يشدد الكاتب المصري هنا على أنه لا جديد في نوبة قداسة تصون اسم الشيخ الشعراوي، أما أن تضاف إليها قداسة أدبيّة تخص نجيب محفوظ، فهذه ليست غيرة، ولكنها نوع غريب من «الإجماع» يبتدعه فقهاء الأدب. ويرى إلى ضرورة نزع القداسة، وتمرير كل الأفكار والأشخاص والمؤسسات عبر بوابة العقل.

الشعراوي ومحفوظ القداسة من الدين إلى الأدب

سعد القرش

 

الرأي لا يبطل القيمة الإبداعية
لا جديد في نوبة قداسة تصون اسم الشيخ محمد متولي الشعراوي، أما أن تضاف إليها قداسة على الضفة الأخرى حيث يوجد نجيب محفوظ، فهذه ليست غيرة، ولكنها نوع غريب من «الإجماع» يبتدعه فقهاء الأدب.

فصل المقال في قضية نزع القداسات هو نجاح ثورة 25 يناير 2011 في نسف أوهام التحريم (بالجيم والحاء)، وتمرير كل الأفكار والأشخاص والمؤسسات عبر بوابة العقل. وهذا التعميم يشمل المؤسسات الدينية والعسكرية والقضائية، وأي كيان أو شخص أيّا كانت درجة مهابته وقداسته.

وإذا حالت الحصانة الروحية والتخويف (الأدق: الإرهاب) بالقانون، الآن، دون الاقتراب من مؤسسة أو شخص، فهي من أمارات «فرفرة» ما قبل النهاية، شيء من «حلاوة الروح». ولعلك رأيت طائرا أطيح رأسه، ولكن جسده من حلاوة الروح يواصل القفز والضرب الهستيري بجناحيه، إلى أن يسكن.

الأخطر من انتقاد رجل دين، بالأحرى: مناقشة اجتهاده المرتبط بسياقه التاريخي وحصيلته المعرفية، هو الخوض في آيات الله. وعلى السلوك الأخير يُردّ بالآية 68 من سورة الأنعام: «فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره».

وفي هذه الآية فصل المقال في مسلسل اللغو، الإلهاء العفوي حينا والمتعمد أحيانا، وعنوانه ما يسمى ازدراء الدين، والمساس بالذات الإلهية، وهدم تراث الأمة. وترفع إحدى هذه الرايات الثلاث كلما أذيع تصريح وكُتبت تغريدة، أو اقترب باحث يتسلح بالمنهج العلمي من تراث فقهي لشيخ، وخصوصا التراث الفاعل الذي يترجم إلى سلوك تتبناه جماعة ما.

ففي عام 2016 قال الصحافي مفيد فوزي في فضائية مصرية إن الشعراوي «مهد الطريق أمام الفكر المتطرف لكي يظهر ويتفشى في المجتمع المصري... خصّب الأرض وحرث الأرض لما جاء بعده». فتقدم ورثة الشعراوي ببلاغ إلى نيابة أمن الدولة العليا، واتهموه بالتطاول على الشعراوي وازدراء الدين الإسلامي.

هدأت نوبة الإلهاء وما تلاها من ارتدادات، إلى أن تساءلت إعلامية شابة، في تغريدة، أين تجد شيخا معتدلا لا يخلط الدين بالسياسة؟ وجاءها ردّ ينصحها بأحاديث الشعراوي في الإنترنت.

إجابة عفوية ترسخ الرجل كظاهرة تلفزيونية، نجحت في تسويقه شعبيا مهارات الأداء اللغوي والجسدي والصوتي، وليست له إضافة فقهية حقيقية، على العكس من فقهاء تركوا تراثا مكتوبا مكانه رفّ المكتبة لا دهاليز يوتيوب.

فأجابت الإعلامية صاحبة السؤال بأنها كانت تستمع إلى الشعراوي، مع جدّها وهي صغيرة، ولما نضجت وأعادت الاستماع إلى أحاديثه لم تصدق، ولم تستوعب «كتر التطرف». فقامت القيامة، وكأن الكعبة تتعرض لعدوان أصحاب الفيل. وفات المهووسين قول عبد المطلب بوعي المؤمن «أنا رب الإبل، وللبيت رب يحميه».

الأخطر من انتقاد رجل دين، بالأحرى: مناقشة اجتهاده المرتبط بسياقه التاريخي وحصيلته المعرفية، هو الخوض في آيات الله. واشتعلت المنابر العمومية والشخصية بحرائق جماهير تعوزها فضيلتا قبول الاعتذار وعفّة اللسان، فرفضوا اعتذار الإعلامية التي انهارت قائلة «لو الشيخ الشعراوي عايش كان سامحني»، وزايدوا على القرآن الداعي إلى الإعراض عمّن يخوضون في آيات الله، وتنافسوا في إطلاق الشتائم البذيئة، تأسيا بشيخ مصري تحتضنه تركيا، اسمه وجدي غنيم. ويكفي الاستماع إليه مرة واحدة للنفور من الدين وأهله.

بين موجتيْ تقديس للشعراوي، في 2016 و2019، قالت الدكتورة سيزا قاسم عام 2018 في ندوة عن نجيب محفوظ إنه كان جبانا يخشى انتقاد السلطة والتيارات الإسلامية. تعليق عابر من القاعة لا من المنصة، ورآه البعض صادما، وإن كان هناك شبه «إجماع» على هذا الرأي في ما يخص السلوك المتحفظ لرجل حصّنته أكبر جائزة في العالم، ولكنه لم يجرب أن يزعج السلطة بتصريح يعارض سياساتها غير العادلة.

