بمناسبة حلول الذكري الثلاثين بعد المئة لميلاد عميد الأدب العربي (15 نوفمبر 1889 –28 أكتوبر 1973) في الشهر الماضي دون أن يحتفل الواقع الثقافي بهذه الذكرى المهمة، ينشر محرر (الكلمة) مقالا تناول فيه مشروعه الفكري والنهضوي الكبير، سبق أن نُشر كمقدمة لواحدة من طبعات كتابه الفريد (الشيخان).

مشروع العميد في الذكرى 130 لميلاده

إرساء قواعد دولة الحق والعدل والحرية

صبري حافظ

 

(الشيخان) هو آخر كتب ما يعرف بإسلاميات طه حسين (1889 – 1973) التي أثرت المكتبة العربية، وفتحت أمامها بابا جديدا للبحث والاستقصاء والتأمل؛ وأنشأت فيها أسلوبا غير مسبوق من الكتابة عن التاريخ العربي وعن الإسلام، بصورة يمتزج فيها أسلوب الأديب السردي المرهف وحساسيته اللغوية الراقية، بصرامة المؤرخ المنهجية وعقلانيته ومنطقه. وشغلت هذه السلسلة من الكتب التي دارت حول تاريخ الإسلام الباكر طه حسين لما يقرب من ثلاثين عاما، وهي الفترة الممتدة بين ظهور أول كتب هذا المشروع الأدبي التاريخي (على هامش السيرة) عام 1933 وحتى ظهور آخرها (الشيخان) عام 1960، مرورا بـ(الوعد الحق) و(الفتنة الكبرى: بجزئيه عثمان، وعلى وبنوه) و(مرآة الإسلام) وغيرها. وإسلاميات طه حسين بالرغم من أنها مشروع كبير ترك بصمته على المشهد فأيده من أيده، وهاجمه من هاجمه، هي احد المشاريع الكبرى في هذا المجال لأهمية منحزه وتفرد منهجه، وتميز أسلوبه الأدبي الرصين. ولكنها على تعدد كتبها وأهميتها ليست إلا أحد المحاور البارزة في مشروعه الثقافي والفكري الضخم، الذي نجد فيه إلى جانب هذا المحور المهم، عددا آخر من المحاور.

مشروع ضخم متعدد المحاور:
فمشروع طه حسين الأدبي/ الفكري مشروع ضخم متعدد الخيوط والمحاور. فيه المحور النقدي الذي اهتم بنقد الأدب وتمحيص نصوصه وتحليلها بعد تعريضها لضوء الشك وطرح الأسئلة الجوهرية عليها. وهو محور سعى إلى إرساء منهج نقدي حديث وعلمي ورصين في التعامل مع النصوص الأدبية، ومع مبدعيها من أعلام الأدب العربي القديم من امرئ القيس والشعراء الصعاليك إلى المعرى والمتنبي وحتى حافظ وشوقي وغيرهم.

وفيه أيضا المحور الفكري الذي يتخلل كل المحاور، والذي بدأه برسالته للدكتوراه عن ابن خلدون، وسعى فيها إلى رد المنهج العلمي في الفكر والاجتماع إليه، وإلى إحياء منهج رفاعة رافع الطهطاوي في إجراء حوار مستمر بين المناهج والمنطلقات الغربية الحديثة وبين الأصول العربية والإسلامية القديمة، وواصله بدراساته المهمة عن المذاهب الأدبية والفكرية المختلفة.

وهناك أيضا المحور الإبداعي الذي فتح فيه بكتابه العلامة (الأيام) باب السيرة الذاتية الخلاقة في الأدب العربي الحديث، والتي يمتزج فيها السردي بالذاتي بالتأملي والفكري بشكل بالغ العذوبة والتأثير. لأن الجزء الأول من (الأيام) والذي صدر عام 1927 يعد في مستوى من مستويات التأويل فيه رد طه حسين المفحم على من هاجموه على كتابه (في الشعر الجاهلي)، وبرهانا ناصعا لا نظير له على أنه بدون العقل والشك وطرح الأسئلة، ما كان للفتى الفقير الذي ذهب الجهل بنور عينيه أن يصبح ملء السمع والبصر؛ وأن يعمل عقله فيرى ما لا يراه الآخرون. كما أنجز في هذا المحور الإبداعي عددا لابأس به من النصوص السردية المهمة في الرواية والقصة القصيرة، أذكر منها على وجه الخصوص، فضلا عن (دعاء الكروان) و(شجرة البؤس) و(جنة الشوك) و(أحلام شهرزاد)، مجموعته القصصية المهمة (المعذبون في الأرض) لأنها فتحت باب الواقعية الأدبية على مصراعيه، فتدفقت منه نصوص إبداعية كثيرة انشغلت بالشرائح المهمشة والمعذبة في الواقع المصري والعربي من ورائه، ووضعت قضية العدل الاجتماعي على خارطة الجدل والإبداع معا، وهي القضية التي مازالت حتى اليوم شاغل المجتمع العربي، وأحدى شعارات ثوارت الربيع العربي الراهنة.

وهناك كذلك محور الفن التمثيلي واليونانيات الذي اهتم فيه بتقديم كلاسيكيات المسرح الغربي درسا وترجمة، وبتيسير سياقات هذا المسرح الاجتماعية والفلسفية والتصورية للقارئ العربي، حتى يستطيع أن يستوعب نصوصه ورؤاه، وحتى يمهد الأرض لميلاد مسرح مصري وعربي لم يتأخر ميلاده كثيرا. وواصل طه حسين رفده بالمعارف والخلفيات عبر تقديمه للكثير من أعلام المسرح الفرنسي قديمه وحديثه. وهو محور انفتح فيما بعد فشمل أجناسا أدبية غربية كثيرة، واصل إثراءه على مد مسيرته الثقافية الطويلة في الاهتمام بالترجمة، وهي مشروع مستقل، وبتقديم الترجمات المختلفة للآداب الغربية، من ستندال إلى دوستويفسكي، وكان أول من قدم للقارئ العربي أعلام الحداثة الأوروبية الكبار من جويس وكافكا إلى ت. س. إليوت وأوسكار وايلد في مجلته المهمة (الكاتب المصري).

فقد كان طه حسين واعيا بضرورة الحوار الخلاق مع ثقافات العالم عامة، والثقافة الأوروبية المتوسطية خاصة. وكان يعي مقولة جوته الشهيرة، بأن الثقافات تترجم ما تتشوف إلى إبداعه، أو ما هي على مشارف تخليقه، فكان يستشرف بترجماته وبما يوصي تلاميذه بترجمته حاجات الثقافة العربية الراهنة ومستقبلها. لأنه يدرك أن القارئ العربي الذي أخذت حساسيته الأدبية في التغير في حاجة إلى أدب جديد، ورؤى جديدة، وأفكار مغايرة لم يوفرها له كتابه بعد، ويجد أطيافها جميعا فيما أنجزته الثقافة الأوروبية على مد ساحتها الواسعة من روسيا حتى بريطانيا، مرورا ببلده الأثير فرنسا بالطبع.

