يرى الناقد المصري أن الشخصية الفنية قد تنطوي على قدر من الالتباس، أو التنازع التفسيري للكينونة بين اتجاه العمق الروحي الداخلي الذي يبدو في التعاطف الكوني، والبحث عن الحب المجرد، أو الغيبي، والميل إلى الحكي بوصفه استعادة لفاعلية الماضي، وأصالته، وفاعليته الخفية في العالم الإدراكي للذات، والآخر.

تعددية تفاسير الشخصية، واستعادة أصالة التمثيلات التاريخية

في رواية «مرشد سياحي» لريم بسيوني، مقاربة تداولية إدراكية

محمد سمير عبدالسلام

 

تومئ الروائية المصرية المبدعة ريم بسيوني – في روايتها مرشد سياحي، الصادرة عن دار نهضة مصر بالجيزة 2017 – إلى تعددية الاتجاهات التأويلية للشخصية الفنية في النص الروائي؛ فالشخصية الفنية قد تنطوي على قدر من الالتباس، أو التنازع التفسيري للكينونة بين اتجاه العمق الروحي الداخلي الذي يبدو في التعاطف الكوني، والبحث عن الحب المجرد، أو الغيبي، والميل إلى الحكي بوصفه استعادة لفاعلية الماضي، وأصالته، وفاعليته الخفية في العالم الإدراكي للذات، والآخر، والاتجاه الآخر نحو الانخراط في آليات التفاعل اليومي مع المكون الثقافي السائد في بنية الحضور؛ والتي قد ترتكز على منطق المساومات، والصراعات اليومية، والشر غير المبرر، أو توظيف فعل الحكي لإرضاء النوازع الداخلية للآخر / السائح، وانطباعاته المسبقة عن المكان، وتاريخه، ومدى امتزاج تلك الانطباعات بسيرته الشخصية؛ تشكل ساردة ريم بسيوني خطابها – إذا – من داخل تعددية تفاسير هوية البطل / مؤمن الوكيل / المرشد السياحي، ومدلول صيرورته السردية، وتاريخه، وتحولات عالمه الداخلي عقب تجدد أصالة الحب المجرد في علاقته بزميلته / علياء في سياق الإحالة إلى مراجع مكانية تجمع بين الحضور الحقيقي في أسوان، والأهرامات، والكرنك بالأقصر، والتمثيلات الذهنية، والحكايات التي تمنح الماضي فاعلية حضارية – إبداعية خفية في السياق الآني، والمستقبل؛ ومن ثم يصير دور الساردة إنتاج مجموعة من الأفعال الكلامية التمثيلية التي تحيلنا إلى تعددية زوايا النظر إلى مؤمن، وإلى الإحالات المرجعية التجريبية إلى المكان، وتضاعفه الحلمي، والإدراكي، والثقافي الممكن ضمن السياق الثقافي بمدلوله الواسع.

وقد تتحقق قوة فعل الكلام التمثيلي عن شخصية مؤمن في قدرة المروي عليه على رؤية الاتجاهات التفسيرية المتعارضة داخل الشخصية الواحدة؛ ومقاومتها للبعد الواحد، أو للتفسير السياقي الواحد؛ فالشخصية قد تنتمي إلى تراثها الروحي العميق بدرجة أكبر من التعاملات اليومية، ومنطق المساومات الآلية وفق درجة تجلى الماضي، وتمثيلاته الإدراكية التاريخية - المتجددة في مواقف التواصل الآنية؛ أما لازم فعل الكلام التمثيلي لمدلول الشخصية فيتجلى في بحث المروي عليه عن عمقه الروحي الخاص في ذكريات النشوء، والأحلام، والقراءات، والانطباعات المولدة عن المكان، وتمثيلاته الداخلية التي تستنزف مركزية البعد الواقعي المتكرر من الشخصية، وكذلك مركزية رؤية الأثر بوصفه أثرا تاريخيا ساكنا؛ فهو ينطوي على تمثيلات إدراكية وفيرة مضاعفة، وفاعلة في مواقف التواصل الآنية؛ وبخاصة إذا تشكل في تمثيل ذهني داخلي، يصلح لأن يكون قاعدة مشتركة في التواصل بين الذات، والآخر، أو حين يصبح التمثيل الذهني الداخلي عن المكان، أو الذات مثل أثر سياقي له درجة عالية من الأهمية في موقف التواصل؛ ومن ثم يحقق مبدأ الصلة المتضمن في نظرية الصلة لسبيربر، وويلسون؛ ويتم التوسع في إنتاج الصور، والاستدلالات المتعلقة بفاعليته في موقف التواصل الاجتماعي، والثقافي الآني.

