ينتح الكاتب المصري المرموق من بئر الذاكرة العميق، مستعيدا لحظات مضيئة نائية، ارتبط فيها الولع بالمعرفة واستطابة ثمراتها المتتالية، بدخول وسيط جديد بدا وقتها وكأنه يفتح آفاقا لا محدودة من الرؤى والجمال. بصورة تدفعنا تلك الكتابة الجميلة عنه، للرثاء لما انتهى إليه حاله الآن بعدما أطاحت به وسائط أخر.

ما جلبَ الأثيرُ من الهوى وما جلَى

عاطف سليمان

 

كنتُ في الخامسة، والوقتُ هو البكورُ وقد اختلط فيه طلوعُ الصبح بصدْحِ أنشودةٍ بهيجةٍ تتراوح في الأثير كمثل أرجوحة. في عتمة ذلك البكور البارد الدافئ، أتاني التردادُ الخافتُ الوثيق للأنشودة، من ناحيةٍ لا أدريها، فاستنمتُ إلى نغماتها واهتززتُ من الحبور. وتكفّل الزمنُ اللاحق بإعلامي أنّ الصدْح المبهَم كان أغنيةً يبثّها الراديو بتوقيع نبرات محمد قنديل وجوقته التي ردّت عليه؛ جميل وأسمر بيتمخطر، ولقد انقضى ما انقضى من العقود مُذ ذاك، فعسى أني أعاود الذهابَ إلى صبيحتي تلك، وأني لَقاصِدٌ إليها، ذاهِبٌ إلى الصبيحة، وذاهبٌ إلى الذهاب إليها؛ فإنْ تبدّى قصدي مرثيةً فهو صيْحة بعْثٍ، وإنْ كان صيحةَ بعثٍ فهو من مقام الحفيف.

وُلِدتُّ في سنة 1959 بقرية «كفر العلوي»، من أرياف وسط الدلتا المصرية التي لم تصل إليها أسلاكُ الكهرباء إلا بعد منتصف سبعينات القرن العشرين. في الريف عشتُ، قبل زمن الكهرباء، وعرفتُ اللحظات الغريبة التي تتلاشى وتنعدم فيها الأصواتُ قاطبةً فلا يبقى إلا الصمتُ التام وما فيه، ويستتبُّ سكونٌ خالصٌ كان لا يني ينعش فضولي. ومن ذاك السكون ظل ينبثق دوماً لسمعي صفيرٌ خافتٌ متصلٌ كأنه منطلقٌ على حاله منذ الأزل؛ فكنتُ أستشعره منبعثاً من رحابٍ قصيّة وضّاءة، ثم لا يلبث أن تُضيِّعه أيةُ جلبة عادية؛ فهل كنتُ أشعرُ أنَّ ذاك الصفير يؤنسني؟ أكنتُ أشعرُ أنه يراسلني؟ لستُ موقناً إلا من أنه كان عزيزاً لديَّ هذا الذي لم أعِ أن الكهرباء، وقتما تجيء، لن تُبقي عليه، بأية حال، وستطمسه طمساً بعنفوان مُلحقاتِها وما يستتبعُها.