وهناك أيضا محور التنظير الثقافي والفكري الذي يقدم فيه كتابه/ تقريره الثقافي لحكومة الوفد (مستقبل الثقافة في مصر) 1938 رؤية ثقافية وفكرية متميزة، أصبحت ميثاق العمل الثقافي الوطني المصري لعقود. تطرح على مصر مشروعها الحضاري والنهضوي الجدير بها وهي تستشرف استقلالها الحقيقي عقب توقيع الوفد على معاهدة 1936. ويواصل في كتبه ومقالاته الكثيرة الأخرى، من هنا ومن هناك، في هذا المحور استقصاءاته الشيقة للكثير من قضايا هذا المشروع التي كان أحد ممارسيها، وأحد أبرز العناصر الفاعلة في كثير من إنجازاتها وأنشطتها.

التعليم والجامعة وحرية الفكر:
فلم يقتصر نشاطه على حرم الجامعة برغم دوره المهم فيها، حيث أرسى بها مجموعة من القيم الجامعية الأساسية وعلى رأسها أهمية استقلال الجامعة، وعصمة البحث العلمي فيها من الجهل وضيق الأفق. لأن طه حسين «أستاذ» جامعي بحق، بالمعنى الدقيق لهذا المصطلح الذي ابتذله الكثيرون. أستاذ لا يساوم على قيم الجامعة وسمعتها، ويؤثر أن يفقد وظيفته على أن يكرس الجامعة لخدمة مشروع سياسي لا شرعية له، كما حدث في ازمته مع حكومة إسماعيل صدقي وحزب الشعب. أستاذ صاحب مشروع علمي وفكري واجتماعي بكل معنى الكلمة. يفتح المسارات الجديدة، ويحث طلابه على طرح الأسئلة واكتشاف الأصقاع العلمية والبحثية المجهولة.

وقد كان طه حسين صاحب مشروع تعليمي طموح، عمل بدأب على تحقيقه على مراحل جعل شعارها جميعا أن التعليم حق وضرورة كالماء والهواء. بدأه حينما كان مستشارا تعليميا لحكومة الوفد في الأربعينات بفرض اللغة العربية كلغة رسمية للبلاد، وسن قانون التعليم الإلزامي، وتأسيس إدارة الترجمة بوزارة المعارف والتي صدر عنها مشروع الألف كتاب. كما استصدر منها قانونا بتأسيس جامعة الإسكندرية عام 1942، وأصبح أول مدير لها. ثم تبع هذه الخطوات بخطوة أخرى مهمة حينما قرر مجانية التعليم الثانوي عندما أصبح وزيرا للمعارف في حكومة الوفد عام 1950.

لكن مشروع طه حسين التعليمي الطموح بلغ ذروته الجامعية حقا بتأسيس جامعة الإسكندرية كتجسيد مؤسسي لمشروعه الفكري والحضاري في (مستقبل الثقافة في مصر). حينما جعل هذه الجامعة الجديدة منارة علمية وبحثية للقاء الحضاري بين مصر والعالم المتوسطي، وأحالها إبان إدارته لها، وفي سنوات قلائل، إلى واحدة من أهم جامعات البحر الأبيض المتوسط، تجتذب خيرة الباحثين الشباب من أوروبا نفسها، والتي أصبح للكثير منهم، وقد عملوا شبانا في جامعة الإسكندرية أثناء إدارته لها، شأن كبير فيما بعد مثل: جريماس، ورولان بارت، وفوكو، وإ. م. فورستر وروبرت جريفز وجون هيث ستبس وغيرهم. وكان طه حسين فضلا عن هذا كله من أهم محركي العمل الثقافي العام في مصر وفي العالم العربي الأوسع طوال حياته. عبر مشاركاته المختلفة في المؤتمرات والمحاضرات، والأحاديث الإذاعية والكتابات الصحفية.

وليس هنا مجال تقديم مشروع طه حسين الفكري والثقافي الضخم، ناهيك عن تقييمه، فقد كتبت عنه الكثير من الكتب، منذ أصدر كتابه العلامة (في الشعر الجاهلي) عام 1926 فتناوله الكتاب وكتبت عنه الكتب، ولاتزال تكتب عنه الكتب حتى الآن في العربية وفي اللغات الأوروبية المختلفة على السواء. فهو مشروع كبير له مناصروه الذين يحلمون باستقلال مصر وتقدمها، وله معارضوه الذين يريدون الانكفاء بها إلى الوراء وتبعيتها وهم كثيرون، ولكنه مشروع كبير بحق، ولايزال يحتاج إلى المزيد من الدرس والتأمل. ولكن كل ما تسعى إليه هذه المقدمة هي طرح مجموعة من الأفكار حول المحور الذي اكتمل بهذا الكتاب: (الشيخان)؛ وهو محور الدراسات التاريخية الفكرية الاجتماعية معا، فهذه الصفات مجتمعة هي التي تميز كتاباته وسردياته المتعددة المعروفة بالإسلاميات. أقول أن هذه المقدمة تسعى إلى طرح مجموعة من الأفكار حول هذا المحور، بالرغم من يقينها بأن مشروع طه حسين مشروع كبير متكامل تتفاعل فيه المحاور مع بعضها البعض، ويدعم بعضها البعض، ويرفده بالمزيد من الدلالات وسعة الأفق وبعد النظر. بصورة يصعب معها فصل محور عن بقية المحاور، فنص طه حسين هو نص متشابك الحلقات، برغم تنوع الأجناس الأدبية التي تنتمي إليها نصوصه المختلفة.

تحولات الواقع وتجذر عملية التحديث:
وحتى ندرك طبيعة انجاز طه حسين في هذا المحور الذي اكتمل بكتاب (الشيخان)، لابد من موضعه هذا الانجاز في سياقات توليده وتطويره. فقد كان هذا المحور الذي استغرق ثلاثة عقود من عمله وحياته جزءا من مسيرة ثقافية طويلة تراكمت فيها انجازات عملية التحديث العربية في مصر خاصة وأصقاع عربية كثيرة معها، وتبلورت عبرها ملامح خطاب أدبي وفكري يحتفل بالعقل ويسعى لتحقيق التقدم والاستقلال. وهي عملية لها صيرورتها المتميزة والتي امتدت من رفاعة رافع الطهطاوي إلى جمال الدين الأفغاني وعبدالله النديم ومحمد عبده والحركة الوطنية العرابية، واستطاعت بمشاركات كثيرين أن ترسي البنية التحتية لتحول ثقافي واجتماعي كبير ومتواصل. لكن إجهاض الثورة العرابية وما تبعه من استعمار بريطاني هندس أسسه الأولى أحد أكبر الساسة البريطانيين المعادين لثقافة شعوب المستعمرات وتعليمهم، وهو اللورد كرومر، ضرب تلك المسيرة في الصميم فتعثرت لأكثر من عقدين من الزمان. ولكنها استطاعت أن تلتقط أنفاسها من جديد بعد حادث دنشواي الشهير عام 1906 وما تبعه من صحوة وطنية.