ويتضمن الخطاب السردي فعلا كلاميا تعبيريا تنحاز فيه الساردة للعمق الروحي الكامن في شخصية مؤمن، والذي يتحقق حين يمزج – عبر فعل الحكي – بين فاعلية الحكي، وتجدد المزج الإدراكي بين شخصيات الماضي، والحاضر، وكذلك بين الفضاءات الحقيقية، وتمثيلاتها الممكنة؛ وكأن الخطاب يشير إلى تشكل دلالة المضمر في تحقق فاعلية الماضي عبر وسائط الصورة المعاصرة، والتداخل بين العوالم الحلمية، والافتراضية، والإحالة إلى الهوية الذاتية عبر التخييل الأدبي، وعودة نماذج الأصالة التاريخية في تجدد الحكايات التي تحمل الوهج القديم نفسه بصورة تعزز من التحولات السيميائية – الإدراكية المضاعفة في المستقبل؛ ومن ثم يضمر الخطاب فعلا كلاميا وعديا آخر بوفرة إنتاجية تلك الصور، والتمثيلات في المستقبل من خلال وعي المروي عليه، أو فيما وراء فضاء المزج الذي يجمع بين الحلمي، والافتراضي، والحقيقي في سياق ثقافي – اجتماعي موسع بفعل الإعلاء من التمثيلات الاستعارية الداخلية المنتجة وفق مبدأ الصلة في موقف التواصل.

ويتضمن الخطاب فعلا كلاميا توجيهيا يتعلق بإثارة السؤال المتجدد حول شخصية مؤمن، وتنازع مكوناتها التفسيرية في السياق الثقافي الذي يثير بدوره تعارضات مماثلة بين الأفعال الأدائية الآلية، والبحث عن تجدد أصالة الماضي فيما وراء الحكايات التي تقود الشخصية إلى التطور الداخلي، والعمق الروحي، والإدراكي؛ ومن ثم يضمر العنوان / مرشد سياحي نوعا من التساؤل حول تطور شخصية مؤمن باتجاه العودة إلى طريق الداخل، أو الرحلة الروحية كنموذج يذكرنا بتجدد النماذج طبقا لكارل يونغ، ولكنها رحلة تقترن بعمل مؤمن أيضا كمرشد سياحي؛ ومن ثم ففعل الكلام التمثيلي الذي يصف مؤمن كمرشد سياحي، يضمر توجيها، أو سؤالا حول مركزية كينونة مؤمن، وطبيعة رحلته التي تبدو مثل رحلة داخلية روحية تتجلى في تمثيلات فعل الحكي، أو كرحلة داخلية – خارجية تتضاعف فيها الفضاءات الحضارية، وتشكل رؤية للوجود الآني توحي بعودة الأطياف، والحكايات في الفراغ، أو الحيز المكاني الذي لا يمكن أن يتجسد في الوعي إلا عبر التمثيلات الذهنية المتجددة للشخصيات، والأفكار، والحكايات الخيالية التي تنتظر الإكمال، والتحقق في وعي الآخر.

وأرى أن الحجة الاستدلالية الرئيسية المتضمنة في خطاب ساردة د. ريم بسيوني تنطلق من فرضية أثر الحكاية في تشكيل الوعي بالذات، والآخر، وصولا إلى تجدد الحكايات القديمة في السير الواقعية، أو استدعاء الأطياف، والذكريات، والأحلام ضمن مواقف التواصل الآنية المتصلة بفعل استدعاء وظائف الحكاية، وشخصياتها؛ ومن ثم يصبح النتيجة التي يؤكدها الخطاب إمكانية إنتاج حكاية تاريخية – آنية تراوح بين شخصيات الموقف الاجتماعي، وتجدد الوهج الأول للحكاية في العالم الإدراكي للفاعلين في موقف التواصل.

ولا يمكننا فهم التجانس - في وحدة الخطاب – إلا عبر تعددية إشارات الساردة إلى كل من العمق الروحي، ومنطق التبادل الآني، وقدرة مؤمن على تحويل أثر الحكايات القديمة إلى تجربة إدراكية داخلية متجددة؛ وكذلك التقارب بين صورة علياء، والصورة المجردة للحب في وعيه، ولاوعيه؛ ومن ثم فهويته تشير إلى الوعي النسبي المتجدد بالأثر القديم وفق المكون الثقافي السائد من جهة، والوعي المغاير بالأثر في الوعد بتجدده داخليا في تجربة تستنزف مركزية الاتجاه الواحد في فهم السياق الثقافي الراهن، وتمزج بين المراجع المكانية وتمثيلاتها، والمؤشرات السياقية الزمنية المتعلقة بالماضي، والمستقبل من جهة أخرى.