وعيتُ فوجدتُّ في بيتنا الريفي ذاك راديو فيلـﭙـس كبيراً ببطارية؛ منه تخلَّق وتشكَّل أولُ وعيي وبعضٌ من وجداني وكثيرٌ من ذكرياتي وأحلامي، مثلما تخلَّقت منه إحدى عاداتي الكائنة إلى اليوم؛ هي مداومة الاستماع والإنصات إلى الراديو واكتناه الأصوات وما تداريه. وللوقتِ أكادُ ألمحُ اللمبةَ الشبيهة بحبة الفاصوليا التي كانت تشعّ ضوءَها الأخضر الداكن بالركن الأيسر الأعلى من واجهة الراديو الكريستالية، وأسمع الخرفشات المتماوجة لمحطة الـ«بي بي سي»، التي طال ما استمعَ أبي إلى نشراتِ الأخبار منها، قبل مكوثه المطوَّل عند محطة «هنا القاهرة – إذاعة الجمهورية العربية المتحدة» بأغانيها المصرية وأصواتِ مذيعيها ومذيعاتِها ونشرات أخبار «بديعة رفاعي» و«عبد العال هنيدي» ورفاقهما المفعمة بالرصانة والهيبة، بصرف النظر عن قياس انطباقها على معيار الصدق، وفي تلك الآونة كنتُ بالطبع قد عزمتُ على أن أصير مذيعاً لنشرات أخبار الراديو حينما أكبر، بل أظنني كنتُ قد صرتُ ذلك المذيع المأمول – فوراً – بيني وبين نفسي. وكان أبي يسمح لي، تحت إشرافه، بتشغيل الراديو والتجوال بين المحطات الإذاعية بإدارة مفتاح عاجيّ، يشبه القُمع، فيسحب ويلفّ الخيطَ الذي يحمل المؤشر، جيئةً وذهاباً، وبذلك يمرُّ المؤشرُ من وراء الشاشة الشفّافة المكتظة بالأرقام الدّالة على ترددات بثِ المحطات المختلفة، وكان للتجوال بين المحطات صوتٌ عاصِفٌ لا شبيه له حيث تترى المحطات المندغمة بحشدٍ من التزييقات المتماوجة والمتفاوتة والمتذبذبة، كأنها ترجيعُ مجرّاتٍ تنزلق وتتحاكك ببعضها وتهوي في الفضاء، إلى أن تصل حركة الخيط بالمؤشر المحمول إلى محطة واضحة رائقة فتهدأ الضّجّة ويأخذ المرءُ شهيقَه.

لم تكن هنالك محطات مأهولة ومحطات مهمَلة فحسب، إنّما وُجِدت أيضاً محطةٌ أخرى وسيطة كان يتوقف عندها مؤشرُ الفيلـﭙـس في بعض فترات النهار؛ هي «صوت العرب» التي أتتني منها آنذاك أغنياتٌ عربية؛ فمنها استمعتُ، وأنا ما بين الخامسة والثامنة، إلى «نجاح سلَّام» في «مَيِّلْ يا غْزيِّلْ»، وإلى «رابِح دِرياسة» في «خُلخالك مَال يا طفلة»، وإلى «صباح فخري» في «يا مال الشام»، وإلى «نور الهدى» في «هل هلال العيد»، وإلى «هيام يونس» في «طفلة عربية»، وإلى «مصطفى نصري» في «ع المولية» إلخ إلخ، وعشقت تلك الأغنياتِ إلى الأبد.

تُوفي عمي، ثم تُوفيت جدتي لأبي، واقتضت تقاليدُ الحِداد إغلاقَ الراديو نهائياً لشهورٍ عديدة، إذْ كان العُرفُ يُعيب تشغيلَه ولو بغرض الاستماع منه إلى تلاوة القرآن، فوُضِع الفيلـﭙـس فوق الرف، تخفيه عن الأعين قطعةُ قماش بيضاء مطرَّزة، باعتباره أداةَ لهو. وبعد شهور من إسكاته أعاد أبي تشغيلَه في ضحى يوم من أيام سنة 1968، وأتذكّر أغنيتين انطلقتا في بداية تلك الأيام هما «جانا الهوى» و«على حِسب وداد قلبي» فعلقتا بأذني فوراً ورغبتُ في أن يكونا لي، بحوزتي، من أملاكي الخاصة، أو أن أصنع مثلهما! ووقتذاك عرفتُ اسمَ «عبد الحليم حافظ».

تُفتِّت لي أمي الخبزَ البيتي في الشاي الساخن، في صباحٍ لا ينفد من قلبي، فأتلذّذ بالتسقيّة من كوب الزجاج المخضر، متسَع الفوهة، المدموغ بـ"ياسين"، وترافق الصباحَ أغنيةُ «يا صباح الخير يا اللي معانا»، ولمراتٍ لا أنساها كان صوت أم كلثوم يجيئني دانياً، مملوكاً، كريماً، صادقاً، مِلءَ مُهجتي، ومنه اشتقت الصباحاتُ نكهتَها، وأفرحتني في تلك الصباحات أغنيةُ «أحلام» «تاتا خطِّي العتبة»، وأغنية «شريفة فاضل» «فلاح كان فايت بيغنّي»، ثم انضم إلى النكهة صوتُ المذيعة «مديحة نجيب» بصوتها الراجي وبعذوبة ابتهالاتها، ولاحقاً زقزقت «عفاف راضي» بـ«تساهيل» فأحسستُ أن بصُحبتي فتاةً حلوة نضرة مُشرِقة.

