تقدم الباحثة المصرية هنا تناولا فلسفيا لفكرة العبث على المستويين الكزمولوجي/ الكوني والأنطولوجي/ الكياني وجدليات العلاقة بين الفعل والعبث والتمرد. فلكي يتحقق التمرد يلزمه فعل له غاية حتى ولو كانت مجرد الشعور بالحرية، غاية مسؤولة وليست متحررة من كل التزام، وإلا تحولت إلي فوضي وهى عين اللامعقول.

الرؤية العبثية من اللا جدوى إلى التمرد

فاطمة مصطفى

 

ناقش بعض الفلاسفة فكرة العبث بنوعيه: الكزمولوجي، المرتبط بحوادث العالم وشبهة عدم انتظامه. والوجودي؛ المرتبط بالأنا وموقعها في الوجود، وعلاقاتها المعقدة بالأخر بين سلب الذوات وخلافاتها؛ موضحين موقفهم من الحياة والصعوبات التي تمر بالإنسان عادة في حياته. وعدُّوه لازمة للحياة الإنسانية بل وسير الكون عند البعض منهم، وهذا ما يبدو عندما يتحدث (ألبير كامو) عن (الطاعون) أو (كاليجولا) أو (مارسو الغريب)، فما هؤلاء إلا تجسدات لفكرة أكبر هي العبث.

يبدأ العبث أول ما يبدأ بالضجر، وهو الحافز الذي من خلاله يكتشف الموجود الإنساني في نظر (كامو) تفاهة العادات اليومية لغالبية البشر، وهو المفتاح لاتخاذ موقف عبثي معين، "فالضجر يأتي في نهاية أفعال الحياة الميكانيكية، ولكنه في الوقت نفسه يفتتح حافز الإدراك ويثير ما يتبع ذلك"(1)، وتتحدد أهميته في أنه يفتح آفاق التفكير على آلية الحياة الإنسانية ولا جدواها، إذ أنها تتكون في النهاية من مجموعة مواقف وتصرفات يتسم أغلبها بالروتين والآلية، فلم يصب طاعون (كامو) مدينة (وهران) الهادئة إلا لأنها تحيا بلا حياة، بطريقة ميكانيكية رتيبة بلا تغيير ولا أحداث ذو أهمية فيها. واكتشف (كاليجولا) بحتمية وتكرار الموت تفاهة الحياة ونمطيتها، وحُكم علي «مارسو» في (الغريب) بالإعدام لأنه كان لا مبالياً يشاهد ولا ينفعل؛ فلاشيء بالنسبة له يستحق التفاعل معه بكامل وعيه. كذلك الأمر في مؤلَّفات (فرانز كافكا)؛ يوجد السيد (ك) الذي خضع لمحاكمة غريبة أودت بحياته، لأنه عاش عمراً طويلاً مضيعاً إياه في روتين تافه غير مهم، ولم يتحول «جريجور» الخاضع المسالم إلي مسخ إلا لأنه عبدٌ لحياة روتينية تافهة، أملتها عليه الظروف رغم كراهيته لها، فكأنه مُسِخ إلى ما هو على فعله، كما في التناسخ الأفلاطوني بعد الموت.

الأمر ذاته تُجسده شخصيات (صمويل بيكيت)، ويشاركه في ذلك (يوجين يونسكو) لدرجة أن الشخصيات تتغذي بالضجر، ولا تكاد تكون هناك أحداث ذات أهمية طوال المسرحية، بل إن الأمر قد يقتصر علي مشهد واحد أو مشهدين، وأحياناً لا تُغير الشخصيات حتي أماكنها المحددة في المسرح. كما لا يكاد القارئ والمشاهد للعرض المسرحي يلمح علاقات إنسانية تذكر، فقط هناك حالة من الخواء الشعوري الناتج عن ملل، يفتح أمام الإنسان باب التفكير في حياته الخاصة، ومدى أهمية تصرفاته المتغيرة شبه الثابتة في الوقت نفسه.

