إيمان القاضي من جيل أكاديمي رصين في الجامعات السورية، وإذ تتناول في دراسة طويلة مثل هذا الموضوع الذي ما زال معاصرا، فإنها تأخذ برصانة الأكاديمي في التوثيق وتتبع المصادر والاستقصاء، هذه دراسة جديدة في موضوع ما زلنا نكتب فيه دائما!!

تحرير المرأة بين قاسم أمين وزينب فوّاز

إيمان القاضي

 

ارتبطت ريادة الدعوة إلى تحرير المرأة في الوطن العربي باسم قاسم أمين (1863-1908)، وكتابه تحرير المرأة الصادرعام (1899)، ومن ثم كتابه المرأة الجديدة الصادرعام (1900)، إلا أن الدعوة إلى تحرير المرأة من أغلال الجهل والظلم والتبعية المطلقة للرجل بدأت قبل ميلاد قاسم أمين بعدة عقود في مصر وبلاد الشام. وكان أول من حمل لواء هذه الدعوة في مصر الشيخ الأزهري والمصلح الاجتماعي الكبير رفاعة الطهطاوي (1801-1873). وكانت الأديبة اللبنانية الموطن والمنشأ، والمصرية الإقامة والنشاط الأدبي زينب فوّاز( 1846-1914) أول صوت تنويري جعل المطالبة بتحرير المرأة ومساواتها بالرجل قضيته الفكرية الأولى؛ فنشرت في الجرائد والمجلات مقالات عديدة تحمل هم النساء عامة، و نساء الشرق خاصة، ورأت في المرأة نصف المجتمع الذي يعول عليه في بناء الإنسان وتقدم الأوطان. دافعت بقوة، بل وبشراسة المؤمن بقضيته، عن حقوق المرأة المسلوبة في التعلم والعمل والعيش الكريم. وطالبت بمساواة المرأة بالرجل مساواة تامة دون وجل، أو تخف وراء اسم مستعار، ودون خشية من الأقلام الذكورية والنسوية التي حطت من قدر المرأة، وقيدتها، ورسمت لها حدوداً ضيقة لا تتخطى أبواب المنازل المغلقة. لقد بينت للعامة والخاصة بأدلة علمية وعقلية ونقلية أن المرأة تمتلك القدرة العقلية والبدنية التامة التي تؤهلها لترتقي في درجات مختلف العلوم والفنون، ولتزاول شتى الأعمال الإنسانية إن نشئت تنشئة صحيحة.

قبل أن نتناول أفكار زينب فواز وقاسم أمين حول تحرير المرأة، ونبين أسبقية زينب فواز وتقدمها بأطروحاتها على قاسم أمين، لا بدّ لنا أن نشير إلى الجهود السابقة لهما، وإلى السياق التاريخي والسياسي والفكري الذي أسهم في بلورة أفكارهما التحررية؛ لأن الأفكار العظيمة - كما هو معلوم- لا يمكن أن تنشأ، وتكتب لها الحياة إن لم يكن المحيط السياسي والاجتماعي مؤهلاً لاستقبالها وإنضاجها.

الشيخ رفاعة الطهطاوي رائد تحرير المرأة
تعود إرهاصات المطالبة بإخراج المرأة من سجن الجهل والتخلف والأنوثة السلبية، والدورالنمطي لها كأم وزوجة إلى أولى مراحل اللقاء بالحضارة الأوربية إبان الحملة الفرنسية على مصر (1798 ) التي عرّفت المصريين رغم وجهها الاستعماري البغيض بصور جديدة لحياة إنسانية مختلفة تماماً عما  كان يعيشه الشرق المتخلف، وفتحت أعينهم على حقائق لم تكن تخطر ببالهم. وقد أشار الجبرتي (1754-1825) بإعجاب إلى بعضها في كتابه ( عجائب الآثار في التراجم والأخبار) المنشورعام 1822؛ فأشاد بالفرنسيين، لأنهم يؤجرون العمال أجرة عادلة، ويساوون بين العسكري الصغير والضابط الكبير في قاعة المكتبة، ولا يبطش كبيرهم بصغيرهم، كما هو الحال في المجتع الشرقي.

 وكان لتولي محمد علي حكم مصرعام ( 1805) الأثر الحاسم في بدء العمل على إصلاح المجتمع المصري، وبناء دولة عصرية على أسس علمية متينة، فعني بالتعليم داخل مصر، وأرسل البعثات الدراسية إلى الخارج لتلقي العلوم، والإفادة من خبرات الخريجيين ببناء الدولة الحديثة المرجوة. وكانت أول بعثة دراسية إلى فرنسا في عام 1826، وقد كُلف الشيخ الأزهري رفاعة الطهطاوي (1801-1873) بمرافقة هذه البعثة المكونة من أربعين طالباً، ليكون المسؤول عن متابعة شؤونهم الدينية.

 في باريس تعلّم الطهطاوي الفرنسية، واطلع عن قرب خلال خمس سنوات على مظاهر الحياة المدنية الفرنسية ، فأعجب بها، وحمل بعد عودته إلى مصر مشعل التغيير، فألف ما يقرب من ثلاثين كتاباً دعا فيها الى التجديد، وإلى حياة حديثة قائمة على العدل والإنصاف وحفظ الكرامة الإنسانية، وتخليص المرأة المسلمة  من سطوة الأوهام والمخاوف والتقاليد الجائرة، ودفعها إلى بناء حياة كريمة قائمة على العلم ونبذ الجهل.

نقع في كتاب الطهطاوي( تخليص الإبريز في تلخيص باريز) - الذي صدر عام 1834م، والذي ضم بين دفتيه تجربته في باريس، ومشاهداته فيها - على إشارات غير مباشرة إلى موضوع تحرير المرأة. ومن اللافت للنظر أنه لم ير، وهو الشيخ الأزهري، في السفور الذي عاينه في باريس خطأ أو محرضاً على الرذيلة، لأنه أدرك أن سلوك المرأة لا يحدده سفورها أو حجابها، بل التربية الجيدة، والتعود على محبة رجل واحد دون غيره، والتوافق بين الزوجين(1).

وفي ترجمته بتصرف لكتاب ديبنج ( لمحة تاريخية عن أخلاق الأمم وعاداتها)، والذي نشره قبل عودته من باريس عام 1831 وعنونه بـ ( قلائد المفاخر في غريب عوائد الأوائل والأواخر) أضاف عبارة تعليقاً على موقف بعض الشعوب من المرأة، دلت على موقف متقدم جداً تجاه المرأة، قال: " كلما كثر احترام النساء عند قوم كثر أدبهم وظرافتهم، فعدم توفية النساء حقوقهن، فيما ينبغي لهن الحرية فيه، دليل على الطبيعة المتبربرة"(2).

كان رفاعة الطهطاوي عضواً في لجنة تنظيم التعليم في مصرعام 8361، فاقترح وأعضاء اللجنة" العمل لتعليم البنات في مصر تعليماً يتخطى حدود الضروريات العلمية التي كانت تحكم مناهج المدارس التي كانت قائمة في ذلك التاريخ"(3)، والتي عنيت بتعليم الفتيات بعض الفنون والعلوم، مثل التمريض. وفي عام 1872 ألف كتاباً تربوياً بعنوان ( المرشد الأمين للبنات والبنين) بتكليف من ديوان المدارس في مصر، دعا فيه إلى تعليم البنات ليشاركن الرجال في الكلام والرأي، وليعظم مقامهن، ودافع فيه عن أهلية المرأة العقلية والنفسية للمساواة بالرجل. وبهذا يكون الشيخ رفاعة الطهطاوي أول رائد لتحرير المرأة المصرية في العصر الحديث.  يقول في مقدمة الكتاب: إنه قد أصبح في أيام الخديوي إسماعيل " لفرسان النبلاء حدائق فنون وبساتين، يتسابق بأبكارالأفكار في حومتها البنات كالبنين، فقد سوى في اكتساب المعارف بين الفريقين، ولم يجعل العلم كالأرث للذكر مثل حظ الأنثيين، فبهذا سوق المعارف المشتركة قد قامت، وطريق العوارف للجنسين استقامت... وخصهن بمدارس كالصبيان، يخرجن بها من حيز العدم إلى الوجدان، ومن الوهم إلى العيان... فبهذه الوسائل النفيسة صدر لي الأمر الشفاهي، من ديوان المدارس، بعمل كتاب في الآداب والتربية يصلح لتعليم البنين والبنات على السوية"(4).

في السنة التالية لصدورهذا الكتاب، أي عام 1873 تأسست المدرسة السيوفية، أول مدرسة حكومية مجانية للبنات في مصر والعالم الإسلامي بدعم من جشم آفت هانم، الزوجة الثالثة للخديوي إسماعيل. وقد ضمت في صفوفها في ذلك العام ثلاثمئة تلميذة. ووصل عدد الطالبات في المدارس الرسمية عام 1894 إلى 2,838 فتاة من أصل العدد الإجمالي للطلاب البالغ 158,21 تلميذاً، وجميعهم مسلمون من أبناء الفلاحين على وجه التقريب(5). هذا بالإضافة إلى مدارس البعثات التبشيرية، والمدارس الأهلية للبنات التي استقبلت إحداها في القاهرة عام 1892 بقسميها الداخلي والخارجي ثماني وخمسين طالبة(6). وهذا يعني أن المصريين الميسوريين بدؤوا ينفقون الأموال على تعليم بناتهم أسوة بأبنائهم، وأن المجتمع بدأ ينفتح على تعليم البنات.

 لم يكتف الطهطاوي بالعمل على الدعوة إلى تعليم المرأة وتطويره، بل وقف موقفاً متقدماً جداً من عمل المرأة؛ إذ رأى أن العمل يقي المرأة من الوقوع في السلوكيات الخاطئة الناجمة عن البطالة، قال:     " إن صرف الهمة في تعليم البنات ... يمكن للمرأة عند اقتضاء الحال أن تتعاطى من الأشغال والأعمال ما يتعاطاه الرجال، على قدر قوتها وطاقتها، فكل ما يطيقه النساء من العمل يباشرنه بأنفسهن، وهذا من شأنه أن يشغل النساء عن البطالة، فإن فراغ أيديهن عن العمل يشغل ألسنتهن بالأباطيل ... فالعمل يصون المرأة عما لا يليق، ويقربها من الفضيلة، وإذا كانت البطالة مذمومة في حق الرجال فهي مذمة عظيمة في حق النساء، فإن المرأة التي لا عمل لها تقضي الزمن خائضة في حديث جيرانها"(7).

ولأن العمل يتطلب في أحايين كثيرة اختلاط النساء بالرجال، فقد أباح الطهطاوي الاختلاط في أماكن العمل والأماكن العامة، قال:" لا بأس أن يخلو رجل أو عدة رجال بنسوة ثقات، لا رجل أو عدة رجال بامرأة واحدة"(8).

ودعا إلى " الاحترام والإجلال بين الرجال والنساء"(9)، ورأى أن المرأة أكثر عفة وعصمة لنفسها من الرجل:" درجة الفضيلة في النساء، كالعفة والعصمة، أشد منها في الرجال، بحيث يبلغن في درجة الحياء أوج الكمال"(10). ووقف من تعدد الزوجات موقفاً متقدماً أيضاً، إذ رفضه إلا لوجود علة موجبة، واشترط أن يعدل الزوج بين زوجتيه. وموقفه هذا أكده بتعهد شخصي لزوجته، وقعه بإمضائه وختمه بختمه، بألا يتزوج غيرها، وألا يتسرى بجارية من الجواري ملك اليمين.

الإسهام النسوي في الصحافة والأدب في مصر في القرن التاسع عشر
بدأت المرأة المصرية بالانخراط في الحياة العامة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وأسهمت بعض النساء في الحياة الأدبية والصحفية؛ فقد افتتحت الأميرة نازلي فاضل (1853-1913) أول صالون أدبي في المشرق العربي في مطلع الثمانينيات من القرن التاسع عشر، كان يلتقي فيه عدد من إصلاحيي تلك الفترة، مثل: محمد عبده، فارس نمر، محمد بيرم، المويلحي، قاسم أمين، سعد زغلول، عبد الرحمن الكواكبي، وفيما بعد هدى شعراوي. وقيل إن هذه الأميرة العصرية المثقفة حفيدة إبراهيم باشا، وابنة فاضل باشا -الملقب بأبي الأحرار لمناداته بالدستور في عهد السلطان عبد الحميد- والتي كانت تتقن العربية والتركية والفرنسية، والإنجليزية، قد طبعت كتاب (تحرير المرأة) لقاسم أمين على نفقتها الخاصة، وأنها زكّت سعد زغلول لدى المعتمد البريطاني ليتقلد وزارة المعارف.

كذلك أسست السيدة اللبنانية المهاجرة إلى مصر الكسندرا أفيرنو صالوناَ فكرياً وثقافياً في الإسكندرية ضم صفوة رجال الفكر في الإسكندرية من المصريين والأجانب آنذاك. وقد أصدرت في 31 ينايرعام 1898 مجلة (أنيس الجليس)، دافعت فيها عن حقوق المرأة. وفي عام 1900 أصدرت مجلة باللغة الفرنسية أسمتها (اللوتس)، نشرت فيها مقالات عن أحوال المرأة الشرقية. كما كتبت بعض المقالات في جريدة (المؤيد). وانضمت إلى جمعية السلام النسائية في أوربا ممثلة للنساء المصريات. وفي عام 1892 -أي قبل صدور كتاب (تحرير المرأة ) لقاسم أمين بسبع سنوات - أنشأت هند نوفل السورية المهاجرة إلى مصر مجلة (الفتاة) في الإسكندرية، وهي أول مجلة في المشرق العربي تحرر جميع مقالاتها نساء، وتختص بشؤون المرأة، وتتبنى الدعوة إلى تعليمها وتهذيبها.

أما عائشة التيمورية ( 1840-1902) الشاعرة والناثرة، الذائعة الصيت، فقد نظمت الشعر في ثلاث لغات: العربية والتركية والفارسية، ونشرت ديوانين، أحدهما بالعربية ( حلية الطراز)، والآخر بالتركية، وكتاب (نتائج الأحوال في الأقوال والأفعال)، وكتاب (مرآة التأمل في الأمور) ورواية (اللقاء بعد الشتات)، ونشرت عدداً من المقالات في جريدتي ( الآداب) و (المؤيد).

المرأة في الصحافة المصرية في القرن التاسع عشر
اتسم النصف الثاني من القرن التاسع عشر في مصر باتساع الحركة الإصلاحية واشتداد عودها. وأفسحت درويات تلك الحقبة مساحات واسعة في صفحاتها للحديث عن تعليم المرأة وتثقيفها. ودارت نقاشات ومناظرات صحفية مطولة حول أهلية المرأة لمساواتها بالرجل، قاد بعضها رجال وطّنوا أنفسهم على تحمل تبعات دعواتهم الإصلاحية. واهتمت الصحافة بنقل بعض أخبار النساء في العالم الغربي ونشاطاتهن العلمية والسياسية.