وفي الضحى تملأ الشمسُ التراسينةَ القديمة النيّرة ذات الواجهة الخشبية المشقّقة بطلائها البالي وشبابيكها الصغيرة الثمانية وعمودها الطالعِ في منتصفها، حاملاً مقدمتَها ومُسْنِداً سقفَها، ويرتشق في أعلاه الهوائيُّ اللاقطُ لموجات الراديو. ويدورُ في المكان نورٌ صافٍ من أفق السماء الغربي فتُمَدُّ طشوتُ الغسيل على الأرض، وتمكث في الهواء رائحةُ صابون "الشمس" العتيد بمكعباته الضخمة الصفراء، بينما تُرَشُّ في مياه الشطْف، من أكياسٍ ورقية بيضاء، رشّاتٌ من بودرة زهرة الغسيل، بلونها الأزرق الهشّ، المخصّصة لتوكيد بياض الثياب البيضاء، وفي الأثناء يكون حِسُّ «فريد الأطرش» يواكِبُ ويغنّي «يا ابو ضحكة جنان» أو «ما انحرمش العمر منك» أو«جرى إيه يا عُزّالنا»، وأنا أحدس في قرارة فؤادي بأنّ لي وعداً أبديّاً معه ومع أغانيه وتفانينه في قابل الأيام، وتغني «وردة» «ح أقول لك حاجة» أو «يا نخلتين ف العلالي يا بلحهم دوا» التي ياما أربكتني بسبب كلمة "دوا" التي لم تكن تعني لي سوى الشراب الكريه المداوي للسعال، و«شادية» بصوتها الذائب في أنوثته ورِقته، المشفوع باللهفة والشوق، تستحث الزغاريدَ وتُشِيع الغبطةَ بأغنية «برجالاتك»، أو ترتِّل «ما تهونشي عليّا» كالترتيل فأشعرُ بأنها تصطفيني وتُهامِسني، و«الشحرورة» تغنّي باسمةً ضاحكةً «ع البساطة» أو «حسونة» التي راقتني واستمالتني وأغوتني، وتغنّي «مها صبري»، بالشرخ الذي أحببتُه في صوتها وكأنه شَقٌ يهفُّ منه نسيمُ؛ «من بين الصبايا»، وكثيراً ما صفّقَ «ماهر العطّار» وغنّى «افرش منديلك ع الرملة» فبدت لي أغنيته راقصة وجميلة لكنما بلا بدائع، مع أني بُهِرتُ حين سمعت فيها اسم «الباجور» و«تلا»؛ فـ«تلا» أعرفها، بالطبع، إذْ إنها البندر، الذي تتبعه قريتي. وما هو إلا الضحى نفسه الذي طال ما أغواني بأخْذ سنّارتي، التي أكون قد صنعتُها سِراً، بعِلم أمي، وأخفيتُها عن أبي الذي ظل يُمانعنا جميعاً من مجرد الذهاب ناحية الترعة، إلى الصيْد. وسنّارتي لم تزِد، بالطبع، عن عودٍ من البوص، مربوط في طرفه متر ونصف من خيط القنّب، وغمّازة عوّامة بمنتصف الخيط، مُسوّاة من لبابة حطب، ثم هلب صغير لامع معقود عليه طرف الخيط. وعند الوصول إلى الترعة أستخرج بعصاةٍ بعض الديدان من طين حافة الترعة لتصير هي الطُّعم للأسماك، وإذا اصطدتُ بعض السمكات الضئيلات فالإجراء الذي كان مُتبعاً بين أمثالي من الصيّادين الصغار هو تمرير غصن منتزَع من نباتات الترعة في خيشوم كل سمكة ثم رشْقه في طين الشاطئ، على أن يتدلى الغصن بأسماكه في ماء الترعة بقدر الإمكان، لإبقاء الغلة طازجة. وإذا تعذّر لي الانطلاق إلى الصيد فكنتُ، من ضمن بدائل عديدة، أمضي إلى جولة واسعة أجمع فيها الصمغ من خباياه في جذوع الأشجار، أو أتسلّق أشجار التوت وأتلقّط حبّاتِه.

