رحيل موجع آخر ينضاف في لحظة تاريخية فارقة يعيشها العالم، الكاتب العربي المرموق والذي ترك خلفه إرثا إبداعيا مهما وخصوصا تجربته الروائية والقصصية، والتي أضحت مرجعا مهما للنقاد والباحثين العرب في تمثل الراهن العربي في مفارقاته وتناقضاته، هنا ترصد قنطرة لحظة الرحيل من خلال استقصاء العديد من شهادات أصدقائه، وما تركه من أثر على المنجز الإبداعي العربي.

رحيل الأديب العربي إلياس فركوح

 

توفي الروائي إلياس فركوح، الذي يعد من أهم كتاب القصة والرواية في الأردن والعالم العربي، إثر نوبة قلبية قبل أيام. إلياس فركوح ألف ثلاثية روائية تعاين "الخسارات العربية" بعدسة سردية تحاول الكشف عن تفسير لانهيار الحلم القومي، الذي ظل الكاتب وفياً له إلى آخر العمر، رغم كل ما حدث، ومع تقلب الأزمنة والخيارات وانهيار الأيديولوجيات. الناقد الأدبي فخري صالح يستذكر الراحل إلياس فركوح.

خسارة كبيرة يمثلها رحيل الصديق والكاتب الأردني الكبير إلياس فركوح (1948-2020) للمشهد الروائي والقصصي العربي، وللثقافة العربية عموماً، فإلياس واحدٌ من المجددين في دم القصة والرواية في العقود الأربعة الماضية، إذ استطاع أن يمنح الكتابة السردية تلك القدرة على وصف الأعماق، وتأمل الصراع الداخلي للشخصيات، بالانتقال من الوصف الخارجي للعالم الى الغور عميقا فيما يعتمل في وعي ولاوعي شخصياته.

وقد استخدم إلياس فركوح هذه القدرة، في الحفر على دواخل الشخصية القصصية، وتقليب مشاعرها نحو ما يدور خارجها من أحداث وصراعات، وما يعبر في ذهنها من ذكريات، لكي يلقي ضوءاً كاشفاً على التصدعات، التي أصابت الحلم بدولة عربية قومية ديموقراطية، عبر هزائم وخسارات متوالية تركت علامات غائرة في كتابة جيله من المبدعين والمثقفين العرب.

راهن على دور الثقافة والتنوير وجدد دم الكتابة السردية العربية
ولعل رغبته في أن يفهم ما حدث، منذ ولادته في عام النكبة الفلسطينية (1948)، هي التي دفعته الى تفحص الكوارث المتوالية، التي تبعت ضياع فلسطين، عبر مرآة السرد، القصصي، ثم الروائي، وكذلك المقالة الأدبية ذات البعد التأملي الفلسفي، إضافة إلى الترجمة، وصولاً إلى تأسيس دار نشر خاصة (دار منارات أولاً مع الشاعر الأردني طاهر رياض، ثم دار أزمنة)، لكي ينشر لكتاب ومترجمين عرب ما يؤسس لتنوير عربي قد يرأب هذه الصدوع والخسارات التي فتتت الحلم القومي الذي سكن إلياس إلى آخر أيامه.

وعلى الرغم من العدد القليل من المجموعات القصصية، والروايات، التي كتبها فركوح، إلا أنه استطاع أن يكون واحداً من أهم كتاب القصة والرواية في الأردن والعالم العربي منذ تسعينيات القرن الماضي، وواحداً من ممثلي كتابة الأعماق في السرد العربي الراهن، كما هو الحال لدى إدوار الخراط ومحمد البساطي ومحمد خضير وغالب هلسا ومحمد عز الدين التازي وحيدر حيدر، وآخرين ممن كان تحديث الكتابة القصصية والروائية العربية هاجسهم الذي لازمهم منذ البدايات، وجعلهم يحلمون بكتابة مختلفة، متأنية، سابرة، مركبة، لا تتوقف عند السطوح، بل تغور عميقاً، لتتعرف على سر الذات الإنسانية في علاقتها بما يدور حولها وما يمور في داخلها.