في العدد التاسع من مجلة (الهلال) في سنتها الثانية عام 1894، في (باب التقريظ والانتقاد) نقع على  تقريظ لكتاب ( المرأة في الشرق) للكاتب مرقص أفندي فهمي، ودعوة الأدباء والقراء لمطالعته، وهو   -كما قدمت المجلة - كتاب علمي بقالب مسرحي، وموضوعه " يعرف من عنوانه ( المرأة في الشرق) من حيث حالتها إلى آخر هذا القرن، وما ينجم عن تحجيبها وإذلالها واحتقارها من إلإضرار بالهيئة الاجتماعية جملة. وقد جعل أساس بحثه أن العائلة أساس الهيئة الاجتماعية، فكل ما تراه منتشراً في الهيئة من حسن الصفات وقبيحها لا بد وأن يكون منشؤه العائلة، فتقدم الهيئة الاجتماعية يتوقف على حال العائلة وحال العائلة يتوقف على حال المرأة لأنها رئيستها. والنتيجة أن تمدن الأمة يتوقف على رفع منزلة المرأة وتهذيبها وإطلاق الحرية برفع الحجاب عنها"(11). وأشار المحرر إلى اهتمام مجلة (الهلال) بموضوع حقوق المرأة:" قد تقدم في الهلال غير مرة كلام مطول بشأن حقوقها ومركزها في الهيئة الاجتماعية"(12)، وذكر أن أكثر المصريين يؤيدون الكاتب في" أن المرأة قوام الهيئة الاجتماعية، وعليها تدبير أهم أعمال الحياة"(13).

ونشرت مجلة (الهلال) في الجزء العاشر من سنتها الثانية ( 1894) رسالة مذيلة بتوقيع (زكي.م)، وقيل إنه قاسم أمين، معنونة بسؤال:" هل للنساء أن يطلبن كل حقوق الرجال؟"، يطلب فيها صاحبها من الأدباء والقراء الإدلاء بآرائهم حول هذا الموضوع المهم  حسب رأيه " لتعلقه بنصف النوع البشري أو أزيد".  وافتتح النقاش برأي مجمل مفاده أنه يحق للنساء أن يطلبن كل حقوق الرجال؛ لتمتعهن بالقدرة البدنية الموازية لقدرة الرجل، ولقدرتهن على القيام بالأعمال العقلية التي يثبتها الاطلاع على تاريخ الأمم الغابرة والحاضرة. وقد نشرت مجلة (الهلال) وغيرها عدة ردود على تساؤل (زكي.م) من مصر وبلاد الشام، جاءت في جلّها مؤيدة لحقوق النساء. ونشر الدكتورأمين أفندي خوري مقالة في مجلة (الهلال) في الجزء الثاني عشر من سنتها الثانية، أجاب فيها على السؤال المشار إليه، وحط فيها من شأن المرأة، ورأى أنها أدنى منزلة عقلية وبدنية من الرجل؛ فانبرى عدد من الكتاب إلى مناظرته ومخالفته الرأي، منهم: جبر ضومط ، وإستير أزهري ويوسف إسبر سبعي، واستير خوري،  ومروم أنطاكي، وجرجس إلياس الخوري الذي ذهب إلى أن "البراهين العقلية والنقلية تؤيد أن عقلها مساو لعقل الرجل. وقد وهبها الله قوة الاختراع والاكتشاف كما وهبه. وزاد عليه أنه ميزها بالصبر وقوة الرأي وشدة التدين والحياء والشفقة على الضعفاء واللطف ودماثة الأخلاق وغير ذلك"(14).  أما الأديبة زينب فواز، فقد أفاضت بالرد عليه، ونالت من آرائه بقسوة مرة. وسنأتي على بعض ردوها عليه في الصفحات القادمة في معرض طرحنا لآرائها حول حقوق النساء.

الدعوة إلى تحرير المرأة في بلاد الشام في القرن التاسع عشر
آمن عدد من رواد النهضة الكبار في بلاد الشام بعدالة الدعوة إلى تحرير المرأة من ربقة الجهل والتسلط،، وبضرورة إكرامها، وإنزالها المكانة التي تستحقها، والأخذ بيدها، لتتعلم، ولتنتقل البلاد بها ومعها من طور التخلف إلى طور المدنية والتحضر. وكان المعلم بطرس البستاني (1819- 1883)  أول من فتح الباب باكراً للمطالبة بتعليم المرأة في محاضرة ألقاها في ( الجمعية السورية) في بيروت عام 1847 بعنوان ( تعليم النساء). وأولى الأديب فارس الشدياق (1805-1887) تثقيف المرأة، وتخليصها من الأوهام والجهل عناية خاصة في سيرته الذاتية ( الساق على الساق فيما هو الفارياق) الصادرة في باريس عام 1855.ونهى فرنسيس مراش (1836-1873) عن تحقير النساء وضربهن وإهانتهن، وطالب بإكرامهن.

 وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر تفتحت مواهب بعض النساء اللواتي حباهن الله بالانتماء إلى أسر مستنيرة عنيت بتعليمهن وتثقيفهن، فأخذن ينظمن الشعر، ويؤلفن الكتب، وينشرن مقالات في صحف مصر والشام. فقد نشرت وردة اليازجي ديوان (حديقة الورد) عام 1867 في بيروت، ومن ثم نشرت سلسلة مقالات بعنوان ( المرأة الشرقية)  في مجلة (الضياء) التي كان يصدرها أخوها إبراهيم اليازجي في مصر، لفتت فيها أنظار نساء الشّرق إلى إنجازات النساء في الغرب، في العلوم والفنون وسائر الأنشطة الإنسانية، ليقتدين بهن، ويسرن على خطاهن. وبدأت مريانا نقاش بنشر مقالات صحفية منذ عام 1870 في مجلة (الجنان) الشهيرة التي أسسها بطرس البستناني، وجريدة (لسان الحال) التي أسسها خليل سركيس ضمنتها دعوتها الى تعليم المرأة، واتخاذ القلم وسيلة للتعبيرعن آرائها. ونشرت عام 1893 ديوان (بنت فكر)، وألّفت كتاباً بعنوان (تاريخ سورية الحديث)، أرخت فيه لأواخر العهد العثماني. وكانت أول سورية تؤسس صالوناً أدبياً استقبل كوكبة من أدباء مدينة حلب ومثقفيها.

كما أسست مجموعة من النساء، ومنهن مريم نمر مكاريوس، عام 1880 جمعية علمية أدبية نسوية أطلقن عليها اسم (باكورة سورية) عنيت بالخطب والمناظرات، والمباحثات العلمية والأدبية. وقد استطاعت هذه الجمعية بعد عام على تأسيسها أن تطبع كتاباً ضمّ ست خطب لعضوات في الجمعية، حملت إحداها عنوان (حقوق النساء).

ونشرت مريم نمر مكاريوس (1860- 1888) خطباً ومقالات في مواضيع متعددة، ومنها مقالة ( بنات سوريا) وأخرى بعنوان (دفاع النساء عن النساء)، نشرتا في (المقتطف) وناظرت فيهما، بأدب جم وكياسة لافتة، الآراء الخاطئة  تجاه المرأة التي أطلقها كل من الدكتور شبلي الشميل والدكتور سليم الموصلي . ونشرت كذلك مقالة طويلة، أدرجت في السنة الأولى من جريدة «اللطائف» تحت عنوان (تربية الأولاد) أسهبت فيها في شرح أسس التربية السليمة بما يضاهي أفضل ما يقال في تربية الأبناء في أيامنا هذه.

والّفت أليس بطرس البستاني ابنة المعلم بطرس البستاني رواية ( الصائبة) عام 1891، وكانت في الواحدة والعشرين من عمرها. وعرّبت لبيبة هاشم رواية ( الغادة الإنجليزية) عام 1895،ثم أتبعتها بترجمة (حسنات الحب، 1898)، و(الفوز بعد الموت، 1899( قبل أن تبدأ بنشر مؤلفاتها القصصية ابتداء من رواية (قلب الرجل 1904).

لا شكّ أن هذه الأنشطة الصحفية والأدبية والفكرية النسوية تدل على أن المجتمع في سورية ولبنان بدأ بالانفتاح على انخراط المرأة في الحياة الثقافية والأدبية، ومناقشة قضايا حقوق المرأة، وأصبح أكثر تقبلاً لتعليم المرأة، وانتقالها من حالة السكون والخمول والاستسلام لواقع مجحف بحقها إلى مرحلة جديدة تسهم فيها في دفع بلادها إلى ميادين التطور والتقدم.

وبعيداً عن بلاد الشام ومصر نشر في الجزائر محمد بن مصطفى خوجة عام 1895 كتاب (الاكتراث في حقوق الإناث)، تناول فيه حقوق المرأة المسلمة وواجباتها. وهو وإن لم يبلغ في أطروحاته مبلغ رواد تحرير المرأة إلا أنه دعا إلى احترامها وتوقيرها، وتوفيتها حقوقها الشرعية والإنسانية. وهو من أوائل تلاميذ الإمام محمد عبده الذين نشروا مذهبه الاصلإحي خارج مصر.

موقف رجال الدين والسلطة السياسية في مصر من تحرير المرأة في القرن التاسع عشر
كان من حسن حظ الدعوة إلى تحرير المرأة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر إيمان السلطة السياسية في مصر آنذاك بضروة تعليم المرأة، وتهذيبها، فأُسست المدارس الحكومية للبنات، ولقيت المدارس الأهلية الدعم من وزارة المعارف، ومن بعض أفراد الأسرة الحاكمة. وألف الشيخ رفاعة الطهطاوي- كما أسلفنا - كتاباً مدرسياً لتربية البنات والبنين. وناصرعدد من رجال الدين البارزين الدعوة لتحرير المرأة، لإيمانهم العميق بأهمية الدور الذي تلعبه في بناء الإنسان، وتقدم الأمة. ولهذا استطاعت آراء قاسم أمين المناصرة لقضايا المرأة في كتابه ( تحرير المرأة) الصادرعام 1889، وكتاب ( المرأة الجديدة) الصادرعام 1890 أن ترى النور، وأن تجد من يساندها، ويدافع عنها، رغم معارضة شريحة واسعة من المحافظين من رجال الدين والفكر والأدب آنذاك.

 لقد نالت آراء قاسم أمين مباركة الشيخ محمد عبده (1849-1905)، وقيل إن بعض فقرات كتاب (تحرير المرأة) تنم عن أسلوب الشيخ محمد عبده(15). وساند الشيخ محمد رشيد رضا (1865-1935) ناشر مجلة (المنار) كتاب (تحرير المرأة)، وقرظته مجلته أكثر من مرة، واعتبرته مع رسالة التوحيد للأستاذ الإمام محمد عبده وكتاب (سر تقدم الإنجليز السكسونيين) الذي ترجمه فتحي زغلول  أهم الأعمال الفكرية في ذلك العصر(16).

كذلك لاقى كتاب (تحرير المرأة) الدعم من عدد من السياسيين وأفراد الأسرة الحاكمة، وفي مقدمتهم الأميرة نازلي فاضل، بل قيل إن قاسم أمين ألّف الكتاب بناء على توجيهات صارمة منها، ليصلح ما أفسدته آراؤه المحافظة حول المرأة والمجتمع المصري في كتابه (المصريون)، الذي ردّ فيه على مطاعن الدوق داركور بحق المصريين، وخاصة موقفهم من نسائهم، ورأت فيها انتقاداً موجهاً لسلوكها المنفتح أنذاك.

لقد جاءت جهود قاسم أمين تتويجاً حميداً وأميناً ومكثفاً لجهود من سبقه من المصلحين الكبار من الرجال والنساء. وسنستعرض في الصفحات التّالية موقف قاسم أمين من حرية المرأة وتطوره الفكري في تناول هذا الموضوع الذي عُرف به، وارتبط باسمه في الوطن العربي حتى يومنا هذا، قبل أن نبين مواقف زينب فواز الحاسمة والسابقة لمواقفه من حرية المرأة بما يقرب من العقد من الزمن. وأظن أنه قد حاز قصب السبق في ريادة تحرير المرأة عند السواد الأعظم  من الباحثين والمثقفين لأن كتابيه السابقي الذكر قد تمحورا بمجملهما حول المطالبة بحقوق المرأة، وأن بعض آرائه مست للمرة الأولى قضايا دينية مقدسة عند السواد الأعظم من المسلمين، خاصة موقفه من الحجاب والاختلاط بين الجنسين.

الصورة النمطية للمرأة في كتاب قاسم أمين ( المصريون)
 نشر قاسم أمين هذا الكتاب بالفرنسية عام 1894، ليردّ على كتاب الدوق الفرنسي داركور (مصر والمصريون) الذي هاجم فيه المصريين، ومنزلة النساء بينهم. وقد دافع فيه قاسم أمين بحمية عن المصريين والإسلام، وأشاد بمكانة المرأة المصرية في الأسرة. ولم يرَ في الحجاب، وتعدد الزوجات، والطلاق، وعدم الاختلاط بين الجنسين ما يدعو إلى الإدانة أو المطالبة بالتغيير، بل ذهب إلى أن تحرر المرأة الأوربية الذي يطالب به الدوق داركور للمرأة المصرية سيكون وبالاً عليها وعلى الأسرة والمجتمع.

يقرّ قاسم أمين في هذا الكتاب أن المرأة الشرقية لا تلعب أي دور خارج بيتها، لكنه على يقين من أنها الحاكمة المطلقة في بيتها. ويردد الأقوال الشائعة حول سلبيات عمل المرأة. ويعلن في حمى دفاعه عن الشرق أن خلوه من الأديبات والسياسيات والمشتغلات "بحرف الرجال"  ليس أمراً سيئاً، ويصف من تعمل من النساء بالحقل السياسي والأدبي وأعمال الرجال بالدعية والمتحذلقة، والمفارقة للأنوثة، ويسخر منها، ويظهر جهله التام بعمل بعض النساء الشرقيات آنذاك بالحقلين الأدبي والصحفي خاصة في مصر، ويظن أن الساحة  خالية منهن، ويرى في ذلك أمراً حميداً. يقول: " حقاً إنه ليس لدينا سيدات بلاط، ولا نساء سياسيات ولا متحذلقات دعيات تأليف أدبي، ولكن هل يعد هذا سيئاً؟ إنني أجيب على الاستحياء كلا. ومع أني لا أذهب إلى حد التأكيد بانحطاط ذكاء المرأة ...فإنني لا أرى الفائدة التي يمكن أن يجنيها النساء بممارسة حرف الرجال، بينما أرى كل ما سوف يفقدنه، فإن هذه الحرف سوف تحرفهن عن المهام التي تبدو أنهن خلقن من أجلها، كما أن هذه الأعمال لن تجعلهن أكثر فائدة للمجتمع، ولن تزيد من سحرهن، بل على العكس من ذلك إن مشهد الأم المتفانية يملؤني حناناً، كما يحرك سروري مشهد الزوجة التي تعنى ببيتها، في حين لا أشعر بأي عاطفة حين أرى امرأة تهل عليّ في خطى الرجل ممسكة كتاباً في يدها، وتهز ذراعي في عنف، وهي تصيح بي: كيف حالك يا عزيزي؟ بل لعلي أشعر بشيء غير بعيد من النفور"(17).

