ينبه الشاعر والناقد المسرحي لخطورة ماحدث في مهرجان الهيئة العربية للمسرح مؤخرا حين عيّن سنة 1905 كبداية للمسرح المصري. فهذا الاعتبار التأريخي تبسيطي، غير معرفي، وقائم على أحكام مسبقة يحرّف التجربة المسرحية في مصر، ولا يخلو من سوء نية، لإقصاء جهد الفنانين وسيرة الجمهور في تشعبات الفعل المسرحي.

في مهرجان الهيئة العربية

دماء على تاريخ المسرح المصري!

جرجس شكري

 

ماحدث في مهرجان الهيئة العربية للمسرح الذي أقيم في القاهرة وبالتحديد في الندوة التي حملت عنوان «نقد التجربة -همزة وصل» المسرح المصري في نصف قرن (1905-1952) يدعو إلى الشك والريبة، بالطبع ليس لأنه يناقش المسرح في تلك الفترة، بل لأن هناك تصميماً لا يخلو من سوء نية على أن المسرح المصري بدأ عام 1905 مع تأسيس الشيخ سلامة حجازي لفرقته بعد انفصاله عن القرداحي، وماقبل ذلك أطلق عليه منسق هذه الندوات «المسرح في مصر» وليس «المسرح المصري»، والمبرر أنه كان، أي المسرح، بإيدٍ غير مصرية قبل ذلك التاريخ!

لا أعرف كيف مرت هذه الجريمة وانساق خلفه أعضاء اللجنة التي أعدت للندوة، وأيضاً الذين شاركوا حيث ترددت في معظم الأوراق هذه العبارة المريبة والتي نضع أمامها علامة استفهام كبيرة «بدأ المسرح المصري عام 1905عندما كون الشيخ سلامة حجازي فرقته المسرحية بوصفها أول فرقة مسرحية يرأسها فنان مصري» هذا هو الشرط الساذج والمريب الذي جاء كشعار لهذه الندوة حتى يكون المسرح مصرياً، ووفقاً لهذه النظرية وحتى يولد المسرح في بلد ما لابد أن يكون صاحب الفرقة يحمل جنسية هذا البلد، أما العناصر الأخرى التي تمثل جوهر العملية المسرحية فلا قيمة لها، وبعيداً عن هذا الخطأ الفادح الذي يسئ إلى العملية المسرحية بشكل عام، فالمعلومة التي أطلقها د.سيد علي إسماعيل وهو منسق عام هذه الندوة في إحدي كتبه غير دقيقة أو على الأقل تحتاج إلى مراجعة، ناهيك عن أن هذه الفكرة تدعم العنصرية والطائفية أيضاً، فحين يتم استبعاد عدد كبير ممن ساهموا في تأسيس المسرح المصري فقط لأنهم من الشوام، بل وتترد جملة لم أقرأها في كتاب سوى في أبحاثه وكتبه «منيرة المهدية التي شاركت مع فرقة سلامة حجازي كانت أول سيدة مصرية مسلمة تقف علي خشبة المسرح في القرن العشرين» وترددت في عدد من أبحاث هذه الندوة والمرجع د. سيد علي إسماعيل ، فكيف يتم تصنيف المسرحيين دينياً وعرقياً بين المسيحي والمسلم واليهودي واللبناني والسوري... وهكذا؟