تشير الساردة إلى لمحات من تاريخ مؤمن، توحي بأنه يطارد أطياف الحب، والأصالة القديمة؛ مثل كتابته للشعر، واستلهامه لمحبوبة ملائكية تكمن خارج زوايا الحقيقة، ولا تعرفه، وربما لا تتذكر وجهه؛ فهو حب غيبي غير ملموس، ولكنه محسوس بقوة اندفاع الرياح؛ وهو يبقى على تلك الأشعار ليتذكر بعض الروحانيات التي كان يتمتع بها قبل أن يعمل مرشدا سياحيا، وقبل مقابلة الشر والموت، والأموال المتناثرة. (1) ، وتخبرنا الساردة – في موضع آخر – بالأفعال الكلامية التوجيهية التي قدمها مؤمن لعلياء بوصفهما عضوين في مجموعة تواصل مشتركة هي مجموعة العمل في السياحة؛ وقد ارتكزت أفعاله الكلامية – في ذلك السياق – على الإعلاء من استنتاج الحالة الذهنية للآخر / السائح بوصفه محورا لمنطق التبادل في السياق الآني؛ ومن ثم نصحها بتوظيف الأحاديث والحكايات المتعلقة بالأثر القديم لتتوافق مع حالته الذهنية الآنية التي تتضمن معتقده عن الأثر، ووضعه الراهن الذي يمكن الاستدلال عليه وفق معرفة تاريخ الشخصي؛ ومن ثم سيصير العنصر المنتخب وفق مبدأ الصلة الإدراكي وفق سبيربر وويلسون هنا هو استنتاج الحالة الذهنية للآخر، والتوسع في إنتاج حكايات خيالية ملائمة؛ إذ يخبر مؤمن علياء بأن يكون حديثها عن مقبرة نفرتيتي غير المعروفة إن جاءتها سائحة إنجليزية حالمة، تعشق حضارة الفراعنة، وأن تتحدث عن تمثال رمسيس الثاني الذي صممه بإشراف شخصي منه، ووضع زوجته بين قدميه إن قابلت سائحا فرنسيا جاء رغما عنه؛ لأن زوجته أرغمته على ذلك. (2).

ونلاحظ أنه لا يمكن التوفيق بين المقطعين السرديين السابقين عن تأويل مدلول شخصية مؤمن، وهويته السردية وفق تعبير بول ريكور إلا من داخل قبول تعددية تفاسير الهوية، وقبول ديناميتها، واتجاهها نحو استنزاف التأويل الواحد للسياق؛ إذ يمكننا استنتاج دلالة المضمر في خطاب مؤمن لعلياء – في المقطع الثاني – يتعلق بأهمية الحكاية التي تصل بين حالة السائح الذهنية وأخيلة الماضي المتجددة؛ مثل هذه الأهمية تتجاوز مركزية رغبات السائح، وتوقعاته، وتتجاوز مركزية منطق التبادل، وتؤكد الفاعلية الآنية للحكاية كفرضية تتصل بماضي مؤمن الأسبق؛ وميله للحب المجرد، والروحانيات؛ ويؤكد هذا التوجه التفسيري الحالة الذهنية لمؤمن نفسه حين يواجه المروي عليه / علياء؛ وهي الصورة المجسدة الأقرب لحكايات الاصالة القديمة، وأطيافها في وعيه، ولاوعيه؛ ومن ثم فهو يحدثها في الظاهر بوصفهما عضوين في مجموعة خاصة بينما يقيم بداخله تجربة تواصل أخرى ثنائية، غير رسمية، تستعيد أطياف قراءاته السابقة، وتأملاته الروحية، وكتاباته؛ لذا نلاحظ أن مجموعة الثيمات، و مفردات الخطاب المعجمية تتواتر فيها دلالة الأصالة التي تعزز من الشعر، والحب الغيبي، والتأمل الروحي، والحكايات التي تصل السائح بالأصالة الخفية في التكوين؛ وكأنها تستلزم وجود نوع آخر من الصلة بين الآخر، وإمكانية تجدد الأثر، وانبعاث أطيافه في سياق الموقف الفعلي ومنطق التبادل السائد نفسه.

ويحاول كمال إيجاد فضاء افتراضي مزجي تتحقق فيه الأصالة التاريخية مع التوسع في استدعاء الفضاء التجريبي الخيالي العالمي؛ فكان يستدعي مؤمن؛ ليحدثه عن بعض الأماكن المحلية في العواصم العالمية كباريس؛ ويدفع لأجل ذلك؛ ورغم تأجيل الساردة لحقيقة موقف كمال، ومخاوفه؛ فإنها كشفت عن تفضيله للهوية المحلية مع تمسكه بالفضاء العالمي التجريبي الآخر؛ وكأنها توحي بتقاربه مع مؤمن في إنتاج حالة ذهنية تقوم على التوسع في بنية فضاء تجريبي عالمي افتراضي آخر، مع ميل مؤمن بدرجة أكبر لتمازج الأزمنة، وتداخلها في الحكاية المتجددة؛ وذلك في مقابل مزج الأماكن المتجاورة في وعي، ولاوعي كمال؛ ومن ثم قد تتداخل تمثيلات تلك الأماكن المتجاورة في فضاءات مضاعفة طبقا لدينامية الحالة الذهنية للذات، والآخر في مواقف التواصل المتواترة.