حلتُّ الظهيراتُ، وغنّى «عبد الوهاب» «طول ما أملي معايا» و«مصرُ نادتنا» فأعجبتاني، وستعجبني أيضاً أغنيته «أخي، جاوز الظالمون المدى»، وغنّى «محمد طه» مواويلَه فازداد لهفي إليها، و«محمد العِزبي» «عيون بهيّة» فكنتُ أفتقدُها كلّما انتهت، و«عبد الحليم» «وحياة قلبي وأفراحه» فكنتُ أشعرُ وكأنني أتفقَّدُ ما هو آتٍ بانشراحٍ غامض مختلط بالقلق، و«محمد رشدي» «وأنا كل ما أقول يا توبة» فأفسحَ لي واسعاً مع الشجن الذي وافته «شادية» بـ«والله يا زمن» في "نحن لا نزرع الشوك"، وغنّى «كارم محمود» «عِنّابي» و«يا حلو نادي لي» فأحسستُ أن صوتَه الذي أمتعني يعبق برائحة الدكاكين العتيقة وأجولة التمُور والعرق سوس، وأنشدَ «سيد مكّاوي» «الأرض بتتكلم عربي» فأدهشتني الكلمات المسجوعة، وما كان الغناءُ يَلقى الهدوءَ والإنصات أبداً، بالطبع، بل تُمازِجُه نزاعاتُ الصغار طالبي اللعب، ويقاطِعه أحياناً فحيحُ صوت اشتعال وابور الجاز أو الصوتُ المكتوم الـناجم عن دَق كُفْتةِ الأرز في الهون الثقيل وتخترقه قرقعةٌ نُحاسية، كالشرر، متواترةٌ لرنّاتٍ تنجُمُ عن اصطدام يدِ الهون مع حافته. 

كانت «تكبيرات صلاة العيد»، بنسختها القديمة، تخلبني بجماعيتها الـمُؤنِسة الـمُفْشِية للطمأنينة، وتشدهني بتكرارياتها التي لا يشبع السمعُ منها، ثم يكون لي بين حينٍ وآخر أنْ تنوبَ «نجاة» عن العيد فتترنّم، في العصاري، ترنيمتَها التي هفهفت في أسماعي فأنارتني وخلبتني طلاوتُها وآوتني نعومتُها وأشعرتني باحتياجي إلى ما لا أدركُ كُنهَه؛ «وأنا خدي على الشباك»، وكذلك تطلُّ «أحلام» بصوتها المشرَّب بنأيِ الحواديت الحيّة التي بلا آخر فتغني «يا عطّارين دِلْوني»، وأتخيّلها واقفةً في سردابٍ مُعبَّق بالتوابل تهاتفُ بحّارةً وتناجي مسافرين على سفينة تمخرُ في ماضٍ سرمدي، وبدا لي صوت «فايزة أحمد» حلواً ممتلئاً صافياً يعانقني وهي تغني «قاعد معاي» و«آخد حبيبي»، ويشرق نقيّاً ناضجاً وهي تغني «أنا قلبي لِيك ميّال»، ثم تتبدّى لي هي نفسُها، حين تردِّد «اِبعد يا شْطان اِبعد يا شْطان»، كمثلِ الساحرة التي تركب المقشّة، وأيضاً كانت هنالك «سعاد مكّاوي» بـ«رمشه ندهلي لاسمر»، و«عصمت عبد العليم» بـ«طاير يا حمام»، وترقرقت «أسمهان» بأغنياتٍ حلوة كنتُ لا أتبيّن الكثيرَ من كلماتها، ولعلي اطمأننتُ على نحوٍ ما بأن موعدي معها أكيد لكنما مؤجَّل. ثم يكون لي، في الأصائل، صوتُ المذيعة «إيناس جُوهر» بجاذبيته وفرادتِه ومرحِه البسّام الساحر الممتع، وفي البال تتخالط هذه الأغنياتُ وغيرها مع ضحكات ومنازعات وثرثرات البنات والنساء وقد جلسن حول طبْلية كبيرة ناعمة نظيفة، وانتظمن بصبرٍ لأجل بَرْمِ فتائلِ الشعرية الرفيعة بأصابعهن، ثم حراستها حتى تجف ويدْكُن لونُها قليلاً، بينما أكونُ قد انسللتُ وتسلّقتُ شجرةَ التوت القريبة، وقطقتُ كومةً من أوراقها، وعُدتُّ إلى دود القز الطّري السمين في عتمة العلبة الكرتونية المخرَّمة فأبدِّل ببقايا الأوراق المقضومة الذابلة أوراقاً ناضرة يرتع عليها الدود بمخالبِه الحادة الدقيقة ونهمِه العاتي، وأترقّب بشغفٍ ظهور شرنقة جديدة ملوّنة غير الشرانق المعتادة البيضاء.

