يكتسب هذا المقال أهميته من أن الكاتبة التي تقدم لنا هذا الكاتب الكبير الذي تأخر تقديمه للقراء العرب كثيرا، تعي أن لحظة تلقيه في الثقافة العربي جزء أساسي من سياق التلقي، وما يطرحه من تأويلات واستجابات. لذلك تمكنت من الكشف عن إمكانيات الجدل الحواري المختلفة مع رؤاه وتقنياته.

فيتولد غومبروفيتش: ميلاد جديد في اللغة العربية

منصورة عزالدين

 

تسعى هذه الورقة إلى تعقب الطريقة التي استُقبِل بها أدب فيتولد غومبروفيتش عربياً عبر طرح أسئلة من قبيل: إلى أيّ مدى يلعب الزمن دوراً في عملية التلقي؟ كيف يمكن استقبال رواية قديمة من ثقافة بعيدة بعد عقود على كتابتها؟ ألا يكون سؤال الزمن مركزياً في فعل القراءة في هذه الحالة؟ فهل نجح غومبروفيتش في اجتياز حاجز الزمان والمكان؟ ما الذي قد يجذب القراء العرب إلى كاتب بولندي عاش ورحل قبل عقود؟ هل هناك ما يجمع بينه وبين كتّاب عرب؟ وما المعايير الدالة على رواج كتاب ما في سوق كبير جغرافياً وغير مترابط كسوق النشر في العالم العربي؟

اختبار الزمن وسياقات الترجمة:

حين يُعاد اكتشاف كاتب ما بلغة جديدة بعد مرور عقود على وفاته، أو حين تُترجم رواية ما إلى لغة جديدة بعد عقود من كتابتها ونشرها للمرة الأولى، يصبح الزمن -شئنا أم أبينا- عاملاً رئيسياً في فعل التلقي، ويوضع الكاتب أو العمل أمام اختبار صعب قد ينجح في اجتيازه بدرجة تدفعنا لإعادة النظر في تاريخ الأدب بحثاً عن موقع ملائم للقادم الجديد أو يخفق في هذا، فيتم تلقيه فقط من باب العلم بالشيء.

الاختبار المقصود هو اختبار الزمن؛ هل تقادم العمل أو الكاتب ـــ بفعل مرور الوقت ـــ ولم يعد بالإمكان قراءته بمعزل عن عصره؟ أم أنه لا يزال قادراً على الإدهاش والصمود كعمل تجريبي بوسعه تخطّي حُجُب الزمان والمكان (المكان هنا ضروري حين نتكلم عن كُتَّاب ينتمون إلى ثقافات بعيدة عنّا)؟ كنت مشغولة بعامل الزمن وقدرة الفن الجيد على تخطّي حواجزه ثلاث مرات على الأقل خلال السنوات القليلة الماضية: الأولى «حكايات بين جعبة وأخرى» للتشيكي كارل تشابك (ت: برهان قلق، دار المتوسط 2016)، والثانية «كازانوفا في بولزانو» للمجري ساندور ماراي (ت: إيمان حرز الله، دار التنوير 2013) والثالثة مع عملَي فيتولد غومبروفيتش «اليوميات ــ الجزء الأول» (ت: أجنيشكا بيوتروفسكا ومعتصم بهائي ــ منشورات الجمل 2018) و«فرديدوركه» (ت: أجنيشكا بيوتروفسكا ومعتصم بهائي، منشورات الجمل 2016).

غير أن حالة فيتولد غومبروفيتش تحديداً هي أكثر الحالات السابقة إثارةً للاهتمام، وأشدها لتبيين فكرة العصيان على التقادم من عدمه. ويرجع هذا في ظني إلى أنه الكاتب الأكثر تجريبية بين هذه الأسماء (من دون أن يعدّ هذا حكم قيمة في حدّ ذاته)، كما أنه ــــ كما يتبدى في «فرديدوركه» بوجه خاص ـــ شديد الانشغال بفكرة التحديث والعصرنة. وفي رأيي إن غومبروفيتش قد نجح في اجتياز اختبار الزمن، بل أجازف بقول إنه وصل إلى اللغة العربية في لحظة مواتية تماماً، حيث بدأ الأدب العربي بداية من تسعينات القرن العشرين يصبح أكثر انفتاحاً على الأعمال التي تُعلي من شأن اللعب، وتتخذ من الهزل والإمعان في السخرية منهجاً لطرح أعقد الأفكار والمشكلات.