ونلاحظ أن الفضاء التجريبي الآخر في عالم مؤمن الإدراكي قد تولد من المخاوف القديمة بخصوص الفضاء الذي يعني التأجيل، أو الغياب؛ ومن ثم كان حريصا على التحول الأدائي من الآلية إلى الغياب في فضاء النهر؛ ليس النهر فقط، وإنما حكايات النهر عن الأصالة وفضاءاته الخيالية الفسيحة المحتملة والمضادة لمخاوف مؤمن من التموضع في فضاء التأجيل والغياب.

يقص مؤمن على علياء حكاية خيالية عن الأميرة الحبيسة في أعماق النهر بين عظام التماسيح، والتي تدخل حجرة سحرية، وتتحول إلى هدهد يراوح بين الذهاب والعودة ويبحث عن العدل. (3)

وإذا أعدنا قراءة علامة فضاء التماسيح وفق العناصر ذات الأهمية الإدراكية في سياق الموقف الفعلى / الاجتماعي للتواصل بين مؤمن وعلياء، سنجد أن علامة الفضاء تتعلق بمخاوف فضاءات التأجيل والغياب، وتجسد حالة مؤمن الذهنية ورغبته في التوسع في بناء الفضاءات الخيالية المولدة عن المزج بين فضاء الحقيقي، وفضاءات الحكايات القديمة؛ وقد تتجلى علامة فضاء التماسيح / المغلق وفق التأشير العائدي / الأنافورا في اتصالها المفاهيمي – ضمن وحدة الخطاب – بإشارات الساردة الأولى إلى مواجهة مؤمن للصراعات اليومية الخيالية مع أمير عابدين، أو مدلول الشر غير المبرر، أو استدعائه لأطياف الحكايات القديمة مثل استدعاء أطياف أوزوريس، وحورس، وإيزيس وما يتصل بالحكاية التراثية من فضاءات للتأجيل، والغياب المؤقت، أو الإحالة إلى مخاوف الطفولة؛ ومن ثم جاء التأشير العائدي كدلالة تقود – في وحدة الخطاب – إلى رغبة مؤمن الآنية في التوسع خارج فضاء التأجيل المحتمل؛ ولهذا كان غيابه المؤقت في النهر من أجل البحث عن التوسع الإدراكي في فضاءات الحكاية وتمثيلاتها الذهنية الموسعة، وإمكانية ولوجها للحالة الذهنية لعلياء بوصفها صورة الحب المجرد في السياق الفعلي للتواصل.

ويمكننا قراءة يعض المحادثات التي أوردتها ساردة د. ريم بسيوني وفق مبدأ بول غرايس التعاوني، ونظرية الصلة وأهمية وحدة التواصل الإدراكية في الدماغ عند سبيربر وويلسون، والمخططات الإدراكية المشتركة، وألعاب المحادثة التي أوردها برونو ج. بارا في كتابه التداولية الإدراكية، ومزج الفضاءات الذهنية لإنتاج فضاء مركب إدراكي إبداعي جديد طبقا لتصور مارك تيرنر؛ وسنلاحظ أن فاعلية الحكايات قد تحققت بصورة متدرجة في محادثتي مؤمن مع علياء، ومع طفلي صديقه سمير، بينما تخللت علاقته بالسائحة يان التي وجدت مقتولة حالات الانقطاع، والصمت، والتأجيل المؤقت؛ وكأن الإحالات الأولى إلى الشر، والمخاوف قد تحققت في التمثيلات الداخلية لصورة يان الأخرى، وتأجيل رؤية الحدث، أو تأويله وفق بنية منطقية.

