يكشف لنا الروائي المصري في تناوله لرواية عدنية شبلي أسباب خوف العدو الصهيوني ومن ورائه الغرب الذي دعم سرديته الاستيطانية الغاصبة من الكلمة وسحر تأثيرها في النفس البشرية، وكيف أن الفن وقدرته على كتابة الرواية الإنسانية ينتصر على كل ما في البشر من همجية وعنف ونزعة للظلم والانتقام.

الخوف من سحر الكلمة ورعب الرواية

في «تفصيل ثانوي» لعدنية شبلي

سعد القرش

 

ذكّرتني عدنية شبلي بجورج ديهاميل. هذه الكاتبة الفلسطينية قدمت إلى الضمير الإنساني رواية قصيرة، اعتمدت سردًا ماكرًا، هامسًا لا يكاد يُسمع، لكنه يقتحم الحواس كلها. والكاتب الفرنسي، المشارك في الحرب الأوروبية الأولى، كتب واقعة تفسر تراجع معرض فرانكفورت للكتاب، في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، عن تكريم الكاتبة الفلسطينية. إلغاء التكريم سقوط أخلاقي. ترعب "الرواية" قادة لا يخجلون من بث جرائمهم في التلفزيون. الأمريكان قصفوا ملجأ العامرية ببغداد عام 1991، وقتلوا أربعمئة عراقي. ولا يستنكرون قتل أضعاف هذا العدد في قصف العدو للمستشفى المعمداني في غزة. لا يعتذر العدو ورعاته، ولا يحتملون «رواية/ سردية» أخرى. لا يتورعون عن ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، يسمّونها اسما آخر.

يعلن قادة العدو عن عملياتهم لإبادة غزة، الأدق أنها جريمة حرب. ويزورهم قادة دول كبرى، لدعمهم بالأموال والسلاح وخبراء القتل. صرحاء إلى حدّ الوقاحة، فلا يفاجئون الضحايا. والقذائف لا تنتقي أحدا، وتحصد الآلاف من الأطفال والنساء والمرضى. والقاتل لا يعتذر. في اليوتيوب مقطع فيديو مشهور، لقتلة شاركوا في مذبحة الطنطورة، في مايو/ أيار 1948. لا يندمون، يروون بافتخار أنهم أجادوا القتل حتى نفدت ذخائرهم. قتلوا واغتصبوا. وسبق أن أعلن عسكريون متقاعدون عن قتل العشرات من الأسرى المصريين في سيناء، عام 1956. صهاينة آخرون دفنوا أسرى مصريين أحياء في سيناء، في يونيو/ حزيران 1967. فلماذا تخيفهم رواية (تفصيل ثانوي) عن اغتصاب فلسطينية وقتلها؟

في كتابه (دفاع عن الأدب) (1936)، أجاب جورج ديهاميل. وقد عمل طبيبًا في مستشفيات ميدانية، طوال الحرب الأوروبية الأولى، وبحكم المركزية الأوروبية صار اسمها الحرب العالمية الأولى. سجّل مشهدا ذا دلالة، حين رأى طبيبًا «في منتهى القسوة، جافي القلب ... مناظر البؤس والآلام والجراح لم تعد تؤثر فيه، وكان يحتفظ في أداء واجبه المخيف ببرود أرستقراطي تلونه السخرية ... ولكن حدث يومًا أن دخلتُ على هذا الرجل فدهشت إذ وجدته وقد أغرقت الدموع وجهه، وهو يقرأ كتابًا عن الحرب. كتابا يقصّ عليه نفس ما كان يرى كل يوم وكل دقيقة. ولو أنني كنت أجهل قدرة الألفاظ لاستطعت أن أدركها في تلك الساعة.»