عكف إلياس فركوح، على مدار مجموعاته القصصية، على تطوير تجربته والغوص داخل شخصياته القصصية، محاولاً التعرف على الواقع الاجتماعي ــ السياسي الذي تتحرك ضمنه. وقد اتسم عمله منذ بداياته الأولى بجَدْل الأرضية السياسية ــ الاجتماعية في قصصه مع تأملات الراوي ومونولوجات الشخصيات التي تشكل جزءاً من المشهد الاجتماعي لكنها تحاول في الوقت نفسه تأويله عبر تقليبه على اشتعالات نارها الداخلية.

ونحن نعثر على هذه الطريقة في تقديم العالم في مجموعته الأولى "الصفعة" (1978) التي تضم بواكير قصصه، كما تؤشر على ولادة قاص يحتفل بتحليل العالم الداخلي للشخصيات دون أن ينسى رصد التفاصيل الدقيقة لما يدور في العالم المحيط بها.

أما في "طيور عمان تحلق منخفضة" (1981)، التي يمكن القول إنها مجموعة القاص التي تستحق أن نطلق عليها صفة الأولى على صعيد النضج الفني، فيسعى القاص فيها إلى تصوير أحلام شخصياته البسيطة وآمالها، معتمداً أسلوب التداعي، الذي يكثر من استخدامه في قصصه، راصداً نبض الشخصية الداخلي وتفاصيل حياتها الصغيرة. ورغم أن هناك تواصلاً في شكل الكتابة القصصية لدى الكاتب، عبر الاهتمام بشخصيات تنتمي إلى الطبقات الاجتماعية الدنيا، والتركيز على الهامشيين والمهمشين من البشر، فإننا نلحظ في الوقت نفسه تحولاً في كتابة إلياس فركوح، حيث يلجأ إلى تطعيم نصوصه بلغة الشعر وأفقه الدلالي. لكن الاهتمام بشعرنة اللغة القصصية لا يقلص استخدامه للتفاصيل وقيامه برسم انعكاس المشهد الخارجي على العالم الداخلي للشخصيات، وكذلك تفضيله الدائم لأسلوب التداعي والحوار الداخلي الذي ينقل إلى القارئ ما تفكر به الشخصيات.

إذا انتقلنا إلى مجموعة "من يحرث البحر" (1986)، فسنعثر على تطور لافت. ومع أن الكاتب يستخدم أسلوب الراوي العليم، إلا أنه يُذوّب هذه السمة التقليدية بتمويه العلاقة بين الفعل الماضي والفعل المضارع، مكسباً عمله القصصي روحاً حداثية تختزل السرد التقليدي وتحوله إلى مجرد وسيلة تعبيرية تنمحي وسط الترددات التي يخلقها السرد بين الماضي والحاضر، بين الوصف الخارجي لهيئة الشخصية وسرد مونولوجاتها، بين هيجان الطبيعة (البحر) وهيجان النفس، وهكذا إلى الحد الذي تنمحي فيه الحدود الفاصلة بين هذه الصيغ اللغوية والتعبيرية. ثمَّة محاولة دائبة في قصص فركوح لتذويب فعل الانفصال عن الأشياء وتحويله إلى نقيضه: أي إلى فعل اتصال والتحام بالموجودات والعالم عبر تذويب كل ما يمكن أن يكون فاصلاً سواء كان فاصلا ًزمانيا أو مكانياً، فاصلاً سلطوياً (يأتي من الخارج) أو فاصلاً داخلياً (تمليه المعتقدات والأفكار والتوافقات التي تؤمن بها الشخصية).

وإذا كان إلياس في المجموعات السابقة يجعل من الراوي شخصية شفافة تتمرأى من خلالها الذوات الأخرى في النص القصصي، فإنه في مجموعته "أسرار ساعة الرمل" (1991) يعتمد ظهور شخصية الكاتب في نصه، إذ يظهر مروياً عنه، وهو يعمل على خلق شخصياته وتوليف أحداث قصته المركبة. ويستخدم القاص استعارة الساعة الرملية ليعبر عن كيفية تشكل شخصيات القصة وأحداثها.

بدأت الذرات البلورية تنهال من العنق الدقيق. رآها تشع وتنطفئ، فيما طفقت القبة السفلية المقولبة تمتلئ بالرمل الوردي الغامق. استغرقه التأمل دقيقة، وبعدها لاحظ ضمورا في كمية القبة العلوية. نبتت في داخله سخرية لم تزح له سترها. تابع تحديقه في خيط الانهيال الصامت. كان تواصله يكوم هضبة ناعمة سرعان ما تنبسط تحت الثقل الهاطل، ثم تعود لتتهضب من جديد. ذرات الرمل تشع وتنطفئ، بينما تتوهج السخرية في داخله مفصحة عن فكاهتها الآتية.. أغراه التتبع في أن يخلق القصص ويفض مكنوناتها. هكذا تتولد الحكايات وتظهر الوجوه".

