يقدم محرر (الكلمة) هنا القسم الأول من متابعته لمهرجان أفينيون المسرحي هذا العام، ويتناول فيه المسرحيات التي تناولت أهمية الذاكرة التاريخية ودورها في أن تدرأ عنّا عوادي التردي والدمار، وتلك التي تناولت قضايا الهجرة والتيه في اللحظة الراهنة وما تطرحه من قضايا.

مهرجان أفينيون المسرحي الثالث والسبعون

هل يدرأ المسرح عنّا التردي الأخلاقي والدمار؟

صبري حافظ

 

أفتتح مهرجان أفينيون المسرحي الثالث والسبعين في 4 يوليو/ تموز 2019. وقد أصبح بالفعل، وبسبب الاستمرار والتراكم في تطوير هذا المهرجان وتنميته أكبر مهرجانات المسرح في أوروبا، وربما في العالم كله. ذلك أنه وضع نصب عينيه على مدى تاريخه الطويل، رؤية مؤسسه الشاعر الفرنسي الكبير رينيه شار، والذي كان قائد المقاومة الفرنسية للاحتلال النازي إبان الحرب العالمية الثانية في جنوب فرنسا. وهي رؤية تطرح الفن أمام الحروب والدمار، ببصيرة استشرافية تؤمن بقوة الفن وقدرته على أن يدرأ عنا الشر. وترى أن اللجوء للفن أمر لا غنى عنه كي يدرأ عنا مآسي الحروب. ولهذا بدأ فكرة هذا المهرجان عقب انتهاء مأساة الحرب العالمية الثانية، كأداة لدرء شرور الحرب وتعزيز السلام والتفاهم بين أرجاء أوروبا بالفن ومن خلاله.

وقد استمرت هذه الرؤية في التطور والنمو طوال ثلاثة وسبعين عاما. وأصبح المهرجان الرئيسي مجرد رافد من روافد الأنشطة الثقافية والمسرحية التي تعيشها المدينة طوال شهر يوليو/ تموز من كل عام. ففضلا عن عروض المهرجانين الرئيسي والهامشي، هناك المعارض والندوات وحلقات النقاش والجدل التي تملأ المدينة طوال تلك الفترة. بصورة أكدت إمكانية الثقافة الراقية في أن تصبح عماد نشاط المدينة الاقتصادي وقبلته. وهو أمر ما كان له أن يتحقق، وخاصة في مجال المسرح، وهو أكثر الفنون جمعية ارتباطا بالديموقراطية منذ ميلاده الإغريقي القديم، دون توافر مناخ مفتوح من الحرية المؤسسية والاجتماعية والفردية على السواء. تتيح الحوار الخلاق بين المبدع وفريق العمل الذي يتخلق به العرض معه، والجمهور الذي يشاهد العرض ويتفاعل معه.

فقبل أن أصل إلى المدينة العريقة، كانت بعض البرامج الإذاعية التي استمعت إليها وأنا في الطريق إلى أفينيون بالسيارة من باريس، وهي رحلة تستغرق عدة ساعات، تتحدث عن أن عدد العروض المتاحة في مهرجان هذا العام بشقيه الرئيسي والهامشي قد تجاوز 1500 عرض، على مدار خمسة وعشرين يوما (4-28 يوليو) حافلة بالنشاط المسرحي الذي لا يعادله شيء في عالمنا المعاصر. وما أن وصلت إلى المدينة حتى وجدت أن برنامج المهرجان الرئيسي Festival D’Avignon يقع في تسعين صفحة، بينما يتجاوز عدد صفحات برنامج المهرجان الهامشي Festival Avignon Off الأربعمئة وسبعين صفحة، في كل منها خمسة أعمدة من العروض التي تغطي كل صنوف العرض المسرحي وأجناسه المختلفة. مما يجعل من دراسة كل برنامج منهما، واختيار ما تشاهده منه طوال أيام الإقامة في تلك المدينة، عملا يستغرق الكثير من الوقت والجهد والاهتمام، ووعملية ثقافية مثرية في حد ذاتها.