والواقع أن ما مكن مصر من العودة إلى مسيرتها الثقافية والنهضوية بسرعة هو أن البنية التحتية للتحول الثقافي والتي بدأت منذ عودة رفاعة رافع الطهطاوي من باريس عام 1832 وتلقت دفعة قوية ومؤثرة في سنوات حكم الخديوي إسماعيل كان لها دور كبير في تأسيس قواعد تلك العودة. فلم تستطع إجراءات المستعمر البريطاني في تقليص الإنفاق العام وإغلاق المدارس والصحف والجمعيات الثقافية إلا عرقلة تلك المسيرة لهنيهة، سرعان ما استعادت بعدها عافيتها. لأن عملية التحديث التي بدأت منذ مشروع محمد على النهضوي الكبير كانت قد رسخت في أديم الواقع بنيتها التحتية وجذرتها. واستطاعت التغلغل في شتى مناحي الحياة اليومية للمصريين والتأثير فيها: من تخطيط المدينة وتبدل عمرانها وتغير نوعية مساكنها بما يترتب عليها من تبدل طرائق حياتهم، ومن تثوير التعليم إلى تغير «رؤية العالم» بالمفهوم الشامل لهذا المصطلح، ومن تطور وسائل المواصلات إلى ايقاع الحركة.

كانت هذه البنية التحتية قد تجذرت في الواقع وفي الإنسان. وأدت إلى النمو المتسارع للحاضرتين المصريتين الكبيرتين: القاهرة والإسكندرية بشكل غير مسبوق، وإلى تحولهما إلى مراكز جذب للكثيرين من الأوروبيين من اليونان وإيطاليا خاصة. وأصبحت الحياة الحضرية واقعا صلبا وصيرورة انطوت على مجموعة من التحولات الجذرية التي انتابت بنية الحياة الاجتماعية ذاتها وإيقاعها وطقوسها اليومية. فتحررت من الأنساق الاجتماعية الثابتة إلى الأنساق المتحولة. وأصبحت المدرسة والصحيفة والكتاب والمسرح والجمعية الثقافية من أدوات الحياة اليومية للإنسان الحضري ومؤسساتها التي لا غنى عنها مهما حرمها كرومر من التمويل. وأصبح نمط الحياة الجديد هذا أداة فاعلة في تغيير رؤية الإنسان المصري لنفسه وللعالم من حوله. وقد تغلغلت في حياته اليومية أدوات الحضارة الحديثة حتى أدت إلى ميلاد «رؤية جديدة للعالم»، تستوجب بالتالي خطابا جديدا يعبر عنها ويصوغ صبواتها ومطامحها.

لذلك ما أن اندلعت شرارة حادث دنشواي وأيقظت مصر من كابوس هزيمة الثورة العرابية واحتلال الوطن، حتى بدأت تلك الصيرورة التحديثية من جديد وبزخم كبير، وكأنها لم تتعثر قط. فما أن مر عامان بالكاد على هذا الحادث الذي وضعه مصطفى كامل بقوة على خريطة الوعي الوطني، حتى وجدنا أنه قد تم تأسيس خمسة احزاب مرة واحدة عام 1908، ويؤسس كل منها جريدته. ووجدنا كثيرا من النصوص السردية الرائدة تتبرعم في السنوات القليلة التالية لها من (عذراء دنشواي) لمحمود طاهر حقي وحتى (زينب) لمحمد حسين هيكل (والعشرة الطيبة) لمحمد تيمور. وبدأت الأجنة الأولى لخطاب جديد يمد جذوره في أعمال عبدالله النديم الباكرة ورؤاه، ويرد للحلم المصري الوطني زخمه من جديد، فكثرت المقالات والكتابات التي تبلور رواسي هذا الخطاب الجديد العقلية منها والوطنية على السواء. بصورة سرعان ما تجلت نتائج تراكماتها الحثيثة الباهرة بعد عقد من الزمان في ثورة 1919.

تحولات الخطاب الثقافي والرؤية:
وإذا كانت الثورة بنت تراكمات تلك المتغيرات الجديدة، وبنت الخطاب الثقافي التحديثي، فإنها قدمت لهذا الخطاب دفعة قوية داعمة لأسسه الفكرية والمنطلقية. وأحالته إلى خطاب وطن بأكمله يسعى للحرية والاستقلال. فقد كان هذا الخطاب بأسسه العقلية الجديدة هو الذي بلور عملية التحول من التفكير التقليدي القديم بأفقه المسدود والمحدود، إلى تفكير جديد ينهض على المنطق والعلم وتعدد الاحتمالات المفتوحة، وليس على الجهل والخرافة. وأحال الواقع الاجتماعي من الركود الذي عانى منه لقرون من الحكم العثماني وصراعات المماليك، إلى واقع متحرك ومتغير نتيجة الوعي بأن التعليم قد أصبح آلة للحراك الاجتماعي وتبدل المصائر التي كانت تعاني من الثبات. ومكن الإنسان من الحلم بمستقبل أفضل يستطيع فيه أن يكون ما يريد، لا أن يتبع ما يُراد له، وأن يواصل ما كان يفعله أبويه دون أي خيارات بديلة.

وهو التحول نفسه الذي انتقل بالفكر الوطني والسياسي من رؤية مستقبل مصر في إطار وضعها المألوف في الخلافة العثمانية، إلى رؤيته في إطار الدولة الوطنية الحديثة المستقلة. ومن دولة تابعة سياسيا واقتصاديا إلى مركز أجنبي، سواء أكان في الأستانة أو في لندن بعد ذلك، إلى دولة مستقلة لها أجندتها السياسية التي عبر عنها الوفد والثورة. وسرعان ما بلور أسس اقتصادها الوطني الطامح للاستقلال طلعت حرب بمشروعاته المختلفة. وعلى الصعيد الأدبي والفكري كان التحول الناجم على متغيرات البنية التحتية للتحول الثقافي والاجتماعي هو بزوغ الخطاب الأدبي الجديد بأشكاله المختلفة من رواية وقصة قصيرة ومسرحية ونقد أدبي منهجي خلاق، وهو جنس أدبي مغاير لما كان سائدا من قبل من الحواشي والشروح على المتون والموازنات. ومع هذه الأشكال الأدبية الجديدة تبلور لغة تعبيرية جديدة لم يعد مدار اهتمامها هو اللعب بالألفاظ والمحسنات البلاغية، إنما خلق بلاغة جديدة، تعتمد على المنطق العقلي ودقة التعبير، والاهتمام بقدرة اللغة على نقل متغيرات الواقع، والارتقاء بوعي القارئ وتفكيره.

وكان هذا الخطاب الأدبي والثقافي الجديد، ولغته ذات المنطلقات التصورية المختلفة، مغايرا بل مناقضا تماما للخطاب الذي ساد قبله لقرون، واعتمد على الكسل العقلي والتكلس البلاغي وحفظ الحواشي والشروح. وهو خطاب برغم قدمه وركاكته، كان انصاره والمستفيدون منه كثيرين ومتنفذين معا، يتمتعون كمثقفين بالجاه والنفوذ. ومن هنا كان ما يعرف بالمعارك بين القديم والجديد، وقد دارت رحاها واشتدت وتنوعت قضاياها طوال العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين، هي في واقع الأمر معارك على ما يدعوه بيير بورديو برأس المال الثقافي، أو رأس المال الرمزي في المجتمع. وهي المعارك التي انتهى معظمها إلى انتصار أنصار الخطاب الجديد، وزعزعة مكانة الخطاب القديم وتآكل رأسماله الرمزي.