يصبح الكاتب شخصية من شخصياته حيث يروي الراوي عنه وعن الآخرين، ويتابع تخلُّق فعل الكتابة، ثم انفصال الشخصيات عن الكاتب وامتلاكها حيوات خاصة بها. أما الرمل فهو المعادل الموضوعي للشخصيات لأنها مصنوعة من رمل الحكايات، ذرات دقيقة من الأخيلة تتراصف لتشكل حكاية من شخصيات وأحداث. وعلى هذه الاستعارة يقيم فركوح قصته. لكن الجوهري في القصة لا يتمثل في دخول الكاتب قصته، وتأمله فعل الكتابة وآثاره، بل إن الجوهري هو تشكُّل الحكاية من طبقات متعددة.

إلياس فركوح وتحولات المدينة:
أما وفيقة المصري فقد اهتمت في رثائها له بشهادته السردية المهمة على التحولات التي مرت بها مدينة عمان. حيث برز التوظيف المكاني لمدينة عمّان خلال القرن الماضي عند بعض الكتّاب على اختلاف أصولهم، فظهرت عمّان الثلاثينات على سبيل المثال في رواية «الشهبندر» عام 2003 لهاشم غرايبة وعمّان الأربعينات في كتاب عبد الرحمن منيف «سيرة مدينة» عام 2006. أمّا عن التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها المدينة في أواخر القرن الماضي فقد رصدتها بعض أعمال مؤنس الرزاز الروائية مثل «متاهة الأعراب في ناطحات السحاب» عام 1986 و«جمعة القفاري: يوميات نكرة» عام 1990 بالإضافة إلى بعض القصص من مجموعة «النمرود» عام 1980، بينما انعكس حاضر المدينة في مطلع الألفية الجديدة من خلال أعمال الكثيرين، منهم جمال ناجي في روايته «عندما تشيخ الذئاب» عام 2008.

إلّا أن ما يميز عمّان عند كاتب أردني مثل إلياس فركوح ليس كونها مدينته التي ولد فيها ويعتبر شاهدًا على تحولاتها، بل أنه استطاع من خلال أعماله القصصية -والروائية فيما بعد- أن يضفي عليها بعدًا حداثيًا خاصًا يتعدى الاستخدام الجغرافي المحايد، ويخلق تداخلًا بينه وبين الزمن والشخصيات بشكل يؤكد على خصوصية المدينة عنده، من حيث تأثيرها في البداية على بنائه السردي وتأثرها به فيما بعد.

ولد إلياس فركوح في عمّان عام 1948 وتلقى تعليمه فيها حتى الثانوية العامة. أمضى شبابه منتقلًا بين عمّان والقدس، مما جعل الارتباط الأردني الفلسطيني بارزًا في أعماله الأدبية. حصل على بكالوريوس في الفلسفة وعلم النفس من جامعة بيروت العربية. وبالإضافة إلى كونه كاتبًا غزير الإنتاج، أسس فركوح دار أزمنة للنشر والتوزيع عام 1992، حيث يعمل مديرًا لها. حاز على جائزة محمود سيف الدين الإيراني للقصة القصيرة عام 1992 وجائزة الدولة التقديرية للقصة القصيرة عام 1997، كما حاز على جائزة تيسير السبول للرواية عام 2008 عن روايته «أرض اليمبوس».