تبدأ حلقات الموقف العبثي في التسلسل فور الشعور بذلك الضجر، فيأخذ البعض طريق المكاشفة ويعيش حياة أشبه بالوجود الأصيل الهيدجري. بينما تقرر الأغلبية سلوك طريق أكثر راحة هو الوجود المزيف عينه، ويبرر هؤلاء موقفهم -إن عايشوا هذه المرحلة- بأن حياة بلا معني ولا هدف هي حياة لا تطاق، حيث "إن فقدان الحياة شيء بسيط، وسأجد الشجاعة لذلك عند اللزوم، ولكن أن نري معني هذه الحياة يتبدد وسبب وجودنا يختفي فهذا ما لا يمكن احتماله، لابد من مبرر لوجودنا لكي نستطيع أن نعيش"(2). تظهر الحياة – بالإضافة إلي ذلك – أجمل وأكثر سعادة في عيون اللا مبالين وغير الباحثين عن المعنى، وهو ما يوضحه (الغريب) في مقارنة بين حال ما قبل اتخاذ الموقف العبثي وما بعده فيقول: "أدركت أنني كنت بالفعل قد حطمت هدوء ذلك اليوم، وكسرت صمت ذلك الشاطئ الذي كنت سعيداً فوقه ... لقد كانت كطرقات قصيرة أربعة طرقها على باب الحزن والأسى" (3).

وهناك نوع ثان؛ هؤلاء لا يكتفون بتمثل وجود زائف، بل يبدأون حلقة التمرد، بأنواعه المختلفة؛ منها السلبي بالانتحار وإنهاء الحياة. ومنها الإيجابي بمحاولة اتخاذ موقف ثوري، وتغيير ما يمكن تغييره سواء داخلياً فيما يخص الذات أو خارجياً فيما يخص العالم. ويتوقف نجاح التمرد من عدمه بنوع الموقف العبثي؛ فإن كان أنطولوجياً يفشل في إحداث تغيير خارجي، وأما إن كان وجودياً فيمكن أن يؤدي لتغيير على المستويين الخارجي والداخلي، تظهر - على سبيل المثال- شخصية (دون كيشوت) للأديب الإسباني (ميجيل دي سيربنتس Miguel de Cervantes/1547-1616) كمحاولة للتمرد على العالم الأنطولوجي وتغيير وقائعه، ذلك أنه يجمع بين المثالية والتمرد، فالمثاليون يقولون أن العالم من امتثالنا، و(دون كيشوت) تمثل العالم كما أراد له أن يكون، فتمَّرد على حياته الجامدة التقليدية وصنع أـسطورته الشخصية، ولو عن طريق توهم الفروسية، لدرجة اختلاقه مغامرات وعمالقة وطواحين هواء وحتى محبوبة لازمة الوجود في حياة الفارس وأسماها (دولسينا توبوسو) - أو معشوقتي باللغة الفرنسية - على الرغم من أن تمرده هنا لم يغير من الواقع شيء إلا أنه ساعد على إيقاظ روح التمرد الداخلي لدي هذا الشخص وغيّر مجريات حياته الخاصة بالكامل. ويري دون (ميجيل دو أونامونو Miguel de Unamuno/1864-1936) أن "دون كيخوته لا يذعن للعالم ولا لحقيقته ولا للعلم ولا للمنطق ولا للفن ولا لعلم الجمال ولا للأخلاق، بل يثور على هذا كله وينتهي إلي اليأس بعد أن رأي عبث النضال"(4) رغم ذلك لا يؤيده في ارتداده النهائي عن موقفه، ويري فيه ارتداداً ناتجاً عن جنون، إلا أنَّ (أونامونو) هنا لا يقصد (دون كيشوت) الفارس الهزيل الذي واجه العالم بخياله، بل يتحدث عن (دون كيشوت) آخر داخلي تجعله مواقفه الحمقاء بطلاً متمرداً لو تغير تصورنا عنها.

وليس أدل من مواقف (دون كيشوت)على أن الواقع الأنطولوجي غير قابل للتغيير حتى ولو بالتمرد، على عكس العبث الوجودي، فالنوع الأول من العبث يتطلب تمرداً داخلياً فقط وأي محاولة للتمرد والتغيير الخارجي تكون غير مجدية، فهو موقف والتمرد عليه أيضاً موقف، أما العبث الوجودي فتمرده خارجي، فعلٌ مؤثر بإمكانه تغيير الوقائع والأحداث لأنه بامتلاك الشخص العادي، وغالباً ما تكون في حدود مقدرته. يتكرر الأمر نفسه مع (كاليجولا) الراغب في المستحيل بامتلاك القمر، والقضاء على الموت نهائياً، وكانت النتيجة الحتمية هي فشله في مبتغاه، فتمرده –هنا- لم يكن لينجح لأنه اتجه للتمرد الخارجي على واقع محال تغييره، فلم يغير إلا من نفسه. ويمثل (كاليجولا) العبث والتمرد عليه في آن واحد، لأن تطرفه ومغالاته قادته للفشل والضد، فتأرجح بين الإصلاح والعبث وحين اكتشف تحول أفعاله لتصبح عبثية، حاول اصلاح ما دمره، ولكنه اكتشف أنَّ التمرد على الواقع الثابث لا يمكن تحقيقه، فكان موته هو النتيجة الطبيعية، لأنه موت للتمرد غير المجدي، إلا أنه يؤكد قبل موته عبارة واحدة "لازلت حياً"(5) وكأنه يعلن أن هناك جزءاً باقياً منه قد يكون هو التمرد بمفهومه الصحيح وفي نطاق الممكن.