في سياق هذا الجدل أو الصراع بين الخطابين وما يمثله كل منهما من رأسمال رمزي كانت كتابات بداية القرن، وخاصة في الأعمال القصصية الأولى لدى جبران خليل جبران (1883 – 1931) في لبنان، ومحمود تيمور (1894 – 1973) ومحمود طاهر لاشين في مصر تعري ملق رجال الدين من أصحاب الخطاب التقليدي، وتكشف للمجتمع تهافت منطقهم وفسادهم. سواء أتعلق الأمر برجال الدين المسيحي عند جبران، أو مشايخ الدين الإسلامي عند محمود تيمور ومحمود طاهر لاشين، في محاولة لزعزعة مكانتهم في المجتمع، وسحب بساط السلطة والدور والمكانة التي احتازوها عبر تراكم تواريخ الانحطاط الثقافي والركود. ولست في حاجة هنا إلى تذكير القراء بالهجوم الضاري الذي ينطوي عليه كتاب (الديوان) لعباس محمود العقاد وإبراهيم المازني على نجوم الخطاب التقليدي في الأدب والشعر، من أحمد شوقي إلى مصطفى لطفي المنفلوطي، وزعزعة مكانتهم الأدبية، وتجريدهم من رأسمالهم الثقافي. بل إن طه حسين نفسه ناله ما ناله من أصحاب الخطاب القديم عندما نشر كتابه العلامة (في الشعر الجاهلي). فما أتحدث عنه هو حراك جدلي وصراع ثقافي شامل ساد العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين، وانتهي بسحب البساط كلية من تحت أقدام نجوم الخطاب التقليدي القديم، والإجهاز على الأساس الذي كانت تنهض عليه شعبيتهم واحترام القراء لهم.

تحرير الخطاب الديني من احتكار التقليد:
في سياق هذا الصراع على رأس المال الثقافي الرمزي طوال العقود الأولى من القرن العشرين، وفي سياق تعزيز مكانة الخطاب الثقافي الجديد، وسحب البساط من تحت أقدام الخطاب القديم والكشف عن عوراته وعطبه، يمكن أن نفهم الإطار الذي دارت فيه عملية عقلنة الخطاب الديني وطرح الأسئلة المنهجية عليه. وهي العملية التي كان مشروع طه حسين في كتابة كتبه/ إسلامياته تلك جزءا أساسيا منها. ففي سياق هذا الصراع بين الخطابين نجح الخطاب الجديد في زعزعة الأسس التي ينهض عليها احتكار المثقف التقليدي للخطاب الديني، وفي الكشف عن استغلاله السيء لهذا الخطاب لتحقيق المكاسب المادية منها والحسية، وليس ابتغاء مرضاة الله، كما نجد في الكثير من قصص محمود تيمور في مجموعاته الأولى والتي حملت عناوين مثل (الشيخ سيد العبيط) (الشيخ جمعة) (الشيخ عفا الله) .. إلخ. وقد تلت عملية تعرية هؤلاء المشايخ الفاسدين، والكشف عن عدم جدارتهم بالاحترام على المستوى الشعبي عبر القصص والروايات التي لا نجد فيها «الشيخ» إلا شخصية سلبية لا تستحق الاحترام، محاولات جادة للمثقف الحديث في الدخول إلى تلك الساحة التي كانت حكرا على المثقف التقليدي، وجلب خطابه العقلاني، ومناهج البحث والتمحيص التاريخي إليها. بصورة امكن فيها تسكين الخطاب الديني في قلب الخطاب الحداثي العقلاني الجديد.

وقد بدأ هذه المحاولات العقلية الرصينة والجادة محمد حسين هيكل (1888 – 1956) بكتابه الرائد في هذا المجال (حياة محمد) 1933 والذي تبعه بكتب عديدة أخرى هي (في منزل الوحي) 1937 و(الفاروق عمر) 1944، و(الصديق أبوبكر) 1946. وبالتزامن مع مشروع هيكل، زميل طه حسين وصديقه، انطلق مشروع طه حسين في إسلامياته في العام نفسه بكتاب (على هامش السيرة) 1933 وتواصل حتى (الشيخان) 1960. وفي نفس الفترة، عقد الثلاثينيات كتب توفيق الحكيم (1898 – 1987) كتابه الحواري الكبير ولا أقول المسرحي (محمد) 1936، لأنه لم يكن ممكنا أن يكتب مسرحية بالمعنى المألوف عنه، وإن كتب في الفترة نفسها (أهل الكهف)، استطاع فيها استيعاب الموضوع الديني في الشكل المسرحي، ببراعة وتوفيق كبيرين. وبدأ عباس محمود العقاد (1889 – 1964) سلسلة كتبه المعروفة باسم العبقريات والتي بدأها عام 1939 وتتابعت حلقاتها حتى نهاية الأربعينات. وقد اتسمت كل تلك الأعمال الرائدة باستيعاب الموضوع الديني داخل بنية الخطاب الجديد، وإخضاع مسروداته المتداولة والمعروفة لمنطق هذا الخطاب العقلي والتصوري وتجريدة مما لحق به من خرافات.

وتواصلت مسيرة استيعاب الموضوع الديني في بنية الخطاب الجديد في العقود التالية، حتى اكتسبت النصوص والسرديات الإسلامية الجديدة بعدا عقليا رصينا وتأويلا فكريا مغايرا ومعاصرا يضع الإسلام في قلب مسرودات القرن العشرين الجديدة، وبمنطق حضاري وفكري يعي ما يدور في العالم. فوجدنا فتحي رضوان (1911 – 1988) يكتب (محمد: الثائر الأعظم) 1954 ويروي قصة الرسول (صلعم) من منظور أكثر صحابته راديكالية، وأشد خلفائه عقلانية وحرصا على الحق والعدل والحرية، عمر بن الخطاب، في نوع من الفلاش باك الذي يدور في رأس عمر ساعة سماعه خبر موت الرسول (صلعم). وهي استراتيجية سردية مكنته حقا من تقديم قصة الرسول بمنطق إنساني مقنع لمن يؤمن برسالته ومن لا يؤمن بها على السواء. وهو الدور الذي أخفق فيه الخطاب القديم وترك الإسلام عرضة لنقد مرير من أعدائه المسيحيين منهم واليهود. فقد أدرك الخطاب الجديد أن انفتاحنا على العالم يتطلب منا أن نقدم ديننا وقصة رسولنا العظيم (صلعم) لا لمن يؤمنون به فحسب، ولكن لمن لا يؤمن به كذلك وبمنطق يقنعه. من تصوير الجانب الثوري بالمعنى المعاصر للدعوة الإسلامية، وإبراز جوانب الثورة الاجتماعية والفكرية والتشريعية التي تنطوي عليها بالمقارنة بغيرها من الثورات الإنسانية. وفي الفترة نفسها كتب مصطفى محمود (1921 – 2009) الشاب كتابة الشهير (الله والإنسان) عام 1956، يهاجم فيه المتاجرة بالدين الحنيف، ويكشف فيه ملق شركة آرامكو لطباعتها القرآن الكريم، وهي لا تؤمن بما جاء فيه، بل وفي مجلس إدارتها عدد من غلاة المسيحيين الصهاينة المتطرفين. وهو الكتاب الذي لقي رواجا كبيرا وقتها وإن تراجع مؤلفه الشيخ عنه في فترة دروشته الوهابية المجزية في نهايات حياته.