أول الإدراك صفعة
تجنب فركوح إظهار عمّان بشكل صريح في معظم قصص مجموعته الأولى «الصفعة» عام 1978 مكتفيًا بالحديث عن «المدينة» بوجه عام، إلا أن الإشارة المباشرة إلى مناطق عمّان تظهر جلية في قصة «العطب». يعود أحد المواطنين إلى عمّان بعد غيابه في الخارج مشحونًا بالأمل والعنفوان، ليبحث عن وظيفة في مجال علم الاجتماع، حالمًا أن ينفع بها المجتمع. لكن بعد أن يطول بحثه العقيم، يدرك أنّ ما قاله زميله صحيح: «المجتمع ليس بحاجة إليك»،[1] ويوافق مكرهًا على أن يعمل مصحّحًا في جريدة. ومن خلال التنوع الجغرافي للمدينة بين مرتفعات ومنخفضات يخلق فركوح مرآة تعكس مشاعر البطل وتقلّباته: «من موقعه ترامت المدينة ببياضها المصفَّر. جبل الجوفة يتوازى تمامًا مع القلعة وما بينهما واد ضخم كسته بنايات غير منتظمة. بدا كوجه امرأة مشوّهة. غضونها خطوط سوداء تتحرك عليها العربات وأجسام الناس»، بينما تمسي رحلة البطل اليومية إلى عمله في الجريدة رحلة داخلية عبر مخاوفه وهواجسه، وبهذه الطريقة يخلق فركوح توافقًا بين جغرافية المدينة والحالة الداخلية الخاصة بالبطل، إذ نراه يهبط من منطقة جبل الجوفة التي يسكن فيها إلى قاع المدينة مرورًا بالمدرج الروماني ويستقل الحافلة إلى شارع الجامعة: «ها أنا في المرتفع.. ﻷهبط إلى القاع».

يمثّل الهبوط إلى قاع المدينة ثيمة متكررة عند فركوح وحالة من انخراط الشخصية في واقعها: «حبة زئبق انحشرت بين ضغط الأكتاف. مزيد من الصراخ الروماني، وكل المدرج قبضات تهتز بإبهامها المشير نحو الأسفل»، إذ تدل إشارة الإبهام داخل حلبات المصارعة في زمن الإمبراطورية الرومانية أن المتفرجين يطالبون بقتل الخاسر.[2] وهكذا تتحول آثار المدينة إلى آثار للإخفاق والفشل، فتأخذنا هذه الإسقاطات من الداخل إلى الخارج وبالعكس، وتخلق حالة من التداخل بين المدينة وشخصياتها، فيمسي عطب أحدهما مسبّبًا لعطب الآخر.

أين تحلّق طيور عمان؟
يبدو تعامل فركوح مع المدينة أكثر خصوصية في مجموعته القصصية الثانية، إذ يظهر ذلك بداية من خلال الإشارة المباشرة إلى عمان في عنوان المجموعة «طيور عمّان تحلق منخفضة» والتي صدرت عام 1981. تضفي لغة فركوح التصويرية جانبًا ساحرًا وغامضًا على المدينة، فمثلًا في بداية القصة التي تحمل اسم المجموعة، يصف فركوح جبال عمان قائلًا: «كومة الجبال الصغيرة تلتهب كأنها -إن نظرت إليها من بعيد- جوهرة أزيحت الأتربة توًا عنها. صامتة، بعيدة، ولكنها حاضرة أينما يممت وجهك».[3]

يوائم فركوح في القصة بين التنوع الجغرافي للمدينة والتنوع العرقي الذي شكل المجتمع الأردني من خلال شخصيات القصة. نسرين الأرملة، وتيتي الشركسية العربية، وخطيبها خلف البدوي من المفرق، وإبراهيم الفلسطيني النازح من أريحا ينطلقون ليتعرفوا على «الجانب الآخر» من عمّان الجديدة بقيادة صاحب السيارة الذي يبدو خبيرًا بأرجائها: «خلّفوا الدوار الثالث وراءهم وبدأوا يتقدمون موغلين نحو تطرف المنطقة الغربية. الشوارع عريضة مفتوحة لزيادة السرعة..» كما يطلعنا فركوح على جزء من ديموغرافية المدينة والتوسع الحداثي الذي طرأ عليها وقد كشف لنا نظرة الشخصيات إلى الجانب الآخر، فالشوارع المتسعة ومعمار البيوت الأنيقة يختلف تمامًا عن عمّان الشرقية التي يعرفونها بشوارعها الضيقة وأحيائها المزدحمة. تُعلّق إحدى الشخصيات على الاختلاف بين الجانبين قائلة: «حتى هواؤهم أنقى وأنظف!» فيظهر استخدام ضمير الغائب «هم» على أنهم يتعاملون مع سكان المنطقة الغربية بغيرية واضحة، فسكان المدينة ليسوا واحدًا، وثمة قناعة بوجود اعتبارات مختلفة وحدود وهمية قائمة بين الجانبين. صحيح أن حداثة الجانب الآخر من عمّان قد أذهلتهم، إلا أنه من الصعب عليهم تقبلها في دواخلهم: «وفي نفوسهم كانت عمّان تحفر علاماتها الجديدة بأظافر من صلب»، وسرعان ما رغبوا في التوقف عن تعذيب أنفسهم بما لا يستطيعون إدراكه والعودة من حيث جاؤوا، فتقول إحدى الشخصيات لصاحب السيارة: «رأينا ما يكفي. نحن لسنا مازوشيين. وأنت أتراك سادي؟».