 لا يخفى ما في هذا القول الذي كرره أكثر من مرة في الكتاب من سخرية ووصف هزلي للمرأة المتعلمة المثقفة. وأشك أن قاسم أمين قد التقى بمصرية أو عربية مثقفة على الصورة التي رسمها، وإنما هي صورة نمطية متخيلة، وغير نزيهة للمرأة المتعلمة المثقفة.

وظيفة المرأة الوحيدة برأي قاسم أمين في هذا الكتاب أن تكون أماً وزوجة فقط، لذلك طالب بتعليم المرأة قدراً يسيراً من التعليم يساعدها على تربية أبنائها: " إنني أحتقر ادعاء النساء وتحذلقهن، لكنني نصير متحمس لأخذ المرأة قدراً نسبياً من التعليم، إنني أنعي تربية النساء المصريات وسط الجهل المطلق. يجب أن تعرف المرأة دائماً ما يكفي لكي تلقن أبناءها مبادئ الإخلاق والفضيلة، ولتقدم لهم شرحاً علمياً للأشياء التي تحيط بهم، ويجب أن تعرف دائماً كيف تجيب دون أن تخطئ على تساؤلات الطفولة التي لا تنقطع. إنني أتمنى أن يعم هذا التعليم عندنا فبدونه لا يمكن أن تأمل في وجود مواطنين صالحين"(18).  

 دافع في هذا الكتاب عن تعدد الزوجات، وساق المسوغات لحدوثه، ورأى فيه رحمة للمرأة كي لا يتخلى زوجها عنها إن كانت غير قادرة على الإنجاب، أو وقع في حب امرأة أخرى، يقول: " إن تعدد الزوجات قد أقرّ ليضمن المأوى للمرأة والأبوة الأكيدة للأبناء"(19)، ولم يلحظ أي أثر سلبي لتعدد الأبناء من أمهات مختلفات على العلاقة بينهم.

قاسم أمين الثائر على آرائه
انقلب قاسم أمين في كتابه (تحريرالمرأة، 1889)، ومن ثم ( المرأة الجديدة، 1890) على آرائه المحافظة حيال المرأة في كتاب ( المصريون،1894)، وانتقل من النقيض إلى النقيض؛ فبدا فيهما ثائراً، متحرراً من جلّ ما آمن به سابقاً. ما الذي جعل قاسم أمين في مدة قصيرة لم تتجازرالخمس سنوات يثور على آرائه السابقة تجاه المرأة؟  قد يغير الإنسان من بعض قناعاته في محاولة منه لتطوير ذاته، واستجابة هذه الذات للمتغيرات الفكرية والنفسية والسياسية، ولتجربته الحياتية والعملية، خاصة وأن قاسم أمين عمل قاضياً، وخبر مشكلات مواطنيه، وعاين عن قرب معاناة النساء، لكن من المستغرب أن ينقلب الإنسان على جلّ آرائه السابقة في موضوع ما في غضون خمس سنوات؛ ولذلك نميل إلى حد القناعة إلى أن أفكار قاسم أمين التحررية التي تبناها منذ نشر كتابه ( تحرير المرأة) جاءت بطلب وتأثيرمن الأميرة نازلي فاضل، وبمساندة ومباركة من الشيخ محمد عبده، وعدد من رجالات تلك الفترة كسعد زغلول ولطفي السيد. وهذا لا يعني أن قاسم أمين لم يكن صادقاً بما دعا إليه، بل يعني أن المؤثرات الخارجية فتحت عينيه على حقائق جديدة، وسرّعت بثقلها النوعي من تغيير قناعاته، خاصة وأن موضوع حقوق النساء كان من بين الموضوعات التي أثارت اهتمامه، فقد طرح- كما أشرنا سابقاً - على قراء مجلة ( الهلال) عام 1892 سؤالاً تحت اسم مستعار(زكي.م)، أراد من خلاله استطلاع آراء القراء حول هل للنساء أن يطلبن جميع حقوق الرجال.

أعتقد أن كتاب ( تحرير المرأة) الجريء في زمانه، المتواضع الأطروحات في زماننا، ما كان ليبصر النور لو لم يكن المجتمع مهيئاً لمناقشة أطروحاته، ولو لم يكن موضوع تحرير المرأة من أولويات رجال الإصلاح في نهاية القرن التاسع عشر. لقد أيدت نخبة وازنة من رجال الدين والسياسة والأدب قاسم أمين، لذلك فإن اعتراضات عدد من رجال الدين، والمثقفين لم تحل دون طبع الكتاب وانتشاره انتشاراً واسعاً، ولم تمنع قاسم أمين من نشر كتاب آخر بعد عام واحد بعنوان ( المرأة الجديدة) استكمل فيه طرح آرائه حول صوابية نيل المرأة حقوقها.

حرية المرأة عند قاسم أمين
حافظ  قاسم أمين في كتابه ( تحرير المرأة)  على إيمانه بالموقف الإيجابي للإسلام من المرأة، الذي تبناه في كتاب ( المصريون)، وعزا معاناة المرأة للعادات والتقاليد الاجتماعية التي تغلبت على الدين، قال:" لو كان لدين سلطة وتأثير على العوائد لكانت المرأة المسلمة اليوم في مقدمة نساء الأرض"(20). ورأى أن المسلمين -لا الإسلام- استعبدوا المرأة وأذلوها، فهي بنظرهم " ليست إنساناً تاماً، وأن الرجل منهم يعتبر أن له حق السيادة عليها، ويجري معاملته معها على هذا الاعتقاد"(21)، و" وكل من لم يملك قياد فكره وإرادته وعمله ملكاً تاماً فهو رقيق"(22). ومن وجوه استعباد المرأة تزويجها " برجل تجهله وحرمانها من حق التخلص منه مع إطلاق إرادته في إمساكها وتسريحها متى شاء"(23)، وهذا ما يقود لفساد أخلاقها. ولا وقاية من هذا الفساد إلا أن تختبر المرأة الحياة، وتختار زوجها بنفسها، يقول:" لاشيء يقي البنت من الفساد مثل اختيارها زوجها بنفسها بعد أن تعرفه وتقارن بينه وبين غيره من الرجال"(24).

ربط  قاسم أمين كغيره من المصلحين بين إصلاح حال المرأة وإصلاح واقع الأمة، يقول: " العائلة أساس الأمة. ولما كانت المرأة هي أساس العائلة كان تقدمها وتأخرها في المرتبة العقلية أول مؤثر في تقدم الأمة وتأخرها..... ارتقاء الأمم يحتاج إلى عوامل مختلفة متنوعة، من أهمها ارتقاء المرأة. وانحطاط الأمم ينشأ من عوامل مختلفة متنوعة أيضاً من أهمها انحطاط المرأة"(25).  

 وارتقاء المرأة يبدأ بتعليمها، لذا طالب في كتاب ( تحرير المرأة) بأن تتعلم حتى المرحلة الابتدائية:   " في رأيي أن المرأة لا يمكنها أن تدير منزلها إلا بعد تحصيل قدر معلوم من التعليم الابتدائي على الأقل حتى يكون لها إلمام بمبادئ العلوم يسمح لها بعد ذلك باختيار ما يوافق ذوقها منها، وإتقانه بالاشتغال به متى شاءت"(26).  وتقدّم خطوة أكبر في المطالبة بتعليمها في كتاب ( المرأة الجديدة)،  فحث الآباء على بذل أقصى استطاعتهم في تعليم بناتهم، والعناية بتنشئتهن كعنايتهم بتنشئة أبنائهم الذكور: " يجب على كل أب أن يعلم بنته بقدر ما يستطيع ونهاية ما يمكن، وأن يعتني بتربيتها كما يعتني بتربية أولاده الذكور".(27)

أما عمل المرأة فأهمه وأجلُّه برأيه تربية الأبناء، وعملها خارج المنزل مباح في حال كانت في أمس الحاجة إليه، لتحصيل قوتها، وضمان راحتها سواء أكانت فقيرة، أم عزباء، أم مطلقة، قال:" إن للمرأة حقاً في أن تشتغل بالأعمال التي تراها لازمة للقيام بمعاشها...وليس معنى ذلك إلزام كل امرأة بالاشتغال بأعمال الرجال، وإنما معناه أنه يجب أن تُهيأ كل امرأة للعمل عند مساس الحاجة إليه"(28).

لم يعلن قاسم أمين موقفه من عمل المرأة بالشأن العام. وربما كان مؤمناً بمشاركة المرأة في العمل السياسي والثقافي والاجتماعي، لكنه لم يصرح به، وأكد أن اهتمامه منصب على تمكين المرأة من إدارة شؤونها الخاصة: " أما اشتغال المرأة بالأعمال العامة فهو مما لا يدخل تحت مطالبنا، ولهذا لا نرى فائدة في الكلام فيه، وأما ما يتعلق بالحياة الخاصة للمرأة فهو الذي نقصد البحث فيه"(29).

موقف قاسم أمين من الحجاب والاختلاط
دعا قاسم أمين إلى تخفيف قيود الحجاب، وليس إلغائه، وبيّن عدم مخالفة كشف الوجه واليدين للشرع الإسلامي. وطالب بإباحة اختلاط المرأة بالرجال ضمن الضوابط الشرعية، وعدم حجبها في البيت، والسماح لها بالخروج من سجن المنزل، ومتابعة شؤون حياتها الخاصة بنفسها. وتوسع في شرح الآثارالإيجابية للاختلاط على المرأة والمجتمع معاً، وعلى تأصيل الفضائل في النفوس، بحيث يغدو تمسك النساء بالفضيلة منبعه الذات لا الفرض بالإكراه.

النقاب، وحرمة الاختلاط يمنعان المرأة برأيه من العمل متى احتاجت إليه، ويمنعانها من تطويرعلمها المحدود. يقول: " كيف يمكن لامرأة محجوبة أن تتخذ صناعة أو تجارة للتعيش منها إن كانت فقيرة؟ كيف يمكن لخادمة محجوبة أن تقوم بخدمة منزل فيه رجال؟ كيف يمكن لفلاحة محجوبة أن تفلح أرضها وتحصد زرعها؟ كيف يمكن لعاملة محجوبة أن تباشر عملها إذا أجّرت نفسها للعمل في بناء بيت أو نحوه؟"(30). ويخلص إلى نتيجة أن " الحجاب على ما ألفناه مانع عظيم يحول بين المرأة وارتقائها، وبذلك يحول بين الأمة وتقدمها"(31). والخطوة الأولى لتحريرالمرأة تكمن في تمزيق حجابها والقضاء على آثاره: " أول عمل يعد خطوة في سبيل حرية المرأة هو تمزيق الحجاب ومحو آثاره"(32).

  وللتدليل على صواب رأيه في منع الحجاب للمرأة من اكتساب الخبرات وتطوير الذات، قارن بين المصريات المسيحيات والمسلمات، فرأى أن المسيحيات تفوقن على المسلمات " لكثرة ما رأين وسمعن باختلاطهن بالرجال، فقد ورد على عقولهن معان وأفكار وصور وخواطر غير ما استفدنه من الكتب فارتفعن بفضل هذا الاختلاط إلى مرتبة أعلى من المرأة المسلمة المواطنة لهن مع أنهن من جنس واحد وإقليم واحد"(33).  

لم يعد الاختلاط بين الجنسين برأي قاسم أمين شراً مطلقاً، ومحرضاً على الفسق، كما كان في كتابه    ( المصريون)، بل يمنح المرأة حصانة ذاتية، ويقيها من الوقوع في الرذيلة. إنّ " المرأة التي تخالط الرجال تكون أبعد عن الأفكار السيئة من المرأة المحجوبة"(34). وحجابها لا يمنعها من اتباع الشهوات وارتكاب الخطايا، لأن " الذي يدعو إلى فساد الأخلاق ليس رقة الحجاب أو نزعه بل سوء التربية هو علة الخفة والطيش"(35)، وعفة المرأة هي" ملكة في النفس لا ثوب يختفي دونه الجسم"(36).

 ولتأكيد رأيه في أفضلية الحرية على الحجاب عقد مقارنة بينهما، فثمن عالياً الحرية، وحط من شأن الحجاب، وعده سبب تدني منزلة المرأة: " الحجاب والحرية وسيلتان لصيانة المرأة، ولكن ما أعظم الفرق بينهما من النتائج التي تترتب عليهما حيث إن الوسيلة الأولى تضع المرأة في صف الأدوات والأمتعة، وتجني على الإنسانية، والثانية تخدم الإنسانية وتسوق المرأة في طريق التقدم العقلي والكمال الأدبي"(37).

وحجاب المرأة وإن كان يقلل من الزنى إلا أنه لا ينزع الميل إليه " أما الحرية فمزاياها هي إزالة جميع المضار التي تنشأ عن الحجاب، وضررها الوحيد أنها في مبدئها تؤدي إلى سوء الاستعمال، ولكن مع مرور الزمن تستعد المرأة إلى أن تعرف مسؤوليتها، وتتحمل تبعة أعمالها، وتتعود على الاعتماد على نفسها والمدافعة عن شرفها حتى تتربى فيها فضيلة العفة الحقيقية التي هي ترفع النفس المختارة الحرة عن القبح، لا خوفاً من عقاب، ولا طمعاً في مكافأة"(38).

وكما أن الحرية تفضل الحجاب، فإن المرأة العفيفة المتمعة بحريتها التي اختارت العفة اختياراً، ولم تكره عليها فهي تفضل العفيفة المحجوبة التي لم تخترها بمحض إرادتها. يقول: " بديهي أن المرأة التي تحافظ على شرفها وعفتها وتصون نفسها عما يوجب العار، وهي مطلقة غير محجوبة لها الفضل والأجر أضعاف ما يكون للمحجوبة، فإن عفة هذه قهرية، أما عفة الأخرى فهي اختيارية، والفرق كبير بينهما. ولا أدري كيف نفتخر بعفة نسائنا ونحن نعتقد أنهن مصونات بقوة الحراس، واستكمال الأقفال وارتفاع الجدران؟"(39).

يؤكد قاسم أمين أن اختلاط النساء بالرجال لا يخالف الشرع الإسلامي، مستعرضاَ آراء علماء دين مسلمين (40)، ومستشهداً بقول العلامة الشيخ محمد رشيد رضا التالي: " المعروف أن الشرع إنما حرّم الخلوة بالمرأة الأجنبية، وأخبار الصدر الأول مستفيضة بمكالمة النساء للرجال، وحديثهم معهم في الملأ دون الخلوة، وكفاك أن نساء النبي - وهن اللاتي أُمرن بالمبالغة في الحجاب - كن يحدثن الرجال، حتى إن السيدة عائشة كانت قائدة عسكر، ومديرة له في وقعة الجمل المعروفة، وما إخال أن مكابرًا يقول إنها لم تكن تكلّم أحدًا منهم إلا ذا محرم"(41).