هذه الاتجاهات الأدبية شائعة، بل مفضلة في المشهد الأدبي المصري على الأقل، ومعها الجرأة في مزج اللغة الفصحى الكلاسيكية بمستويات أخرى من اللغة المحكية. جاءت ترجمة غومبروفيتش أيضاً بعد عقود من ترجمة خورخي لويس بورخيس، وإيتالو كالفينو وخوليو كورتاثر، وآخرين ممن يجمع بينهم الحس التجريبي والولع باللعب كمفهوم أساسي في عوالمهم التخييلية، مع اختلاف كل منهم عن الآخر تمام الاختلاف بطبيعة الحال.

كان المشهد الثقافي العربي مستعداً إذاً لتلقي أعمال غومبروفيتش، إذ ليس من قبيل المصادفة، أن ترجمة «فيرديدوركه» ثم «اليوميات» تمت بسعي متحمس من الناشر خالد المعالي الذي ذكر في حوار أجرته معه أجنيشكا بيوتروفسكا ونُشِر في جريدة «أخبار الأدب»: «كنت في التسعينات أفكّر بترجمة ونشر أي عمل لغومبروفيتش، ومن أجل هذا قمت بسفرتي الوحيدة إلى بولندا لزيارة صديق عراقي كان يعمل في جامعة بوزنان، على أمل التعرّف إلى مترجم عن البولندية يمكنه إنجاز المهمة، لكني لم أقتنع بمن تحدثت إليهم أو عنهم من خلال هذا الصديق، وبقيت فكرة ترجمة غومبروفيتش مجرد فكرة في الرأس، حتى التقينا صدفة في معرض الجزائر للكتاب قبل سنوات. وبعد الكلام العام الذي تبادلناه، عرجنا على غومبروفيتش، واتفقنا بشكل ارتجالي. كانت عملية صعبة ومحفوفة بالمصاعب والعراقيل، ولكن ما اتفقنا عليه تحقّق وصدر الكتاب الأول.»

كنت أقول إن التعريف بغومبروفيتش عربياً جاء في توقيته المناسب تماماً، وأضيف على هذا أنه لا يمكنني تخيّل كيف كان من الممكن استقبال «فيرديدوركه»، على سبيل المثال، إن تُرجِمت في أربعينات القرن العشرين أو حتى خمسيناته. في تلك الفترة، كانت الرواية العربية في مراحلها الأولى؛ أقرب إلى التقليدية والواقعية الجادة في معظمها، ما يعني أن «فيرديدوركه» ربما كانت ستبدو، في الغالب، مزحة قد لا تُعامَل بالجدية الكافية. لكن لندع الافتراضات جانباً، ولنتأمل في كيفية استقبال الطبعة العربية من الرواية نفسها حين صدرت بعد صدور النص الأصلي بأكثر من سبعة عقود.

(فيرديدوركه) أو كيف يمكن استقبال رواية، في ثقافة مغايرة، بعد عقود على كتابتها؟

ما إن يُترجَم كاتب للمرة الأولى إلى لغة جديدة حتى يُقرَأ في سياق غيره من كُتَّاب معروفين بين قراء هذه اللغة. مؤكد طبعاً أن الحالة المُثلى تفترض أن يُقرَأ العمل من داخله وفي سياقه الخاص، لكن هذا الوضع ليس هو السائد دائماً، فنادراً ما تُقرَأ الأعمال الأدبية من داخلها وفي سياقها الخاص، إذ ثمة دوماً مقارنات لا تنتهي، تحدث بشكل عفوي أو قصدي، بين كاتب/ عمل ما وبين كُتَّاب آخرين/ أعمال أخرى.

فأي عمل نقطة في بحر متلاطم هو تاريخ الأدب، بعض الأعمال مسكونة حتى بأعمال أخرى بحيث يصعب فصلها عنها. إذا تحدثنا عن «فيرديدوركه» مثلاً، فمن الصعب قراءة مشهدها الأول من دون أن يخطر في بالنا المشهد الافتتاحي لـ «مسخ» كافكا. وعلى الرغم من أن الرواية عصية على التصنيف، فإن محاكاتها الساخرة للكابوسية، تستدعي معها قراءتها في سياق ما سبق وقرأناه من روايات كابوسية أو من روايات المحاكاة الساخرة. أيضاً روح اللعب السائدة على امتداد العمل تستدعي قراءته في ضوء أعمال أخرى تُعلي من شأن اللعب. هذا بخلاف أن العنوان نفسه يُذكِّر القارئ الحصيف باسم «فريدي دوركه» الوارد عابراً في رواية «بابِت» للروائي الأميركي سنكلير لويس. لكن في حالة استقبال «فيرديدوركه» عربياً، لم يقتصر الأمر على هذا النوع من المقارنات بين فنيات الرواية وبين جماليات روايات أخرى، بل تركز بالأساس على محاولة منح فيتولد شرعية واعترافاً، لا يحتاج إليهما، من خلال استعراض آراء كُتاب آخرين في روايته.