يطلب مؤمن من علياء أن تضع يدها على نقوش قصة إيزيس في معبد فيلة بأسوان، ثم يسألها هل تشعر بها، ثم يستطرد بدرجة أكبر في توضيح خطابه عن القصة بأن يعلي من فكرة الحكي التي خلدت أوزوريس، وليس الجسد  ثم تشير الساردة إلى ارتعاشة علياء، وصمتها بسبب تذكرها لوفاة والدتها، وتتطور المحادثة باتجاه سؤالها عن هوية مؤمن، واستطراده في الكشف عن إمكانية استدعاء طيف الآخر / والدتها عبر تجدد الحكاية؛ ومن ثم فهو يرشدها إلى الطريق الآمن للحزن. (4)

يكشف تسلسل المحادثة إذا عن الهارموني رغم حالات الحزن، والصمت، والتساؤل؛ وأرى أن التناغم في بنية المحادثة قد تولد عن انتخاب وعي مؤمن لاستدلال محدد يتعلق بتأويله لحياة أوزوريس الأخرى المتجددة في فعل الحكي؛ وهو ما يدفع علياء إلى اتخاذ استجابة الصمت، والتساؤل / فعل الكلام التوجيهي الذي يضمر كون مؤمن مرشدا روحيا لا مرشدا سياحيا؛ ثم تأتي نقطة وعي مؤمن بتحوله من تأويل الواقع وفق آليات عمله إلى استدعاء أطياف الحكاية، وأطياف الواقع الآني ضمن مرجع تجريبي / معبد فيلة بأسوان؛ فهو يدعو علياء وفق فعلين كلاميين توجيهيين إلى ملامسة نقوش إيزيس، ويسألها عن إحساسها المتولد عن تلك الملامسة الآنية للأثر؛ وكأنه يضمر فعلا كلاميا تمثيليا يؤكد فيه أن المرجع الحقيقي يستعيد وهج أطيافه الأولى، ويمنح الحقيقي حضورا مجازيا مضاعفا؛ وقد ازدادت مساحات استطراد مؤمن من الناحية الكمية؛ لأنه يقوم بدور مرشد داخلي، ويعيد قراءة حكاية إيزيس وفق الإعلاء من بنية السرد بوصفه استدعاء آخر للماضي، وأطيافه في الفراغ التجريبي فيما وراء المكان المرئي؛ أما الحجة التي يقدمها خطاب مؤمن فهي صحة فرضية استعادة القصة من خلال تكرار البيانات البصرية المتعلقة بها، وارتباط هذا التكرار بحكاية إيزيس الأولى التي استدعت حضور طيف أوزوريس، ويغلب على أسلوب مؤمن السرد التفسيري لهويته، ولخطابه عن القصة التراثية، وتأكيد تحوله من الإحالة المرجعية إلى السائد إلى قراءة أثر الحكاية وفاعليتها في الفضاء التجريبي لمعبد فيلة، وفي حضوره الاستعاري الذي تراوح فيه حكاية إيزيس بين البكارة الأولى، والتكرار في حكاية الآخر / طيف والدة علياء.

هكذا تصير الاستدلالات المولدة عن أهمية فعل الحكي في حكاية إيزيس الأولى هي المحركة لمبدأ الصلة في المحادثة وتتصل بالأثر السياقي المولد عن ملامسة النقش في السياق الاجتماعي الآني للمحادثة؛ ويبدو استدلال مؤمن لم يكن بعيدا عن تفعيل قدرته على قراءة وعي الآخر / علياء؛ فحضور علياء يولد بداخله أحاسيس العمق الروحي القديمة، فضلا عن علمه بميلها لتفضيل نموذجي الأصالة والخلود؛ ويؤكد كل من دان سبيربر، وديردري ويلسون – في دراستهما التداولية والتصور المعياري للعقل، وقراءة أفكار الآخر – أن الكفاءة المعرفية هي القدرة على الاختيار من كل من السياق، والذاكرة؛ ومن ثم فالصلة تختص بمحفزات خارجية؛ مثل الأقوال، والأفعال، أو تمثيلات داخلية؛ مثل الأفكار، والذكريات، والتي توفر مدخلات للعمليات الاستدلالية المعرفية، ويؤكدان أن قدرة الإنسان على قراءة عقل الآخر هي وحدة فرعية تكيفية في سياق التواصل. (5)

هكذا ينتخب وعي مؤمن استدلالا خطابيا أسبق كتمثيل داخلي فكري، ويوسع من الاستدلالات الأخرى المولدة عنه من خلال البروز البصري للأثر، ومن خلال قراءته لعقل الآخر / علياء، وميلها الطبيعي لأصالة الحب، والانحياز لنموذج الخلود.