يعاود الموقف الظهور مع الطاعون المناظر للعبث في رواية (كامو) المعنونة بالاسم نفسه، والذي سيطر على مدينة بأكملها، فالبرغم من القضاء عليه إلا أن ذلك لا يمثل إلا مرحلة واحدة في دوراته عبر التاريخ، و(د.ريو)– بطل الرواية- يعلم ذلك حق العلم ويفكر به بينما الآخرون منشغلون بالاحتفال بالخلاص، رغم ذلك يتملكه الأمل ولا يجد بداً من التمرد حتى وإن كانت نتيجته الفشل، لأنه "يعلم علم اليقين أنه لا سبيل إلي الانتصار على الوباء كل الانتصار"(6) ذلك أن التمرد على واقع أنطولوجي بحجم المرض وما يناظره من أمور لا تقع تحت طائلة يد الإنسان غير ممكنة التحقيق بالكامل، وقد تختفي من تلقاء نفسها بعض الوقت كما فعل الطاعون ولكنها تعود للظهور ثانية، لأنها لم تفن وإنما مارست الخروج من دائرة الضوء بعض الوقت ليس إلا، فالجرثومة "تظل عشرات السنين نائمة في الأثاث والفرش وتنتظر - في صبر وأناة - في الغرف والأقبية والحقائب والمناديل والأوراق القديمة، وأنه ربما يأتي يوم يوقظ فيه الطاعون فئرانه ويبعث بها إلي الناس من أجل شقائهم وتعليمهم، لكي يختطفهم الموت من بين أحضان مدينة سعيدة". (7)

كما يمثل تمرد (كالياييف) على الحياة في مسرحية (العادلون) -وطلبه للعدالة حتى من نفسه بالموت والقصاص العادل- تمرد على الظلم والطغيان، فالبطل يقتص من نفسه بعد أن شَعَر بالذنب على جرمه، ويرفض الصفح عنه، ويطالب بموته المستحَق، فهو هنا يتمرد على ذاته، وعلى كيانه الوجودي، والعبث الناجم عن تصرفاته كماهية وجودية وكيان واعي فاعل في الوجود، وهنا يظهر أن فعل التمرد يلزم الوعي بالعبث أولاً ثم الانتصار للمقاومة والتغيير، وعلى هذا المنوال تسير كل الشخصيات المتمردة، وأما من لا يستطيع إدراك الحقيقة فيظل على حالته غير الواعية الأقرب للحيوانية كشخصية المسخ الكافكاوي، حيث لم يدرك الشخص رغم كل شيء وجود العبث في محيطه الوجودي، بل إن همه الوحيد حتى النهاية كان العودة لصورته البشرية لمواصلة الدائرة اللا مجدية. (8)

نلمح كذلك في مسرحية صامويل بيكيت (في انتظار جودو) تمرداً داخلياً على الواقع يتمثل في الأمل الذي أعطي (فلاديمير) و(ستروجون) القوة للمضي في الحياة - ولو كانت أقل درجة من درجاتها - على الرغم من الجهل والمرض والخوف من المجتمع وترصد المترصدين، وعلى ذلك تمرَّد الاثنان بالأمل في انتظار المخلّص الذي قد يكون الموت أو الإله أو غد أفضل.(9) إذن فإنَّ محاولة التمرد الأنطولوجي لا تعدو كونها مجرد فعل نفسي وتعبير قاصر عن الحرية، لا يغير شيء ولا يقضي على عبث أنطولوجى يتصورونه ويتخذون منه موقفاً، فما هو إلا محاولة لزرع السلام في نفس الإنسان ذي الموقف العبثي. أما العبث الوجودي-على النقيض من ذلك- يمكنه تغيير الأحداث والوقائع الوجودية المتمثلة في أفعال مجموعة كبيرة أو محدودة من البشر، وعكس نتائجها، وإصلاح الفاسد منها، ومحاولة وقف محاولات عبثية جديدة تقضي بالحروب والخلافات وغيرها.