محفوظ حرّ في مواقفه الشخصية التي لا تنال من تراثه الإبداعي الشاهق. وسيزا قاسم تعرف جيدا منزلة إبداعه، فهي صاحبة أول رسالة دكتوراه في جامعة القاهرة عنه.

نوقشت الرسالة عام 1977، ونشرت عام 1984 في كتاب «بناء الرواية: دراسة مقارنة في ثلاثية نجيب محفوظ». ولم تتأخر السهام عن استهداف ناقدة كان عليها أن توضح الواضح، وتذكّر بأن رأيها في الرجل لا يمسّ إبداعه المناصر للعلم والعدل والحرية ويناهض الدكتاتورية.

لعل هذه المراوحة (المقصودة؟) بين الشعراوي ومحفوظ ستشغلنا زمنا، فبعد ثورة قداسة تخص الشعراوي في أكتوبر 2019، قامت ثورة محفوظية في بدايات نوفمبر 2019، لقول كاتب مصري في ندوة عن الكتب وصناعة السينما بمعرض الشارقة للكتاب إن روايات لمحفوظ، مثل «السراب»، لا تناسب إيقاع العصر.

سرعان ما وجهت إليه الحِراب. وأمام هذا الإرهاب، أوضح واعتذر عن خطأ لم يرتكبه. وليس في إبداء الرأي اتهام؛ لأنه مجرد رأي.

في السنوات العشر السابقة على منحه جائزة نوبل (1988)، كان محفوظ بطلا في الصبر على المكاره والكارهين. وصف البعض أعماله الأخيرة بأنها ثرثرة عجائز، وأعلن أحدهم أنه تجاوز محفوظ ويوسف إدريس، وأسمعه البعض سبابا لموافقته على ما يسمى السلام مع العدو الصهيوني.

وأنقذته جائزة نوبل، وبمضيّ الوقت منحته قداسة تمنع انتقاد أعماله التي صارت ملكا للقارئ، ومن حق الجيل القادم أن يعرض عنها، ويراها غير ملائمة لخلود يريده الفصاميون للنسبي وهو الفكر والإبداع، وينكرونه على تراث الشعراوي الذي أعاد النظر في بعضه.

ذات مرة، جسّد الشعراوي نسبية الآراء وراهنيتها، بموقفه من جمال عبد الناصر. فبعد هزيمة 1967 لم يرقّ قلبه للشهداء والجرحى، ولم يحزنه استيلاء العدو على سيناء والقدس والجولان والضفة الغربية، وشغلته سجدة الشكر.

وقال في نهاية الثمانينات «فرحت أننا لم ننتصر ونحن في أحضان الشيوعية، لأننا لو نُصرنا ونحن في أحضان الشيوعية، لأصبنا بفتنة في ديننا، فربنا نزهنا». وتراجع عام 1995 وزار قبر عبد الناصر، قائلا إنه في الحلم قابل عبد الناصر ومعه طبيب ومهندس تخرجا في الأزهر. وقرأ الفاتحة ترحما عليه.

سئل الشعراوي عن الصوم بلا صلاة، فقال بانفعال إن تارك الصلاة يُسأل «إن كنت منكرا للحكم تقتل حدّا. تبقى كافرا... وإن كان كسلا، يستتاب ثلاثة أيام، ثم يقتل». فتوى يعيد إنتاجها «دعاة وسطيون»، منهم الحبيب الجفري.

وربما لو طال العمر بالشيخ لأعاد النظر فيها، مع فتاوى بعضها ذو طابع طبي، يفتي فيه أولو العلم وهم الأطباء لا الفقهاء، مثل تحريم التبرع بالأعضاء، واعتباره كفرا بالله، وترك المريض فريسة للموت. وبعضها يمسّ مواطنين تصادف أنهم من أهل الكتاب رأى الشعراوي أن يدفعوا الجزية، وألا نحبهم. وبعضها ذو طابع سياسي وبطله الشعراوي وهو وزير للأوقاف وشؤون الأزهر، إذ رفض فكرة انتقاد السادات بعد زيارته القدس «لو أن الأمر بيدي لجعلت الرئيس المؤمن محمد أنور السادات في مقام الذي لا يُسأل عمّا يفعل»، فهل كان يعبر عن رأي سياسي شخصي نسبي، أم حكم ديني إلهي مطلق؟

لا تقتصر شيعة الشعراوي على جماهير استهدفها بأدائه الساحر الفصيح في عاميته، وإنما تشمل أساتذة جامعيين، منهم عبد المنعم فؤاد، أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر، الذي كتب في صحيفة «الأخبار»، في 4 ديسمبر 2016، بهذا اليقين «لا يختلف اثنان في الاعتراف بكونه نموذجا فريدا لا مثيل له في القرن العشرين لعالم رباني، ومفكر، وفيلسوف، ومفسر، وفقيه، وطبيب نفسي، وأستاذ علم اجتماع، ومرجع لشباب الأمة في الوطنية ... مولانا فضيلة الشيخ الشعراوي ... إمام الدعاة ... ابن المنهج الوسطي ... إمام المعتدلين».

الصيانة الانفعالية لرمزٍ ربما تدلّ على تطرف أنصار مذبذبين بين الهشاشة واليقين بأنهم الحق المبين. والمأساة هي انتقال عدوى اليقين من شيعة الشعراوي، إلى حاملي لافتة نجيب محفوظ.