يعلق خليل السواحري على أبطال هذه المجموعة القصصية قائلًا: «أبطال إلياس فركوح هم نماذج سقف السيل. نماذج عمّان المدينة التي لم تكتمل فيها بعد عناصر مجتمع المدينة؛ فقراء، معظم من الوافدين إليها حديثًا أو قديمًا من أبناء الأرياف أو القرى الأردنية أو من أبناء النكبة الفلسطينية الأولى»،[4] ومن هنا يضيء فركوح في هذه المجموعة أحد أكثر المشاهد ألفة في سماء المدينة، حيث يظهر أبطال القصص باعتقادي كسرب من أسراب طيور عمان؛ ترتفع عاليًا ثم تعود لتحلّق منخفضة من جديد، فيكون في الهبوط إلى القاع انخراط في واقع المدينة ورغبة في استيعابه.

طلقة على الهامش

يلجأ فركوح في مجموعته القصصية الثالثة «إحدى وعشرون طلقة للنبي» عام 1982 إلى تقنية التجريب على صعيد البناء السردي واللغوي، حيث يعمق استفادته من جوانب المدينة الأخرى ويتطرق إلى شخصيات حقيقية تعيش على الهامش. يوضح الشاعر والناقد محمد عبيد الله أنّ أبرز ما ظهر في مرحلة التجريب عند فركوح في هذه المجموعة هو :«اللجوء إلى المكان الجزئي أو الهامشي في عمان، وكذلك إضاءة الشخصيات العمانية المهمّشة من مثل: شخصية آفو الأرمني، وليس الشخصيات النموذجية البطولية».

في قصة «آفو» يلتقط فركوح شخصية رجل أرمني يدعى «أواديس»، رحل إلى عمّان بعد احتلال القدس عام 1948 وقد فقد حاستي السمع والنطق جراء انفجار لغم أمامه عندما كان صغيرًا. من الجدير بالملاحظة أن فركوح يقدم شخصية أواديس الواقعية للقارىء من خلال إضافة ملاحظة طويلة عن مجربات حياته في هامش الصفحة الأولى، وهنا تكمن المفارقة، فعلى الرغم من تمركز القصة حول آفو وحضوره الدائم في مركز المدينة، إلا أنه يعيش مهملًا على هامشها، وهامش النص في بداية القصة يشير بوضوح إلى ذلك. كما أن مراوحة فركوح بين ضميري الغائب والمخاطب في القصة تخلق مفارقة أخرى من غياب الثابت والحاضر عن مرأى عيوننا: «مَن الثابت ومَن المتغير يا صاحبي؟».[5]

يركز المتن الحكائي على تركيب صورة «أواديس» نيابة عنه، متذبذبًا بين مدينتين؛ بين حاضره المهمّش في عمان، عند «دخلة مطعم هاشم» في وسط المدينة حيث يجهز الشاي والقهوة لزبائن المطعم، وبين شظايا ماضيه في القدس عندما كان اسمه «أفاديس» وأمه تدعوه تدليلًا «آفو». ومن خلال استخدام تقنية الاسترجاع الفني (Flashback Technique) يربط فركوح بسلاسة بين المكانين والزمانين فيصيران واحدًا: أواديس الذي «يهبط في غبش عمان.. من شاهق الأشرفية المتثائب إلى جرف المدينة السوق» وآفو الطفل الذي يحمل رغيف زعتر وزيت وتفاحة حمراء باردة في طريقه إلى مدرسته في القدس. وبما أن المدينة هي الشاهدة الوحيدة على ما حدث ويحدث لآفو، تنبت على جلده ويصير أيضًا شاهدًا عليها. آفو الذي يتآخى مع المدينة ويتكيّف مع مجرياتها أمسى جزءًا لا يتجزّأ منها، فمن خلاله نرى واقع المدينة وثباتها رغم ما يعبرها من تغيرات: «كالمدينة هو: يعبرها مسافرون، وقاطنون، وغبار، وطين، وبرد.. وتبقى هي. تزيح ما علق على عينيها من قذى وتعيش. متأبد في المكان، متواصل مع الوقت. ولأنه هكذا كان جسده جلدًا متكيفًا وبروزات العظم تحته».

