يرسم القاص المصري رجب سعد السيد نصاً درامياً وإنسانياً عميقاً ومؤثراً من تفاصيل يومية بسيطة جدا، رجل في طريقه إلى عمله يلتقي بسائح على كورنيش الإسكندرية فيطلب منه لقط صورة وتتواشج العلاقة الخفيفة والشفافة، ليغزلها بلغته الرشيقة بمسار فني محكم فنطلع على عنف معادلة الصراع بين الخير والشر من خلال المصير التراجيدي لذلك السائح الجوال المحب للطبيعة والجمال.

فيهــان ميداميز

رجب سعد السيّد

 

كان جانبٌ من كورنيش الميناء الشرقية يقع في مساري من وإلى مقر عملي في معهد علوم البحار. وذات صباح ربيعي بالعام 1978، لفت نظري شابٌ آسيوي الملامح، يستند بدرَّاجته التي تحمل كلَّ متاعه إلى سور الكورنيش الحجري العتيق. ولما حاذيته، استوقفني بأدب جمّ، ورجاني أن ألتقط له صورةً، فرحَّبتُ؛ فراح يوجهني إلى زاوية تصوير محددة، وقال: تأكد من فضلك أنني أظهر في مركز هذا التشكيل العبقري !. وكانت يداه تشيران إلى مسطَّح الميناء الشرقية. ثم طلب أن أصوره بحيث تكون قلعة قايتباي، المطلة على الميناء الشرقية، في خلفية الصورة.

سألتُه: وماذا يعجبك في هذا المسطح المائي؟. قال إنه رحَّالة، يجوب العالم على دراجته، ولم ير لهذه الميناء مثيلاً في البلاد العديدة التي زارها. فاستوقفني ذلك بشدة، فأنا من عشاق الميناء الشرقية، وقد قضيتُ زمناً طويلاً أرصد أنواع الطيور البحرية التي تأتي إلى مياهها على مدار فصول السنة، ولا أملُّ ولا أتعب من السير على محيط كورنيشها، الذي جاء هذا الشاب الآسيوي ليشاركني الولع به. لذلك، كان من السهل أن يمتد بيننا الحوار، وعرفت اسمه "فيهان آراف"، من مدينة مومباي الساحلية، غرب الهند. وكنت أحمل كيساً مملوءاً بساندويتشات الفول والطعمية، إفطاري أنا وزملائي في المختبر، فقلت له: هل تحب الفول ؟. فصرخ كالمجنون: نعم .. نعم (فول ميداميز) !. فدعوته ليشاركني الإفطار بمقهىً على الرصيف المقابل، فلم يضيع دقيقةً، ووجه دراجته ليعبر معي طريق الكورنيش، إلى المقهى.

ورحنا نتحدث في المقهى كصديقين قديمين. علمت منه أن جولته الكونية على دراجة هي دعوة ضد كل ما هو مفسد لبيئة البشر، ومناصرةً للحيوية والتجدد، ولتفقد العالم مباشرةً، وليس عبر وسائط إعلامية لا تنقل الحقيقة كاملة. قال كأنما هو يسأل: هل هناك ما هو أصدق من عينيك وأذنيك ؟. وأضاف بعذوبة ولطف: وهل كنت أصدق كم هو لذيذ هذا الفول الميداميز لو لم أذقه في مصر ؟.

وانتهى اللقاء على أمل التواصل، وانطلق "فيهان" على دراجته العجيبة، وواصلت أنا طريقي إلى المعهد المجاور لقلعة قايتباي. وشغلتني أحداث الحياة اليومية الرتيبة، فكدتُ أنسى ذلك الرحالة الهندي، حتى فوجئتُ، بعد ما يقرب من سنتين، برسالة في بريدي، وعلى ظهرها اسم "فيهان آراف". كانت تحتوي على خطاب بتوقيع "فيهان ميداميز". أخبرني أنه أحياناً يتخذ هذا الاسم تحيةً للقائنا السريع الوحيد، الذي اعتبرني بعده في دائرة أصدقائه. قال أيضاً إنه يتجول بدراجته في بعض دول أمريكا الجنوبية، وعاش في غابات الأمازون أياماً، وأصابته حمى نتيجة لدغة ثعبان، عوفي منها، بعد أيام طويلة، بفضل الوصفات العلاجية المحلية. وأشار إلى متابعته لصراعات حادة بين السكان المحليين ومراكز أبحاث تدعمها شركات عملاقة، حول استخدام الموروث الشعبي والأنواع المحلية العتيدة من الخضروات والحبوب والفواكه، خاصةً الموز، لإنتاج أنواع بديلة، معدَّلَة وراثياً، تقضي بمرور الوقت على الأنواع الأصلية، ليبقى الفلاحون والمزارعون على الدوام معتمدين على تلك الشركات من أجل البذور والشتلات، ليزرعوا محاصيلهم الغذائية.

أما خطابه الأخير، فقد وصلني في بداية 1992، وأخبرني فيه أنه ارتكب خطأً فادحاً حين فكر في ارتياد أواسط أفريقيا، لمراقبة جحيم الحروب الأهلية عن قرب، وكان يحسب أن تلك شجاعة، فاكتشف أنها حماقة، وأنه شبه محدد الإقامة في موقع بالقرب من مدينة كيجالي، عاصمة رواندا، وقد منح عجوزاً كلَّ ما لديه من نقود، إضافةً إلى ساعة يده، وآلة تصويره، لترسل لي هذه الرسالة من أقرب مكتب بريد. وكتب أنه يعهد إليَّ بأهم ما لديه من أوراق بها يوميات رحلاته، لأنه يثق في أنني لن أهملها، وربما يمكنني نشرها، فهو لا يأمل خيراً من هول ما يجري من حوله. وقال إنه فقد دراجته التي تحطمت تماماً جرَّاء قذيفة مباشرة، أطاحت بها ومعها إحدى ساقيه.

ولكن الرسالة، التي كانت آخر اتصالٍ بيننا، خلت من أي أوراق مرفقة، ولم تزد عن صفحة واحدة، تنتهي بتوقيع: "فيهان ميداميز".