كان قاسم أمين على يقين تام أن دعوته لتحرير المرأة ليست خروجاً عن الإسلام، بل تطبيقاً لشريعته التي منحت المرأة - كما رأى-  حقوقاً لم تنلها المرأة الغربية إلا في نهاية القرن الثامن عشر، ولذلك كان يستهجن أن يَغفل المسلمون عن مقاصد الشرع، وأن يهدروا جهودهم في نقاشات لا تؤدي إلا إلى تأخير إصلاح الأمة، وإعاقة تقدمها.

موقف قاسم أمين من تعدد الزوجات والطلاق
أيّد قاسم أمين تعدد الزوجات في كتابه الأول ( المصريون) كما أشرنا سابقاً، لكنه في كتابه (تحرير المرأة) رأى فيه احتقاراً للمرأة " وحيلة شرعية لقضاء شهوة بهيمية" (42)، ومع ذلك قبل به بشرطين: عدم قدرة المرأة على تأدية حقوق الزوجية بسبب مرض، أو عدم قدرتها على الإنجاب. وفضّل في الحالة الأخيرة أن ألا يتزوج الرجل من امرأة أخرى، لأن المروءة تقضي أن يتحمل ما يصيب زوجته. وذهب إلى أنه يجوز للحاكم منع تعدد الزوجات بشرط أو غير شرط مراعاة لمصلحة الأمة (43).

أما الطلاق فكان له فيه رأي متقدم؛ إذ قيّده، واقترح سنّ نظام للطلاق لا يقف عند رغبة الزوج فقط،، بل بإذن من قاض أو مأذون بعد نصح القاضي، وتحكيم رجلين من أهل الزوجة والزوج، وفشل هذا التحكيم، ورفع تقرير للقاضي أو المأذون ليأذن بالطلاق. واقترح أن يؤخذ برأي بعض الأئمة من أن لا يقع الطلاق إلا بإشهاد شهود عدول عملاً بالآية الكريمة الواردة في سورة الطلاق " وأشهدوا ذوي عدل منكم" (44) 

ودعا إلى منح المرأة حق الطلاق، بالعمل بمذهب الإمام مالك الذي أجاز لها رفع مظلمتها  للقاضي  "في كل حالة يصل لها من الرجل ضرر"(45)، أو الاستمرار باتباع مذهب أبي حنيفة، على أن يشترط في عقد الزواج أن يكون للمراة حق تطليق نفسها.

رائدة تحرير المرأة العربية: الثائرة المنقبة زينب فواز
تبنت زينب فواز الدعوة الصريحة والثابتة إلى تحرير المرأة من الجهل والأوهام، والدعوة إلى تعليمها وتهذيبها ومنحها حق العمل في مقالاتها التي بدأت تنشرها في الصحف المصرية ابتداء من شهر نيسان/إبريل من عام 1892، أي قبل أن أن ينشر قاسم أمين كتاب ( تحرير المرأة) بسبع سنوات، وقبل أن تتبلور أفكاره المناصرة لحرية المرأة، بل كان - كما أسلفنا - يتبنى أفكاراً تقليدية عن المرأة. جمعت الكاتبة مقالاتها التي أظهرت إيمانها الراسخ بقدرات المرأة، وأهليتها لنيل حقوقها غير منقوصة، في كتاب لم يصلنا منه إلا الجزء الأول بعنوان ( الرسائل الزينبية)، صدرعام 1905. وجاء جمعها لهذه المقالات، كما أشارت في مقدمته لـ" اشتمالها على مباحث جليلة في المدافعة عن حقوق المرأة ووجوب تعليمها والنهي عن العوائد السيئة وحضها على التقدم واكتساب المعارف، وما يتعلق بفضائل أخلاق النساء، وما لهن من التأثير على العالم الإنساني ... ليكون منهاجاً قويماً بين أفراد الجنس اللطيف ليقتبسن من نور مشكاته ويردن من عذب منهله ولذيذ عبارته"(46).  

قبل عام على بدء نشرها للمقالات، أي عام 1891 نشرت كتاباً ضخماً ضم ترجمات لنساء شهيرات من الشرق والغرب بعنوان ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور) أرّخت فيه لأربعمئة وست وخمسين امرأة من الشرق والغرب، أرادت من خلاله الانتصار لبنات جنسها، وتقديم أدلة دامغة على جدارة النساء وتفوقهن في ميادين مختلفة على اختلاف انتماءاتهن الدينية والإثنية. تقول في مقدمته: " لم أرَ ... من تطرَّف وأفرد لنصف العالم الإنساني بابًا باللغة العربية جمع فيه من اشتهرن بالفضائل، وتنزهن عن الرذائل، مع أنه نبغ منهن جملة سيدات لهن المؤلفات التي حاكين بها أعاظم العلماء، وعارضن فحول الشعراء، فلحقتني الحمية والغيرة النوعية على تأليف سفْرٍ يسفر عن مُحَيَّا فضائل ذوات الفضائل من الآنسات والعقائل، وجمع شتات تراجمهن بقدر ما يصل إليه الإمكان، وإيراد أخبارهن من كل زمان ومكان....وقد سميته: «الدر المنثور في طبقات ربات الخدور»، وجعلته خدمة لبنات نوعي".

لقد فاقت زينب فواز معظم معاصريها من الرجال، ومن النساء الشرقيات والغربيات في الإيمان بقدرات المرأة العقلية والروحية والبدنية المساوية لقدرات الرجل، والتي تؤهلها لتتعلم ما تشاء من العلوم، ولتبدع في شتى الآداب والفنون، ولتعمل في مختلف الأعمال، لا يثنيها عن ذلك إلا تسلط رجل، وجهل مجتمع، وتكاسل امرأة رضعت الهوان، فأرضعته لبناتها وأبنائها.

آمنت أن المرأة نصف المجتمع، وند للرجل ومساوية له، وشريكته في العمل، وبناء المجتمع، بل عليها تقع المسؤولية الكبرى في تنشئة رجال الأمة تنشئة تحقق مرام التقدم والتطور، إن تلقت التربية الصالحة، وإن كانت الأخرى غرق المجتمع في الظلمات، وتوارث الجهل والخرافات. تقول في العدد السادس من مجلة (أنيس الجليس) الصادر بتاريخ 30/6/1898 في مقالة بعنوان ( مجمل حياة النساء) : " اعلم أن للروح جوهرًا مجردًا لا ذكر ولا أنثى، ولكنه يتأثر بحلة التقويم البدني، فتختلف قابلية الرجال والنساء، وكلٌّ منهما نصف العالم، وأهمية موقعه على هذه النسبة العادلة"(47).

لكن الرجل الشريك للمرأة بهذه الحياة استبد بها، واستأثر بكل الإمكانات، واستولى على كل السلطات، فخاطبته واصفة واقع الحال: " أنت الشريك الرفيق... وأنت القوي الظالم على الجنس اللطيف... استأثرتم دوننا بجميع القوى، وتساعدتم علينا بكل الممكنات، فلكم دوننا كل قدرة سيفية وقلمية وتشريعية، قيدتم هيكلنا الباهر بقيود كل استطاعة وسطوة، وحرَّمتم علينا كل إمكان بالجبروت والقوة"(48).

من هي زينب فوّاز الثائرة على إرث قرون طويلة من استعباد المرأة واستبعادها عن ممارسة أي نشاط حيوي خارج حدود منزلها؟ هي أدبية لبنانية بارزة لقبت بـ( درة الشّرق). ولدت في منزل ريفي متواضع في بلدة تبنين بصيدا في جنوب لبنان عام (1846). تعلمت مبادئ القراءة والكتابة على يد السيدة فاطمة بنت الأمير أسعد الخليل، زوجة علي بك الأسعد، حاكم منطقة بشارة في جبل عامل في لبنان، بعد أن لمست حدة ذكائها وشدة فطنتها. شجعتها السيدة فاطمة على طلب العلم، فحفظت القرآن الكريم، وانكبت بشغف على مطالعة الكتب والمخطوات التراثية. تزوجت من أحد العاملين في قصر السيدة فاطمة، وكان رئيساً للسواس فيه، لكن زواجها انتهى بالطلاق. سافرت إلى مصر- وكان أخوها محامياً مقيماً  في الإسكندرية - كما فعل العديد من مثقفي وأدباء سورية ولبنان طمعاً بمناخ من الحريات الفكرية أفضل نسبياً مما هو عليه الحال في بلاد الشام.  تعلمت في الإسكندرية النحو والصرف والبيان، والعروض والإنشاء على مشاهير علمائها، وتكونت لديها ثقافة واسعة، وظفتها في المقالات الصحفية التي تناولت فيها مروحة واسعة من الموضوعات، وعلى رأسها حقوق النساء. بالإضافة إلى الكتابة للصحافة، والتأليف في تراجم النساء، نظمت الشعر، وألفت مسرحية شعرية بعنوان ( الهوى والوفاء، 1893) وروايتين: ( حسن العواقب أو غادة الزاهرة 1899)*، والتي يعدها العديد من الباحثين أول رواية نسوية عربية، ورواية ( الملك كورش أو ملك الفرس 1905 ). ولها مخطوطان هما: ( مدارك الكمال في تراجم الرجال) و (الدر النضيد في مآثر الملك الحميد).

حازت الكاتبة شهرة واسعة، وتقديراً عظيماً في مصر وبلاد الشام، وحملت إحدى مدارس دمشق للبنات اسمها في الحي الذي سكنت فيه لثلاث سنوات أثناء زواجها الثاني من الأديب أديب نظمي الدمشقي ناشر جريدة ( الشام) الإخبارية الاجتماعية. انتهى هذا الزواج أيضاَ بالطلاق، بعد أن اكتشفت أنه متزوج من ثلاث نساء أخريات، وبعد أن ضاقت ذرعاً بجفاف الحياة الفكرية في دمشق قياساً بالحياة الثقافية والأدبية النشطة في مصر. عادت بعد طلاقها إلى مصر، واستقرت في القاهرة، واستأنفت نشاطها الأدبي. وفي مطلع عام 1914 فارقت الحياة، فنعتها جرائد مصر والشام بكثير من الإكبار والتبجيل. جاء في نعي مجلة العرفان اللبنانية ما يلي: " نعت إلينا أنباء مصر، المرحومة زينب فواز، الكاتبة الشاعرة المؤلفة، وأول امرأة اشتهر اسمها في عالم الأدب والكتابة في الصحف. وقد نالت شهرة بعيدة في حياتها، ونالت حظوة كبيرة عند كبراء مصر وسوريا... وقد انتقلت إلى جوار ربها عن عمرر ذرف على الستين، تاركة آثاراً خالدة، وذكرى جميلة"(49).

كانت نصيرة بنات جنسها في جميع بقاع الأرض، بغض النظر عن العرق والدين والطبقة الاجتماعية. وكانت حريصة على أن تشدّ أزرالكاتبات العربيات المعاصرات لها، وتفاخر بهن رجال زمانها، فاستهلت كتابها ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور) بإدارج عدة مقالات لكاتبات معاصرات لها من مصر وبلاد الشام. من هذه المقالات مقال لسارة نوفل تدعو فيه علماء اللغة العربية إلى استحداث كلمة عربية تقوم مقام كلمة (مس أو مدموازيل)  للتمييز بين السيدة المتزوجة والعزباء. ونقلت مقالاً لـ " جليلة كريمة الخواجة نخلة موسى تحض فيه على " العناية بتربية البنين والبنات لتحسين حالة النسل، فمن رام الإصلاح علم الفتيات، وغرس في فؤادهن المبادئ الصالحة، وزين عقولهن بالحكمة، وحملهن على حب الفضيلة، ولله در من قال: لو كانت الآداب بالعقود والقلائد والأساور والخواتم؛ لكان المال إنما هو نفس التمدن"(50).

كذلك أدرجت مقالة للأديبة السورية مريم خالد بعنوان: "وجوب تعليم البنات ردًّا على معترض على هذا المقصد"، تقول فيها: " إن صرير أقلامنا الحاضرة سيدوي في وديان سوريا، ويؤثر في آذان الهيئة الاجتماعية؛ فعلينا أيتها السيدات بالتحفظ في كل أمر يحط شأننا، وملازمة الخطة التي ترفع قدرنا ومقامنا. واعلمن بأن الأنظار تراقبنا، والإصلاحات تنتظرنا، والمرأة مرآة الوطن، فيها يظهر هيكله، ومنها يعرف كيف هو، ورجاؤنا أن نكون نحن الرابحات، والمعترضون الخاسرين"(51).

نشرت أيضاً مقالتين لأستر أزهري وهناء كوراني. وترجمت ترجمة ضافية لمعاصرتها الشاعرة والناثرة الكبيرة عائشة التيمورية، وأبدت الكثير من التقدير والتبجيل لنتاجها الأدبي، وأدرجت تقريظ وردة اليازجي الشعري والنثري لديوان عائشة التيمورية (حلية الطراز) وكتابها (نتائج الأحوال) . ونقلت للتيمورية مقالاً نشر في جريدة الآداب في 10/2/1889 بعنوان (لا تصلح العائلات إلا بتربية البنات) دعت فيه إلى تعليم البنات، ومنه قولها: " فلو اجتهدت الهيئة الرَّجُلية في حسن سلوكهن بالتربية، وجذبتهن بشواهد المدنية إلى طرف الاطلاع لتتوجت تلك الغانيات من تلقائها بيواقيت المعلومية، وتقلدت بلآلئ التفقه، وكلما شبَّت ألفت خطواتها في طرق الإدراك، وأدركت مزية حليها الأصيل فزادته جلاء، وفطنت بغلاء قيمته فأوقرته بهاء وسناء، واستغنت بلمعة شرفه عن أرفع جوهر قماش، ولو كان ملبسها ثوبًا من الشاش"(52).

ومن السيدات المعاصرات لها اللاتي ترجمت لهن اللبنانية مريم نمر مكاريوس (1860-1888)، فقد نقلت لها عدة مقالات تنبئ عن فكر نير، وحصافة وكياسة في الدفاع عن المرأة، وعن فهم عميق لأسس التربية الحديثة. وأدرجت لها رأياً ما أظن أن أحداً سبقها إليه، وهو انتقادها لإغفال ذكر أسماء الأمهات عند الترجمة لمشاهير الرجال والنساء، ورأت في هذا الإغفال بعداً عن الإنصاف (53).

وترجمت لمريم نحّاس السورية التي كانت مقيمة مثلها في مصر- وهي أم الكاتبتين هند وسارة نوفل- والتي سبقت زينب فوّاز لتأليف كتاب في تراجم النساء بعنوان (معرض الحسناء في تراجم مشاهير النساء من الأموات والأحياء)، نشرت جزءاً منه عام 1879، وأعاقتها الأحداث عن نشر تتمة الكتاب.  ويبدو أن هذا السبب هو الذي جعل ريادة التأليف في تراجم النساء في الوطن العربي تنسب لزينب فواز، وليس لمريم نحّاس. وممن ترجمت لهن فاطمة بنت أسعد الخليل، وهي السيدة التي أشرنا إليها سابقاً، والتي رعت تفتح موهبة الكاتبة، وهي صغيرة في بلدتها تبنين. وكان للسيدة فاطمة إسهامات شعرية ونثرية، وكانت تشارك زوجها في الحكم، وفض النزاعات في المنطقة التي كان يحكمها في جنوب لبنان بتكليف من السلطة العثمانية.