هل يدرأ المسرح عنّا التردي الأخلاقي والدمار؟
وما أن تصل إلى المدينة حتى يفاجئك زخم شوارع المدينة المترعة بالتشكيل الحركي واللوني والسمعي. حيث تتحول كل فضاءات هذه المدينة العريقة التي انطلقت منها بعض حملات الحروب الصليبية في القرون الوسطى، والتي لا تزال تحتفظ بعمارة مدن تلك المرحلة، وبسورها الضخم وجل أبوابها، إلى مسرح كبير. مسرح تتجاور فيه مختلف الصيغ والأنشطة الدرامية والعروض والرؤى، وتتحاور في جدل صحي مفتوح. يهل عليه الناس لا من كل ربوع فرنسا وحدها، ولكن من كل بقاع أوروبا، بل ومن مختلف أصقاع عالمنا المعاصر. بحيث أصبح المهرجان عماد حياة المدينة اقتصاديا واجتماعيا في آن. وأصبحت المدينة نفسها قبلة كل عشاق فن المسرح بمختلف توجهاته، بدءا بمسرح الأطفال وصولا إلى المسرح السياسي والاستعراضي، دون إغفال كل تنويعات العرض من الأوبرا وعروض الرقص الحديث منه والقديم، وحتى مسرح الشارع وكل صيغ المسرح المتقشف وعروض الممثل الواحد والبانتومايم.

وقبل أن أصحب القارئ معي إلى بعض تلك العروض الكثيرة، التي أحرص على انتقاء ما قد يهم القارئ العربي منها، علينا أن نتريث قليلا عند كلمة مدير المهرجان الرسمي التي يفتتح بها برنامج عروضه. حيث يستهل أوليفييه بي Olivier Py، مدير مهرجان أفينون المسرحي، الكلمة التي يفتتح بها كتاب المهرجان بالجمل الآتية: «لو سئلت اليوم ما الذي يجعل المسرح أمرا لا غنى عنه؟ لأجبت بأنه أقصر الطرق بين الجمالي والأخلاقي. ولكان من الضروري أن أردف على الفور ان أقصر طريق من الأخلاقي إلى الجمالي ليس نفس الطريق الذي أشير إليه. فلكي يقوم المسرح بأمر يستثير الوعي السياسي، فما عليه إلا أن يفتح أبوابه. حتى أكثر المسارح تنصلا من السياسة، أو زعما بألا علاقة له بها، يبقى سياسيا أكثر من أغلب مقولات العالم الاستهلاكي.»

وهي في حقيقة الأمر جمل علينا التوقف عندها كي نفهم روح هذا المهرجان الذي يواصل أوليفييه بي إدارته للعام الخامس على التوالي. حيث أن فلسفته للمسرح تركز على جماليته وتجعلها السبيل إلى أي دور أخلاقي أو سياسي يقوم به. لأن المسرح يفقد في الواقع مسرحيته، أو بالأحرى دراميته بالمعنى الأرسطي العميق للمفهوم، حينما يتخلى عن جمالياته، أو يجعل الأخلاق أو السياسة هي مركز الانطلاق فيه. فحينما يفعل ذلك يكون كمن يضع العربة أمام الحصان حسب التعبير الانجليزي الشهير. بينما الضروري أن تضع الحصان أمام العربة كي يستطيع أن يجرها بكفاءة، ناهيك عن أن يصل للهدف سواء أكان أخلاقيأ أو احتماعيا أو سياسيا.

وليس غريبا أن يركز أوليفييه بي في مستهل كلمته على الدور الأخلاقي للمسرح، وعلى أهمية هذا الدور في مواجهة قيم العالم الاستهلاكي المتردية التي تتفشى في عالمنا وتسيطر عليه. لأننا نعيش في عالم يبدو وكأنه يتخلى عن ميراث الإنسانية الأخلاقي والعقلاني الطويل، وبوتيرة متسارعة إلى حد مقلق. عالم يقف على رأس أقوى بلدانه وأضخم اقتصاداته أحمق لا خلاق له مثل دونالد ترامب. وتختار واحدة من كبرى ديموقراطياته، وهي بريطانيا، مهرج يزري بالعقل ويزدهر بمغازلة مشاعر التعصب وضيق الأفق. وتتراجع فيه أهمية القيم الأخلاقية والإنسانية في التعامل بين الدول، بعد أن كان المعيار الأخلاقي والشرعية الشعبية من أهم عناصر الحكم على أي نظام سياسي. فبعد أن كانت دول العالم القوية تتبارى وفق معايير قيمية في المحل الأول، بلغنا طريقا مسدودا يتهاوى فيه كل شيء إلى حضيض غير مسبوق. ويصل هذا الحضيض إلى أكثر قيعانه ظلمة وعفنا في عالمنا العربي الردئ.

