يجمع الكتاب بين التوثيق بالعودة إلى الأوراق القديمة، والرواية من الذاكرة، والاستناد إلى مراجع، ومقالات صحافية، وثمة دراسة نقدية يقدمها شربل داغر لشعر محمود درويش، كما زود الكتاب في نهايته بأربعة حوارات منها ما أجري مع الشاعر ونشر صحافياً، ومنها ما كان الهدف منه إنجاز الكتاب عن سيرته الذاتية.

محمود درويش «يتذكر» من أجل كتاب عن سيرته الذاتية

سوسن الأبـطح

 

يمكن إطلاق صفة «الكتاب المؤجل» على المؤلف الجديد للباحث شربل داغر، الذي صدر حديثاً عن «مؤسسة العويس» في دبي، وتم إطلاقه وتوقيعه خلال لقاء «أثر الفراشة»، الذي عقدته المؤسسة على مدى يومين، وخصص للشاعر محمود درويش، وشارك فيه أدباء وباحثون من عدة دول عربية.
الكتاب هو نواة مشروع كان يفترض أن ينتهي بكتابة سيرة محمود درويش، كما تكتب سير الكبار في اللغات الأجنبية. كان ذلك منتصف الثمانينيات بناءً على طلب دار نشر فرنسية، وبدأ شربل داغر باللقاءات والمقابلات مع محمود درويش، لكن لسبب ما لم يوضحه الكاتب، لم يكتمل المشروع، وبقيت المخطوطات والمعلومات في الأدراج وكاد يطويها النسيان.
من حسن الحظ أن رغبة «مؤسسة العويس» التقت مع ما كان في جعبة داغر، فكان لكتاب «محمود درويش يتذكر في أوراقي... أكتب لأنني سأعيش» أن يبصر النور. عنوان طويل ومركب، لكن المضمون هو بالفعل استعادة لما عرفه الكاتب عن الشاعر من خلال لقاءات جمعتهما، ومعرفة قربتهما ومقابلات أجراها داغر، ومن ثم محاولة جمع كل هذا في ثلاثة أبواب، بحيث خصص الباب الثالث للمقابلات وملحق للصور.
يحاول داغر أن يعرج على مواضيع عديدة في وقت واحد، وكأنما هو يحاول أن يلتقط مقاطع من حياة درويش، متتبعاً إياه من بيروت إلى برلين وباريس ومدن عديدة جمعتهما، وقصص كثيرة تستحق أن تروى، بعضها نعرف شيئاً منها، وبعضها الآخر نقرأه للمرة الأولى.
نقرأ عن خوف محمود درويش الأحمر من ركوب الطائرة، رغم سفراته الكثيرة واضطراره للترحال، عن موقفه من الشعراء الجدد، شعراء قصيدة النثر، وموقفه القاسي جداً اتجاههم، هم الذين تحولوا فيما بعد إلى مسؤولي صفحات ثقافية في صحف كبيرة، وكيف أن هذا الموقف لان وتبدل بمرور الوقت. ويشرح الكتاب أن درويش كتب النثر، لكنه لم يكتب قصيدة النثر، وفي صفحات أخرى نعثر على صفحات حول موسيقى شعر محمود درويش وأوزانه التي اعتمدها.
نتابع طفولة الشاعر؛ علاقته الوثيقة بجده الذي كان يرافقه في صغره. يقول عن تلك الصلة الوطيدة: «جدي هو عائلتي، خصوصاً وأنني كنت أعرف شيئاً من القسوة من أمي حورية، وشيئاً من الإهمال من أبي سليم. أما جدي فقد كان يغمرني بحنانه، بل كنت أشعر بأنه كان يوليني سلطانه، حتى أنه لم يكن ينهرني أبداً عندما كنت أتدخل خصوصاً في (الديوان) في مناقشة الكبار».
لا ينتهج الكتاب التسلسل الزمني بقدر ما يقسم الكلام تبعاً لعناوين وضعها لنفسه؛ حيث يذهب بنا جيئةً وذهاباً. لكن بمقدورنا تتبع حياة درويش خلال الصفحات من قريته البروة التي هدمت واختفت، كما قرى عربية أخرى في فلسطين، ومن ثم هجرة العائلة إلى لبنان وعودتها سريعاً إلى فلسطين، خشية أن تخسر كل شيء، وهو ما كان قد حدث بالفعل. هكذا تكون الإقامة الجديدة في الوطن السليب في مكان بديل، بانتظار الخروج الكبير إلى موسكو والانتقال إلى مصر. هو اللقاء الأول بين الشاعر وعالمه العربي الذي لم يكن يعرفه، وكواليس تلك المرحلة، ومن ثم الإقامة اللبنانية التي تخللتها واحدة من أصعب المراحل في حياة درويش أثناء الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، واكتشافه وهو يرى رجال منظمة التحرير الفلسطينية يغادرون بمراكبهم، أنه ليس محسوباً على الثوار، وأنه مجرد شاعر، لكنه لا يستطيع مع ذلك البقاء، فيغادر منفرداً عن طريق سوريا مروراً بطرابلس. وبالطبع هناك المرحلة الباريسية وما بعدها.
