يروي الكاتب المغربي بضمير المتكلم مشاعر ورؤية شاب يعشق القراءة وينعزل عن المحيط في العمل وفي مكان سكنه، لا بل يرى البشر بأشكال بلهاء غريبة يشعر نحوها ببعد وأغتراب، ويعيش مع شخصيات الروايات والكتب، ومع أثار من أستعار قبله الروايات من المكتبة، فيتخيل أشكال الشخوص والنساء من الخطوط ويحاول ان يتصل بأرقام تلفونات وجدها في ثنايا الصفحات في عملية أستكمال تحّكم الخيال والأوهام بعالمه.

عتبة

أيمن قشوشي

 

كنت أقلب صفحات الرواية قبل أن أقرأها، عادة سيئة لا أستطيع التخلص منها. أفتحها وأعد صفحاتها، أتحسس أوراقها بين أصابعي. أمرر أطراف أناملي على الورق أتشرب الحروف وأغير بصماتي بها ومعها.

كانت الرواية الكتاب الرابع المسموح بأخذه. كان مغلفا وعتيقا، أوراقه رثة تنبعث منها رائحة الموت وأنا أمارس طقسي الهجين عثرت على رقم هاتف يتكرر في عدد من الصفحات. سبق وأن وجدت رسائل جميلة وورودا ذابلة في عدد من الكتب. لكن هذا الرقم كان جميلا مكتوبا بقلم رصاص به بقايا ألم مع قلب رسمت داخله كلمة "أحب". كان منحوتا بدقة، خطوطه حادة وجريئة.

لست قارئا من الفطاحل، لكن الكتب كانت بديلا فرضته أجرتي الهزيلة. لا أملك تلفازا ، ولا حاسوبا حتى الجرائد كنت أقرأها في الدوام اليومي. كنت مدمن روايات، فالشعر حاجب الآلهة والقصة القصيرة للمعطوبين والعميان والجرذان المتسخة التي تسقط كل ساعة في المجاري السوداء، أما الرواية فهي جنس الخالدين وأنا واحد منهم.

كنت مستخدما بسيطا. أسعل باستمرار وألبس نفس الملابس الصوفية في كل الفصول. أعرف كل شيء من غرفتي ومن على كرسيي بالمكتب. كنت أعلم أن الأرض لا تتوقف عن الدوران كأفكاري التي تحلق أمامي. وصلت بتجردي الى احتقار الأسماء والأهواء. كنت أزداد معرفة مع كل شعاع شمس يصلني من النافذة هو وما ليسه فأرتقي معه درجات لأنظر اليهم وهم يزدادون انخسافا، وهم يتشوهون أكثر، يتوحشون، تنمو لهم أنياب ويغزو الشعر جنوبهم وظهورهم وتتقلص رؤوسهم لتصبح بحجم كرات البلياردو. لم أخبر أحدا بمقر سكني كأني ما كنت يوما أو كنت أبدا.

كنت باهتا، أمتلئ حين تمطر فتشع ملامحي وتبرق خصلات شعري وأرقد صيفا أراقب تناكح الذباب وضجيج الأطفال . كانت مالكة البناية تنصحني بأن أزور طبيبا أو فقيها أو أن أتحدث الى أحد برامج الراديو التي تكاثرت هذه الأيام وأصبحت متخصصة في تشميع متنفسات العقل. لست مريضا، أشتغل بتفان ولم أتأخر يوما عن العمل. أخرج باكرا وأمشي بسرعة أنفث الضباب وألاحقه. لا أنتبه للمارين والمارات، أغض بصري وأعصم نفسي لا آكل في المكتب ولا في الشارع. لا أركب في وسائل النقل المشتركة، أقلص ما أمكن مساحة التقائي بهاته الكائنات المفترسة التي تقطر عفنا وتملأ الحياة جهلا وموتا.

لا أعايد ، لا أحضر أعراسا ولا جنازات، لا أدخل الى المقاهي أو الأماكن العمومية. ارتحت من ضوضاء الكلام، وحركة الجفون وتأنيب الضمير الليلي. حياتي الخارجية لم تكن تعكس نشاطي الداخلي وغلياني الفردي. كلما تفاديت الاحتكاك بالبشر زادت طاقاتي الذهنية وأحسست أني متعدد بلا حدود، أني كائن من جنس جديد. حتى الموت لم أكن أهابه.لا أفكر فيه كلحظة، كقفزة حصان الفارس "وضار" على الحاجز الأخير. أتخيله لحظة ممتدة وممتلئة أتخلص فيها من السعال وأحقق فيها الغائب وأنتقم خلالها من هذا البؤس المميت ومن موظف المكتبة.