فقد كان الصراع طوال عقود الحرب الباردة، التي استمرت منذ الحرب العالمية الثانية، حتى انهيار الكتلة الاشتراكية، صراع قيم أخلاقية وإنسانية في المحل الأول، يزعم فيه كل طرف أنه يحتل المكان الأخلاقي الأعلى، وأن رؤيته الأيديولوجية والسياسية هي النموذج الذي يجب أن يُحتذى. حيث انطلقت ما كانت تعرف بالكتلة الاشتراكية من أن الإنسان وليس رأس المال هو مصدر الثروة، وأن العدل الاجتماعي هو مناط توزيعها، بحيث توفر حق المواطن في السكن المستقر والعمل المضمون، والصحة والتعليم؛ بينما كانت الكتلة التي دعت نفسها بالعالم الحر تنطلق من أسس الرأسمالية وحرية المنافسة التجارية المفتوحة، وتتغاضى عن أيّ استغلال فيها، بتبنى مفاهيم الحرية وحقوق الإنسان، وإمكانيات الثراء المتاحة للجميع. وكان عليها في مواجهة ما توفره الاشتراكية من حقوق إنسانية أساسية لمواطنيها تبني شيء من مزايا دولة الرفاهية الاجتماعية تلك، وتوفير بعض الحقوق للعمال، وإعانة غير القادرين من المواطنين في السكن، بل وتوفير حقوق التعليم والصحة مجانا للكثيرين.

لكن سقوط الاتحاد السوفيتي، وقعقة ما أعقبه من ثورات ملونة أدت إلى ما سُمي بنهاية التاريخ، وانكشف الوجه القبيح للرأسمالية الذي أخفته وراء قناع دولة الرفاه الاجتماعي إبان الحرب الباردة. ولم تعد في حاجة إلى تحمل تكاليف دولة الرفاه الاجتماعي تلك بعد سقوط العدو الذي أجبرها مشروعه السياسي على تبنيها. هذه هي حقيقة ما دعي بالثاتشرية البغيضة في بريطانيا، وما أعلنت عنه الرأسمالية الأمريكية في مؤتمر شهير عقد بعد سقوط الاتحاد السوفييتي. ولم يفهم الكثيرون نهاية التاريخ تلك على وجهها الصحيح. لأنها كانت تعني نهاية تاريخ الصراع بين القيم، وبداية التخلي الكلي عن كل ما تعلمناه من تاريخ الإنسانية من أخلاق نبيلة وعقلانية مستنيرة. وفتح الباب على مصراعيه لتوحش الرأسمالية (وخصوصا ابشع أشكالها استغلالا، وهي الرأسمالية المالية التي كشفت في دراسة سابقة لي عن العولمة عن أنها أعلى مراحل الامبريالية) والعصف بالحدود الجغرافية وغيرها من الموانع التي تحول دون تنامي الأرباح على حساب كل شيء آخر؛ والتخلي عن كل ما تحلت به من معايير الرفاه الاجتماعي، وحتى من قيم الحرية والديموقراطية نفسها، والتي طالما سعت لتسويقها، إذا لم تكن تلك القيم في صالح تحقيقها للمزيد من الأرباح.

أما ما كانت تعرف بالكتلة الاشتراكية فإن سعار اللحاق بالرأسمالية بعد قعقعات سقوط «الاشتراكية» فيها لم يقل مكيافيلية وفسادا عما نجده في الرأسمالية الأم. فقد انقلبت فيها معايير العقلانية ومفاهيم العدل والاشتراكية. ولفلاديمير بوتين مقولة شهيرة: «من لم يحزن على سقوط الاتحاد السوفييتي والاشتراكية لا قلب له، ولكن من يفكر في إعادة الاشتراكية من جديد فلا عقل له.» هكذا أصبحت الاشتراكية منافية للعقل في زمن سعار الرأسمالية. ولم يعد فلاديمير بوتين قادرا إلا على منافسة ترامب في مكيافيليته، وإلا على ألا يكون أكثر قبحا منه في البحث عن مصالح رأسمالية بلاده التي تتعاظم فيها الفجوة بين الأثرياء والقابعين تحت خط الفقر باستمرار. كما هو الحال في غيرها من بلدان العالم الرأسمالي، وعلى رأسهم في اتساع تلك الفجوة الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها. بصورة يزداد فيها عمق الاستقطاب الاجتماعي بين قلة قليلة من الأثرياء تزداد ثراء باستمرا، وكثرة كبيرة من الفقراء تزداد اتساعا باستمرار، وينخفض معدل دخلها باطراد، داخل دول المعسكرين السابقين، وبشكل أكثر درامية وعنفا ومأساوية فيما كان يسمى من قبل بالعالم الثالث، حيث تقع أغلبية سكانه تحت خط الفقر.