وبلغت تلك المسيرة ذروتها في عقد الستينيات بنشر عبدالرحمن الشرقاوي (1921 – 1987) كتابه (محمد: رسول الحرية) 1961 الذي واصل فيه تجربة فتحي رضوان وطورها، وكشف فيه بمنهجية علمية عن مكونات الصراع الاجتماعي والطبقي والسياسي في الجزيرة العربية، وعن تحرير الرسول (صلعم) للإنسان من ربقة العبودية الاجتماعية والروحية على السواء، قبل قرون من انطلاق أي دعوة لتحرير العبيد في الغرب أو في أي مكان بالعالم. وكيف دافعت دعوته عن المضطهدين والمحرومين والمظلومين. كما شهد عقد الستينيات أيضا تحرر الخطاب الديني عن الإسلام من سطوة المؤسسة الدينية كلية، إلى الحد الذي وجدنا معه قبطيا، وهو نظمي لوقا (1923 – 1987)، يكتب قصة النبي في (محمد: الرسالة والرسول) 1959. فتقرر وزارة المعارف وقتها طبع الكتاب وتوزيعه على طلبة المدارس الثانوية.

لكن هذه المسيرة المهمة في تحديث الخطاب الديني ووضعه وسط الخطابات المقنعة في قلب القرن العشرين، والتي استمرت لأربعة عقود من بدايات ثلاثينيات القرن حتى نهايات ستينياته، سرعان ما انقلبت صيرورة وانعكس اتجاهها في العقود الأربعة الأخيرة. فقد تم استغلال النكسة باعتبارها نهاية المشروع التحديثي العقلاني، وبداية التحول صوب الخطاب المتأسلم، الذي منحه السادات دعمه السياسي عقب 1973 وإعلان أن دولته هي دولة العلم والإيمان. وعاد الخطاب التقليدي بشراسة لينتزع البساط من جديد، ويكتسب بسلطة الدولة والإعلام الجديد والدعم الخارجي غير المحدود، شعبية كبيرة، لا بين المتعلمين، وإنما بين الأميين الذين توجه لهم هذا الخطاب عبر وسائل الإعلام المرئية منها والمسموعة. ووصلت هذه المسيرة ذروتها في فتاوى استحلال دم نجيب محفوظ والاعتداء الآثم على حياته، وتحريم الأدب والفن ومصادرة الكتب والروايات. لكن دراسة هذه المسيرة المقلوبة، والتي انتهت بشيطنة الإسلام في الغرب وتفشي الإسلاموفوبيا فيه، بعدما كانت المسيرة الأولى قد كسبت له انصارا بين مثقفيه، ووجدنا الكثيرين من المستشرقين من أمثال مونتجومري وات في بريطانيا ومكسيم رودنسون في فرنسا يدافعون عنه، ويمجدون سيرة رسوله الكريم (صلعم) ويكتبون عنه بكل احترام وتقدير، ليست موضوع اهتمامنا هنا، وإن كانت موضوعا جديرا بالدراسة لمعرفة باثولوجيا الراهن المصري والعربي.

طه حسين وتحديث الخطاب التاريخي:
فما يهمنا هنا هو موضعة مشروع إسلاميات طه حسين في سياقه من ناحية، والتقديم لآخر كتب هذا المشروع (الشيخان) من ناحية أخرى. والواقع أن مدخل طه حسين إلى إسلامياته تلك كان كما رأينا في سياقاتها ينهض على مبدأين أساسيين: أولهما أن يعيد كتابة هذا الخطاب القديم بلغة حديثة، مضافا إليها مشاعر من يعرفها في أصولها القديمة، ووعيه بتأثيرها الكبير عليه. فقد بدأ طه حسين مشروع إسلامياته الكبير كما يقول في مقدمته لـ(على هامش السيرة) بالرغبة في تقديم ما ترويه كتب التراث العربي المهمة عن السيرة النبوية إلى القراء الذين انصرفوا عن قراءة تلك الكتب، وعن قراءة السيرة، وعن قراءة الآداب القديمة، لما يواجهون فيها من صعوبات. ونقل أهم ما فيها إليهم بلغة سهلة ومنطق سليم، مضافا إليه ما تتركه في نفسه قراءة الأصول من مشاعر وأحاسيس. «فليس في هذا الكتاب إذن تكلف ولا تصنع ولا محاولة للإجادة، ولا اجتناب للتقصير. وإنما هو صورة يسيرة طبيعية صادقة لبعض ما أجد من الشعور حين أقرأ هذه الكتب التي لا أعدل بها كتبا أخرى مهما تكن، والتي لا أمل قراءتها والأنس بها، والتي لا ينقضي حبي لها، وإعجابي بها، وحرصي على أن يقرأها الناس. ولكن الناس مع الأسف لا يقرؤونها؛ لأنهم لا يريدون أو لأنهم لا يستطيعون. فإذا استطاع هذا الكتاب أن يحبب إلى الشباب قراءة كتب السيرة خاصة، وكتب الأدب العربي القديم عامة، والتماس المتاع الفني في صحفها الخصبة، فأنا سعيد حقا، موفق حقا لأحب الأشياء إليّ، وآثرها عندي». (على هامش السيرة، ص ط) وطه حسين يريد لهذه القراءة، ولما يتمخض عنها من معرفة، أن تكون قراءة فاعلة تحث القراء على استلهام تراثهم القديم في كتابتهم الجديدة وإبداعاتهم المعاصرة، كما يستلهم الغربي تراثه في أعماله الأدبية والفكرية المعاصرة، فيدير الحاضر حواره مع الماضي ويغتني به.