 كما ترجمت لفتاة عاصرتها من بولاق في مصر تدعى شريفة بنت سعيد قبودان، ولدت سنة 1844، لم تشتهر لكونها شاعرة أو ناثرة، بل لكونها عاشقة، اختارت أن تكون حبيسة بيتها طوال حياتها حزناً على خطيبها الذي حمّ وتوفي قبل الزفاف بأسبوع واحد. وكانت قد رفضت الزواج بغيره لعدة سنوات عندما عارض خالها هذا الزواج. تقول عن سبب ترجمتها لهذه الفتاة: " لهذه المترجمة وقائع تشهد لها بالوفاء، وتعتبر من العجائب المستغربة... ولغرابة هذه الوقائع أحببت درجها في هذا التاريخ لكي نخلد لهذه المترجمة ذكراً مدى الأعصار"(54). وإن دل هذا على شيء، فإنما يدل على تقديرالكاتبة لعاطفة الحب، ولم يكن الحديث في هذا الموضوع شائعاً في زمانها إلا في القصص والروايات المترجمة. ولها موقف لافت آخر من عاطفة الحب نقع عليه في كتاب (الرسائل الزينبية) إذ طرحت سؤالاً للنقاش في جريدة (لسان الحال) حول سبب عدم تعاطف المجتمع مع من يقع في الحب، كما يتعاطف مع المريض والجائع. وكانت ترى أن من يبتلى بالحب الشريف العفيف جدير بالرعاية والحنو، لا بالنبذ، وتغليظ العقاب عليه.

زينب فواز المسلمة، المنقبة الثائرة، كانت بحق - كما لُقبت - "فريدة عصرها". آمنت إيماناً مطلقاً بمساواة المرأة بالرجل، وطالبت باسترداد حقوق المرأة المسلوبة بجرأة وحزم، وقارعت بقلمها، وبسعة معرفتها، وعمق تحليلها، وقدرتها على النفاذ إلى كنه النفس الإنسانية رجال عصرها ونسائه الذين نالوا من المرأة، وقفصوها في قفص الأنوثة السلبية الخاملة. هي امرأة صافية الرؤية، قوية العزيمة، متقدة الذكاء، عرفت قدر نفسها، وقدر بنات جنسها حق المعرفة، فلم تتهاون في الدفاع عن حقوقهن المشروعة. وإن قارنا بين ما نادت به زينب فواز منذ أكثر من مئة وثلاثين سنة، وبين ما تطالب به الناشطات النسويات في زماننا هذا لما وجدنا فرقاً جوهرياً، أو ميزة لهن عليها في أسّ ما دعت إليه.

لقد سبقت زينت فواز قاسم أمين في الدعوة إلى تحرير المرأة، وكانت أكثر جرأة منه، وأوضح فكراً ونهجاً. ففي الوقت الذي كان في طور تكوين رؤيته حول المرأة، وفي مرحلة طرح تساؤلات أولية  حول حقوق النساء كالسؤال الذي طرحه عام 1892 على قراء مجلة الهلال متخفياً خلف اسم (زكي.م)  ومحاولاً معرفة آراء القراء حول "هل للنساء أن يطلبن كل حقوق الرجال؟" كانت زينب فواز تطالب بحقوق النساء كاملة غير منقوصة على صفحات الجرائد بنبرة عالية، وببراهين متينة. آمنت بقدرات المرأة العقلية والبدنية، المساوية لقدرات الرجل، تقول: " العاقل ينظر في أمر هذه الدنيا يجد الجنسين متساويين، وإنما سبب تأخير المرأة الإهمال ليس إلا"(55).  وآمنت بحق المرأة  في أن تتعلم إلى المرحلة الدراسية التي تريدها، وأن تزاول الأعمال كافة. وقد تفوقت بسقف مطالبها على كثير من بنات جنسها الغربيات؛ فقد انتقدت بشدة تصويت المؤتَمِرات في مؤتمر الاتحاد النسائي العالمي في سينتاغو عام 1893 الخاص بدراسة شؤون المرأة وحقها في التعليم، على قرار يقيد تعليم المرأة؛ بحجة أن نشاطها محدود في بيتها، وبين أفراد أسرتها، وهاجمت المؤيدات لهذا القرار   - ومنهن الأديبة هنا كوراني التي مثلت نساء سورية فيه - وأكدت على حق المرأة في التعليم غير المشروط، وحقها في المشاركة في جميع الأنشطة الإنسانية(56).

 حقوق النساء في كتاب الرسائل الزينبية
بينت زينب فواز في مقالاتها التي جمعتها بكتاب (الرسائل الزينبية) الظلم الواقع على المرأة الشرقية، وسطوة الرجل عليها، ومنعه لها من التعلم ومغادرة عتبات البيوت، كيلا تنتفض عليه، وتطالب بحريتها. تقول في مقالة نشرتها صحيفة (لسان الحال) في العدد 1402 الصادر في 26 نيسان/ إبريل 1892: " مضى زمان والمرأة منا — نحن الشرقيات — مغلق أمامها باب السعادة، لا تعرف نفسها إلا آله بيد الرجل يُسيِّرها أنَّى سار، ويديرها كيف شاء، ويشدد عليها النكير بأغلاظ الحجاب، وسد أبواب التعليم، وعدم الخروج من المنزل، وبحرمانها من حضور المحافل النسائية العامة، إلى حد أنه كان يخيل لها أن تلك الأفعال من الموبقات، لو اتبعتها لخلت بنظام شرفها وناموس صيانتها، وحجة الأزواج في ذلك أنها لو علمت المرأة كنه الهيئة الاجتماعية وأحوال طبقات الناس، فإنها تصيرعلى زعمهم غير راضية بعيشها كارهة لحكم زوجها الجائر؛ فيوجهها العلم والتعلم إلى أن تشق عصا الطاعة، وتخرج من ربقة العبودية إلى ميدان الحرية"(57).

دعت إلى تعليم المرأة، ورأت فيه حجر الزاوية في تقدم المرأة، وأبرزت فوائده الجليلة، التي تعود بالدرجة الأولى على الرجال. وبينت أن النساء المتعلمات لسن منافسات للرجال في أعمالهم، بل هن شريكات لهم، ولا تستقيم الحياة إلا بتعاون الجنسين:" اعلموا أن بث روح المعارف في النساء نفعُه لا يعود إلا على الرجال، وخصوصًا في تربية الأولاد وتدبير المنزل ومعاشرة الزوج وغير ذلك. ولا تظنوا أنهن مزاحمات لكم كما يقول البعض، لا بل إنما نحن جنسان مشتركان في هذه الحياة لا ثالث بينهما، ولا يمكن لأحدنا الاستقلال دون الآخر، ولكلٍّ منا ملهىً في (مرسح) الحياة ما يلهيه عن مزاحمة الآخر، وهكذا نحن شركاء في السراء والضراء"(58).

وأكدت غير مرة أن لا حياة للأمم المتقدمة إلا بمشاركة النساء الفاعلة، تقول:" ما من أمة انبعثت فيها أشعة التمدن في أي زمان كان إلا وكان للنساء فيه اليد الطولى، والفضل الأعظم، كما لا يخفى ذلك على من اطلع على تواريخ المصريين واليونان القدماء؛ فكل هذه الأمم المتمدنة كانت تعتبر النساء كعضو لا يتم العمل إلا بمساعدته"(59)

وحجاب الفتاة المسلمة برأيها لا يشكل عائقاً أمام تلقيها العلم وتحصيل المعارف، ولهذا طالبت الرجال بتوسيع قاعدة تعليم الفتيات، وتأسيس مدارسة خاصة لهن، تعدهن لبناء مستقبل رفيع، وتساعدهن على استرداد حقوقهن المسلوبة، قالت: " لا حجاب بيننا وبين درس العلم واكتساب المعارف التي نرفع بواسطتها راية الفخر بأنفسنا إظهارًا لعلو منزلتنا. ...  ما المانع يا تُرى بعد أن علم الكل من الرجال مزية تعليم المرأة لو قام البعض منهم بتشييد مدارس لتعليم البنات على مقتضى القواعد الدينية... ولعلنا باتباع هذا المنهج المفيد والطريق المستقيم ندرك في المستقبل رفعة وشأنًا في الحضارة، ونسترجع ما سُلب منا ظلمًا وعدوانًا، ونتحصل على حقوقنا بعون الله وهمة رجالنا"(60)

وعلى المرأة نبذ الكسل والتواكل، والسعي  بجد وإخلاص لمشاركة الرجل في أعماله، لتحمل أعباء الحياة المشتركة. تقول:" قد خُلقنا للجد والاجتهاد في هذه الحياة لا للكسل والرقاد، وبالحزم يرتفع شأن المرء بين أقرانه، ويحمد بين عترته وخلانه... وحيث إن الهيئة الاجتماعية مؤلفة من الجنسين الذكر والأنثى، وكلٌّ منهما مرتبط برباط وثيق مع الآخر في كافة الإحساسات الحيوية والأعمال الدنيوية، فيجب علينا - نحن الجنس النسائي - المساعدة للرجال في الأعمال أيضًا"(61).

 كانت مؤمنة أن المرأة قادرة على مزاولة جميع الأعمال التي يتقنها الرجال، بل قد تتفوق عليهم أحياناً إن أعدت للقيام بهذه الأعمال. تقول في معرض ردها على يعقوب أرتين وكيل المعارف العمومية  في مصر الذي أشار في ثنايا ثنائه على مديرة إحدى المدارس الأهلية إنها لم تترب لتكون معلمة، ولم تتهيأ للقيام بهذا العمل: " لم أدر إذا كان سعادة الباشا أراد بقوله هذا احتقار نسائنا الشرقيات، ولم ير عندنا لياقة لأن نأتي بعمل مثل هذا أم لا... لا وأبيك فإن فينا كفاءة لأن نأتي بأعظم من ذلك، وأننا إذا تتبعنا أي فن من الفنون نتقنه كما تتقنه الرجال إن لم نقل أحسن"(62).

ولا تخرج السياسة، برأي زينب فواز، عن دائرة الأعمال التي يمكن أن تتقنها المرأة. ولذلك فقد انتقدت بمقال طويل بعنوان (الإنصاف) نشرفي العدد 151 من جريدة النيل بتاريخ 13/7/1892 مقالاً للأديبة هنا كوراني نشر في جريدة (لبنان الغراء) بعنوان ( المرأة والسياسة) عارضت فيه خروج المرأة للعمل، ووجهت فيه سهام الانتقاد لعدد من النساء الإنجليزيات اللواتي طالبن البرلمان بمنح المرأة حق التصويت**. تقول زينب فواز في ردها على كوراني: " وحيث قد أجمع السواد الأعظم منهم (الغرب) على أن الرجل والمرأة متساويان بالمنزلة العقلية، وعضوان في جسم الهيئة الاجتماعية لا غنية لأحدهما عن الآخر، فما المانع إذنْ من اشتراك المرأة في أعمال الرجال، وتعاطيها الأشغال في الدوائر السياسية وغيرها متى كانت جديرة لأنْ تؤديَ ما نُدبت إليه وإلا فما فائدة تعلم المرأة الغربية جميع العلوم التي يتعلمها الرجال"(63).

 وأيدت بشدة في المقال نفسه مطلب النساء الإنجليزيات، وأشادت بهن، ورأت في مطالبتهن بحقوقهن مفخرة لهن، وألقت باللائمة على الإنجليزيات اللواتي أيدن رفض البرلمان لهذا المطلب، ورأتهن كسولات، خاملات، متقاعسات عن خدمة بنات جنسهن. قالت: " إني لا أُخطِّئ نساء إنكلترا بتداخلهن في أمور السياسة وطلبهن حق الانتخاب، بل أقول: نعم، لهن حق أن يطلبن هذه الخطة ما دُمن قادرات على أداء واجبهن كما يؤديه الرجال ... وأما النساء اللواتي استحسنَّ رفض هذه اللائحة، فهن - ولا مؤاخذة - أحق باللوم من غيرهن؛ لأنهن اخترن العزلة والكسل، وفضَّلن البطالة على العمل، ورضين بالفخفخة وجر الذيول على بساط الخمول، ولو اجتهدن كأخواتهن لَكُنَّ فعلن ما تقتضيه واجباتهن، وَكُنَّ أبدين ما عندهن من الحزم والرغبة في خدمة النوع والوطن، وهو الأليق بهن وإن لم يصادف نجاحًا، وعلى كل حال فإن مثابرة المرأة على طلب التقدم حتى تنال حقوقها لا يعد ذنبًا عليها، بل يُفتخر بها مدى الدهر، وتكون مذكورة بلسان الشكرعلى فتحها باب النجاح لأخواتها"(64).

لقد دأبت الكاتبة على تبيان أحقية المرأة بالعلم والعمل، ونزّهت عمل المرأة عن أي شائبة قد يلحقها البعض به ليوهن عزيمة النساء، ويبعدهن عن ساحات العمل. وبينت الأثر الإيجابي لعمل المرأة على تنشئة الأبناء، وتنبهت لمسألة تربوية غاية في الأهمية، وما أظن أن أحداً قد سبقها إلى الإشارة إليها، وهي أثرعمل المرأة على زرع حب العمل والجد والاجتهاد في نفوس أبنائها، فعندما يرى الطفل أمه تعمل وتجتهد في عملها ينشأ على تقدير العمل، وبذل الجهد فيه، وتنتقل التربية من طورالتوجيه بالقول إلى الاقتداء بالفعل، وهذا أوقع بالنفس، وأكثر جدوى بالنتائج، تقول: " الأطفال يخرجون من دور القول إلى حيز العمل؛ إذ يرى الطفل أمه مجتهدة بالعمل فيقتدي بها... إن عمل المرأة لا ينتج عنه فساد ... بل العكس يدور عليه محور العالم الإنساني"(65).