يقودنا فركوح إلى هوامش المدينة عبر أشخاصها، وفي بوتقة سردية متقنة الصنع، تنصهر المدينة وشخصياتها إلى كتلة واحدة. وعليه، يرى أمجد ناصر أن الهندسة القصصية لمجموعة «إحدى وعشرون طلقة للنبي» متطابقة مع هندسة المدينة، فيقول: «نحن إذن أمام عالم قصصي مقام على شاكلة المدينة ومتداخل في لحمها الحي في الوقت نفسه، فقصة إلياس فركوح التي هي نتاج للمكان، هي قطعة منه أيضًا».[6]

بوابة الخروج من المدينة
إضافة إلى الابتكار على المستوى البنائي للقصة، فإن ما يميز مرحلة التجريب عند فركوح هو وضوح شاعرية اللغة وتكثيف رمزيتها، ممهدة طريقه للتمرد على أسلوب القصة القصيرة في المجموعات القصصية اللاحقة. إذ تمثل مجموعة «من يحرث البحر» عام 1986، و«أسرار ساعة الرمل» عام 1991، و«الملائكة في العراء» عام 1997، و«حقول الظلال» عام 2002 خروجًا نافرًا على قالب القصة القصيرة ودربًا فائضًا بالشعر والخيال.

يخرج فركوح من مدينته؛ من أحيائها وأزقتها، من جبالها وقاعها هاربًا إلى عوالم باطنية أخرى تفيض ماءً. إذ يبرز العنصر المائي بكثافة في المجموعات آنفة الذكر؛ فمثلًا يحل البحر وملحه ولونه في قصة «ماما، ما لون البحر؟»، والمطر وانهماره في قصة «هي والمطر… هي المطر»، والثلج ونثيثه في قصة «النثيث» مكان عمّان وشوارعها وجبالها. وكما انعكست هندسة المدينة في أولى مجموعاته، فإن خروج عمان من قصصه اللاحقة انعكس بوضوح على النص، إذ ينعكف على بنائه الداخلي، مؤثثًا إياه بما يشاء من مشاعر وهموم وهواجس الشخصيات المكبوتة، دون أن يكون السرد هدفًا بحد ذاته. وعليه، يصف د. محمد عبيد الله أسلوب فركوح في هذه المرحلة على أنه أسلوب «القصة الضد» أو «ضد القصة القصيرة»، حيث تتملص القصة من سرديتها في محاولة لخلق أساليب بديلة.

مع غياب خصوصية عمان عند فركوح في آخر مجموعاته، يتحول المكان مشاعًا ويصير مدنًا أخرى من ماء ورمل وأشباح وظلال. وفي ظل هذا الغياب ما بعد الحداثي يصور فركوح تمرده على واقع المدينة من خلال اللجوء إلى عوالم الداخل والأحلام والخيال كأمكنة بديلة، بعيدًا عن عمان؛ مدينة الجبال المنكفئة على نفسها، والتي -في محاولة بريئة لاحتضان ساكنيها- ما انفكت تطبق عليهم دون أن تشعر.

الهوامش

[1] العطب، الأعمال القصصية، إلياس فركوح، ص64.

[2] ملاحظة أضافها فركوح في هامش القصة، ص 65. وتجدر الإشارة هنا إلى اهتمام إلياس فركوح بالهامش معتبرًا إياه جزءًا من المتن. لا ينطبق ذلك على أعماله القصصية فحسب، إذ كثيرًا ما ينقلب الهامش متنًا في أعماله الروائية، مثل رواية «قامات الزبد» عام 2009.

[3] طيور عمان تحلق منخفضة، الأعمال القصصية، إلياس فركوح، ص 129.

[4] ملحق مما كتب عن المجموعات. الأعمال القصصية، إلياس فركوح، ص 745.

[5] آفو، الأعمال القصصية، إلياس فركوح، ص 224.

[6] ملحق مما كتب عن المجموعات. ص 743. الأعمال القصصية / إلياس فركوح.