فمع أن كلمة الغلاف الأخير قدمت الرواية بشكل مستقل عن غيرها من أعمال باعتبارها «جوهرة الثقافة الرائعة في فترة ما بين الحربين العالميتين»، لم تكد تخلو مقالة كُتبت عن «فيرديدوركه» بالعربية من الإشارة إلى آراء كُتَّاب معروفين في كاتبها. فالروائي اللبناني حسن داوود يكتب مثلاً في مقاله «أوروبا قبل قليل من الحرب العالمية الثانية» المنشور في جريدة (القدس العربي): «هذا وكان ميلان كونديرا قد أقام تلك المقارنة أيضاً بين الكاتبين (غومبروفيتش وسارتر) حين ذكر أن اعتبار رواية (الغثيان) لسارتر نموذجاً للاتجاه الجديد، وليس (فيرديدوركه)، كانت له نتائج مأساوية»(1)، فيما يكتب طارق أبي سمرا في مقاله «فيرديدوركه.. رائعة غومبروفيتش الذي فضله كونديرا على سارتر» في موقع «المدن» الإلكتروني: «غومبروفيتش، المُعلِن نفسه «أعظم كاتب مغمور في عصرنا»، مجهول نسبياً للجمهور العام غير البولندي، بالرغم من إشادة كُتّاب كبار بأعماله، كالأميركي جون أبدايك والتشيكي ميلان كونديرا الذي لم يتردد في وصف (فيرديدوركه) كـ«واحدة من أهمّ ثلاث أو أربع روايات كُتبت بعد موت بروست»»(2). وفي المقال نفسه، يكتب أبي سمرا أيضاً: «كل هذا التأمل الفكري أو حتى الفلسفي الذي يضفيه المؤلِّف على عمله لا يتحوّل أبداً إلى وعظ جاف أو تنظير مجرّد، بل يبقى أقرب إلى الهزل المَرِح والعابث. هذا ما دفع كونديرا في كتابه «الوصايا المغدورة» إلى مقارنة غومبروفيتش بسارتر، قائلاً إن الثاني استحوذ عن غير حق، عبر روايته (الغثيان»)، على مكانة الأول في تاريخ الرواية. فكونديرا يعتبر روايات سارتر مجرّد تنظيرات فلسفية مُتنكرة بزيّ روائي، بينما أعمال غومبروفيتش هي روايات فلسفية بكل ما للكلمة من معنى. يقول كونديرا: «أن تصبح «الغثيان»، لا «فيرديدوركه»، مثالاً على هذا التوجّه الجديد، فهذا ما كانت له عواقب وخيمة: فقد أقيمت ليلة عرس الفلسفة على الرواية، في مناخ من الضجر المتبادل.»(3)

في هذا السياق، ربما يكون مقال الروائي المصري إبراهيم فرغلي، المنشور في جريدة «الحياة» والمعنون بـ «البولندي غومبروفيتش يفضح مراهقة مجتمع الحرب»، المقال الوحيد الذي لم يستعرض آراء كتاب آخرين في غومبروفيتش و(فيرديدوركه)، فرغم ربطه بين سخرية الكاتب وسخرية كل من ثربانتس وشارلي شابلن، إلّا أنه ناقش الرواية من داخلها، منتبهاً إلى أن النص «يبدو عصرياً وطليعياً في تقنياته وأسلوبه، يعد اليوم من كلاسيكيات الأدب الأوروبي، والبولندي على نحو خاص، حيث نُشر في عام 1937. وهو على الرغم من كونه يعبّر عن مأزق ذهني واجتماعي كبير مرت به أوروبا بعد الحرب العالمية، لكنه يمتح من إحساس مدهش بالسخرية التي يمتلك الكاتب ناصيتها ببراعة. ويبدو وهو يطرق بمطرقته القاسية على القيم المبتذلة والمراهقة التي سادت آنذاك، قادراً على أن يضحك القارئ على المفارقات التي تقوم بها الشخصيات.»(4)