أما المبدأ الثاني فهو أن يقدم هذه المرحلة بلغة سهلة يسيرة الفهم والاستيعاب إلى القارئ الجديد بكل دقة وأمانة، وبصورة تجعل الكتاب الجديد بديلا موثوقا به عن الكتب القديمة الكثيرة والصعبة في هذا المجال. لأنه يقدم جوهرها، ويدقق في رواياتها ويمحصها، ويلتزم الأمانة في تعامله معها. إذ يقول: «وأحب أن يعلم الناس أيضا أنني وسعت على نفسي في القصص، ومنحتها من الحرية في رواية الأخبار واختراع الحديث ما لم أجد به بأسا. إلا حين تتصل الأحاديث والأخبار بشخص النبي، أو بنحو من أنحاء الدين، فإنني لم أبح لنفسي في ذلك حرية ولا سعة. وإنما التزمت ما التزمه المتقدمون من أصحاب السيرة والحديث، ورجال الرواية، وعلماء الدين. ولن يتعب الذين يريدون أن يردوا فصول هذا الكتاب القديم في جوهره وأصله، الجديد في صورته وشكله، إلى مصادره القديمة التي أُخذ منها. فهذه المصادر قليلة جدا، لا تكاد تتجاوز سيرة ابن هشام، وطبقات ابن سعد، وتاريخ الطبري. وليس في هذا الكتاب فصل أو نبأ أو حديث إلا وهو يدور حول خبر من الأخبار ورد في كتاب من هذه الكتب». (على هامش السيرة، ص ك) ويؤكد هذا المقتطف أن لكل ما في الكتاب أصوله في ثقات كتب السيرة والتاريخ الإسلامي. وأن منهج طه حسين في الكتابة يلتزم بالدقة والصدق والأمانة، وخاصة حينما يتصل الأمر بشخص النبي أو بأمر من أمور الدين. حيث يرجع فيها كل شيء إلى مصادرة الأولية الموثوق فيها، مع أنه يتيح لنفسه في غير ذلك التصرف وفق ما يقتضيه المنطق والعقل، وما يعزز عملية الإقناع.

فتحديث الخطاب الديني عند طه حسين يلتزم بالحقائق المستقرة في الكتب الثقات. وهو أمر يكرره طه حسين في كتابه (الفتنة الكبرى) حينما يؤكد أن المنهج الذي اختطه فيه هو منهج التدقيق العلمي في كتابة التاريخ. إذ يفتتح الجزء الأول من (الفتنة الكبرى) بـ«هذا حديث أريد أن أخلصه للحق ما وسعي إخلاصه للحق وحده. وأن أتحرى فيه الصواب ما استطعت إلى تحري الصواب سبيلا، وأن أحمل نفسي فيه على الإنصاف لا أحيد عنه ولا أمالئ فيه حزبا من أحزاب المسلمين على حزب، ولا أشايع فيه فريقا من الذين اختصموا في قضية عثمان دون فريق. فلست عثماني الهوى، ولست شيعة لعلي. ولست أفكر في هذه القضية كما كان يفكر فيها الذين عاصروا عثمان واحتملوا معه ثقلها، وجنوا معه أو بعده نتائجها» (الفتنة الكبرى: عثمان، ص 4) فهو يضيف هنا إلى ضرورة الالتزام بالحقائق التاريخية المجردة والموثقة، الحيدة والصرامة المنهجية. ثم يواصل: «وأنا أريد أن أنظر إلى هذه القضية نظرة خالصة مجردة، لا تصدر عن عاطفة ولا هوى، ولا تتأثر بالإيمان ولا بالدين، وإنما هي نظرة المؤلف الذي يجرد نفسه تجريدا كاملا من النزعات والعواطف والأهواء، مهما تختلف مظاهرها ومصادرها وغاياتها.» (الفتنة الكبرى: عثمان، ص 5)

نحن هنا بإزاء كتابة جديدة للتاريخ، مغايرة لحشد الروايات وتجميعها دون منهج واضح، لأنها كتابة تأخذ في اعتبارها مكونات التاريخ الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والبشرية على السواء، وتزن دور كل مكون من هذه المكونات بميزان علمي دقيق. حتى لا يبدو التاريخ للقارئ وكأنه تراكم من الأحداث دون منطق أو عله، وإنما على أنه عملية صيرورة إنسانية فكرية واجتماعية معا، ترتبط فيها النتائج بالأسباب، والدوافع بالظروف والأحداث. فإذا كانت الكتابة (على هامش السيرة) كما يقول العنوان المستقى من كتب الهوامش والحواشي بعد أن أحدث فيها بحق ثورة أدبية وتعبيرية، يسيرة يسهل تمييز التاريخي فيها من المؤول، أو ما أحيط بهالات من الخرافة أو الأسطورة. وكانت الكتب الثلاثة الكبرى (سيرة أبن هشام) و(الطبقات الكبرى) لإبن سعد، و(تاريخ الطبري) مراجع ثقات يمكن الركون إليها والاعتماد عليها في فرز الأصيل من الدخيل في كل تلك الروايات التي دارت على هامشها. فإن الكتابة عن (الفتنة الكبرى) كانت عسيرة.

كانت الكتابة عن تلك الفترة المضطربة في صدر الإسلام عسيرة بحق، وهذا ما يضفي على كتابه عنها أهمية مضاعفة، لأن كثيرا مما كتب عن وقائع هذه الفتنة وأحداثها في المراجع والمصادر القديمة دوّن بعد سياقات الفتنة وأحداثها، وحمل الكثير من ترسبات تلك الأحداث وتأويلاتها، وتبريرات الراوين لها ودوافعهم، ومن تصورات المؤرخين لها ومواقفهم من خلافاتها، وما تركته في نفوسهم حولها حسب مواقعهم من أحداثها. جيث يروي لنا طه حسين فيها، أنه حينما سأل رجل علي «أيمكن أن يجتمع الزبير وطلحة وعائشة على باطل؟ فقال "إنك لملبوس عليك، إن الحق والباطل لا يعرفان بأقدار الرجال، اعرف الحق تعرف أهله، واعرف الباطل تعرف أهله". وما أعرف جوابا أروع من هذا الجواب الذي لا يعصم من الخطأ أحدا مهما تكن منزلته. ولا يحتكر الحق لأحد مهما تكن مكانته، بعد أن سكت الوحي وانقطع خبر السماء». (الفتنة الكبرى، على وبنوه، ص 40)

فقد أطلقت مجريات الأحداث ألسنة الرواة المتعصبين بكذب كثير؛ وروى كثير من المؤرخين هذه الأكاذيب دون تمحيص أو تدقيق أو تعريض لضوء المنطق والروايات المغايرة. كما أن كثيرا من تلك الروايات نقلت مشافهة وصنعت فيها الذاكرة، وهي بطبعها خؤون، صنيعها. لذلك تحرى طه حسين في الكتابة عنها الدقة والصرامة المنهجية، بصورة تجعل كتابه رائدا في هذا المجال. وكاد أن يخلص من دراسته لها بأن بعض ما أدى إليها يعود إلى اصطدام الوقائع بآليات حراكه السياسي والاجتماعي، بعد اتساع رقعة الدولة الإسلامية وتنامي خراجها، بالمثال الأخلاقي والقيمي والديني النادر الذي أرسى الشيخان، أبو بكر وعمر، قواعده الأولى على أرض الجزيرة العربية. بصورة أصبح من العسير على من جاء بعدهما أن يطبق هذا المثال النموذجي الذي لم تنجح البشرية حتى الآن في الوصول إلى مثله صدقا وعدلا وحرية.