وحتى لو تجاوزنا عن هذه النظرية المريبة التي تنزع عن تلك الحقبة -النصف الثاني من القرن التاسع عشر- مصدر قوته وأسباب ازدهاره وهي الانفتاح على الثقافة الإنسانية والتعايش مع الآخر، المعلومة التي انطلق من خلالها منسق الندوة وجاءت كشعار لها معلومة غير دقيقة، فعلى سبيل المثال قدم عبدالله النديم في الإسكندرية مسرحاً من خلال الجمعية الخيرية الإسلامية عام 1879 التي كتب لها العديد من المسرحيات ومنها مسرحيات «الوطن، مصر، النعمان» والأخيرة عرفت أحيانا باسم «العرب» وكلها أعمال وطنية، كانت الجمعية تعمل تحت رعاية الخديوي توفيق وكان رياض باشا يمنحها كل عام مائتي جنيه، وذلك قبل أن يتعرف النديم على عرابي والعرابيين. ووفقا لما جاء في سلافة النديم يصف فن التمثيل قائلاً: «تمثيل الأحوال والوقائع بالتايتر فن بديع يقوم على التهذيب وتوسيع أفكار الأمم وأخبارهم عن الواقع التاريخية والتخيلات الأدبية مقام أستاذ وقف أمام تلاميذه يلقنهم العلم بما تألفه نفوسهم وتميل إليه طباعهم وكان ذلك شائعاً ذائعاً بين العرب والمصريين منذ زمن بعيد...» ويستطرد حتى يذكر كيف تطور هذا الفن في الغرب، وقد أخذه الآن بصورته الأخيرة جماعة من الشرقيين ويذكر الجوق الشرقي المكون من المجيد الماهر الشيخ سلامة حجازي، ومعه المحسن أحمد أفندي أبو العدل، والمتقن حسين أفندي الإنبابي حتى يصل إلى المحسن إسكندري أفندي فرح. وعبدالله النديم على سبيل المثال، حتى لو كان قدم مسرحه في المدارس ألم يكن مصرياً؟ بالإضافة إلى ما ذكره محمد يوسف نجم في كتابه «المسرحية في الأدب العربي» عن عشرات الفرق المسرحية التي عملت في جميع أنحاء مصر في نهاية النصف الثاني من القرن التاسع عشر في أسيوط وطنطا والإسكندرية والقاهرة فهل كانت كل هذه الفرق أجنبية يعمل فيها الأجانب فقط؟ أما يعقوب صنوع الذي قدم مسرحه مابين عامي (1870 و1872) فلم يتم ذكره في هذه الندوة، لأسباب عديدة لأن صاحب القرار الذي حدد بدء تاريخ المسرح المصري منذ عام 1905، خصص كتاباً كاملاً ليثبت فيه أن يعقوب صنوع لم يعمل بالمسرح من الأصل وأن كل ماكتبه المؤرخون والنقاد عنه باطل، حيث عاد إلى صحف تلك الفترة ليثبت أن يعقوب صنوع كذب في مذكراته، وطالبنا بأن نصدقه ونكذب محمد يوسف نجم وأنور لوقا ولويس وعوض وكل من كتبوا عن صنوع! وبالطبع علينا أن نحذف أيضاً كتابات د. علي الراعي عن المسرح في الوطن العربي حين قال «ثم مضي صنوع من بعد يضع المسرحيات ويدرب عليها الممثلين حتى وصل عددها إلي اثنتين وثلاثين أغلبها تصوير للواقع الإجتماعي الذي كانت تعيشه مصر علي أيامه وانتقاد لمظاهر التخلف والظلم الاجتماعي»، فقط علينا أن نقتنع أن المسرح المصري يبدأ عام 1905 كما حددوا له في مهرجان الهيئة العربية للمسرح، ويجب أن ننسى إسماعيل عاصم، وعبدالله النديم، وعثمان جلال وعلى رأس الجميع يعقوب صنوع، ونبدأ كما حدد لنا المنسق العام لندوة همزة الوصل الإمارتية على أرض مصر منذ عام 1905.