أما بالنسبة لي، فكان أكثر ما شغلني في ما يخص (فيرديدوركه) حسها العالمي وقدرتها على تجاوز حدود العصر الذي كُتِبت فيه، مع أنها حافلة بإشارات تشير إلى ذاك العصر، لتبقى حديثة بل لتزداد قيمتها الآن خاصة لدى الأجيال الشابة المتمردة على كل ما هو متوَافق عليه سواء فنياً وأدبياً أو اجتماعياً وسياسياً.

كما لفت نظري أيضاً حضور الجسد في الرواية، خاصةً عبر المؤخرة أو «البوبو» والوجه، فالجسد ـــ على مدى صفحاتها ـــ سائل ولا يكف عن التشكل، أعضاؤه تنفصل عن بعضها بعضاً تارة، وتزدري وتغتصب بعضها البعض تارة أخرى. ثمة خوف من الجسد وغربة عنه. أما الوجوه، فتحضر بعيدة عن مفهوم الوجه: مجعدة ومرهقة ومضغوطة ومستعدة لأخذ شكل أي وجه. أو مخلوعة ومشوهة ومقلوبة من الداخل إلى الخارج. سيولة الجسد هذه وذوبان أعضائه واستعدادها للتشكل بأشكال أخرى، ذكرتني بالوجوه الذائبة والمصهورة في لوحات فرانسيس بيكون، كأن الفنان البريطاني استلهمها من «فيرديدوركه» وعالمها الغريب العصي على الركون لشكل محدد. فالعمل بكامله لا يكف عن التغيّر وإعادة التشكل، كما لو كان يحاكي الوجه في تبدله وتمرده على الشكل.

من جهة أخرى، حين صدرت الطبعة العربية لـ(فيرديدوركه) فاجأني أمر آخر بشكل شخصي، إذ كنت قد انتهيت من كتابة روايتي الرابعة «أخيلة الظل»، تلك الرواية (ميتا رواية) التي تلعب على المسافة البينية بين نوعي الرواية والقصة القصيرة، وتنشغل بالكتابة كموضوع أساسي لها. كان طموحي الفني، في أثناء كتابتها، أن يقترب كل فصل من قصة قصيرة قائمة بذاتها، وفي الوقت نفسه يبقى مرتبطاً بغيره من الفصول، وفي خضم هذه الفصول المنفصلة المتصلة في آن، توجد قصة قصيرة يُفترض أن بطل العمل كتبها وأرسلها للبطلة، التي ردت عليه بقصة أخرى. أي في المحصلة، قصتان مستقلتان داخل متن رواية قائمة على فصول أشبه بالقصص القصيرة.

وقرأت (فيرديدوركه) لأجد انشغال مؤلّفها بالشكل ورغبته في التمرد عليه وتضمينه لقصتين قصيرتين تسبق كل منهما مقدمة في عمله. بالنسبة لي، كانت المسألة لعباً مع الشكل وتطويعاً لنوع أدبي لخدمة نوع أدبي آخر، وليس تمرداً على الشكل كما في حالة «فيرديدوركه» التي يقطع مؤلفها أحداثها بقصة «فيليدور المبطن بالطفل»، سابقاً إياها بمقدمة يقارن فيها بين أجزاء الجسد وبين البناء الروائي، ويقدم رؤاه الفنية وتأملاته حول الشكل في رواية تحتفي بالميتا سرد. وبعد المقدمة والقصة، يعود الكاتب لملاحقة راويه في عالم عدم النضج، قبل أن يقطع السرد بقصة ثانية بعنوان «فيليبرت المبطن بالطفل»، يسبقها بمقدمة يعلن فيها أنه أسير المقدمة ولا يستطيع أن يعمل بدونها، ويوضح أن قانون التماثل يفرض عليه أن قصة فيليدور يجب أن تقابلها قصة فيليبرت والمقدمة الأولى تقابلها المقدمة الثانية. الحديث عن قانون التماثل وما يفرضه يقودنا إلى خلاصة متوارية بين طيات العمل: «حتى لو أردت فإنني لا أستطيع أن أتفادى القوانين الحديدية للتماثل والقياس». و«يبدو لنا بأننا الذين نقوم بالبناء – وذلك وهم لأننا على حد سواء يتم بناؤنا من قِبل البناء.»