وقد ترافق هذا مع عملية التطور غير المسبوقة في تكنولوجيا الاستغلال الرأسمالي وما يسمى بالعولمة، وأدوات الهيمنة الالكترونية الجديدة التي أتاحت للقادرين من مؤسسات الدولة واستخباراتها أو المؤسسات الرأسمالية العملاقة التجسس على أدق تفاصيل حياة الأفراد والجماعات. ونشر الضحالة واللاعقلانية والتسطح والكذب. وقد ساهمت تلك التطورات الالكترونية الجديدة، وأبرز علاماتها هي الهواتف الذكية، في تحقيق التواصل بين الناس بمعدلات أسرع، وفي تكريس وحدة الأفراد كي تسهل الهيمنة عليهم في الوقت نفسه بطريقة غير مسبوقة. بل عزلهم عما يحيط بهم من البشر بالصورة التي أضافت لأيقونة القرود الثلاثة: لا أسمع، لا أرى، لا أتكلم! ايقونة رابعة تجمع ثلاثتها في قرد غارق في هاتفه الذكي الذي لا يسمع معه ولا يرى ولا يتكلم مع أقرب الناس إليه.

العودة إلى الأساطير المؤسسة:
إزاء هذا كله يسترد المسرح أهميته كإطار يعيد للجماعة فاعليتها وأهميتها؛ ويعيد تذكيرها بما يدعوه أوليفييه بي في تقديمه بـ«الأساطير المؤسسة Founding Myths» التي تكشف عن أهمية ما تنطوي عليه من قيم في هذا الواقع الجديد الغريب. ويوشك هذا الأمر أن يكون أحد «ثيمات» أو تيارات مهرجان هذا العام الأساسية. حيث تحقق عملية الرجوع إلى تلك الأساطير المؤسسة درامية المسرح من خلال الزواج بين الجمالي والأخلاقي بلا تناقض بينهما. بينما يضفي الواقع الراهن على تلك العودة جانبها الجدلي الخلاق مع ما يدور في الحاضر من قضايا ومشكلات. ويربط أوليفييه بي في كلمته تلك العودة إلى الأساطير المؤسسة، بإحياء الذاكرة التاريخية باعتبارهما جناحا عملية المواجهة المعقدة لما في عالمنا الراهن من تردي ودمار. لذلك يضيف في تقديمه لبرنامج هذا العام «إن خلاصنا هو في انتمائنا للتاريخ، أي الإحساس بأننا نشارك في التاريخ مهما كان تواضع مشاركاتنا، فحتى مجرد اللقاء أمام عمل مسرحي ينطوي على قدر من التوقعات الكافية لأن تولد فينا أجنة هذا الشعور بالانتماء. ... في مساحة الصمت التي تتولد أمام العرض المسرحي».

ويبدو أنه استوحى هذا القول من مسرحية الافتتاح في مهرجان هذا العام. لأن هم هذه المسرحية الأساسي فيما يبدو هو إرهاف ذاكرة أوروبا التاريخية، وقد بدا أن أوروبا المعاصرة، نسيت تواريخها المأساوية القريبة، وعادت مع استشراء نزعات التعصب القومي العنصرية، وضيق الأفق السياسي والإنساني على السواء، إلى تكرر تواريخها القديمة التي أدت بها إلى أكثر الحروب دموية في النصف الأول من القرن العشرين.

إرهاف الذاكرة التاريخية لإنقاذ أوروبا من الدمار

فقد كانت مسرحية الافتتاح في مهرجان هذا العام، وهي المسرحية التي تعرض على أكبر خشبة مسرحية في المهرجان، وأوسع فضاءاته التي تتسع لأكثر من ألفي مشاهد، وهو فضاء ساحة الشرف بالقصر الباباوي، هي مسرحية (عمارة Architecture) للكاتب والمخرج المسرحي الفرنسي المعاصر باسكال رامبير Pascal Rambert والتي كتبها خصيصا وفي ذهنه عدد من أبرز ممثلي المسرح الفرنسي المعاصر في فرقة الكوميدي فرانسيز الشهيرة، وغيرها من فرق المسرح الفرنسي الكبيرة التي سبق أن عرضت أعماله. فهو كاتب مسرحي حريص على أن يكتب أدوار مسرحياته وفي ذهنه عدد من الممثلين. كما كان الحال في زمن ازدهار المسرح المصري غب ستينيات القرن الماضي، حينما كان كتاب المسرح المرموقون مثل يوسف إدريس ونعمان عاشور وسعد وهبة يكتبون مسرحياتهم وفي ذهنهم ممثلون محددون لبعض أدوارها. لذلك كانت هذه المسرحية في مستوى من مستوياتها مباراة في التمثيل وفق المدرسة الفرنسية المسرحية العريقة من ناحية، ونموذجا لما في جعبة المسرح الفرنسي المعاصر من نصوص حيّة، وممثلين مشوقين لتجسيدها، من ناحية أخرى.