وتؤكد الكاتبة أن الشرائع السماوية كافة لم تمنع عمل المرأة، وأن الطبيعة لا علاقة لها بما سنّه البشر من استعباد المرأة، واستبعادها عن الأعمال التي يزاولها الرجال، وتستحضرالتاريخ لتذكّر من بحاجة إلى برهان أن خروج المرأة للعمل لم يمنعها عبر التاريخ من القيام بمهامها المنزلية ورعاية الأبناء ومساندة الأزواج. تقول: " إننا لم نرَ شريعة من الشرائع الإلهية، أو قانونًا من القوانين الدينية قضى بمنع المرأة أن تتداخل في أشغال الرجال، وليس للطبيعة دخل في ذلك، وما أظن بأن الشمس تحوَّلت غربًا، ولا ماء البحار صار عذبًا، ولكن المرأة إنسان كالرجل ذات عقل كامل وفكر ثاقب وأعضاء متساوية، تُقدِّر الأمور حق قدرها، وتفصل بين الزمان والمكان، وكم من امرأة حكمت على الرجال وساست الأمور، ورتبت الأحكام وجندت الجنود، وخاضت المعامع ومارست الحروب، كالملكات اللواتي سُسْنَ ممالكهن أحسن سياسة كما أنبأنا التاريخ عمن تقدمنا من قبلُ منهن، مثل كليوباترا والملكة زنوبيا ملكة تدمر، واليصابات وغيرهن ممن سلف، وما رأينا من تداخلهن في شؤون الرجال ما أخلَّ في نظام الطبيعة، أو نقص تدبير منازلهن، بل إن النظام العائلي ما زال باقيًا على ما كان عليه.... ولقد أنبأنا التاريخ أيضًا عن نساء العرب كيف شاركن الرجال بالأعمال والحروب، وتكبدن الأخطار ومعاناة الشدائد والأهوال مع أنهن كن زوجات وأمهات، وكم درج من عشهن رجال وأي رجال؛ رجال ملكوا الدنيا بأجمعها، ولم تُخِلَّ بنظامها زوجاتهم وأمهاتهم، بل كن يساعدنهم على إعمارها وحسن نظامها"(66).

خلاصة موقف زينب فواز من عمل المرأة إيمانها المطلق بقدرتها على القيام بجميع الأعمال إن تسلحت بالعلم اللازم لمزاولتها، بل رأت أنه من الأفضل للمرأة أن تعمل بالعلم الذي اكتسبته نظرياً لتتمكن منه بالممارسة، واستثنت - في جملة واحدة - الأعمال التي تخالف أصول الحجاب، لكنها لم تحدد ماهية هذه الأعمال، في حين أشارت في مقالاتها إلى العديد من الأعمال التي مارستها المرأة باقتدار، كعملها طبيبة وقابلة ومؤلفة وسياسية. قالت: " إني أقول بوجوب عمل المرأة بأعمال الرجل متى تعلمت أي فن من الفنون التي تختص بالرجال والنساء، وأن تأخيرنا عن العمل غير طبيعي بل من الإهمال فقط، وإذا وجدنا التعليم والانتباه فإننا نعمل كما يعمل الرجال ولا تؤخرنا أشغالنا المنزلية عن شيء من الأعمال، اللهم إلا ما كان خارجًا عن أصول الخدر والحجاب الإسلامي؛ حيث نحن مسلمات فإنه يُستثنى من ذلك بالطبع... وخير لنا أن نتعلم العمل ونعمل به، ولا يحصل العلم إلا بالعمل"(67).

لا يخفى أن موقف زينب فواز من عمل المرأة عامة، ومن انخراطها بالعمل السياسي خاصة موقف متقدم جداً على موقف قاسم أمين الذي ربط عمل المرأة بحاجتها الماسة إليه، وبما يتعلق بشؤونها الخاصة فقط، ولم يتحدث عن عملها في الشأن السياسي العام، كما بينا سابقاً.

سن اليأس أم سن النضج
آمنت زينب فواز بقدرات المرأة الذهنية والبدنية إيماناً راسخاً، لا يقربه أدنى شك. ورأت أن ما يتعرض له جسدها من تبدلات فيزيولزجية في أوقات مخصوصة، لا أثر له على عقلها، ولا يتأثر به بدنها إلا كما يتأثر جسد رجل بمرض عارض، ولهذا فالمرأة قادرة على التعلم والعمل حتى وإن بلغت سن الشيخوخة، ما لم تكن مصابة بمرض يقعدها. ولا تعترف بما يسمى سن اليأس عند المرأة، وهو عندها سن النضج، وقطف ثمار العمر. تقول في ردها على الطبيب أمين خوري الذي رأى أن المرأة تدخل في سن اليأس في سن الخامسة والأربعين، فتتأثربه قواها الإدراكية، وتقل إنتاجيتها: «لماذا تيأس المرأة إذا بلغت سن الخامسة والأربعين، وهي حينئذٍ بلغت سن العقل الذي يتيسر لها أن تجنيَ به ثمرات أتعابها وما درسته من مدرسة الحياة الهيولية»(68). إن قدرات المرأة العقلية ليست مرتبطة بسن معين، بل هي قادرة على التعلم وتطوير مهاراتها وإن بلغت السبعين: «كلما تقدمت زادت في إتقان الصنعة وتهذيبها كما تزيد في الكمال وتهذيب النفس. ولو أرادت أن تتعلم شيئاً وهي في سن السبعين تقدر على حفظه ما لم تكن ذات مصائب وهموم»(69).

مدهش حقاً ما امتلكته زينب فواز من نفاذ بصيرة ووعي متقدم فاق الكثيرين من ذوي الاختصاص في زمانها في فهم النفس الإنسانية، وتكوين المرأة الفكري والبدني. ومثيرة للإعجاب والتقدير جسارتها في التعبيرعن آرائها حيال المرأة، فلم تكن تهادن من يجحف بحق المرأة مهما علت مكانته الأدبية أو درجته العلمية أو الوظيفية. فعندما عزا الدكتور أمين خوري نجاح النساء اللواتي حكمن بلادهن لمستشاريهن من الرجال، وليس لتميزهن وكفاءتهن الذاتية، ووصفهن بأنهن من فلتات الطبيعة، خاطبته قائلة: " اسمع يا أيها الدكتور، إننا لا ننكر هذا الفضل، لأننا لم نجد معلمين ومستشارين، ولم نجد علومًا، ولا أتين إلى سواء السبيل، فأضرب لك مثلًا بنفسك، وافتكر أنك لو لم تجد من يعلمك فن الطب ويعتني بأمرك، لم تكن العالم الماهر بهذا الفن، وكان حكمك كرجل جاهل مثل الذين نجدهم في غيابة الجهل... أما قولك «إنهن من فلتات الطبيعة» نعم، كانت هذه الفلتات في الوقت الذي كان الناس على مذهب حضرة الدكتور من الاستبداد والتسلط على حقوق المرأة، التي حُبست في قفص الجهل وراء حجاب الفظاظة مسبول عليها ستار التوحش إلى أن قيض الله تعالى ذلك الفريق المتمدن العالم، الذي أزال تلك الصعوبات، وفتح ذلك القفص انسيابًا لا فلتات يا أخا الأطباء، فلا غرو إذ كان في ذاك الحين نُقلت من القفص المذكور إلى ميدان الحرية بعد هذا الاستبداد، الذي سميته طبيعة، فيكون إذنْ الفضل لهن إذا قوين على الخروج من ذلك المركز الصعب"(70).

إذا، الفضل كلّ الفضل فيما حصلت عليه المرأة من حقوق يعود للنساء أنفسهن، لأنهن مع الظلم الذي وقع عليهن، استطعن أن يتحررن من أغلال التسلط ، وتغوّل الجهل، وأن ينطلقن مسرعات وبأعداد كبيرة إلى ميادين الحياة. أما دور بعض الرّجال المتمدنين في استعادة النساء لبعض حقوقهن، فليس منة أو تفضلاً، ولا يخرج عن كونه رد حقوق هي في الأصل مسلوبة، وليس من ردّ حقاً مغتصباً عنوة كمن تبرع بشيء من عنده عن طيب خاطر. تقول في أحد ردودها على الكاتب حسين أفندي فوزي صاحب كتاب (السراج الوهاج عن ذكر العوائد وحقوق الزواج)، الملقَّب بأبي المحاسن، والذي كان قد جرّد النساء من أي فضيلة إلا إدارة شؤون منازلهن، ووصمهن بالضعف، والعجز عن نيل حقوقهن بأنفسهن: «وأما الفضل الذي ذكرته في رد حقوقنا أنه عائد للرجال، نعم، وإن كنتُ أقرُّ للمتمدِّنين منهم إلا أنه في الأصل ليس الفضل للعموم، ولا لذلك البعض إلا في الإنصاف فقط؛ لأن الذي سلب شيئًا ظلمًا وعدوانًا ثم رده لأهله، فلا فضل له إلا لكونه أنصف في رد حقه فقط، وذلك بخلاف ما إذا كان منحه إياه من عنده، وأما إذا كان حقه وأرجعه له فلا فضل له فيه، فتفكَّر»(71).

لقد ناظرتْ الكاتب حسين أفندي فوزي حول مجمل آرائه بالمرأة بسلسلة مقالات نشرتها في مجلة ( فرصة الأوقاف) تحت عنوان "يا سلام يا أبو المحاسن"، وسخرت مما طرحه من أفكار سخرية مرة. ولم تترك مناسبة إلا وأشهرت سيف قلمها لترد طعنات الذين يتحاملون على المرأة، ويصفونها بما لا يليق بها، ومنها نشر إحدى الجرائد قصة امرأة صينية كانت تهز مروحتها ليجف التراب فوق قبر زوجها؛ كي تتمكن من الزواج ثانية، فكتبت في جريدة (المؤيد) في 5/5/1900مقالة بعنوان (يا لله للمرأة من الرجال) روت فيها قصة وفاء امرأة مسلمة لدينها، ورِدة زوجها عن الإسلام من أجل المال، مما دفعها  للتخلي عنه وطرده من البيت، وعاتبت الجريدة قائلة: "قرأت أنا وكثير من السيدات من بنات جنسي تلك القصة الغريبة التي نشرها مكاتبكم في الأستانة العلية تفكهة لقرائكم. وغرض الكاتب من ذلك أن يبيِّن قلة وفاء المرأة للرجل بأسلوب غريب يتفكَّه به القراء، ولكن لا يتفكه به إلا الرجال الذين يظلمون دائمًا النساء بكل أفانين الظلم.... ترك مكاتبكم في الأستانة كل ما يأتيه الرجال مع النساء، وجنح لهفوة صغيرة استشهد بها عليهن جميعًا، وضمَّ الكل في رداء واحد"(72).

رأي زينب فواز في الاختلاط:
موقف زينب فواز من الاختلاط مشابه لموقف قاسم أمين، ومن قبله رفاعة الطهطاوي، فقد أقرّت بالاختلاط بين الجنسين في بيئة العمل، ونزّهت المرأة العاملة والمتعلمة عن الوقوع في الخطأ واتباع الشهوات، تقول: " قد علم العموم أن اختلاط النساء والرجال في الغرب ليس بممنوع، ولا مختصًّا بالعمل خاصة، بل هو عادة مألوفة، فإذا كان اختلاط الجنسين مع العمل فإنه يُلهي النفس عن اتباع الشهوات ... وأيضًا فالمرأة العاقلة التي درست العلوم، ونشأت في مهد الآداب، وغُذيت بلبان التهذيب، فإنها تجهل أن تسحق شرفها تحت أقدام الشهوات والأغراض"(73).

لم تلح زينب فواز في الدعوة إلى الاختلاط كما فعل قاسم أمين، ولم تكن الدعوة إلى الاختلاط بين الجنسين معركتها، لأنها رأت - كما أظن - أن تعليم المرأة، وانخراطها في العمل والحياة العامة سيؤديان حتماً إلى الاختلاط الذي أيدته، ومارسته بنفسها. فقد كانت حريصة - كما قيل - على حضور جميع خطب الزعيم مصطفى كامل، وكانت المرأة الوحيدة التي تحضر خطبه، ولهذا غيّر صيغة مخاطبة جمهور الحاضرين لخطبه من " أيها السادة" إلى " أيتها السيدات والسادة". ونقلت الباحثة فوزية فواز عن إميلي فارس إبراهيم مولفة كتاب (أديبات لبنانيات) عن جرجي زيدان قوله، إنه كان جالساً مرة إلى صديقه إيليا حنبكاتي، فدخلت عليهما زينب فواز، فحملق بها إيليا متبرماً، وتأفف وسكت، ولكن ما إن بدأت تحدثهما وتطلق آراءها في شتى شؤون الإنسان وقضايا المجتمع، حتى انتزعت انتباه المتبرم، واحترامه، فراح يحدثها حديثاً جاداً في استبقائها للإصغاء إليها.(74)

موقف زينب فواز من تعدد الزوجات والطلاق وحقوق المرأة غير العاملة:
عارضت زينب فواز تعدد الزوجات، لآثاره المدمرة على الرجل والمرأة والأولاد. إنه برأيها " وبالٌ على الطرفين؛ لأنه يقضي على المرأة بالغَيرة، وهي الطامة الكبرى. وعلى الرجل بنكد الدهر، ويورث الأولاد العداوة لبعضهم البعض أشد من عداوة الأمهات"(75). وعارضت كذلك الطلاق غير المقيد، الذي يلجأ إليه الرجل لأتفه الأسباب؛ مما يسلب المرأة الأمان، ويدفعها إلى سلوكيات خاطئة. ورفضت في الوقت نفسه عدم إباحة الطلاق؛ لأن ذلك يضر بالزوجين عند عدم التوافق بينهما. ورأت في اتباع منهج وسط بين الاثنين على مقتضى الشرائع الإلهية حلاً عادلاً للشقاق بين زوجين(76). هذا الموقف المعتدل من الطلاق مشابه في جوهره لموقف قاسم أمين الذي شرحه بالتفصيل في كتاب (تحرير المرأة) بعد عدة أعوام من نشرالكاتبة لرأيها هذا.

وفي موقف لافت تقدمت فيه على الكثيرات من النساء الشرقيات والغربيات، فضّلت أن تظل المرأة عزباء، أو أن تكون مطلقة، على أن تعيش في كنف رجل ظالم، مخالفة بذلك آراء النسبة العظمى من ثلاثة آلاف وتسعمائة امرأة فرنسية شملهن استطلاع للرأي نُشرت نتائجه في جريدتي (الاتحاد المصري) و(المؤيد) في شهر تموز/يونيو 1892 حول السؤال التالي: "أي الأمرين أفضل للمرأة أن تعيش عزباء في البيت أم تقترن برجل سيء الخلق؟"(77).

وفي موقف فريد آخر لها، لا أظن أن أحداً من معاصريها تنبه إليه، وما زال الكثيرون يتجاهلونه في وقتنا الحالي، دعت الرجال إلى احترام أعمال المرأة المنزلية، وإلى منح النساء المتفرغات للإنجاب والعناية بالأولاد حقوقهن الكاملة؛ لأنهن يقضين معظم سنوات حيواتهن في متاعب الحمل والولادة والنفاس، ورعاية أسرهن، ولأن أعمال النساء غير المأجورة داخل البيوت أكثر مشقة من أعمال الرجال خارجها. تقول: "يجب على الرجل أن لا يفتخر بأعماله الخارجية، وعليه ضمانة حقوق النساء متفرغات لتلك المهام"(78). لا أعتقد أن أحداً قبل زينب فواز قد ساوى بين عمل المرأة داخل منزلها، وعمل الرجل خارج المنزل، وطالب أن يقدر عملها هذا حق قدره، وألا ينتقص منه بحجة أنه عمل غير منتج مادياً. وما زالت النساء في العالم العربي تطالب بأن تحفظ للنساء غير العاملات حقوقهن، وألا يعاملن كعمال السخرة والمياومة الذين يلقى بهم في الشوارع عند انتهاء خدماتهم، أو حدوث أي خلاف بينهم وبين أرباب أعمالهم.