أسطورة (سيزيف) نموذجاً للتمرد:
يعد (سيزيف) واحداً من أشهر أبطال المآسي الإغريقية، وقد تم تركيز الاهتمام عليه وتوظيف أسطورته من قِبل (كامو)، بوصفه رمزاً لشقاء الإنسان في رحلته الدائرية من الحياة للموت، ولكن يقلب التساؤل عن كون (سيزيف) سعيداً المسألة رأساً على عقب، فلم يكن (سيزيف) الذي هو أعقل بني جنسه وسليل (هرمس) رسول الآلهة وإله المكر والتجارة إلا مثالاً للتمرد على الظلم والموت والآلهة أيضاً، ذلك أنه ردَّ لجاره الذي حاول خداعه وسرقة ماشيته الصاع صاعين فاستولى على أعز ممتلكاته، وأفشي سر (زيوس)- كبير معبودات الأوليمب- مقابل توفير المال لمملكته بصفة دائمة، وقيّد الموت عندما حاول اصطحابه إلي مملكة الموتى (هيدز)، ثم خدع (هاديس) معبود الموتى وعاد إلى عالم الأحياء هارباً من مصيره المظلم، فكان عقابه أن حكمت عليه المعبودات بحمل صخرة ورفعها إلي أعلي قمة جبل، ولا تكاد صخرته تستقر في القمة، إلا وتسقط إلي أسفل الجبل ثانيةً،(10) ويبدو مما سبق أنَّ مصير (سيزيف) صورة من الشقاء الأبدي، ولكن يظهر (كامو) بتفسير جديد عن هذه الحياة ويري أنَّ بطل المأساة سعيد! "فكل ذرة من تلك الصخرة، وكل قطعة معدنية من ذلك الجبل الذي يملأه الليل، تؤلف بحد ذاتها عالماً. والصراع نفسه نحو الأعالي يكفي ليملأ قلب الإنسان، ويجب على المرء أن يتصور (سيزيف) سعيداً"(11)، وهذه السعادة تتحدد بفعل التمرد القائم على الحرية من قِبل البطل الإغريقي، فإذا كان عقابه نتيجة تمرده على سلطة القانون البشري والإلهي، ففي هذا تعبير عن الحرية الكامنة بداخله، وأنه اختار طريق الشقاء بنفسه. صحيح أن نتيجة التمرد قاسية، وقد تؤدي إلي عبث أقوي وأدوم متمثل في صخرة المصير، إلا أن ذلك لا ينفي كونه متمرداً وحراً، وكل ما استطاعت المعبودات حرمان (سيزيف) منه هو حريته الظاهرية فقط، أما تمرده الداخلي فهو كائن في باطنه وجزء من جوهره، لذلك تتبدي سعادة (سيزيف) أمام (كامو) لأنه استعمل حريته وتمرده على مستوي التغيير في العالم ولو لجزء بسيط من الزمن عندما كان قادراً على ذلك، ولما سُلبت منه حريته لم تنسي الروح تمردها، وما عقابه إلا تذكير دائم له بفعله المتمرد وحريته، فكأن تلك الصخرة جائزته وليست جزائه، وأثر (سيزيف) في بني جنسه أنه " شَبّع الإنسانية بروح الإخلاص، وعلمها كيف تهبط بالآلهة لترتفع بالصخور الثقيلة"(12) وقد لا نتفق مع (سيزيف) في التمرد المطلق بلا ضوابط، خاصة وأن هذا الفعل تعبير عن الحرية التي لا تستقيم إلا بربطها بوثاق رفيع هو المسئولية، لأن التمرد الأعمى لن يترك مجالاً لمقدسات أو ثوابت أو معايير أخلاقية ودينية، وقد يكون من الأفضل تبديل كلمة الهبوط بالآلهة إلى الهبوط بالأصنام، أي كل متحجر من عادات أو تقاليد أو آراء إنسانية لا تضر الغير على نطاق واسع. وهكذا فإنه إذا كان "مصدر العذاب السيزيفي هو الشعور أو الوعي"(13) فإن هذا الشعور عينه يعود لينقلب سعادة وحبور لأن (سيزيف) مدرك لنتيجة أفعاله منذ البداية وموافق عليها رغم كل شيء، ولم تزده معرفته بالعواقب إلا استمرارية في التمرد، ولا أقرب من تقبل المصير السيزيفي من (دون جوان) الذي قال عنه (كامو): "من خصائص نبله أنه تقبل كل قواعد اللعبة. ومع ذلك فهو يعرف أنه على حق، وأنه ليس هناك مجال لمعاقبته، فالمصير ليس عقوبة"(14).