بالإضافة إلى عدم دقة المعلومة وسوء النية التي تتأكد لقارئ هذه الأبحاث من خلال موضوع الندوة واقحام الجملة سالفة الذكر والتي لا يمكن أن نقرأها دون أن تطل النية السيئة من بين حروفها يبدأ المسرح المصري عام 1905...» في معظم الأبحاث وصمت أعضاء اللجنة وهم أساتذة كبار أسألهم ومعهم المنسق العام، الذي من المفترض أنه يعمل كمؤرخ مسرحي له صولات وجولات في هذا المجال! أسألهم هل تحولت الظاهرة المسرحية إلى إجراء روتيني ضمن أعمال السجل المدني تشمل فقط خانة الجنسية والديانة؟ فالمسرح بوصفه نشاطاً إنتاجياً جماعياً جدلياً تتحول فيه الممارسة الإبداعية إلى ممارسة اجتماعية عبر الإرسال والتلقي، ووفقاً لجوليان هيلتون العرض المسرحي الحي يوجد «أي يتّولد» في سياق الحياة اليومية للمرسل والمتلقي» ما أقصده أن البيئة/ رحم العملية المسرحية لها الدور الأكبر، فما تم من إنتاج مسرحي على أرض مصر منذ يعقوب صنوع ومروراً بعشرات التجارب بعد ذلك عروض شارك فيها الممثل والجمهور والمكان بكل عناصره، فالأمر دون شك يتجاوز إجراءات السجل المدني التي حاول أن يفرضها مهرجان الهيئة العربية للمسرح! وإلا سوف نمحو تاريخ السينما المصرية، وأيضاً الصحافة، ونحذف نجيب الريحاني الذي من أصول عراقية من تاريخ المسرح المصري، ومعه بديعة مصابني، وجورج أبيض وطابور طويل من الفنانين وبالطبع لن ننسي نحذف بيرم التونسي، ويحيي حقي، وفؤاد حداد، وغيرهم ممن تمتد جذورهم خارج مصر.

وفي النهاية لست في هذه السطور بصدد تفنيد ماجاء في الأبحاث أو التعرض إلى تاريخ المسرح المصري في أكثر من قرن ونصف فهذا يحتاج إلى حديث آخر، ولكن حاولت هنا التنبيه إلى خطورة ما حدث وأنه تم الاعتداء على تاريخ المسرح المصري في مهرجان عربي لكن بأيد مصرية وتحت سمع وبصر الجميع، حتى قال أحد الأساتذة الكبار في افتتاح الندوة «ومع احترامي وتقديري لكل ما جاء من نقد وتحليل، فلا يزال التاريخ غيرُ صاف تماماً من الشوائب، ومغلوطات، جاء اليوم لتصحيحها وترميمها، وفي موضوعات بحثية جديدة تعلنها الهيئة العربية للمسرح»، ورغم أنني لم أكن هناك إلا أنني تخيلتهم وقد صفقوا وابتسموا واستحسنوا وتمايلوا وهزوا روؤسهم استحساناً. فهل وصلنا إلي هذه المرحلة من التراجع حتى ينتظر المسرح المصري بكل تاريخه الحافل الهيئة التي أنشئت بالأمس القريب حتى تصححه وترممه!!

فقط، أقول لفريق الأساتذة أعضاء اللجنة، والذي التزم بعضهم الصمت التام حيال هذه الجريمة، ومشكوراً اعترض البعض الآخر داخل القاعات أن تاريخ المسرح المصري أكبر من ندوة أقيمت في فندق خمسة نجوم مقابل بضعة دولارات لكل مشارك، وأن تاريخ المسرح المصري سيظل كما هو ليس فقط لأن هناك عشرات الكتاب الكبار من المصريين والعرب والأجانب تناولوا هذا التاريخ بدقة وبنية خالصة، بل أيضاً لأن هذا التاريخ جزء من وجدان هذه الأمة. ودون شك لابد أن يتجاوز الاعتراض مواقع التواصل الإجتماعي التي كانت مسرحاً في الأيام السابقة لما دار في هذه الندوة إلى رد رسمي من المؤسسة الثقافية المصرية لأن الأمر يتعلق بتاريخ المسرح المصري، الذي حاولوا أن يحذفوا منه بضعة عقود بسكين بارد ... أليس كذلك؟