وفي الأماسي يشعل أبي الكلوبَ "أبو رتينة" فيتوهّج بالنور الأبيض، القوي، وما هي إلا لحظات ويحيّرني الدورانُ الجنوني لفراشات "أبو دقيق" حول زجاجته الساخنة إلى أنْ تسقط محترقة وتمسي رُفاتاً من غبارٍ داكنَ البياضِ منزوعَ الوزنِ، وفي الأثناء يغنّي «محرم فؤاد» دائماً «اوعى تكون بتحب يا قلبي» أو «يا غزال إسكندراني» أو «يا واحشني رُد عليّا»، وقد بدا لي أن صوته ممتلئٌ وحافلٌ بالعافية، ورغبتُ أن يصير صوتي عفيّاً رخيماً مثل صوته ذاك الذي سمعتُه، غير أني كنتُ أتوجّس من "أم عيون زرقا" التي تساوقت في إدراكي آنذاك مع "أمنا الغولة"، ولم أدرك بالطبع أنه يقصد الامتداح والغزل! وفي بداية السهرات، يترامى نقيقُ ضفادع وعواء كلاب وصريخ صراصير الغيط، وتُوضع مشاعل كيروسين صغيرة فوق بعض الأسطح، ومن جديد، يغنّي «عبد الوهاب» «قالوا لي هان الود عليه» أو «حياتي إنتا» أو «فين طريقك فين»، وتغنّي «نجاة» «مهما الأيام تعمل فينا» أو «و ح تسافر»، و«كارم محمود» «أمانة عليك يا ليل طوِّل»، وفريد «جميل جمال» أو «بنادي عليك»، حتى تدق ساعة جامعة القاهرة فيحينُ موعدُ قرآن الساعة الثامنة. وقد حضر «الكحلاوي» في كل الأوقات ورادفَ كل الأغنيات بواحدتِهِ «مَدد يا نبي» وواحدتِهِ الثانية «لجل النبي»، وكذلك كان «عبد المطلب» يشارك الأفراح بأغنيته «تسلم إيدين اللي اشترى»، ثم ظهر «فهد بلّان» مجتاحاً بـ«واشرح لها» و«يا سالمة» و«على كفي»، ولعل المارة في حواري القرية كانوا لا ينقطعون عن الهمهمة بمطلع "واشرح لها عن حالتي" التي لم نكن، نحن الصغار، نكُفُّ أيضاً عن ترديدها والاصطخاب بها أثناء انهماكنا في لعبنا ورمْحنا في السراديب والطرقات.

*

حين استمعتُ إلى صوت «فيروز» في أغنية «حبيتك بالصيف»، وكانت تتكررُ كثيراً بالإذاعة المصرية لَكأن فيروز لم تغنِ غيرها، لم يشدني اللحنُ الغربي للأغنية ولم أفهم شيئاً من مرامي كلماتها فبقيتُ فاتراً تجاهَ فيروز، إلى أن استمعتُ إلى أغنيةٍ أخرى من اختيارات «صوت العرب»، دائماً، هي «شط إسكندرية» ثم «الحلوة دي قامت تعجن» و«شايف البحر شو كبير» فتحسَّنت علاقتي، نوعاً، بفيروز، إلى أن حظيتُ – وكنتُ في الرابعة عشرة – بالاستماع إلى أغنيتيْن غيَّـرتا كلَّ شيء وقلبتا كياني رأساً على عقب، وكانتا «وقِّف يا أسمر» و«يا إمي ما بعرف كيف حاكاني»، وأدركتُ أنَّ ثمة فيروز محجوبة، وأنَّ على مَنْ يريدها أنْ يسعى وراءها.