دعوة النساء للإسهام في الأنشطة الأدبية والثقافية والاجتماعية:
لم تكتف زينب فواز بدعوة النساء إلى التعلم والعمل، بل حثتهن على الاشتراك في الأنشطة الثقافية والأدبية والصناعية والاجتماعية. وأظهرت سعادة غامرة بكل إنجاز نسوي تحقق، ودعت إلى المزيد من الإنجازات خدمة للنساء، وسعياً لتثقيفهن وترقيتهن. لقد عبرت عن سعادتها بقراءة مقال لكاتبة سورية في جريدة (الشام)، وتمنت على صاحب الجريدة في مقال نشر في الجريدة نفسها بتاريخ 22/7/1901 أن يعنى بكتابة النساء، ويخصص لنتاجهن الفكري مساحة في جريدته، كي يشجعهن على الكتابة والنشر، ليسهمن في تثقيف بنات جنسهن، وليحثهن على التعلم، تقول: " لقد اطلعت على رسالة منشورة في العدد السابع من جريدتكم الغراء لإحدى السيدات الدمشقيات، فألفيتها جديرة بأن تُذكر فتُشكر لما اشتملت عليه من الألفاظ الدرية، وما تفضلت به صاحبتها الأديبة من النصائح العالية لبنات جنسها، وما اقترحته على الأدباء من لزوم تسليم بناتها وتثقيفهن وتعريفهن ما يجب عليهن.... ورجاؤنا منه تعالى أن تكون جريدتكم الغراء واسطة عظمى في تحريك الهمم الباردة والأفكار الجامدة؛ فنرى لنسائنا الدمشقيات نهضة أدبية تُرفع لها الرؤوس وتنبسط منها النفوس، ومسؤولنا منكم أن تُخصصوا محلًّا في جريدتكم للكاتبات منهن ليزاولن فنَّ الكتابة، ويُعرِّفن من لا يعرف منهن واجبات النساء البيتية؛ فتنتفع بذلك مَن ذهبت أيامها سُدى، وتنشط للعلم مَن لها بالعلم رِضى"(79).

وأعلنت عن سرورها العظيم بصدور مجلة (الفتاة) في مدينة الإسكندرية، في نوفمبر من عام 1892 لصاحبتها هند نوفل. وهي - كما أسلفنا - أول مجلة نسائية في العالم العربي. وقد قرّضتها شعراً ونثراً ومما قالته فيها: " قد أشرقت علينا زهرة الفتاة بازغة من أفق أفكار المخدرات تُعرب عن در مقال كأنه الجريال، وتوضح عن معانٍ كأنها السلسال خطت بيراع العقائل والأوانس، وتوشحت بما زانها عن عرائس الأفكار وأفكار العرائس، وتدبجت بمحاسن الفرائد والنواهد، وتجلت عن مُحيَّا العوانس والخرائد"(80).

وأظهرت الكاتبة اهتماماً واضحاً بدعوة النساء للانخراط في الأنشطة الصناعية والاجتماعية داخل البلاد العربية وخارحها. فقد حثت المصريات على الاقتداء بالسوريات، وإرسال مشغولاتهن اليدوية إلى معرض باريس للمعروضات والمصنوعات عام 1901، وإلى القسم النسائي في المعرض الكولومبي في شيكاغو عام 1893: "أحثكن - يا بنات جنسي- على هذه الأعمال التي تعود علينا بالشرف العظيم، وانظرن إلى البنات السوريات اللاتي بيَّضن وجه التاريخ بأعمالهن واجتهادهن باكتساب العلوم والفنون والعمل بها، فلو اجتهدتن لحففتن عن رجالكن بعض الأشغال الدنيوية، فلتجتهد كلٌّ منكن لعمل شيء مما تقدرن عليه، وتهتم بإرساله إلى القسم النسائي الذي سيصيرعرضه سنة 1893"(81).

وأرسلت هي بدورها نسخة من كتابها (الدر المنثور في طبقات ربات الخدور) إلى السيدة بارثا هونوري بالمر، رئيسة القسم النسائي بالمعرض المذكور؛ بغية عرضه في مكتبة المعرض. وأرسلت للسيدة نفسها بعد ذلك رسالة طويلة نُشرت نسخة منها في جريدة النيل بتاريخ 5/11/1892 رداً على استفسارها عن السبب الديني الذي يمنع الكاتبة من السفر إلى شيكاغو، وحضور المعرض بنفسها، شرحت فيها بعض المسائل الدينية، وتحدثت عن العادات الاجتماعية المتعلقة بالمرأة. واقترحت في الرسالة نفسها على السيدة بالمر أن ترسل لها مسرحية فرغت من تأليفها، لتترجم إلى الإنجليزية، وتمثل في المعرض.

لقد سعت زينب فواز منذ ما يزيد على ثلاثة عشر عقداً من الزمن أن تمد جسور التواصل بين الشرق والغرب، وأن يكون إبداع المرأة الشرقية الفكري واليدوي حاضراً في المحافل الثقافية والصناعية الدولية. وعندما ألمت النكبات والكوارث الطبيعية بأخوتها بالإنسانية حضت الرجال والنساء على نجدتهم، وخصت النساء بالذكر؛ فحثتهن على تشكيل لجان لجمع التبرعات لصالح المتضررين من المجاعة التي ألمت بالجزائريين نتيجة القحط، وللتبرع لضحايا الزلزال الذي ضرب الأستانة عام 1894.

وعندما أعلنت الدولة العثمانية عن إنشاء سكة حديد الحجاز، لتيسير رحلة الحج على الحجاج، ولربط أجزاء السلطنة بسكة قطار، طالبت بتشكيل لجان، خاصة من النساء لجمع التبرعات، ومساندة الدولة في تنفيذ هذا المشروع الضخم الذي ستعود فوائده على جميع أبناء السلطنة.

موقف زينب فوّاز من القضايا الوطنية والشؤون العامة:
لم تقتصر مقالات زينب فواز على تناول موضوعات المرأة، بل نكاد نقول إنها لم تترك قضية في زمانها شغلت الرأي العام، أو رأت في الإضاءة عليها فائدة للعموم إلا وانبرت تدلي برأيها فيها، وتلفت نظر المسؤولين وذوي الشأن والقراء لما فيه الصالح العام. لقد كانت مسكونة بهموم الناس، وبرغبة جامحة في تطوير الشرق على أسس حديثة، ولهذا قدمت ما تراه مفيداً من اقتراحات، مثل مطالبتها علماء اللغة العربية بوضع علامات ترقيم للغة العربية، على غرار اللغات الأجنبية، إذ لم تكن علامات الترقيم التي نعرفها اليوم مستخدمة إلا في حدود ضيقة لبعضها. واقترحت على علماء الدين وضع ملخص ميسر لتفاسير القرآن الكريم، يكون سهل الفهم، قريب المتناول من العامة ومن تلاميذ المدارس، وأن يوزع على التلاميذ، كي ينشؤوا على تعاليم الدين الإسلامي الصحيح، ويتشربوا مبادئه منذ نعومة أظافرهم، فيصير التمسك بالدين الصحيح سلوكاً فطرياً لديهم.

كذلك شجعت الفن المسرحي الحديث الولادة آنذاك، واقترحت تأسيس فرق مسرحية تقدم عروضها بلسان عربي، لما للمسرح - كما رأت - من أثر عظيم في تطهير النفوس، وتهذيبها، وتثقيفها، والترويح عنها بما هو مفيد. ولم تمانع عمل المرأة في المسرح، قالت: " إذا كان وُجد جوق عربي بلسان أهل الوطن ترتاح له النفس، وتشنف به الأسماع، وهو جدير بأن يُذكر فيُشكر لحسن انتظامه وجدارة وإتقان مشخصيه ومشخصاته؛ فإنه يكون أعظم طريق للتخلص من هذه الويلات العظمى، وأجمل وسيلة لجلاء الصدأ عن صفحات القلوب؛ حيث إنه جامع لكل فن من الفنون الأدبية والتاريخية والسياسية وغيرها، وللناظر فيه مواعظ لا تُنكر"(82).

وقد ألّفت بدورها مسرحية من أربعة فصول عام 1893 بعنوان (الهوى والوفاء). ولا شكّ أن موقفها من الفن المسرحي، وعمل المرأة فيه، موقف يدل على فرادة شخصيتها وسعة أفقها. ومن مواقفها المميزة أيضاً إيمانها بحرية التعبير في الصحافة، ورفضها لأي قيد يحدّ من حرية الكاتب سواء أكان هذا الكاتب مجيداً  فيما يكتب أم لا. فقد كتبت لإحدى الصحف تنتقد فرضها شروطاً على النشر، ومنها ألا يوافق المقال مشرب الجريدة، ورأت أنّه على الصحيفة أن تمتثل لما يقوله أبناء الأمة، لا أن تفرض عليهم وجهة نظر واحدة: " يجب على الجريدة أن توافق مشرب الأمة؛ لأن محررها شخص واحد، وفكرة واحدة، والآراء والأفكار تختلف باختلاف الطبائع؛ فيلزم اختلاف المواضيع أيضًا حتى تحلوَ للجاني من أثمارها الشهية، ولا يمل المطَّلع عليها من موضوع واحد"(83). وختمت بالقول: " الاستبداد بالرأي ينفِّر القلوب كما أن الامتثال يجلب المودة"(84).

ناقشت كذلك الكاتبة مواضيع اجتماعية عديدة، من بينها، حفلات الزار المليئة بالشعوذة والممارسات الخاطئة، وظاهرة التحرش اللفظي بالنساء في الشوارع، وتقليد بعض النساء المصريات للغربيات في ملابسهن. وروت جانباً مما يدور على ألسنة النساء في بعض جلساتهن نقلاً عن أزواجهن من معلومات مغلوطة وغاية في الغرابة عن موقف الدين الإسلامي والرسول الكريم من المرأة، لتظهر فداحة الجهل الشائع عند الرجال والنساء معاً، ولتنبه إلى خطورته، ولتدعو إلى تعليم المرأة، كي تربي أولادها على العلم والمعرفة، لا الخرافات والمعلومات المشوهة عن الدين، فتستقيم الحياة، وتتطور الأوطان، ويشيع التحضر.

وناقشت أسباب فساد أخلاق الشباب التي شكا منها أحد الكتّاب، واتهم رجال التربية والتعليم بتقصيرهم في توجيه الطلاب، وتربيتهم التربية الحسنة. وأعادت التأكيد على أن إصلاح أخلاق الأبناء لا يتمّ إلا بتعليم المرأة، ولذلك عنونت مقالاً لها بـ (رجال المستقبل وتعليم البنات)، وألقت باللوم على المجتمع الذي لم يعن بتعليم المرأة، ولم يدرك الدور الخطير الذي تلعبه في تنشئة الأبناء. ورأت أن القاعدة الأساسية لكل تنشئة هي البيت قبل سن الدخول إلى المدرسة، فالأم إما أن تبني أبناء أسوياء أقوياء، ثم تعهد بهم إلى المدرسة لتتمّ ما بدأت به، وأصّلته في نفوسهم، وإما أن تدفع إلى المدرسة بأبناء رضعوا منها الجهل، والصفات غير السوية من حسد وتعصب وبغض وغير ذلك، فيصبح من الصعب اجتثاث تلك الصفات منهم بين جدران المدارس. وفي هذا المقال تساءلت مستنكرة: " كيف يصلح شبابنا، وقد تغذَّوْا بلبان الجهل ونشؤوا في مهد الهمجية، حتى إذا شب الطفل في حِجر امرأة جاهلة أخذ عنها ما درسته عن أمها من الحسد والشحناء والبغضاء والغواية والتعصب العائلي، وهلمَّ جرًّا، سلموه إلى المدارس لتصلح من شأنه ما فسد، وتغير من أخلاقه ما صار فيه طبعًا غريزيًّا، وهذا لا يتيسر أبدًا... فليهتم فضلاؤنا في تعليم الفتيات ثم ينتظرون نتاج المستقبل، فيرون منه رجالًا وأي رجال"(85).

ودعت الكاتبة إلى إنشاء مدارس صناعية لتعليم الشباب الصنائع، بعد أن لمست أن عدداً من خريحي المدارس النظامية، يعانون من البطالة بعد تخرجهم. ولفتت نظر المسؤولين إلى أن تأسيس هذه المدارس سيسهم في القضاء على البطالة، وسيساعد في تنمية الاقتصاد المصري وشيوع التمدن. ومن القضايا التي ناقشتها ما لاحظته من سوء العلاقة أحياناً بين الخدم ومخدوميهم، فاقترحت تأسيس رابطة لهذا النوع من العمل تنظمه، وتضبط العلاقة بين الطرفين. ولم تغب حقوق الفقراء عن اهتمامات الكاتبة، فناشدت المسؤولين لإصلاح الأوقاف المهملة، وتعيين ثقاة للإشراف عليها، وتوزيع المعونات من مداخيلها على الفقراء والمحتاجين. وطالبت أيضاَ بإنشاء جمعيات مدنية عابرة للطوائف تقدم الدعم المالي أثناء الكساد والأزمات الاقتصادية للتجار والفلاحين من مختلف الديانات والمذاهب؛ لأنها لاحظت أن الجمعيات الخيرية العاملة آنذاك كانت إما إسلامية أو قبطية أو يهودية، وكانت تقصر معوناتها على أبناء طائفتها فقط، ومع ذلك لم تكن المعونات المقدمة كافية.

لقد كانت ذات عقل منفتح، بعيد عن التعصب الديني والمنافع الضيقة. آمنت بالوطن الجامع لكل الطوائف. ودعت إلى الاقتداء بالغرب في بعض القضايا الإنسانية والعلمية. ولكن وفي الوقت نفسه كانت شديدة التمسك بدينها، تنافح عنه بحماسة عندما يتطاول عليه أجنبي. فقد دافعت بحمية كبيرة عن الإسلام بمقالة نشرت في جريدة اللواء في 27/4/1900 بعنوان (الإسلام والمسيو هانوتو) ردت فيها على مطاعن المستشرق الفرنسي على الإسلام، وفضحت الأطماع الاستعمارية، وطالبت بردة فعل إسلامية على هجومه، بمقاطعة البضائع الأوربية، وأظهرت رغبة مجموعة من النساء المصريات، بالامتناع عن ابتياع البضائع الأجنبية والاكتفاء بالبضائع الإسلامية نصرة لدينهن، ورداً على ما جاء في مقال المستشرق.

ومن مواقفها الشجاعة والبارزة مهاجمتها للاحتلال الإنجليزي لمصر، واستئثاره بمقدارات البلاد والوظائف العامة، وهجومها على الحكومة المصرية الموالية له. فقد كتبت في جريدة (رائد النيل) في 7/7/1900 مقالة بعنوان (حالة أبناء الوطن)، جاء فيها: "لم أسمع بأن حكومتنا عارضت رجال الاحتلال في شيءٍ ما، ولو عارضت في أي أمر يعود نفعه على أبناء الوطن لنجحت، كما نجح المعارضون على رقابة المحكمة الشرعية، ولكن وجدكم رجال الاحتلال لقمة لينة هينة المأكل فابتلعوكم، وأنتم لا تشعرون"(86).  