ويخصص داغر فصلاً يسميه «العاشق الدائم والزوج المستحيل»، يتحدث فيه عن ذاك الموضوع الذي لم يقاربه درويش صراحة، لكنه كان باستمرار موضع نمائم المثقفين. يقول داغر: «كان درويش شديد التكتم قليل الإفصاح، في نوع من الحماية الأمنية المستدامة، فكيف في حياته الزوجية أو الغرامية! كان يروي أحياناً الحكاية وعكسها لي، أو يرويها لغيري بحضوري بصيغة أخرى، أهذه من عادات النجم؟».
تزوج درويش، للمرة الأولى من رنا قباني، مباشرة بعد التقائه بها في أمسية شعرية، وحسب داغر أنه كان قد طلقها وتزوجها مرة أخرى. ولدرويش زواج آخر من المصرية حياة الهيني التي كانت تعمل في الترجمة الفورية في «اليونيسكو» أثناء إقامته في باريس. ومن طرائف الكتاب أنه يحكي عن تلك الصلة التي ربطت الشاعر الكبير بالمطربة الشهيرة نجاة الصغيرة أثناء إقامته القاهرية، واستشاطة والدته من الأمر؛ حيث اعتبرت نجاة مطربة سيئة السمعة.
وحين استفسرت من سميح القاسم عن الأمر، كان من الذكاء بحيث شرح لها أن نجاة الصغيرة منشدة، وليست مطربة، وهو ما أراحها. وكانت الأم حورية حين تستمع إلى نجاة عبر الراديو، تنهي من حولها عن الكلام قائلة: «اسكتوا، اسكتوا... هادي كنتنا بتنشد».
لم تكن قصص درويش النسائية هي وحدها التي يتكتم عليها، هناك أيضاً ارتباطاته السياسية، التي لم يكن حتى يحكي عنها بوضوح لأقرب من حوله، لكنه بالتأكيد كان قريباً جداً من أبوعمار، ومن شخصيات عديدة في منظمة التحرير الفلسطينية. ويقول الكاتب: «ما كانت تتضح دوماً صلات درويش - الأكيدة بتلك العائلة، ولا موقعه الأكيد هو الآخر فيها، إلا في مناسبات بعينها: عندما أعاد صياغة خطاب ياسر عرفات الشهير فوق منبر الأمم المتحدة، وعندما تحدث عن (غصن الزيتون بيد)، و(البندقية باليد الأخرى)، أو عندما شارك في صياغة البيان التأسيسي لدولة فلسطين». ثمة حذر عند درويش بسبب الاغتيالات التي طالت عديدين ممن وجودوا حوله، سواء في روما أو تونس أو بيروت.
عانى الشاعر حتماً من حسد شعراء كثر، وهو نفسه لم يكن بدبلوماسية نزار قباني، حسب ما يقوله الكتاب، وليست له نميمة عبد الوهاب البياتي، أو صمت أدونيس، كان أقرب إلى المناضل الحزبي الذي يناقش ويساجل، ويستثير الخلافات. كان من بين الشعراء من يتجنب الحديث معه «في نوع من التعالي الضمني كأدونيس»، ومن يواجهه صراحة كالبياتي، وعلاقته متباعدة وخلافية مع شعراء قصيدة النثر.
نقرأ أيضاً عن عشق محمود درويش للمتنبي، الذي كان ديوانه لا يفارقه في حله وترحاله، وعن أثر شعر هذا العباسي الكبير في أشعاره. وكذلك عن موقفه من اتفاقية أوسلو، ورفضه لها بنبرة بقيت خفيضة مع أنه كان قادراً على التصريح المدوي، لاعتبارات عديدة منها فهمه للعبة السياسية الكبرى التي كانت تدور حينذاك، وتحمل الاتهام بميوعة الموقف الذي وجه له. لكن ما يشرحه الكتاب أن درويش كان ينظر في حقيقة الأمر إلى اتفاقية على عكس أوسلو تكون «مشرفة وتاريخية لا جزئية: طلب ألا يكون باب الدخول إلى الوطن واطئاً إلى هذا الحد»، وكل ما حدث بعد ذلك أثبت أن الشاعر كان على حق، وأخطأ السياسيون في تنازلاتهم.
يجمع الكتاب بين التوثيق بالعودة إلى الأوراق القديمة، والرواية من الذاكرة، والاستناد إلى مراجع، ومقالات صحافية، وثمة دراسة نقدية يقدمها شربل داغر لشعر محمود درويش، وله في قصائده وجهة نظر خاصة. كما زود الكتاب في نهايته بأربعة حوارات منها ما أجري مع الشاعر ونشر صحافياً، ومنها ما كان الهدف منه إنجاز الكتاب عن سيرته الذاتية.
جدير بالذكر أن كتاباً آخر وهو «مختارات من شعر محمود درويش» أعدها محمد شاهين صدرت أيضاً عن «مؤسسة العويس» مع كتاب داغر، ضمن سلسلة «الفائزون»، كون درويش هو أحد الذين نالوا جائزة المؤسسة.

 

الشرق الأوسط