بعد منتصف السبعينات مُدَّت أسلاكُ الكهرباء على أعمدةٍ صدئة إلى ريفِنا، وظهرت أجهزةُ تسجيل الصوت وشرائط الكاسيت، واستشرت هذه الأجهزة باكتساحٍ ساحقٍ لا راد له في نفوس الناس إلى درجة أن امتلاك "الـمُسجِّل" باتت له الأولوية على امتلاك لُقمة العيش. وتبارت أجهزة التسجيل حيثما شُغِّلت، من منافذ الأسواق ومن مداخل البيوت ومن رؤوس الغيطان، في بث صهللة أحمد عدوية، مع بث روائع الشيخ عبد الباسط عبد الصمد والشيخ الطبلاوي والشيخ عنتر تواكبهم هجائيات خُطباء منابرَ أمثال الشيخ كشك، وكذلك تسابقت «العيون السود» مع «موعود»، و«كايدة العُزّال»، و«مولاي إني ببابك»، و«جيـﭭـارا مات» و«القدس عروسُ عروبتكم» و«العتبة قزاز» وهلمجرا. ثم دخلتُ أنا جامعةَ القاهرة، وأحببتُ صوتَ وشمائلَ صوتِ «هيام حموي» المذيعة بمونت كارلو، وتعرَّفتُ قبل ذلك على زملاء وأصدقاءٍ ذوي علمٍ بدُنيا فيروز والرحبانية وفيلمون وهبي، بل وصلتُ إلى ارتياد مكتبة "كولومبيا" في سَمْتها الأوروبي، بممر سينما راديو، في وسط القاهرة، حيث كانت تتوفّر شرائط فيروز ضمن أنفَس منتوجات الموسيقى والغناء في العالَم، وحرصتُ كذلك على تسجيل أغنيات فيروز التي لا تضمها شرائط الكاسيت المتداوَلة، وبذلتُ ما أمكنني لاقتناء "كل" ما نطقت به فيروز، بما في ذلك، بالتأكيد، نُسخ من أحاديثها الإذاعية والتليـﭭـزيونية، وتكوَّنت عندي مكتبة فيروزية متنامية كنتُ أتبجَّحُ – ثقةً في ثرائها – بأن لديَّ تسجيلات ليس لدى فيروز، نفسها، مثيلها! وصار لي أنْ حفظتُ الكثيرَ من أغنياتها ومقاطع مسرحياتها، وأعدتُّ الاعتبار، داخلَ وجداني، إلى أغنية «حبيتك بالصيف» بعد أن لقيتُ سياقَها الفني والزمني.

بنبراتِ صوتها وبلفتات وجهها وبنظراتها وبخطواتها باتت فيروز، في وجداني، بشخصِها، هي المعاني التي قالتها وسرّبتها وأثبتتها في أغنياتها ومسرحياتها وحواراتها وسائر حضورها، وغدت هي مرجعية الحُب وتفسير الجمال وهي البرهان على حقيقية البراءة وهي الحُجّة على النقاء، واستتبت في فؤادي فانعقد عليها، وانعقد عليها مليّاً، هي المرام.