الشيخان: ذروة مشروع الإسلاميات:

ولا أدري إذا ما كان طه حسين قد خطط مشروعه من البداية بهذا الترتيب الذي بدأ بـ(على هامش السيرة) وانتهى بـ(الشيخان) بعدما فرغ من (الفتنة الكبرى بجزأيها)، أم أن الكتب توالدت من بعضها البعض على هذا النحو. لكنني أقرأ في مسارها منطقا رائعا يجعل (الشيخان) ذروة المشروع ونهايته الطبيعية التي جسدت تلك اليوتوبيا التي حلم بها الإنسان منذ فجر الخليقة، ولم تتحقق على الأرض إلا في عهد الشيخين؛ جاعلة الإسلام أسمى ما وصلت إليه الحضارة الإنسانية من قبل، وما تزال تصبو إليه من بعدهما. فبعد أن رسم لنا الخريطة الثقافية والاجتماعية للمجتمع العربي قبل الرسالة، وتتبع تطور الرسالة المحمدية ورصد لنا كل ما دار على هامش سيرتها العطرة من أحداث وشخصيات. بصورة جعلتنا نعرف هذا الواقع الموغل في القدم بنصاعة وحيوية كما يعرف الإنسان حاضره ومجتمعه، انتقل إلى حديث (الفتنة الكبرى) وتصاريف أحداثها، بتدقيق وأناة.

وتتبع في جزئي هذا الكتاب كيفية تخلق الخلاف في صدر الإسلام؛ وتولد الصراع بين المثال المرتجى، والواقع المدعوم بضعف النفس الإنسانية، وعدم صبرها على المثاليات الكبرى التي أرسى الإسلام أصولها، وجسد الشيخان مجتمعها بعد اكتمال الرسالة ووفاة الرسول (صلعم). وكيف تبرعمت الفتنة وتوالدت أجنة الفرقة بين الصحابة على كيفية تسيير أمور الدولة الإسلامية التي واصلت النمو والاتساع في عهد عثمان، بعد أن كان عمر قد مد نطاقها من الجزيرة إلى بلاد فارس، ومن الشام إلى مصر وشمال أفريقيا. وكيف بدأ عدم الرضى على تصرفات الخليفة ومحاباته لأقربائه ينشر سمومه بين المسلمين، بعد أن كان الخليفة مثالا يحتذى في السلوك والمواقف. وكيف انتهت تلك الفرقة إلى الثورة على عثمان وقتله. وكيف أصبح الأمر بعده بالغ الصعوبة حينما تولى علي الخلافة، وأراد العودة بها إلى سيرة عمر وصرامته النموذجية، فرفض من افسدهم الثراء، مثل معاوية بيعته، وأعلنوا الحرب عليه بحجج واهية مثل الثأر لدم عثمان، وهو أمر لم يفعله معاوية حتى بعد ان انتهت إليه الخلافة بالغدر والحرب والدهاء. ثم تفرق المسلمون بعدها إلى شيع متناحرة، بل ومتحاربة في السنوات الخمس التي حكم فيها علي بن أبي طالب. وهي سنوات اتسمت بالحروب المأساوية بين المسلمين بعضهم البعض، حيث بدأت بحرب عليّ الناكثين: الذين نكثوا بيعتهم له، وعلى رأسهم طلحة والزبير، وتبعها بحربه للقاسطين الذين أبوا أن يبايعوه، وعلى رأسهم معاوية وداهيته عمرو بن العاص.

وفي ظني أن مأساوية الفتنة الكبرى ووقع أحداثها الدامي على النفس، هو الذي دفع طه حسين إلى العودة إلى دراسة ما قام به الشيخان من تجسيد لدولة الخلافة: دولة الحق والعدل والحرية على الأرض. وخلق النموذج الإسلامي كيوتوبيا للإنسانية جمعاء بصرف النظر عن دياناتها وأعراقها، لم يحقق المجتمع الإنساني مثيلا لها حتى اليوم. فقد كان وعي طه حسين بأهمية هذا النموذج وندرته وصعوبته معا يتخلل كتابه (الفتنة الكبرى). حيث يكشف فيه عن أن تجربة الشيخين كانت سابقة لزمانها، في مثاليتها وعدلها حين يقول: «وأكاد أعتقد أن الخلافة الإسلامية كما فهمها أبو بكر وعمر إنما كانت تجربة جريئة توشك أن تكون مغامرة، ولكنها لم تنته إلى غايتها، ولم يكن من الممكن أن تنتهي إلى غايتها، لأنها أجريت في غير العصر الذي كان يمكن أن تجري فيه، سبق بها هذا العصر سبقا عظيما. وما رأيك في أن الإنسانية لم تستطع إلى الآن على ما جربت من تجارب، وبلغت من رقي، وعلى ما بلغت من فنون الحكم وصور الحكومات، أن تنشئ نظاما سياسيا يتحقق فيه العدل السياسي بين الناس على النحو الذي كان أبو بكر وعمر يريدان أن يحققاه». (الفتنة الكبرى: عثمان ص 5-6)

فقد «كانت القاعدة الأساسية التي أقام عليها أبوبكر وعمر نظام حكمهما هي أن يسيرا سيرة النبي في المسلمين ما وجدوا إلى ذلك سبيلا. وسيرة النبي في المسلمين معروفة إلى أبعد حد ممكن. وكان قوام هذه السيرة تحقيق العدل الخالص المطلق بين الناس. وما نحتاج فيما نظن أن نقيم على ذلك دليلا. وحسبنا أن نذكِّر من لا يذكر أن الإسلام إنما جاء، قبل كل شيء بقضيتين اثنتين: أولاهما التوحيد، وثانيتهما المساواة بين الناس.» (الفتنة الكبرى: عثمان ص 10) وإذا كان من اليسير أن يؤمن الناس بوحدانية الله الذي لا إله إلا هو، فإن تحقيق المساواة بين الناس، مع ما جبل عليه الإنسان من ضعف واستسلام للأهواء، ليست يسيرة بأي حال من الأحوال. وهو أمر حققه الشيخان، وأخفقت الإنسانية في تحقيقه بعدهما، بل أخفقت الأمة الإسلامية نفسها في الاستمرار فيه بعدهما، وإلا لما دبت الفتنة بينهم ولما كبرت.

وقد يبدو أمر العدل والحرية والمساواة بين الناس منطقيا ويسيرا حينما نتحدث عنه، ولكن تطبيقه في الواقع أمر بالغ العسر، تنهض في وجهه الكثير من الصعوبات، خاصة حينما نبدأ في تدبير أمور مجتمع من المجتمعات، وتوزيع الأدوار فيه بين حاكم ومحكوم. يقول طه حسين: «إن أمر الخلافة كله قام على البيعة، أي على رضى الرعية، فأصبحت الخلافة عقدا بين الحاكمين والمحكومين، يعطى الخلفاء على أنفسهم العهد أن يسوسوا المسلمين بالحق والعدل، وأن يرعوا مصالحهم، وأن يسيروا فيهم سيرة النبي ما وسعهم ذلك. ويعطي المسلمون على أنفسهم العهد أن يسمعوا ويطيعوا وأن ينصحوا ويعينوا».(الفتنة الكبرى عثمان، ص 25) فنحن هنا بإزاء تعاقد اجتماعي حر بين الحاكم والمحكوم، ينهض على الحق والعدل وابتغاء مرضاة الله. ويتأسس على الحرية المطلقة منذ هذا الزمن الباكر. فقد كان أول ما قاله أول الراشدين أبو بكر الصدّيق في خطبته التي تروى عنه عقب بيعته، والتي يرد حديثها في هذا الكتاب الذي نقدمه لك: «إن أحسنت فأعينوني، وإن أخطأت فقوموني ... أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم.»