ديهاميل (1884 ـ 1966)، الروائي والناقد، أكّد بهذا المشهد سحر الكتابة وجلالها. أعطى معنى للطاقة التي تنطوي عليها الكلمات؛ فلا تصير حروفًا وسطورًا يعبرها القارئ، ويغادرها كما دخل إليها. الكتابة الحقيقية ليست ترفًا ولا عملًا مجانيًا، وإنما هي مسؤولية مهما تكن غاياتها الجمالية. ذلك قدر الكاتب أمام «رعشة القداسة التي كنا نحسها أمام الصفحة البيضاء، والشعور بأننا نمسك في إجلال أداة مجيدة، وأننا نكتب تحت رقابة مئة من الأساتذة المبجلين ينظرون إلينا بأعين يقظة»، كما قال ديهاميل في الكتاب الذي ترجمه الدكتور محمد مندور. وما فعلته عدنية شبلي أنها أشهرت للضمير الإنساني سلاح الذاكرة، وقدمت رواية أخرى لجنود مغتصبين قتلة.

في رواية (تفصيل ثانوي) لا شيء ثانويًا، كل شيء أساسي. اغتصاب فتاة فلسطينية وقتلها. جريمة كغيرها. شهدت فلسطين، قبلها وبعدها، ما هو أكثر بشاعة وجماعية. لكن العدو منزوع الأخلاق كرّس رواية أخرى، ولا تحتمل هشاشته قيامة الرواية الفلسطينية، وقدرتها على نقض الرواية الإسرائيلية. السلاح الفلسطيني هو الكلمة، وفي (تفصيل ثانوي) دراما أشبه بتقرير متقشف، يبدو محايدًا وهو يتتبع سلوك القائد الصهيوني وجنوده، ويلغي الصوت الفلسطيني. لا نعرف للفتاة اسمًا، ولا نسمع منها كلمة. فرّت من الجنود، فعاجلتها رصاصة في رأسها. امتصت الرمال دماءها وهم يشقّون الحفرة. ظنوها لم تمت، فدوّى «في الفضاء صوت ست رصاصات، ثم حل السكون مرة أخرى»

كان ذلك يوم 13 آب/ أغسطس 1949، في صحراء النقب، والجنود يتقصون الآثار في الرمال، بحثا عن أعداء قد يتسللون، «فمن ينوي قتلك، عاجله بالقتل». السرد الذكي كاميرا ترصد، قبل تركيب شريط الصوت المصاحب للصورة، فلا صرخة إدانة، ولا كلمة زاعقة. هذا يثير جنون عدوّ نجح في تسويق رواية أخرى عن النكبة باعتبارها استقلالًا، وعن استحقاقه أرضًا "بلا شعب". جماليات الرواية، بهذا المنظور، رشحت ترجمتها الإنكليزية عام 2021 لجائزة البوكر الدولية، وأهلتها للتكريم في معرض فرانكفورت 2023، في توقيت يتزامن مع إبادة لغزة يتابعها العالم على الهواء مباشرة. هكذا تراجع الألمان، مراعاة لعدو يرفض تصوير جنوده مغتصبين وقتلة. صفات يريدونها للفلسطيني.

القسم الثاني من الرواية ترويه موظفة فلسطينية، تقرأ تقريرا لصحافي إسرائيلي عن حكاية قتل الفتاة. يجذب انتباهها وقوع الجريمة فيما سيوافق، بعد ربع قرن بالضبط، يوم ميلادها. أي رابط خفي بين القتل والميلاد؟ إخفاء معالم جريمة تلاه، بعد خمسة وعشرين عامًا، احتفاء بحياة ليست كالحياة؛ فالراوية تعيش في رام الله، محكومة بشروط الاحتلال في حركة الفلسطينيين. وقراءة التقرير تمنحها قدرة على التمرد، بالتحرك للبحث عن وثائق تخص الواقعة في الأرشيف. تعلم عائق تقسيم الاحتلال للبلدات الفلسطينية إلى مناطق (أ، ب، ج). والفلسطيني متهم، تلاحقه لغته العربية لو تكلمها خارج منطقته، فتلجأ الراوية إلى الحيلة للخروج، وتتقصى الجريمة في موقعها.