كان الشخص الوحيد الذي يُفرَض علي التحدث معه. يتحرك كآلة صدئة، يصدر طنينا مزعجا. وجهه حديدي لا ينفعل ولايجيب. يرمقني بنظرة متعالية وينهرني بعينيه: أنا من يصنع حياتك، ويقرر حدودها. لا تتمرد، اقرأ ما أمنحك وانتظر النهاية. كان رسول المومسات مرة يهديني الشقراء البكر، ومرات خمسينية مترهلة. آخذ عطاياه وأغادر.

لم تعد تهمني أحداث القصة، كنت أبحث عن الرقم. أتحسسه وأقرأ الصفحة التي يوجد بها وأنتقل الى الصفحة التالية التي يعلوها علي أجد منطقا وتفسيرا ،هوية وقصة خفية.

فكرت أن أتصل بها، يعني أني أومن بأنها امرأة. لا يمكن أن تكون الا من ذلك الجنس الذي قرأت عنه، رقيق وجميل. الخط خط امرأة، دقيق كمشاعرها، فهي تعرف حدود الخجل والحب ، حدود الغضب والغيرة. المرأة كائن يبدأ كمتاهة ثم ينتهي الى الثنائيات.اما حب أو لا حب، وقد اعترفت وكتبت بقلم الحواجب "أحب".

فارقني الاحساس. كنت فارغا كحصالة طينية، منذ زمن خبأت رماد النفس في صندوق بريدي أصفر وانتهيت من الألم. رقم هاتف يعيدني الى نقطة البداية ، يسحل تضحياتي ويقهر التزامي المَرَضي. هل أتصل أم لا؟ أ أجرب أم أمشي في طريقي؟ رقم به تنتهي حياة وبه تبدأ الحياة. كنت أتحكم في كل شيء يدور حولي.

رقم أنثوي جميل، أقنعت نفسي بذلك، قد تكون فتاة أو امرأة متزوجة.رجال مدينتي عمال التصق الدهن بعقولهم ودهن الزيت الأسود قلوبهم لا يقرأون الا قسرا، وان قرأوا لا يحبون، وان أحبوا قسرا لا ينطقون "أحب". يصفعون من يحبون أو يضاجعون نساءهم حسب خطوط الطول والعرض أو يسكرون ثم ينامون أمام عتبات المنازل ويوزعون أطنانا من الحب على صفحات التواصل الاجتماعي. لو كان شابا وكتب "أحب" لزينها بجميع رسوم الأجهزة التناسلية للبشر والدابة والطير. فتاة في مقتبل العمر كانت لتقول "أحبك" وتضغط عليها بقلم حبر أحمر وتسطر تحتها ثم تكتبها بعدد اللغات التي تعرف.

اتصلت من هاتف العمل.سمعت احدى الأغاني الدينية بلحن جميل، لم يجبني أحد. ارتفعت قليلا ورأيتها تقطع الجزر الأحمر بدورا صغيرة، أصابعها المبتلة تقطر على روحي الشفافة وتلونها بالأحمر الباهت. أعدت الاتصال ليلا من غرفتي، كان الهاتف مقفلا. تقلبت على جنبي الأيسر، وأغمضت عيني الثقيلتين علما ومعرفة ان لم تكن تدفئ سريرها الأسري، فهي في الحمام العمومي تفرك جسدها الأبيض وترمي أوساخها كقطرات المطر لتستقبلني أنا العامل العارف بكل شيء.

اقترب موعد اعادة الرواية، أعدت تقليبها، تلمست أثر الحروف على الأوراق. كان الكتاب امرأتي. وضعت أذني على السماعة، صوت متقطع كنت أستمتع بالانصات له سابحا أراه. حرف يتبعه الآخر، سبحة سماوية قطعتها رعود وبروق من الوعيد والتهديد.

وأنا أقترب من باب العمارة، رأيت امرأة ورجلا يتحدثان مع جارتي. جلست أراقبهم من بعيد، كان الرجل غاضبا والمرأة هادئة وجارتي تحرك رأسها كالناقوس. رحلا في سيارة كما يرحل البشر، تبعهما عواء الريح، وبعض قطط العمارة.

خرجت جارتي، كنت أصعد الدرج. فَتَحَت فمها المهجور وأغلقت الباب بعصبية الحوائض. كنت أعلم كل شيء، احتفظت بالرواية وغيرت المكتبة وأنا متأكد أني سأجد امرأة مكان الوجه الفولاذي.