هكذا يكشف العهد الأول، أو العقد الاجتماعي السياسي الأول، الذي قامت عليه السلطة البشرية الأولى في الإسلام، بعد موت الرسول (صلعم) الذي كان يتلقى الوحي عن الله عزّ وجل، عن أنه عهد بين أحرار متساوين في الحقوق والواجبات، «إن أحسنت فأعينوني، وإن أخطأت فقوّموني». وهو عقد اجتماعي سياسي على أسس مثالية بالغة الدقة والوضوح. وقد استمر هذا العقد واكتسب قدرا أكبر من الصرامة مع عمر بن الخطّاب الذي وضع أساس الحكم في خطبة تولية الحكم بعد أن فرغ من دفن إبي بكر، على مستويين: الأول هو أن يقوم هو بنفسه بإحقاق العدل وتوفير الحرية. «بأن ما حضره من أمر المسلمين باشره بنفسه، ولا يباشره أحد دونه، وما غاب عنه من أمرهم ولاه أهل الأمانة والكفاية، فإن أحسن هؤلاء الولاة زادهم إحسانا، وإن أساءوا نكّل بهم. فلم يغير طول خلافته من ذلك العهد شيئا.» (الشيخان)؛ والثاني هو ما يخص الرعية ممن لا يستطيع أن يباشر أمرهم بنفسه. فقد رسم لعماله، أي ولاته على الأمصار، سبل التعامل مع الرعية بوضوح وجلاء. إذ كان عمر «لا يمل من أن يقول لأهل المدينة، ولمن ورد عليه من أهل الأمصار: إني لم أرسل عمالي ليضربوا أبشار الناس ولا ليظلموهم، وإنما أرسلتهم ليعلموا الناس دينهم وسنة نبيهم، ويقسموا بينهم فيئهم، ويقيموا أمرهم كله على العدل. وكان كثيرا ما يتقدم إلى عماله في ألا يضبوا المسلمين فيذلوهم، ولا يحرموهم فيكفروهم، ولا ينزلوهم الغياض فيضيعوهم. وكان لا يرى أحدا من بعض جيوشه إلا سأله عن أمره كله، وعن أمر الجند، وعن سيرة قوادهم فيهم.» (الشيخان)

وكان انشغال طه حسين بالكشف عن حقيقة هذا التعاقد الاجتماعي السياسي ودوره في إرساء قواعد دولة الحق والعدل والحرية هو شاغله الأساسي في كتابة كتابه عن (الشيخين). لأنه لم يكن مشغولا كما يؤكد لنا في تصدير كتابه بتصوير ما جرى في فترة خلافتهما من أحداث كبار: من رد أبي بكر العرب إلى الإسلام بعد أن جحدوه، وحاولوا التملص من بعض أركانه بقبولهم الصلاة ورفض الزكاة. وإعادة الجزيرة العربية كاملة للإسلام والإجهاز على دعاوى المتنبئين الكثيرين الكذبة من مسيلمة في اليمامة، إلى الأسود العنسي في اليمن، إلى طليحة في بني أسد، وسجاح في بني تميم وغيرهم. أو بإخراج عمر الروم من الشام والجزيرة ومصر وبرقة، وإخراج الفرس من العراق والقضاء على سلطانهم في بلادهم، ونشر الإسلام في كل تلك الربوع التي لم تعرفه من قبل. فكل هذه الوقائع التاريخية معروفة كتب عنها المؤرخون.

ولكن ما شغله بالكتابة عنهما هو الكشف عن دورهما في تأسيس دولة الإسلام النموذجية، بل يوتوبيا الإنسان التي ما زال يحلم بتأسيسها على الأرض. وحرص عمر على وضع قواعد هذه الدولة على الأسس التي أقامها عليها الرسول الكريم. وشدته مع ولاته وحرصه على العدل وإنصاف المسلمين، لا من بعضهم البعض فحسب، وإنما من الولاة، بل من الخليفة نفسه. أو باختصار شديد، كي لا افسد على القارئ الاستمتاع بقراءة هذا الكتاب القيم، كان شاغل طه حسين الكبير بعدما فرغ من كتابه (الفتنة الكبرى) هو رسم الصورة النموذجية لدولة الخلافة الإسلامية التي أدت القطيعة معها، والانحراف بها عن مبادئها الأساسية بعد السنوات الخمس الأولى من خلافة عثمان إلى اختلاف المسلمين واحترابهم.

فقد كشف لنا الكتاب عن أن بصيرة عمر الثاقبة ووعيه الباكر بضعف قريش، وبما يمكن أن تجلبه على نفسها، وعلى الإسلام من مشاكل (الفتنة الكبرى: عثمان، ص 82)، هو الذي دفعه لأخذها بتلك الشدة الصارمة التي جنبته الكثير من المشاكل التي وقع فيها عثمان بضعفه. إذ يذكر لنا مثالا بارزا من ذلك في قسوته على خالد بن الوليد وقسوة خالد عليه «زعم ابن حنتمة أننا لا نستشهد! وابن حنتمة هو عمر».(ص 83) كما قدم لنا عبره مثالا نادرا على الحاكم الذي لا يغره الجاه، بل يسيطر عليه ويكبح كل إغراءاته بطريقة نادرة، تؤكد لنا عظمة الإنسان وإنسانيته معا.

والسؤال الذي قد يتبادر إلى الذهن لماذا كتب طه حسين عن الشيخين في كتاب واحد، ولم يفرد لكل منهما كتابا خاصا به، كما فعل محمد حسين هيكل ثم عباس محمود العقاد من قبله. وهو سؤال وجيه بلا شك فكل منهما يستحق كتابا بأكمله، ولكن طه حسين وضعهما في كتاب واحد لأنه رأي أنهما قدما معا مشروعا واحدا، هو مشروع الخلافة في أرقى صورها وأكثرها عدلا ومثالية. وأن سنوات خلافتهما الاثنتي عشر – فقد استمرت خلافة أبو بكر الصديق لعامين (10ه/632 – 13ه/634) وخلافة عمر بن الخطاب لعشرة (13ه/634 – 23ه/644) – هي فترة واحدة مستمرة ومتكاملة. وأن بداية الفتنة في المجتمع أو القطيعة مع مشروع الخلافة النموذجي ويوتوبياه الإنسانية، لم تبدأ إلا بعد السنوات الخمس الأولى من خلافة عثمان بن عفان (23ه/644 – 35ه/656)؛ ثم تعثرت بعدها محاولات علي بن أبي طالب (35ه/656 – 40ه/661) في العودة بها إلى جادة الصواب. فقد قال عمر بن الخطاب «لو ولوها الاجلح، أي علي، لحملهم على الجادة». ولكنهم ولوها له بعد أن كانت الرفاهية المادية الناجمة عن اتساع الفتوح قد افسدت النفوس والعقول على السواء.