أما برونو ج. بارا فيؤكد - في كتابه التداولية الإدراكية - أن الألعاب السلوكية المتعلقة بالمحادثة تتضمن بناء الخطط المشتركة حول التواصل، وموضوعه، واستنتاج النوايا المقصودة، أو المستقرة طبقا للسياق، وقراءة الحالة الذهنية للمشاركين، وتتنوع المعارف المشتركة بين الثقافية، والجماعية، والثنائية، والعالمية؛ أما ألعاب المحادثة فتتعلق بأزواج التسلسل في أفعال الكلام عبر تطور المحادثة من الافتتاح إلى التكوين إلى الإغلاق. (6)

ونلاحظ أن محادثة مؤمن وعلياء قد تضمنت بناء معارف مشتركة جماعية - مهنية مسبقة تتمثل في معرفة الأثر التاريخي، ولكن السياق يفترض أيضا أنهما في حوار ثنائي غير رسمي أيضا، يزدوج بالفاعلية الوجودية للأثر، وأطيافه، وحكاياته؛ ويمكننا قراءة تسلسلين من تسلسلات أفعال الكلام في المحادثة؛ وهما تسلسل فعل الكلام التوجيهي الأول الذي يسأل فيه مؤمن علياء عن شعورها المتولد عن الملامسة الآنية للأثر، ويكمن فيه تخمين حالتها الذهنية ضمن السياق الآني، والتي تؤكد استدعاء الأثر في بنية الحضور، ونيتها المستقرة في التعزيز من اتصال الحاضر بحكايات الماضي، وقد تمثل ردها في الصمت والارتعاش لوفاة والدتها، وكأنها قد قبلت أن تجيب بالموافقة على المشاركة في توليد الحكايات؛ لاستدعاء صور الآخر ممثلة في صورة الأم؛ أما التسلسل الثاني في تطور أفعال الكلام فقد تعلق بفعل الكلام التوجيهي المتمثل في تساؤل علياء عن هوية مؤمن، وقد أجابها في البداية بأنه مرشد سياحي، ثم أكد أنه يرشدها إلى الطريق الآمن للحزن؛ ونلاحظ أن فعليي الكلام التمثيليين – في خطاب مؤمن – يدلان على قبوله بمضمر سؤال علياء؛ وهو كون مؤمن مرشدا داخليا روحيا بالإضافة إلى مهنته كمرشد سياحي؛ فتكراره لكلمة مرشد بمدلولين مختلفين يدل على وعيه بتعددية تفاسير هويته، وبانخراطه الآتي في استدعاء تضاعف الفضاءات الاستعارية، وشخصيات الحكايات القديمة ضمن موقف التواصل.

أما محادثة مؤمن مع يان، والتي سبقت مقتلها الملغز (7) الذي يحيلنا إلى حديث الساردة عن الشر غير المبرر في بدايات الخطاب فقد أعلت من السائد في تفسير السياق الثقافي / منطق التبادل، والحكاية المريحة المتوافقة مع حالة الآخر الذهنية، والبوح بالمخاوف المتعلقة بالحياة، أو الموت في خطابهما؛ ومن ثم تمهد حالات الانفصال في تلك المحادثة لسوء الفهم القادم، وأزمة مؤمن التي ذكرته بمخاوفه القديمة من فضاءات التأجيل والغياب.

وتبلغ درجة التناغم في بنية المحادثة الحد الأقصى الذي يعيدنا إلى فاعلية العمق الداخلي الروحي القديم ضمن تمثيلات ذهنية جديدة في محادثة مؤمن مع طفلي صديقه سمير؛ وتبدو فيها التمثيلات الذهنية التجريبية الداخلية في تخييل ضخامة التماثيل في الكرنك؛ وقبول مؤمن للتمثيلات الذهنية المحولة سيميائيا وإدراكيا في عقلي الطفلين؛ ومن ثم قبوله لفضاء مركب أو مزجي آخر يجمع بين الحلم، والواقع، ولحضور شخصيات أخرى مركبة من أخيلة الحيوانات الحلمية كالأسد والزرافة وتماثيل المصريين القدماء.

وتشير جوليا سمورتكوفا في دراستها المشتركة مع مايكل موريز؛ والمعنونة ب الأنواع التمثيلية ضمن كتاب ما هي التمثيلات الذهنية إلى تعزيز الدراسات الإدراكية الراهنة من النوع التمثيلي الأقصى؛ والذي تشارك فيه التمثيلات العميقة خصائصها مع جميع مستويات الوصف؛ ومن ثم تتقاطع أنواع المعالجة؛ فقد تتلاعب الصور المرئية ببيانات بصرية؛ وقد يجمع الإدراك بين التمثيلات الأيقونية، والخطابية. (8) هكذا تنحاز التمثيلات الذهنية للطفلين إلى كل من الأصالة الداخلية النابعة من تمثيل الضخامة المتضمنة في البيانات البصرية، ولعب الصور الحلمية للحيوانات ضمن السياق نفسه، وضمن خطاب الأصالة الذي تؤكده العلامة الأيقونية التصويرية الجديدة التي لا يمكن فهمها إلا وفق المزج بين الفضاءات الذهنية المختلفة، وعبر الاستعارة الإدراكية طبقا لفوكونير، ولاكوف، وإنتاجية فضاء المزج طبقا لمارك تيرنر؛ ومن ثم تتداخل أطياف الحلم مع التمثيل البصري الداخلي للتمثال، كما يتداخل فضاء الكرنك مع فضاءات الحلم الاستعارية، أو فضاء المكان نفسه حين يحوي علامات الحكاية الأولى، وفاعليتها الكامنة في فعل استدعاء الحكاية الخطابي في موقف التواصل.

