تتخذ الروائية من الخيال الغرائبي إطارًا للتعبير عن عالم واقعي، تتجاذبه سلطة أمنية تمارس فعل القمع، والرقابة على الذكريات، ومحاكمة النيات، من جهة، ورعيّة مغلوبة على أمرها، يقع عليها الفعل ومشتقّاته، من جهة ثانية. وهي بذلك، تمارس نوعًا من التقيّة الروائية، تنتقد الواقع القائم بالخيال العلمي، فتقول ما تريد، ولا تتحمّل مسؤولية القول.

شرطة الذاكرة«.. دراما سوريالية هادئة للغاية

إيهاب محمود

 

احتاجت الكاتبة اليابانية يوكو أوغاوا ستة وعشرين عامًا كاملة لتحقق تواجدًا لافتًا على الساحة العالمية من خلال منافستها برواية "شرطة الذاكرة" في القائمة القصيرة لجائزة بوكر العالمية لعام 2020، وبالرغم من عدم فوزها إلا أنها حققت انتشارًا كبيرًا في أوساط جديدة، لتصدر الترجمة العربية للرواية قبل شهور (دار الآداب) ليتعرف القارئ العربي على عالم جديد من خلال أوغاوا. وقد نقلها إلى العربية المترجم المغربي محمد آيت حنا.

الرواية هي الرابعة، بعد "حوض السباحة"، و"غرفة مثالية لرجل مريض"، اللتين ترجمهما الشاعر والمترجم الراحل بسام حجار، و"حذاء لك" التي ترجمها المترجم السوري معن عاقل، ما يعني أن الروائية ليست جديدة على اللغة العربية. تتخذ الروائية من الخيال الغرائبي إطارًا للتعبير عن عالم واقعي، تتجاذبه سلطة أمنية تمارس فعل القمع، والرقابة على الذكريات، ومحاكمة النيات، من جهة، ورعيّة مغلوبة على أمرها، يقع عليها الفعل ومشتقّاته، من جهة ثانية. وهي بذلك، تمارس نوعًا من التقيّة الروائية، تنتقد الواقع القائم بالخيال العلمي، فتقول ما تريد، ولا تتحمّل مسؤولية القول، حيث تدور أحداث الرواية على جزيرة مغفلة، وتتفاعل فيها مجموعة شخصيات من موقعين مختلفين، موقع الفعل الذي تقوم به سلطة غريبة الاسم والمهام، وموقع رد الفعل الذي يقوم به عامة الناس. وتترتب على هذا الانخراط وقائع غير واقعية لا تقل غرابة عن فاعليها والمنفعلين بها. وبذلك، تنسحب الغرابة على المكان والشخوص والأحداث. وبموجب هذه الغرائبية، يمكن إدراج الرواية في فئة روايات الخيال العلمي.

تقدم لنا أوغاوا في "شرطة الذاكرة" رواية غامضة ومجازية، مختلفة عن أعمالها السابقة وإن كانت تحمل الروح القلقة نفسها، الحديث ذاته عن الفن والخسارة والجمال والحب والشيخوخة وكذلك "الذاكرة" التي نجدها راسخة في جميع أعمالها تقريبًا.

تتمحور الحوارات في الرواية حول ظاهرة غريبة، تحدث في الجزيرة، هي اختفاء الأشياء والأعضاء والمخلوقات، في ظاهرة غير طبيعية تثير فضول السكان وخوفهم وقلقهم لكنهم لا يلبثون أن يتكيّفوا معها، ويعتادوا القبول بها والخضوع لها. وفي هذا السياق، تختفي: الأم، الطيور، الورود، آل إنوي، الصور الفوتوغرافية، الثمار، المراكب، الروزنامات، صناديق الموسيقى، القبعات، الروايات، العبّارة، السيقان اليسرى، الأذرع اليمنى، والأجساد. هي مظاهر الحياة تختفي تباعًا. والغريب أنه في كل مرة يختفي فيها شيء معيّن، تقوم شرطة الذاكرة، الجهاز الأمني السري، الغريب الاسم والمهام، بتطبيق قانون الاختفاء غير الطبيعي، ومطاردة الذكريات المتعلقة بالشيء المختفي، ومحوها من الوجود، ومحو حامليها. فينشأ تواطؤ غير معلن بين القوى الخارقة، غير المرئية، التي تتخذ قرار الإخفاء، والقوى البشرية الغريبة التي تطبّق القرار. ويكون الناس على الجزيرة ضحايا هذا التواطؤ. ولكلٍّ من الفريقين آليات عمله، سواءٌ من موقع الهجوم أو الدفاع.

لا يمكن اعتبار الرواية حكاية لشخص يبحث عن الإثارة، بل إنها دراما سوريالية، هادئة للغاية، فبطلة الرواية هي شخصية "باهتة"، تعكس الشخصية اليابانية المثالية، شخصية تتحمل، بل بالكاد تمانع ما يحدث لها ولمن حولها، وسط كل ذلك الاختناق والعالم الذي يضيق كل يوم عن اليوم الذي سبقه، واعتقال الشرطة للمواطنين ليلًا، والذكريات الممزقة في عقول الناس، تراقب تلك الكاتبة كل شيء، لكنها لا تراقبه بغضب، أو بلامبالاة ساخرة حتى، إنها فقط تراقبه بـ "سلبية ذات جذور عميقة متأصلة في شخصيتها.

ورغم أننا نجدها في جزء ما من الرواية تقرر بناء غرفة سرية في منزلها لإخفاء محرر روايتها الذي يواجه خطر التعرض للقبض عليه من الشرطة، ورغم ظن البعض أن هذا عمل بطوليّ لكننا نجده ليس كذلك على الإطلاق.. إنه عمل سلبي، مثل التحديق في تساقط الثلوج على مدى فترات طويلة من الزمن. فإذا كان لديك أي رغبة بقراءة عمل مليء بالإثارة والخيال التجاري، فهذه الرواية ليست لك.

إن "أوغاوا" تلعب على نمط آخر غير النمط الأميركي الذي اعتدناه فيما يتعلق بالعوالم السوداوية، تلك الرواية هي رواية أدبية من الطراز الأول، كئيبة بشكل معتاد، هادئة ذات لغة منتقاة بدقة، ومن المؤكد أن تلك الرواية ستجعل أعمال يوكو أوغاوا تحظى بشهرة أوسع في المستقبل.

في نهاية الرواية، بعد أن يموت الجد، ويختفي جسد الراوية، ويصبح كل شيء مهددًا بالاختفاء، بما في ذلك الجزيرة نفسها، يخرج الناشر من مخبئه، وينطلق إلى العالم الخارجي. ولعل أوغاوا أرادت أن تقول من خلال هذه النهاية، إضافةً إلى ما قالته في متنها، استمرارية الحياة، واستحالة القضاء عليها، مهما تضافرت القوى الخارقة للطبيعة وأدواتها البشرية، واستحالة القبض على الذاكرة ومحو الذكريات، مهما اجتهدت الشرطة في مهمتها. وبقاء الناشر على قيد الحياة بمثابة إيذان قطعيّ بذلك.

  •  
  • عنوان الكتاب: شرطة الذاكرة
  • المؤلفيوكو أوغاوا
  • المترجممحمد آيت حنا

عن (ضفة ثالثة)