه وسيما. أما الآن فهو يشكو من "عذاب الرأس"(7). لذلك خاطبه الصبي بقوله: "كم كنت وسيما إنك أبكيت النساء والآن يبكيك الألم". كان البكاء من نصيب النساء في الماضي لوسامته،أما الآن فالبكاء من نصيبه بسبب عذاب الرأس والأحلام. كما كان أيضا "مفعما بالحياة، وفجأة اختفى كل شيء"(8)، حسب قول المرأة في الاستدلال الأول.

وهو بالإضافة إلى كونه حالما، يتمتع، حسب مفردات من الحوار الدرامي، بقلب ناصع البياض ولا يعرف الشر طريقا له. لكنه يمتلك معرفة ووعيا سياسيين. يكشف عن هذه المعرفة معرفته بأسماء كل رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية طيلة تاريخها. أما الوعي، المتعلق بالحاضر وليس بالتاريخ، فيبرزه الموقف الذي عبر عنه بطريقته عن إنجازات بوش الأب وكلنتون وبوش الابن. فبعد أوامر حركية، يبدو من خلال السياق الدرامي أنها تتعلق بفحص طبي، صادرة من الطبيب إلى الرجل، وجه الأول للثاني سؤالا غير طبي، ولكن له مضمون سياسي. وفحوى هذا السؤال يتعلق بإنجازات الرؤساء الأمريكيين الثلاثة "في خدمة الإنسانية" حسب قول الطبيب. وهو سؤال زاد في الكشف عن عمق شخصية الرجل، كما كشف عن موقفه. وقد تم التعبير عنه بطريقة غير لفظية، تتمثل في صوت إغلاق الباب بعنف. لذا فإن هذا الصوت جواب عن سؤال الطبيب. ويبدو أن المراد من عبارة "في خدمة الإنسانية"، في السياق الدرامي الذي ورت فيه، ليس هو إبراز رأي الطبيب، إن كان هذا هو رأيه، ولكن المراد هو الكشف عن موقف الرجل بالذات.. إنه هو الشخصية المركزية والمحورية ذات الأطروحة في النص الدرامي. لذلك يمكن اعتبار السؤال استدراجا لمعرفة والكشف عن هذا الموقف. من خلال هذا الموقف وحركة إغلاق الباب العنيفة والقوية، يتبين أيضا أن الرؤساء الأمريكيين الثلاثة المذكورين، بسبب أفعالهم في العراق، سبب من أسباب حزن ومعاناة الرجل. لذلك كانت تلك الأسماء مؤشرا أيقظ ذكرها في الرجل حزنا دفينا، وكشف عن جرح عميق. أبان عنهما صوت إغلاق الباب بعنف وقوة.

إن هذا الأخير يجر جثته لأنه نقي، كما يقدمه النص الدرامي، في عالم مدنس، عالم العبث. ومن علامات هذا الأخير أن يجر الإنسان الحي جثته. لكنه ليس عالما عبثيا على غرار مسرح العبث الغربي حيث الفراغ الروحي، بل إنه عالم عبثي مفعم بالإيمان الديني لأنه قائم على ثنائية الحياة الدنيا والحياة الأخرى. وعليه، فإن العبث محصور في الحياة الدنيا فقط. كما أن هذا العالم مفعم، رغم شراسته وسوداويته، بالأمل. الإيمان والأمل يتجسدان معا في المشهد الأخير من النص الدرامي، حيث ارتدت الزوجة ثيابا بيضاء، وقد سلطت عليها وعلى الجثة بقعتان ضوئيتان لتبئيرهما، ثم قالت: "اتشح ياحبيبي بالبياض إنه النقاء وأنت هو، سأرتدي كفني لأصلي ليل نهار عسى أن يستجاب دعائي وتعود إلي روحا وجسدا"(9).

لقد قدمت الزوجة تفسيرا للون البياض، وهو النقاء. نقاء الرجل الذي لو يتمكن من تحقيق أحلامه. لكن لنلاحظ أنه لم يمت في النهاية، ولكنه بقي، في المشهد الأخير، جالسا، ليس على الركح، ولكن مع الجمهور. لقد كان يحلم من أجل علاج الناس الذين اعتبرهم مرضى، ومرضهم يختلف عن مرضهم. إنه مريض بالأحلام، ومرضهم يتعلق بقلة الوعي وعدم إدراك المحيط الذي يعيشون فيه. لذلك يود أن يناقشهم في مكان عام. في هذه الحالة يعتبر هو سويا، صحيحا، أي غير مريض.. أما هم فليسوا كذلك. الصحة والمرض هنا يتعلقان بالوعي وعدم الوعي بالمحيط. في هذه الحالة، يكون العلاج صادرا منه إليهم. ومادامت أداة العلاج عنده هي النقاش في مكان عمومي، فهذا يؤكد على أن مرضهم ليس مرضا عضويا، وليس من نوعية مرضه. مرضه كما تتصوره باقي شخصيات النص الدرامي وخاصة الزوجة التي حددت مرضه بكونه متعلقا بالأحلام، أحلامه. الأحلام التي تتأسس على أنقاض الواقع وتتجاوزه في الآن ذاته. ورغم انكسار هذه الأحلام بقي في الأخير جالسا مع الجمهور أي مع الناس. فهل هناك أمل في شفائهم؟إن الجلوس مع الجمهور يوحي بذلك.