يرى مارك تيرنر – في كتابه أصل الأفكار، المزج والإبداع والبدايات الإنسانية                         - أنه يمكننا تصور امرأة تقف أمام المرآة، ولديها شعور بالاستقرار، ولكن صورتها المنعكسة في المرآة تدفعها للتفكير في ذوات مختلفة في الماضي؛ ربما بسبب قبعة أو جزء من الشعر، أو الإضاءة، أو الابتسامة، أو أنها تتمثل صوت المرأة الأصغر؛ وسيجعلها هذا المزيج تنظر في الشبكة الذهنية الواسعة لهويتها، وقد تتضح هذه الشبكة بدرجة اكبر في المرآة الإلكترونية، أو يحقق المخرج السينمائي ذلك تقنيا. (9)

يرتكز تصور مارك تيرنر الإدراكي – إذا – على استدعاء صور الذات الأخرى من خلال أثر السياق الآني، أو الموقف الفعلي للتواصل، كما يوحي بتوليد المزيج سينمائيا، أو إلكترونيا، أو في خيال المرأة الذي يوسع من الحوارية، والتداخل بين الصورة الراهنة، وصور الماضي المستعادة، والفاعلة في المشهد من خلال تجليها كاستعارة إدراكية تقبل المزج مع الذات في بنية الحضور، وتتجاوز مركزيتها باتجاه التضاعف المحتمل للصور.

تتوالى الأفعال الكلامية التوجيهية المتناغمة، والمتلاحقة، والتي يكمل بعضها بعضا في محادثة مؤمن مع ولدي سمير (10)، وتتضمن الأفعال الكلامية التوجيهية / الأسئلة الممزوجة بالحب، والدهشة أفعالا كلامية تمثيلية تعزز من تمثيلات الضخامة الذاتية الخيالية المستدعاة من الأثر؛ وكأن جميع اللاعبين في المحادثة يقرون قدم هذه التمثيلات الذهنية الداخلية الخيالية، وتجددها الراهن، واستبدالاتها السيميائية الإدراكية الجديدة في موقف التواصل؛ فيشير مؤمن إلى أن الفرعون قد رأى نفسه – في مرحلة لاحقة – بهذا الحجم، بينما يقر الصغيران بأنهما يريان أنفسيهما أسدا ضخما، وزرافة ضخمة في التجربة الداخلية الدينامية التي تشبه الحلم، وتستلزم المراوحة بين الفضاءات الواقعية، والحلمية، والافتراضية؛ وكأن ضخامة التمثال تنقل نفسها في بدائل الحلم، والصور الافتراضية، وتتضمن فعلا كلاميا وعديا بإنتاج صور تمثيلية أخرى مولدة عن تمثيلات الأسد، والزرافة الحلمية، وفاعلية تمثال الفرعون.

ورغم أن خطاب مؤمن كان أكثر استطرادا من خطاب الصغيرين من الناحية الكمية؛ فإنه تضمن التوجيهات، والتمثيلات نفسها التي ترشد إلى العمق الداخلي؛ ومن ثم ازدادت درجة التناغم، والتأكيد لفاعلية الأثر، والحكاية، والصورة في بنية الحضور، والمستقبل؛ أما الحجة الاستدلالية – في خطاب مؤمن – فتمثلت في تأكيده لفرضية التشابه بين حالة الفرعون الذهنية الأسبق من اكتمال الأثر، أو التي تلت اكتماله في الحلم، والحالة الذهنية الآنية للصغيرين؛ ومن ثم تصير النتيجة امتداد التمثيلات في شخصيات أخرى ضمن السياق الجديد الذي ينطوي على الحياة القديمة، وحكاياتها، ووهجها، وتجددها في التمثيلات الذهنية الداخلية الفائقة؛ وقد انتخب وعيا الصغيرين، ووعي مؤمن الضخامة نفسها كأثر سياقي يقبل التوسع الخيالي وفق مبدأ الصلة، وتميز أسلوب مؤمن بالإحالة إلى تجدد الصور الداخلية – الحلمية التي انتخبها من استنتاجاته لتفضيلات الطفلين للحكايات الخيالية، والأصالة التي تلازم تأويلهما الممكن للبيانات البصرية، والخطابية المولدة عن المكان.