*

نبأُ وجود «أم كلثوم» أتاني مسرّةً وغبطة، وقد وَصَلتني صاحبةُ المسرّة فأقامت، وتوسّعت. ولعل أولى أغنياتها معي، بعد «يا صباح الخير»، كانت «أنت عمري»، التي تواترت إذاعتُها في الراديو وقتذاك، وكان يطفئني ويصدّني عنها شيءٌ لا أستبينه، لَكأن جهامةً أو كآبةً كانت تلحقني دائماً من مكمنٍ فيها، لكنها، مع ذلك، اقترنت في نفسي بزياراتٍ عزيزة كانت تقْدم إلى بيتنا من قريباتٍ لنا ومعهن صغارهن اللائي هُن في مثل عمري؛ مما أتاح لي آفاقاً جديدة دائبة للعب ووهبني كذلك بوادرَ طفولية للغرام والشغف، وبعدما كبرتُ ظل الصدودُ يطالني من بعض أجزاء هذه الأغنية، وأظنني، وقد تأملتُ الأمرَ آناً فآناً مع مرور السنين، أميلُ إلى أن مصدر النفثة العَكِرة يستترُ في مواضع مثل "رجعوني عنيك"، "اللي شُفتُه"، "الليالي الحلوة"، إذْ أشعرُ أن توليفةَ لحن هذه المواضع كسيفةٌ منزوعةُ الحيوية؛ بها فتور وركود مُحبِط مع أن سِياق معناها كان هو الشغف الـمُستلزِم إظهار الاستبشار بل الفرح والألق من قِبل اللحن الذي فَرَض أداءَها بالنبرات الخشنة العريضة، وهكذا هو الحال أيضاً في مواضع أخرى من الأغنية، ولستُ أغفل عن أنني أُخِذتُ وطَربت وانتشيتُ بـ"هات عنيك" وبـ"يا أحلى من أحلامي"، وبأني لا زلتُ أنتظر هذه المواضع فقط من الأغنية كلما استمعتُ إليها. في الرابعة عشرة من عمري استهوتني أغنيتها «القلب يعشق كل جميل»، وبدت لي غزليةً! فبدأتُ أحشدُ ما في وجداني لكتابة أغانٍ وغزلياتٍ مثلها، على شاكلتها، وكتبتُ مقطوعاتٍ، متواضعة للغاية، بالطبع، انطلاقاً من هذه المنصّة، على شرف "القلب يعشق"، متمنياً، بل مستهدِفاً بفرط الأمل البريء الجامح ، أن تغنيها لي أم كلثوم، التي عجّلت فودّعت أهلَ الأرض بعد حينٍ قصير. وفي أثناء دراستي بالصف الثالث الثانوي مرضتُ، وكنتُ لوحدي في وقت المساء، ومثل حُلمٍ أتاني صوتُها، من مطرحٍ ما، في عتمةِ رَقدتي، وهي تغنّي «أهل الهوى»، "يطولوك يا ليل ويقصروك يا ليل"، وكانت هي أول مرة أنصتُ فيها إلى هذه الأغنية فنالني منها سِحرٌ وحظيتُ بهنيهةٍ من انسجامٍ لم ألبثْ بعدها في رقدتي. وفي أولى سنوات الدراسة الجامعية ذهبتُ مع صديقٍ إلى مدينة "طنطا" لتفصيل بعض الملابس، وفي دُكان الترزي المسن أتى من عُمق المكان صوتُ أم كلثوم وهي تغني "ولما أشوفك يروح مني الكلام وأنساه"، والترزي مأخوذٌ يصغي إليها بخشوع، ولقد استبقيتُ في يقيني هذا المقطعَ، على مَر السنين، حتى تأهلتُ، هوناً، إلى سماع «هلت ليالي القمر»، فتفهّمتُ هيامَ الترزي وذهوله. ثم بدأتُ أتعرّف على روائع أم كلثوم في حِقبة الثلاثينات والأربعينات، فرافقتني في أماسي مسكني بالمدينة الجامعية «جددت حُبك ليه» و«يا ظالمني» و«دليلي احتار» وغيرها، دائماً، من المحطة الإذاعية المسماة على اسمها، في مواعيد بَثِّها من الخامسة عصراً إلى العاشرة مساءً، وأنصتُّ إلى غنائها كلما أمكنني، وخطرَ لي أن أم كلثوم كانت تغنّي بالأساس لنفسها بحضورِ الآخرين، السامعين، الشهود، الحارسِين.