وفي نهاية كلامي عن «فيرديدوركه»، لا تفوتني الإشارة إلى أنه على الرغم من حماسي للرواية، وما تمثّله من إعلاء لشأن اللعب والتجريب، وما تحتويه من تأمّلات حول الأدب والفن، فإنني أعرف أن هذا النوع من الكتابة لا يحظى بإعجاب الجميع، بل إن العلاقة به عادة ما تكون حدّية: إما إعجاباً جارفاً أو نفوراً لا رجعة فيه واتهامات لكاتبه بالفذلكة والادّعاء من جانب القراء العاديين الذين يميلون، في معظمهم، إلى حبكة تقليدية وحكاية بسيطة. وعليه فإن الرواية وغومبروفيتش نفسه من ذلك النوع الذي ينتقي قراءه بعناية؛ إن جاز استخدام تعبير مماثل.

زواج: لقاء أول لم يكد يُلحظ:

في السطور السابقة تحدثت كما لو أن «فيرديدوركه» أول ما تُرجِم من أعمال غومبروفيتش إلى العربية، والحقيقة أن عمله الأول المترجم إلى لغة الضاد هو مسرحية «زواج» التي صدرت عام 2004 في وارسو عن «دار الحوار» بترجمة وتقديم جورج يعقوب الأستاذ في معهد الاستشراق في جامعة وارسو، في إطار الاحتفال بمئوية ميلاد الكاتب. لكن كون «زواج» كانت فاتحة ترجمات صاحب «كوزموس»، لا يعني إطلاقاً أن يُنسَب لها فضل التعريف به عربياً، فمعرفة القراء العرب به بدأت بترجمة «فيرديدوركه»، والسبب في هذا أنها نُشِرت في دار نشر عربية كبيرة، مقرّها بيروت التي تُعد من عواصم الكتاب المهمة في العالم العربي. في حين أن «زواج» نُشِرت في بولندا بعيداً عن قراء اللغة العربية في عمومهم، وصدرت عن دار أكاديمية لا تجارية. ولا أعتقد أن نسخاً من المسرحية قد توفرت بما يكفي في مكتبات العواصم العربية الكبرى. وثمة عامل آخر لا يمكن تجاهله مفاده أن الروايات هي النوع الأدبي الأكثر انتشاراً وتفضيلاً من جانب القراء العرب، بخلاف المسرحيات التي تلقى رواجاً فقط ،إن تحولت إلى عرض مسرحي ناجح، بعدما انقضى زمن ازدهار نشرها في فترتي الخمسينات والستينات؛ حيث نُشِرت في تلك الفترة ترجمات لأهم المسرحيات العالمية.

وبما أننا قد أشرنا إلى الأنواع الأدبية المفضلة، فالظاهرة اللافتة أن الكاتبين البولنديين الأكثر شهرة وشعبية عربياً شاعران، وأعني بهما: فيسوافا شيمبوريسكا وتشيسواف ميووش، لكن السبب الأبرز لتعريف القراء العرب بهما ليس كونهما شاعرين، إنما لأن كليهما فاز بـ«نوبل»، وبعد ترجمة أشعارهما حظيا بتقدير كبير من الشعراء والقراء العرب على حدّ سواء.

(اليوميات) أو أسئلة الفن العصية على التقادم:
قراءة يوميات كاتب ما، تشبه تلبية دعوته إلى جلسة خاصة في بيته، أو ربما داخل روحه. إحساس غريب ينتابك حين تجد مَن عاش قبلك بعقود يجيب عن أسئلتك الشخصية، أو يطرح أسئلة تشغلك ويتوقف أمام معضلات لطالما أرقتك. في هذا جرعة مكثفة من كرم الكتابة. لليوميات إذن سحر من الصعب مقاومته، ولا أتحدث هنا عن إغواء التلصص على الحياة الشخصية لكاتبها، بل إتاحة فرصة التوغل داخل عقله وأفكاره، وعكس روح عصره وأسئلة هذا العصر الفنية والجمالية. ثمة يوميات مُهندَسة؛ أي مكتوبة وفي ذهن كاتبها أنها سوف تُقرَأ لاحقاً، لذا يبدو طيف القارئ ماثلاً فيها ومختبئاً بين سطورها، كما أن هناك يوميات مشغولة بأسئلة فنية أكثر من انشغالها برصد تفاصيل شخصية وأحداث حياتية. لكن حتى في هاتين الحالتين، لا تقل حميمية اليوميات ولا يبطل سحرها.