السرد "البارد" يخلو من صخب الإدانة، وتحت سطوره براكين توجه حمم الإدانة إلى جيش الاحتلال. هي رواية طريق، وفي الطريق إلى العمل تفاجأ بخضوع المنطقة لحظر التجول، وحصار الجيش لبناية قريبة. تحاول دخول البناية حيث مقرّ عملها، فيصوب الجندي نحوها فوهة البندقية، لكي ترجع وتبحث عن طريق آخر. كان الجيش سيفجر عمارة مجاورة يرابط فيها ثلاثة شبان، «وهو ما حدث بالضبط بعد بضع دقائق»، فضايقها الغبار الكثيف، «بذراته الكبيرة التي تصدر صوتًا يثير القشعريرة حين تحتكّ الأوراق بعضها ببعض، أو حين يروح المرء يخطّ بالقلم فوقها.» لا تبالي إلا بالغبار، ويستولي عليها التفكير في التفصيل الثانوي الخاص بجريمة قتل الفتاة.

للوصول إلى المنطقة "ج"، تستعير بطاقة الهوية الزرقاء من زميلة مقدسية. وتستعين بزميل في استئجار سيارة ببطاقته، على أن يدرجها في العقد كسائقة إضافية. الرحلة المجنونة تبدأ بالخوف مع عبور حاجز قلنديا. الرحلة دفتر أحوال بالقرى الفلسطينية التي أزالها جيش احتلال غيّر الأسماء والمعالم. الرواية وثيقة فلسطين في الذاكرة. وفي الطريق تفكر في سرّ انجذابها لمعرفة التفصيل الثانوي لحادث لا يقارن بجرائم يومية في ظل «صخب الاحتلال والقتل الدائم»، فلم تهتم بتفجير العمارة، ولا غيرها من الجرائم قبل ذلك. أما واقعة الفتاة فشغلتها تماما. وتقابل مستعمرًا صهيونيًا قذفته أستراليا إلى فلسطين، ويشرف على متحف مستعمرة «نيريم»، فيعطيها طرفًا من الخيط.

«ليس المدفع الذي سينتصر، إنما الإنسان». جملة مكتوبة بالعبرية على جدار مهدم، في الصحراء، يذكّر بها قائد الفصيلة جنوده قتلة الفتاة. وتقترب الراوية من المكان، ويطلعها المستعمر الأسترالي على صورة للعبارة نفسها، وقد كتبها أحد مؤسسي المستعمرة، وهم يواجهون الجيش المصري، في حرب 1948. كتبها على قطعة قماش، وعلقها على جدار احتموا به، «وما زال يُحتفى بها حتى يومنا هذا». ثم تصل إلى مبنى إسمنتي مكتوب فوقه العبارة نفسها. تصعد درج المبنى وتلوح رفح «وهي تحدّ الأفق، يتصاعد منها هذا الصباح بهدوء دخان القصف». تعثر على رصاصة فارغة، لعلها تفصيل ثانوي. وتتجه إلى السيارة، ويسقط غلاف الرصاصة، وتنتهي المغامرة، ومعها الحياة.

لا شيء يثير رعب العدو أكثر من الإبداع، وثيقة إدانة عابرة للأزمنة واللغات. ليس في فيلم محمد بكري "جنين جنين"، عن اجتياج المخيم الفلسطيني عام 2002، تفاصيل غابت عن الفضائيات. فلماذا يُلاحَق مخرجه بسلاح القضاء، بعد عشرين سنة؟ إنه «خوف الغزاة من الذكريات ... وخوف الطغاة من الأغنيات»، كما قال محمود درويش الذي لم يسلم هو الآخر من الحرب الثقافية لعدو منع تدريس قصائده في مناهج التعليم، حتى المستوى الجامعي. تؤرقهم قصيدة عنوانها "فكّر بغيرك". الإبداع يقاوم الفناء، أطول عمرًا وأبقى من أصحابه. سميح القاسم كتب قصيدته "تقدموا" في انتفاضة الحجارة 1987، وتُستدعى بعنفوانها في المقاومة الباسلة لغزة 2023.

 

عن (ضفة ثالثة)