وتتشابه شخصية إغريقية أخري مع (سيزيف) في تمردها وهي شخصية (برومثيوس) سارق النار المقدسة سر أسرار الأوليمب، ليهبها للبشر كيما يستطيعوا مواصلة رحلتهم الحضارية، وهو الآخر يناله عقاب يتفق مع عقاب (سيزيف) في تعاقبه واستمراريته، ويختلف معه في أنه إلي أجل محدد عندما حرره (هرقل) من طائر الرخ الذي ينهش كبده كل يوم، وفي أنه لم يكن له دور الفاعل بل المفعول به في عقابه، إلا أن الحرية واحدة وفعل التمرد واحد والنتيجة -أيضاً- واحدة.

ولعل هذه الأساطير تشير بطرف خفي إلي الإنسان في كل حين ومكان، فما هي إلا تشبيه لنزول آدم -الأب الأول والرمز البشري- من الجنة إلي الأرض، والبقاء في سلسلة لا تنتهي من المتاعب والآلام كعقاب على حريته، فالأمانة التي اختار حملها على عنقه وبها يُدان أو يُثاب؛ هي حريته واختياره العاقل. ويمكن القول بأن العبث السيزيفي ينتج عن الفعل، فبدون فعل إصعاد الصخرة لأعلي، لن ينتج سقوطها وبالتالي لن يتحقق العبث، أما عدم الفعل فهو استسلام وخمول، فالفعل تحقيق وجود، والإنسان مرتبط بتحقيق وجوده، وعنما يقوم بذلك فإنه يصبح متمرداً، فيكون فعله بدايته العبث ونهايته التمرد، لذلك يكون التمرد فعلاً يغير به الإنسان ما يمكن تغييره من مظاهر العبث الوجودي لأنه قادر على الفعل فيه، أما الواقع الأنطولوجي فلا يصيب الإنسان نتيجة بالتمرد عليه حيث أنه ينفعل به فقط ولا قدرة لديه على الفعل لتغييره.

نخلص إلي أن التمرد لا يحدث إذن بتحقيق الفعل غير المعتاد، بل هو فعل عقلي إنساني فاعل في الوجود لشيء له هدف، فلكي يتحقق التمرد يلزمه فعل له غاية حتى ولو كانت مجرد الشعور بالحرية أو السعادة، والمهم أن تكون الغاية مسؤولة وليست متحررة من كل التزام، وإلا تحولت إلي فوضي وهى عين اللامعقول كما حدث مع (كاليجولا) الذي حاول مقاومة العبث بالعبث وبحرية مطلقة، فكانت النتيجة أنه نفسه تحول إلى مظهر للامعقول.

الهوامش:

1- ألبير كامو: أسطورة سيزيف، نقله إلى العربية أنيس زكى حسن، دار مكتبة الحياة، بيروت – لبنان، 1983م.ص 21.

2- ألبير كامو :كاليجولا، ترجمة وتقديم علي عطية رزق، سلسلة مسرحيات عالمية، الدار القومية للطباعة والنشر، ص68.

3- ألبير كامو: الغريب، ترجمة وتعقيب د. محمد غطاس، الدار المصرية اللبنانية، طبعة خاصة، مكتبة الأسرة، 1998، ص 60.

4-عبد الرحمن بدوي: دراسات في الفلسفة الوجودية، مكتبة النهضة المصرية، الطبعة الثانية، القاهرة، 1966، ص130.

5- ألبير كامو : كاليجولا، ص 159.

6- دكتور عبد الغفار مكاوي: ألبير كامو، محاولة لدراسة فكره الفلسفي، مكتبة الدراسات الفلسفية، دار المعارف، مصر، 1964م ص 165.

7- ألبير كامو: الطاعون، ترجمة د. كوثر عبد السلام البحيري، مراجعة د. محمد القصاص، مكتبة الأسرة، 2004، ص396.

8- ألبير كامو : كاليجولا، ص 159.

9- دكتور عبد الغفار مكاوي: ألبير كامو، ص 165.

10- ألبير كامو: الطاعون، ترجمة د. كوثر عبد السلام البحيري، مراجعة د. محمد القصاص، مكتبة الأسرة، 2004، ص396.

11- ألبير كامو: أسطورة سيزيف، ص 143.

12- فيصل عباس: الموسوعة الفلسفية، (الفلسفة وفلسفة التاريخ) الفلسفة الوجودية، الجزء العاشر، مركز الشرق الأوسط الثقافي، الطبعة الأولي، 1432هـ – 2011م ، ص 376.

13- عبد الرحمن بدوي: المرجع السابق، ص 160.

14- ألبير كامو : المصدر السابق، ص 88.