ولا تخرج يوميات غومبروفيتش عن هذه القاعدة، بل تمثّلها أفضل تمثيل، إذ تتيح لقارئها الاطلاع على أفكار وهواجس واحد من أهم كُتَّاب القرن العشرين. غير أن كونها يوميات «خاصة – عامة» بحسب وصف مؤلفها وانشغالها بانشغالات فنية وجمالية في الأساس، يجعلها في رأيي تهم الكُتَّاب أكثر من غيرهم، لتكون بهذا مخلصة تماماً لصورة غومبروفيتش كما أتصورها؛ فهو «كاتب كُتَّاب» وفق الوصف المعروف، وكثير من محتوى يومياته يصبّ في خانة هذا الوصف ويعززه.

لكن بعيداً عن هذا، أرى أن اليوميات لديها الكثير لتقوله للكتاب والمثقفين العرب والمصريين على وجه الخصوص، كأنها كُتِبَت تلبية لاحتياج ملائم للظرف الذي يعيشونه الآن، حيث ثورات انتهت إما إلى حروب ونزاعات أهلية، أو إلى أنظمة ديكتاتورية أشد بطشاً من سابقتها، ونتج عن الحالتين اضطرار أعداد كبيرة من الكُتَّاب إلى هجرة طوعية أو قسرية. اقرأ في الطبعة العربية من الجزء الأول لليوميات الفقرة التالية: «ههنا نخبة البلاد يتم طردها إلى الخارج. يمكنها أن تفكر وتشعر وتكتب من الخارج. إنها تكسب مسافة. تكسب حرية روحية مدهشة. جميع الارتباطات تنفجر. يمكن للشخص أن يكون نفسه أكثر»(5) (اليوميات.. ص95) فأشعر أنه يتكلم عن قطاع كبير من النخبة العربية في الوقت الحالي.

وحين يكتب: «لا تضيعوا وقتكم الثمين في مطاردة أوروبا – لن تلحقوا بها أبداً. لا تحاولوا أن تصبحوا «ماتيسات» بولنديين، لن يولد «براك» من نقائصكم. بدلاً من ذلك انطلقوا إلى الفن الأوروبي، كونوا من أولئك الذين يزيحون الأقنعة. وبدلاً من رفع أنفسكم إلى مستوى نضج الآخرين، حاولوا الكشف عن عدم نضج أوروبا»(6) (اليوميات.. ص70)

يبدو لي كأنما يتكلم عن العلاقة الشائكة للمثقف العربي بالغرب، ويقدم خلاصة خبرته فيها، فمنذ بدايات النهضة العربية الحديثة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مثَّل الغرب المرجعية الأساسية للمثقفين العرب، حتى من عادوه وهاجموه عرَّفوا أنفسهم ــ في الغالب ــ انطلاقاً من موقفهم المعادي له؛ كأن موقفهم المناهض له شكَّل أساس هويتهم. امتدّ هذا للفن والأدب أيضاً، فكم من فنانين وكُتَّاب عرب طمحوا لأن يكونوا «ماتيسات» أو «بلزاكات» أو «ديكنزات» جدداً، ووقفوا من كل ما يأتي من الغرب من فنّ وأدب موقف التلميذ المنبهر، لا موقف الندّ ذي الرؤية النقدية.

وفي مقابل ما كتبه غومبروفيتش عن «فرع كامل من أدب اليوم الذي يعيش فقط على مشكلة واحدة: الشيوعية»(7) (اليوميات.. ص53) نجد لدينا، في العالم العربي، فرعاً كاملاً من الأدب الذي يعيش على مشكلة واحدة هي الديكتاتورية؛ وأدباءً يقدمون أنفسهم للغرب تحديداً بوصفهم ناشطين سياسيين أكثر منهم كُتَّاباً. يمكن تتبع عشرات التشابهات العامة، هذا بخلاف التشابهات الفردية التي قد يستشعرها كل كاتب أو فنان عن رؤيته لذاته، عن هواجسه ومخاوفه وتشككه فيما ينتجه ورد فعله على هذا النقد أو ذاك لعمله.