لقد جرت الأفعال أو الأحداث الدرامية في الاستدلال الأول في قمة الجبل. واختيار هذا الفضاء كان من أجل دفع الرجل لكي يتخلص من جتثه عن طريق إلقائها من القمة إلى الأسفل. لكنه أصر على المحافظة على جثته. ومثلما صارت جثته عبئا عليه، غدت كذلك أحلامه، وقد كانت سابقا زاده ودواءه، عبئا عليه. عبء ينوء بحمله الآن. لذلك يمكن التماهي بينهما، بين الجثة والحلم. وبناء على هذا التفسير صارت الأحلام جثة. إن العنوان يشير إلى "سيمفونية الموت والجسد"، أما النص فركز على الجسد/ الجثة وكذلك على الأحلام، انكسار الأحلام، أي موتها. وبهذا المعنى، يكون هناك تناغم بين الموت والأحلام أي سيمفونية الموت والأحلام.

وبالنظر إلى المعنى الرمزي للجثة، جثة الأحلام، فقد كانت هناك عناية بها من قبل صاحبها:الرجل، الذي لم يرد التخلص منها رغم الدعوات والمحاولات المتكررة من قبل الشخصيات الدرامية الأخرى. تكتسب هذه الجثة معناها من داخل المحيط الدرامي النصي. وخلافا لجثة يونسكو في مسرحية "أميدييه" التي تثير الرعب، حسب مارتن إسلان، فإن جثة الرجل في "سيمفونية الموت والجسد" تدعو إلى التأمل في سبب أو أسباب عدم تحقق الأحلام. ففي مسرحية يونسكو "أميديه" "ينتاب الزوجين الرعب لأنه في الغرفة المجاورة توجد جثة، لعلها جثة عشيق الزوجة الذي قتله الزوج، وتبدأ تلك الجثة تنمو باضطراد... لاشك بأن القول بجثة تنمو هو تصور عبثي، إلا أنه يبث الرعب. إنها تصبح من الضخامة بحيث أن القدم الهائلة الحجم تكسر الباب في آخر الأمر وبينما يزداد نموها دون توقف تأخذ بدفع الزوجين خارج المنزل... إنه كابوس فعلي ولكنه أيضا صورة قوية إذا أطلنا التأمل فيها تكتسب معنى"(10).

كذلك، تكتسب الجثة في النص الدرامي "سيمفونية الموت والجسد" لقاسم مطرود معنى. هذا المعنى لا يثير الرعب، وإنما يدعو إلى التأمل في سبب أو أسباب الإخفاق، و "عذاب الرأس"، والإحباط، والاختفاء المفاجئ، وانكسار الأحلام. إن حاضر الرجل/الرمز ليس مماثلا لماضيه. ذلك أن ماضيه أفضل من حاضره الآن، حسب الكيفية التي قدمه بها النص الدرامي موضوع التحليل. بقيت الإشارة إلى أن النص الدرامي "سيمفونية الموت والجسد" للكاتب المسرحي العراقي قاسم مطرود كتب سنة 2005، ونشر سنة 2007. والزمنان معا أعقبا احتلال العراق الذي كان في ابريل سنة 2003. يسمح الزمنان الخارجيان المذكوران بتطعيم وتعزيز هذه القراءة الداخلية للنص الدرامي المذكور بتفسير خارجي. أما هنا فقمت فقط بقراءة داخلية له. التفسير الخارجي لا يخرج عن نطاق وضعية العراق المحتل اليوم. العراق مهد الكتابة ورمز الثقافة والحضارة رغم كيد الكائدين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ـ قاسم مطرود. سيمفونية الموت والجسد. منشورات اتحاد الكتاب العرب. دمشق. سوريا. 2007.
(2) ـ نفسه. ص/ 010
(3) ـ نفسه. ص/ 34.
(4) ـ نفسه. ص/ 11.
(5) ـ نشر صبري حافظ دراسة عنوانها "المسرح الإنجليزي وغزو العراق". توقف فيها على الخصوص على عمل مارك ريفنهيل Mark Ravenhill المسرحي "اضرب/ اقتنص الكنز/ كرر العملية" "Shoot/ Get Treasure/ Repeat" بعد الإشارة إلى السياق العام الداعي إلى هذا الإبداع المسرحي. نشرت الدراسة بمجلة "الكلمة" (إلكترونية) التي يشرف عليها كاتب الدراسة نفسه. السنة الثانية. العدد 17. مايو 2008.
(6) ـ سيمفونية الموت والجسد. ص/20.
(7) ـ نفسه. ص/ 43.
(8) ـ نفسه. ص/ 44.
(9) ـ نفسه. ص/ 50.
(10) ـ نفسه. ص/ 10. ـ مارتن إسلن. تشريح الدراما. دار الشروق للنشر والتوزيع. عمان. الأردن. ط/ 1. 1987. ص/ ص 75/76. ترجمة أسامة منزلجي.