فقد أتاح لها فضاء خشبة قاعة الشرف الضخمة (أكثر من 50 X أكثر من 25 مترا) التي تتسع لأكثر من مكون مشهدي في وقت واحد، نوعا من الرحابة والسعة التي تخلق سلاسة الحركة بين المشاهد وتجاورها، بل تحاورها البصري المستمر. حيث يخبرنا رامبير أنه أعاد كتابة بعض مشاهد المسرحية كي تناسب هذا الفضاء المسرحي الذي لعب دورا مهما في تكوينه المهني كمخرج ومؤلف في آن. لأن بعض ما شاهده في هذا الفضاء من عروض لايزال محفورا في ذاكرته حتى اليوم. ولأن علاقته بالمهرجان تمتد لثلاثين عاما، منذ أن عرضت فيه مسرحيته الشهيرة (الباريسيون: أو صيف ذكريات النحل Les Parisians, ou l’Ete de la Memoire des Abeilles) عام 1989 وحتى اليوم. ولأنه يعي لا مدى رحابة الخشبة فحسب، بل ومدى تنوع الجمهور الجالس أمامها. حيث يخبرنا أنه جمهور مسرحي لا نظير له من حيث العدد والتنوع الثقافي والقومي في أي موقع مسرحي في العالم. وهو أمر أوافقه عليه بعد ترددي على هذا المهرجان لسنوات.

وقد عمد المؤلف/ المخرج إلى استخدام اللون الأبيض والسمني (الأبيض المصفر) في الملابس والآثاث، وفرش خشبة المسرح الرحبة تلك بقماش من اللون الأبيض، وكأننا في مختبر تحليلي. أو كأنه يدعو المشاهدين للتعامل مع ما يعرض أمامهم بشكل استعاري خالص، رغم أن ما يدور أمامنا طوال العرض يبدو وكأنه عرض واقعي صرف، أقرب ما يكون إلى وضع حياة أسرة حقيقية على الخشبة. أما عمال المسرح الذين يفدون للخشبة بين وقت وآخر لتغيير بعض الأثاث فقد ارتدوا جميعا الزي الأسود. فقد توفرت للعرض بلاشك ميزانية كبيرة في الاكسسوارات والإضاءة مكنت المخرج من استخدام تغيير الأثاثات الباذخة والسجاجيد المختلفة التصميم، لتحقيق النقلة الزمنية والتاريخية في حياة أفراد هذه الأسرة، ومراحل حياتهم المختلفة، وهم يجسدون أمامنا ما يمكن دعوته بملحمة أوروبا في القرن العشرين.

وما أن يبدأ العرض حتى تدخل الشخصيات التسع في رقصة إيقاعية على أنغام عزف موسيقي على آلة الكمان، تعزفها زوجة الأب، وبشكل دوري على مدى ساعات العرض الأربع، في نوع من الفصلات، أو الوصلات التي تنبئ بتغير الزمن أو المشهد. وأول ما نلاحظه هو أن جميع الشخصيات في زي أبيض أو سمني، باستثناء رجل واحد (هو زوج الإبنة الصغرى) في زي عسكري من زمن مطلع القرن الماضي، وسوف يتغير زيه العسكري ذلك مع تغير الزمن والتقدم فيه نحو زي الثلاثينات العسكري. فتوافق الألوان وتعارضها من أدوات التشكيل البصري للمشهد ولفت الانتباه لما فيه من توترات أو انسجامات. لأن القسم الثاني من المسرحية يشهد تغير هذه الألوان، حيث تستبدل بعض النسوة باللون الأبيض أو السمني ألوانا زاهية ومتنوعة، بينما يرتدي الابن الاصغر، وهو أكثر أبناء بطلها المعماري الكبير درامية، حلة سوداء يعلن عبرها تناقضه الكامل مع أبيه. حيث سنكتشف بالتدريج أنه نقيضه في كل شيء تقريبا.