عبر اليوميات، يتخطّى غومبروفيتش عصره، يتجاوز خصوصية الثقافة البولندية وطبيعة المشهد الفني والثقافي في الأرجنتين، ويتخطى مجرّد تسجيل رؤيته للثقافة الغربية في زمنه، ليقدم نصّاً؛ يرى فيه كُتَّاب آخرون من ثقافات مختلفة وبعيدة أنفسهم، ويقابلون بعضاً من انشغالاتهم وأسئلتهم ماثلة في عقل كاتب ومثقف نجح في الخروج بيومياته من الإطار الخاص إلى الإطار العام الأشمل، المتجاوز لهويته الفردية وللثقافة التي ينتمي إليها.

معايير الرواج:
في سوق نشر كبير جغرافياً وغير مترابط بما يكفي مثل سوق النشر العربي، قد لا يتعلق نجاح كتاب من عدمه كثيراً بمضمون الكتاب نفسه أو مدى جودته وقدرته على تلبية احتياجات معينة لدى القراء، بل تتداخل عوامل أخرى خارجية لتحدّ من انتشار الكتاب أو تسهم في رواجه. ومن أهم هذه العوامل اسم ناشر الكتاب، فبعض دور النشر تكتفي بتوزيع كتبها محلياً ولا تحرص على توفيرها للقراء في الدول العربية الأخرى، أو توفرها هناك فقط من خلال معارض الكتب المختلفة، لكن الدور المثالية هي تلك التي تشارك في كل معارض الكتب العربية، وتوفر كتبها خارج حدودها عن طريق وكلاء وموزعين محليين، غير أن حتى هذه الدور لا تتساوى، فقد تقف أهمية الدار وكبر اسمها عائقاً أمام مقروئية كتبها في بلدان بعينها، فدور النشر اللبنانية تُسعِّر كتبها بالدولار الأميركي، وبسبب فرق العملة وتكاليف النقل تُصبِح أسعار كتب الدور الكبرى منها فوق متناول القراء في دول مثل مصر والعراق وغيرها. هذا بخلاف أن الحروب والنزاعات الأهلية في سوريا واليمن وليبيا أخرجت قراء هذه الدول من معادلة النشر العربية.

في الغالب، متوسط عدد النسخ المطبوعة في الطبعة الواحدة ألف نسخة باستثناء أعمال الكُتَّاب الأفضل مبيعاً؛ حيث تتراوح بين 3000 نسخة و10000، وفي غياب إحصائيات شفافة عن عدد النسخ المباعة، يتم الاحتكام إلى عوامل أخرى، لتبين إن كان عمل ما قد حظي بالنجاح أم لا! وعلى رأس هذه العوامل عدد المراجعات النقدية له، ومقدار ما يثيره من نقاش، وعدد تقييماته على مواقع القراءة مثل «غود ريدز» وغيره، لا أقصد هنا مضمون التقييمات أو كونها إيجابية من عدمه، بل كم هذه التقييمات لأنه يعطي مؤشراً إلى مدى انتشار العمل بين القراء وإقبالهم على قراءته، بغضّ النظر عن تقييمهم اللاحق له.

إذا نظرنا إلى ترجمات أعمال غومبروفيتش إلى العربية عبر هذه العدسة، وبناءً على هذه «المعايير»، يمكن استخلاص أن الاهتمام به عربياً جاء من الكُتَّاب والمثقفين في الأساس، لا من الجمهور العريض، وأن «فيرديدوركه» حظيت بمراجعات نقدية أكثر من اليوميات، لكن الأخيرة تفوقت على الأولى في عدد الاقتباسات المنشورة منها على مواقع التواصل الاجتماعي. هذه ملاحظات شخصية، إذ لا إحصاءات دقيقة خاصة في هذا الصدد، والكلام هنا في معظمه يتعلّق بالقراء العرب الذين عرفوا الكاتب البولندي الكبير عبر الترجمة إلى لغتهم. بشكل عام، يمكن تقسيم قراء غومبروفيتش في العالم العربي إلى نوعين: الأول من قرأه أو سمع به عبر لغات أخرى مثل الفرنسية أو الإنكليزية والألمانية ومن هؤلاء الشاعر والناشر خالد المعالي الذي تعرف إليه عبر نصوصه المترجمة إلى الألمانية، ومن ثم تحمس لفكرة نشر طبعات عربية منها. أما النوع الثاني فمن لم يتعرفوا إليه سوى بعد ترجمته إلى العربية، وهؤلاء ــ في معظمهم ــ تلقوه مشفوعاً بآراء كتّاب معروفين لهم، ومفضلين عندهم فيه؛ كما سبق وأوضحت.