بين أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات، إبّان فترة دراستي الجامعية، عاصرتُ تَعرُّضَ أم كلثوم لمشافهات وتنظيرات، من لدن بعض أهل اليسار ناهيك عن أهل اليمين، تهجوها شخصيّاً وتحطُّ من قدر فنها وتزدري تراثَها وتتهمها بإعاقة التحديث والتطوير الفني، وقد ألهمني حدْسي باستكناه زيْف هذه المماحكات فلم آخذها مأخذ الجد ولم تتزعزع أم كلثوم في وجداني، وكذلك نأيتُ عن طرْحٍ مُفتعَلٍ نصَّب الفيروزيين في مقابل الكلثوميين، لَكأن من الضرورة والحتمية الاختيار بين فيروز وأم كلثوم، فلم آبهْ، لحُسن حظي، بمثل هذه المصطنعات، وازداد ولعي بالاثنتين معاً؛ أم كلثوم وفيروز، وانسجمَ في وجداني عشقي لكلتيهما.

هل أستمعُ إلى موسيقى أو غناء أثناء الكتابة؟ ليست لديَّ طقوسٌ ثابتة صارمة للكتابة، وعادةً أفضِّلُ السكونَ والهدوءَ أو الإيناس بهمهمات الشارع المدغمة البعيدة، ذلك أن الأصواتَ الواضحة تشغلني وتجذب انتباهي ويَسهُل أن تُشتِّتَني. وكذلك فأنا أحبُّ أن يكون استماعي بانتباهٍ كاملٍ مُكرَّسٍ لِما أسمع، وليس خلفيةً لشأنٍ آخر. ولو حَدَثَ أنْ رافقني صوتُ فيروز أثناء الكتابة فأحبِّذُه آتياً من بعيد بأغنيةٍ يُسرُّني سماعها دائماً هي «على جسر اللوزية» وكذلك «دبكة هب الهوى»، ولو رافقني صوتُ أم كلثوم فأختار «عودت عيني على رؤياك» و«أغارُ من نسمة الجنوب».

يكونُ الصوتُ، ويدومُ، لا يَبلى، ولا يَفنى. يكونُ الصوتُ، ويُكوِّنُ، ويُعشَقُ لِذاتِه. وسواءً؛ بِدِرايةِ صاحبه أو بدونها يتركُ الصوتُ قسماتِه على روحِ سامعِه، ويبثُّ رسائلَ، ويُدبِّج خرائطَ، ويُنبيء بأشواق، ويشي بنوازع، ويُفاتِح، ويُبادِئ، ويستزيد، ويستوضح، ويستكفي، ويُصالِح، ويُغازِل، ويُناغي، ويُنيم، ويُفِيق، ويُنهِي، وينهر، ويصدُّ، ويشكو، ويحُضُّ، ويُشايع، ويُمالئ، ويُخاصِم، ويُناوِر، ويبُتُّ، ويُهدِّد، ويُرخي، ويزجر، ويُنهْنِه، ويُدلِّل، ويتدلَّل، ويتوعَّد، ويستميح، ويسترضي، ويُخيف، ويبيع، ويستميل، ويَعِد، ويُواعِد، ويُراوِد، ويُخادِع، ويُداهِن، ويُراضي، ويُحامي، ويئِنّ، ويزدري، ويُقبِّح، ويُجافي، ويُناوئ، ويُبايع، ويُناصِر، ويُشايع، ويخذل، ويُدين، ويُريق، ويُحِقُّ، ويُبطِلُ، ويُفنِّد، ويُفاجئ، ويُهادن، ويتهرّب، ويستبطئ، ويستعجل، ويُعاقِب، ويُثيب، ويغوِي، ويُراوغ، ويُريب، ويُجاوب، ويستهجن، ويُحابي، ويُطاعِن، ويستطيب، ويتبسّم، ويُفشي أماناً وينزعه، ويُداوي، ويَهِبُ نجاعةً ويُلاشيها، ويُعافي، ويقصم، ويهزم، ويحطُّ، ويُعلي، ويسرِّب، ويُهمهم، ويُتمتم، ويُغمغم، ويُطرِب، ثم يُطرِب، ثم يُطرِب، ويُلهِم، ويسحِرُ، بصرف النظر عمّا يحمل من قوْل. وإذا ما سكتَ صوتٌ يحلُّ صمتُهُ محلَّه فريداً ممتازاً عن كل صمتٍ آخر، إذْ يغدو الصمتُ قريناً لصوته ونظيراً، موسوماً بخلائقه، شافّاً لكينونته، وحافِلاً بِنُطْقِهِ.

 

 (جريدة الأخبار "اللبنانية")