تتشكل الاستعارة الإدراكية الأولى – في الخطاب – في التداخل بين فضاءي الذات في لحظة الحضور، والذات التمثيلية الأخرى المولدة عن ضخامة الأثر، والأخيلة الداخلية الدينامية؛ وتصير الذات الأولى هي فضاء الإدخال الأول، والذات التمثيلية هي فضاء الإدخال الثاني؛ وتتضمن الذات في بنية الحضور الإعلاء من الهوية، وأصالة التكوين، بينما تشير الذات التمثيلية إلى العودة التاريخية – السردية، وتتضمن تمثيلات الذات والآخر / الفرعون، أو الأسد، أو الزرافة، أو الصور الحلمية الأخرى؛ ومن ثم فهي تسمح باستدعاء حيوات، وصور أخرى، وحكايات قديمة داخل تمثيلات الذات.

وترتكز الذات في بنية الحضور على فعل استعادة الصور والحكايات القديمة وفق علامات السياق، والمرجع المكاني، بينما تؤكد الذات التمثيلية فعل تجدد الصور وفق الوهج القديم نفسه في تكوينات ملتبسة بالافتراضي، والحلمي والتكنولوجي؛ وتتضمن الذات في بنية الحضور الوعد بتمثيلات أخرى للهوية وفق مؤثرات السياق، وعلاقتها بالوعي؛ أما الذات التمثيلية فتتضمن الوعد بالحضور الاستعاري الإشكالي المتجدد في حكايات تفسيرية جديدة تتجاوز مركزية الزمكانية؛ ومن ثم يصير فضاء المزج الإدراكي تكوينا يراوح بين الذات، وانعكاساتها المحتملة الهجينة، والتي قد تتشكل من تداخل علامات الحلم، والتاريخ، والحكايات، والعوالم الافتراضية التي تحاكي التصوير الرقمي، أو تستدعي التكوين الأول للتمثال في وعي الفرعون، وأطيافه المتخيلة في المشهد الآني.

أما الاستعارة الإدراكية الثانية فتشير إلى التداخل بين فضاء الإدخال الأول؛ وهو فضاء الأثر الحقيقي / المعبد، وفضاء الإدخال الثاني / فضاء المعبد الإشكالي الاستعاري؛ ويشير الفضاء الأول لتجلي العمارة كبيان بصري يقبل التجسد في وعي الآخر وفق مؤثرات السياق، بينما يشير فضاء المعبد الاستعاري بتضاعف الإحالات المرجعية المكانية ضمن تكوينه الملتبس بالحقيقي؛ ومن ثم يتشكل في صور الحلم الجزئية المقطعة، أو ضمن فضاء فانتازي فائق، أو ضمن عالم افتراضي متداخل الأزمنة، أو عالم تتقاطع فيه أصوات الحكايات التراثية المتجددة في حكايات بنية الحضور المحتملة، ويشير فضاء المعبد الحقيقي إلى تجلي الأثر في حالة من الصمت، وأصالة الماضي التي تقبل التجدد في العوالم الداخلية، بينما يشير الفضاء الاستعاري إلى صخب الأصوات التمثيلية، والحضور الفائق للصور في الفراغ الفني الواسع، والمحتمل في بنية المكان؛ ومن ثم يتشكل فضاء المزج الإدراكي من انفتاح الفضاء الحقيقي على عمق مجازي يشبه غرف النهر الحكائية – الحلمية الأولى في خطاب مؤمن عن تحولات الأميرة، أو يشبه تمثيلات حلمية افتراضية أخرى مولدة من علامات سياقي الماضي، والحاضر معا.

 

*هوامش الدراسة /

(1) راجع، د. ريم بسيوني، مرشد سياحي، دار نهضة مصر بالجيزة، 2017، ص 7.

(2) راجع، السابق، ص 14.

(3) راجع، السابق، ص-ص 36، 37.

(4) راجع، السابق، ص 59، 60، 61.

(5) Read, Dan Sperber and Deirdre Wilson, Pragmatics, Modularity and Mind-Reading at:

https://www.dan.sperber.fr/wpcontent/uploads/2002_wilson_pragmatics-modularity-and-mind-reading.pdf

(6) Read, Bruno G. Bara, Cognitive Pragmatics: The Mental Processes of Communication, Translated by John Douthwaite, Bradford Books, London, 2010, pages, 96, 97, 109 and 128.

(7) راجع، د. ريم بسيوني، السابق، ص 75، 76، 77.

(8) Read, Joulia Smortchova and Michael Murez, Representational Kinds, in What are Mental Representations, Edited by Joulia Smortchova, Krzysztof Dolega and Tobias Schlicht, Oxford University Press, 2020, from p. 213: 242.

(9) Read, Mark Turner, The Origin of Ideas, Blending, Creativity and Human Spark, Oxford University Press, 2014, p. 66, 67.

(10) راجع، د. ريم بسيوني، السابق، ص-ص 161، 162.

 

  msameerster@gmail.com