لكن من ناحية أخرى، هل هناك نقاط التقاء بين غومبروفيتش وأي من الكتاب العرب أو المصريين؟! الحقيقة أنني لم أكن مشغولة على الإطلاق بسؤال مماثل، إذ لم يخطر ببالي قط حتى وجهته لي المترجمة والباحثة البولندية أجنيشكا بيوتروفسكا؛ مترجمة غومبروفيتش إلى العربية. كان السؤال مباغتاً، لكن خطر ببالي على الفور اسم الكاتب المصري الراحل بدر الديب الذي يشترك مع الكاتب البولندي في الولع بالفلسفة، وعصيان كليهما على التقادم، ونجاح أعمالهما في تجاوز حاجز الزمن. لم يطرأ على ذهني اسم آخر غير الديب، لكن مع التفكير في الأمر أدركت أنه من الصعب الوصول إلى قرين عربي للكاتب البولندي، لأن المفترض بكل كاتب جيد أن يكون نسيج وحده، لكن من الممكن، كما هي الحال مع بدر الديب العثور على من يلتقي مع غومبروفيتش في سمة أو أكثر من سمات كتابته. فالعكوف الدؤوب على تدوين اليوميات، وكذلك الولع بالتجريب والإعلاء من شأن اللعب كمفهوم فني، واختيار جمالي، يستحضر في ذهني الكاتب المصري مصطفى ذكري.

والسخرية الذكية المقارِبة لحدود الهزل مع تناول قضايا معقدة وكذلك الابتكار اللغوي سمات يمكن أن تفتح باب المقارنة مع كُتاب من قبيل الروائي الفلسطيني الراحل إميل حبيبي، والروائي والقاص المصري الراحل محمد مستجاب، على سبيل المثال لا الحصر، من دون أن يعني هذا الإيهام بأنّ هناك تطابقاً مفترضاً، بل فقط أبواب مواربة للبحث والمقارنة التي لا تغفل اختلاف المرجعيات والسياقات الثقافية من ثقافة إلى أخرى.

في الختام، أخلص إلى أن غومبروفيتش وإن وصل إلى اللغة العربية متأخراً، فإن اللحظة مواتية الآن لاستقباله كما لم تكن من قبل، وأنه من نوع الكتّاب النخبويين الذين يؤثرون من أعلى، لكن أثرهم يتعمق مع الوقت، لذا أتوقع له حضوراً أوسع عربياً في المستقبل في حالة مواصلة ترجمة باقي أعماله، بحيث يُتاح للقارئ المهتم الاطلاع على تجربته من وجوهها كافة.

 

هوامش:
1. «أوروبا قبل قليل من الحرب العالمية الثانية»، حسن داوود، جريدة القدس العربي، 13 يونيو 2016.

2. «فيرديدوركه.. رائعة غومبروفيتش الذي فضله كونديرا على سارتر»، طارق أبي سمرا، موقع المدن الإلكتروني، 17 يناير 2016.

3. المصدر السابق.

4. «البولندي غومبروفيتش يفضح مراهقة مجتمع الحرب»، إبراهيم فرغلي، جريدة الحياة، 14 فبراير 2016.

5. «اليوميات 1953: 1958، الجزء الأول» الطبعة الأولى، فيتولد غومبروفيتش، ت: أجنيشكا بيوتروفسكا ومعتصم بهائي، منشورات الجمل، 2018، صفحة 95.

6. المصدر السابق، ص70.

7. المصدر السابق، ص53.

 

* روائية وكاتبة مصرية

 



由于民间相传酒酿蛋的做法有很多种产后丰胸产品,质量有层次之分,所以喝不同质量层次的酒酿蛋,作用差异也会很大。粉嫩公主酒酿蛋创始人刘燕,祖上就自有一套很好的酒酿蛋的做法,代代相传,通过多年的沉积和堆集,相传到刘燕这一代产后丰胸方法,传统手艺做法与现代科学相结合,通过7年超长周期的研制,发明出了粉嫩公主酒酿蛋,发挥出了酒酿蛋的成效,成果了健康丰胸和内生养颜的必需品丰胸食物,赢得了万千亲们的力捧,获得了广阔丰胸界的共同认可,也因而发明晰粉嫩公主酒酿蛋的品牌专利粉嫩公主酒酿蛋