ودعت المصريين في المقالة نفسها إلى الثورة على المحتل، وتأليف الأحزاب لهذه الغاية، فإن لم ينجحوا في نيل الاستقلال مباشرة، فإنهم قادرون على إجبار المحتل على إعادة حقوقهم المدنية المسلوبة، قالت: " وإني ليسرني أن أرى في أبناء وطني روح الحياة فيؤلفون الأحزاب، ويدافعون عن حقوقهم المهضومة فلتقوَ منكم العزائم أيها الرجال، فأقدموا على العظائم وقد علمتم كيف يقترن العلم بالعمل. وإني لأرى من خلال الحجاب أن فيكم الكفاءة  لأن تقفوا أمام العالم الدولي، وتناضلوا مدافعين عما لكم من حقوق فإن لم تقدروا على إخراج هذه الدولة العاتية الآن، فإنكم تُلزمونهم أن يحفظوا لكم حقوقكم المسلوبة، وتجبرونهم على إبقائكم في وظائفكم التي تتساقطون منها كتساقُط أوراق الشجر في فصل الخريف، فهبوا من رقادكم أيها المسلمون، وانظروا كيف أن الأجانب طمعت بأن تمس دينكم الشريف بعد ثباتكم كل هذه الأجيال الطويلة، واعلموا أن الحكومة لا تسعى ولن تسعى في ترقيتكم ما دمتم ودام النيران، بل الأجدر لكم أن تسعَوْا بأنفسكم، والله المستعان"(87).

مكانة زينب فواز وخلاصة القول فيما بينها وبين قاسم أمين من اختلاف:
حازت زينب فواز شهرة واسعة ومكانة فريدة بين كتّاب وكاتبات عصرها في مصر وبلاد الشام بفضل نتاجها الأدبي المتنوع بين الشعر والمسرح والرواية والتراجم والمقالة الصحفية. وكانت بحق مصلحة اجتماعية كبيرة، ورائدة تحرير المرأة في المشرق العربي. لم تترك شأناً فيه مصلحة لوطنها والشرق عامة إلا ناقشته، وقدمت أفكاراً نيرة، مخلصة، مترفعة عن التكسب، والتعصب، منفتحة على العالم أجمع شرقه وغربه، في زمن كان التواصل فيه صعباً. آمنت بمساواة المرأة بالرجل، فحملت لواء تحريرها واستعادة حقوقها المسلوبة بيد غير مرتعشة، وقلب غير واجف، ومشت بحزم وثبات، لا يخيفها نقد، ولا تبتغي رضى أو مدحاً. وبلغت بجرأتها - وهي المؤمنة المسلمة المنقبة - في رد التهم الموجهة إلى النساء إلى تخطئة النبي محمد في حال كان الحديث المنسوب إليه في نقصان عقل المرأة ودينها صحيحاً، ورأت فيه مخالفة صريحة للنص القرآني. تقول:" حاشا أن يكون قصد بهذا الحديث (إن لم يكن موضوعاً) أن للنساء نقصاً في عقولهن أو دينهن، وهو أعدل وأكرم من ذلك، وقد كنا مضطهدي الجانب في الجاهلية فعززنا بعد ظهوره... وأيضاَ لوقال ذلك صلى الله عليه وسلم لكان خالف حديثه القرآن الشريف إذ إن الله تعالى فرض على النساء ما فرض على الرجال من صلاة وصيام وحج وزكاة لم ينقص منها شيئاً ليقال إنا ناقصات"(88).

وفي معرض دفاعها عن المرأة وسوق الأدلة على جدارتها وطهارتها فضَّلت زوجة النبي أيوب عليه؛ لأنه أراد أن يرد لها إحسانها إليه وخدمتها له في مرضه بالجلد لولا أن نهاه الله عن ذلك، قالت: " قد أجمعت الرواة أن صبر أيوب كان مقروناً بصبر زوجته التي حملته في مرضه، وجازاها بالجلد، لولا أن الله سبحانه قد نهاه عن ذلك الفعل، وجازاها من فضله وكرمه على صبرها كما هو معلوم"(89). وقارنت بين النساء والأنبياء في معرض مناظرتها لكاتب اتخذ من عدم بعث الله أنبياء ورسلاً من النساء برهاناً على نقص عقولهن، وتفضيل الله الرجال عليهن، ورأت أن للنساء منزلة  توازي أو تكاد منزلة الأنبياء. قالت: "كلفنا (الله) بأشياء خصنا بها دونكم، وهي إن نظرتموها بعين الحقيقة توازي فضل الأنبياء أو تكاد، إذ إن الأنبياء عليهم السلام فضلهم الله على باقي المخلوقات لأنه اصطفاهم وخصهم بالرسالة لأجل أن يهدي بهم عباده...وكلف النساء ليكونن السبب في وجود العالم وتأسيس دعائمه، وهن الأصل في إيجاده. وما من نبي إلا هو ابن امرأة، وقد خلق الله عيسى عليه السلام بدون أب، ولم يخلق الله أحداً بدون أم... وقد صبرت المرأة على البلاء المستمر كصبر الأنبياء عليهم السلام لابتلائهم بالجهاد لتدويخ الضلال وإشهار الحق. وقد ابتليت المرأة بالجهاد الأبدي وهو الحمل والوضع وتربية النوع البشري... فالعاقل يرى أن الأول قد جعله الله لإصلاح ما فسد من الكون، والثاني لتأسيسه وعماره، والله أكرم من أن يجمع على المرأة أثقال النبوة مع أثقال تأسيس هذا العالم الحيوي"(90).

اللافت للنظر أن هذه الأديبة الرائدة، صاحبة الأفكار التحررية الساطعة الوضوح نالت تقدير الكتّاب وتبجيلهم، ونوقشت آراؤها - في الأغلب الأعم - بقدر كبير من الاحترام، ووصفت بأوصاف تليق بالمكانة الكبيرة التي حازتها بين نساء عصرها وكتّاب زمانها، مثل: " درة الشرق"، و" ربة الفضل واليراع" ، و"الأديبة الكاملة، نادرة زمانها وفريدة عصرها وأوانها". ووصفتها جريدة الأهالي في العدد 75 بتاريخ 14/5/1894 بـ"حجة النساء في سائر مدعياتهن بأسرها على الرجال، ورافعة لواء فضلهن في كل ساحة ومجال، وبرهان القائلين بوجوب تعليم البنات في كل أمة شاءت أن تكون أطفالها في مقام الأبطال"(91).  

لقد كانت المطالبة بحقوق النساء قضية زينب فواز الأولى. وقد سبقت - كما بيّنا - قاسم أمين إلى طرحها على صفحات المجلات والجرائد. وكانت شديدة الوضوح في مناداتها بالمساواة التامة بين المرأة والرجل في العلم والعمل وممارسة مختلف الأنشطة الإنسانية متى كانت مؤهلة لذلك. وفي حال كانت متفرغة لرعاية أسرتها وأبنائها على الرجل احترامها وتقديرعملها داخل منزلها. وفي حال حدوث شقاق بينها وبين زوجها يجب إنصافها.

والسؤال الذي يتبادر للذهن، لماذا نالت سهام النقد آراء قاسم أمين حول تحرير المرأة، ولم تنل من آراء زينب فواز؟

أظن أن السبب الرئيس يعود إلى مهاجمته الحجاب، ودعوته إلى الاختلاط ، وتوسعه في شرح مزايا  الحرية، وتخفيف قيود الحجاب، في حين أن زينب فواز لم تدع إلى استبدال الحجاب بالنقاب، رغم تبنيها للرأي الديني القائل بإباحة كشف الوجه واليدين. ولم ترَ أن الحجاب يعيق عمل المرأة وانخراطها في الحياة العامة، تقول:" إن كنا - نحن النساء المسلمات - من داخل الحجاب إلا أنه لا مانع يَحُول بيننا وبين العمل... فما بال المرأة منا لا تُقدِم على العمل بكل نشاط حيث إننا - والحمد لله -قادرات على كل عمل لو تركنا الكسل، وتوشحنا بالحزم في دائرة العمل"(92).

أما الاختلاط، فعلى الرغم من تأييدها له في بيئة العمل، إلا أنها لم تلح في المطالبة به. إن جوهر موقفها من المسائل الدينية المتعلقة بالمرأة مشابه تماماً لموقف قاسم أمين، وإن كانت تختلف معه في كيفية الطرح، وطريقة التناول، ودرجة الاهتمام في إيراد التفاصيل. وقد لاحظنا أن لها آراء أكثر تقدماً مما أعلن عنه قاسم أمين، مثل تأييدها المطلق لعمل المرأة بشكل عام، وممارستها للعمل السياسي بشكل خاص.

إن آراء قاسم أمين الجريئة المتعلقة بالحجاب والاختلاط، ومن ثم الطلاق وتعدد الزواجات التي مست ممارسات اجتماعية اتخذت لبوساً دينياً لقرون عديدة، حتى صار من الصعب فصل الديني منها عن الموروث الاجتماعي، كان من الصعب أن يرحب بها المجتمع في نهاية القرن التاسع عشرترحيباً واسعاً. وأظن أن هذه الآراء، بالإضافة إلى إفراده كتابين كاملين لمناقشتها وبقية متطلبات حرية المرأة هي السبب في اقتران اسمه بريادة المطالبة بتحرير المرأة على الرغم من جهود من سبقه من الرجال والنساء، وفي طليعتهم الأديبة الكبيرة زينب فوّاز. لقد عُرِفت بين الدارسين المعاصرين بريادتها للرواية النسوية العربية، وبنتاجها الأدبي المتنوع، لكنني أرى أن ما قدمته من خدمة للنساء الشرقيات في زمن كنّ فيه مسربلات بالجهل وتسلط الرجل المطلق لا يقل أهمية عن إنجازاتها الأدبية. وسيظل اسمها مرتبطاً بعدالة المطالبة بحقوق النساء. كما سيبقى اسم قاسم أمين مقترناً بشرف الدفاع عن النساء، وحقهن في الحياة الحرة الكريمة.

 

______________________________________________________

الهوامش:

(1) رفاعة الطهطاوي: تلخيص الإبريز في تلخيص باريز:مؤسسة هنداوي للنشر، https://www.hindawi.org/books/46205086/41/ ، 2010

(2) رفاعة الطهطاوي: الأعمال الكاملة، (التمدن والحضارة والعمران)، دراسة وتحقيق محمد عمارة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ج1، بيروت، ط1، 1973 ، ص203

(3) قاسم أمين: الأعمال الكاملة، دراسة وتحقيق محمد عمارة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 1976، ص13

(4) رفاعة الطهطاوي: الأعمال  الكاملة،ج1، ص210

(5) قاسم أمين: الأعمال الكاملة، ج 1، ص 254

(6) زينب فواز: الرسائل الزينبية، ج1، د.ن، ط1، القاهرة، 1905، ص17

(7)  رفاعة الطهطاوي: الأعمال الكاملة، ج1، صص 210-211       

(8) المرجع السابق، ص212                                                  

(9) المرجع السابق، ص217

(10) المرجع السابق، ص 219

(11)(12)(13) مجلة الهلال، العدد التاسع، السنة الثانية، 1894، ص607

(14) مجلة الهلال، السنة الثانية، الجزء الثالث عشر، ص438

(15) قاسم أمين: الأعمال الكاملة، ج1 ، ص139، عن تطور النهضة النسائية في مصر للدكتورة درية شفيق.    

(16) المرجع السابق، ص141

(17) المرجع السابق، ص281

(18) المرجع السابق، صص 282،281

(19) المرجع السابق، ص287

(20) قاسم أمين: الأعمال الكاملة، ج2، كتاب تحرير المرأة، ص15

(21) (22) قاسم أمين: الأعمال الكاملة،  كتاب المرأة الجديدة، ص139

(23) المرجع السابق، 140

(24) المرجع السابق، ص154

(25) الأعمال الكاملة: تحرير المرأة، ص79

(26) المرجع السابق، ص20        

(27) الأعمال الكاملة: المرأة الجديدة، ص 171

(28) المرجع السابق، 174

(29) المرجع السابق، ص135

(30) الأعمال الكاملة: تحرير المرأة، ص48

(31) المرجع السابق، ص54

(32) الأعمال الكاملة: المرأة الجديدة، ص 144  

 (33) الأعمال الكاملة: تحرير المرأة، ص58

(34)  المرجع السابق، ص59             

(35) المرجع السابق، ص63

(36) المرجع السابق، ص68

(37) الأعمال الكاملة: المرأة الجديدة، صص 154-155

(38) المرجع السابق، ص154

(39)  الأعمال الكاملة: تحرير المرأة، ص60

(40) انظر: الأعمال الكاملة: المرأة الجديدة، صص193،192

(41) انظر: المرجع السابق، المقدمة

(42) الأعمال الكاملة: تحرير المرأة، ص92

(43) المرجع السابق، ص93

(44) المرجع السابق، ص103

(45) المرجه السابق، ص107

(46) زينب فواز: الرسائل الزينبية، ص2

(47) المرجع السابق، ص191

(48) المرجع السابق، ص192

* انظر:إيمان القاضي: الرواية النسوية في بلاد الشام: السمات النفسية والفنية، دار الأهالي، دمشق، ط1، 1992، صص21-23

(49)  زينب فوّاز:  حسن العواقب (رواية)، الهوى والوفاء ( مسرحية)، تحقيق وتقديم: فوزية فواز، المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، ط1، 1984، ص23 

(50) زينب فوّاز: الدر المنثور في طبقات ربات الخدور، المطبعة الكبرى الأميرية، مصر، ط1، 1312هـ،1891م، ص6

(51) المرجع السابق، ص 11

(52) المرجع السابق،ص 307

(53) المرجع السابق، ص499

(54) المرجع السابق، ص 258

(55) زينب فواز: الرسائل الزينبية، ص45

(56) انظر: زينب فواز: رواية  حسن العواقب  ومسرحية الهوى والوفاء، تحقيق: فوزية فواز،   صص15-16

(57) زينب فواز: الرسائل الزينبية، ص3

(58) المرجع السابق، ص195 

(59) (60) المرجع السابق، ص10

(61) المرجع السابق، ص59

(62) المرجع السابق، ص15

** حصلت المرأة البريطانية على حق التصويت عام 1918.

(63) المرجع السابق، ص21

(64) المرجع السابق، ص24

(65) المرجع السابق، ص 45

(66) المرجع السابق،صص 23،22

(67) المرجع السابق، ص46

(68) (69) المرجع السابق،ص 176

(70) المرجع السابق، ص169

(71) المرجع السابق، ص115

(72) المرجع السابق، صص201،200

(73) المرجع السابق،صص44،43

(74) زينب فواز: رواية  حسن العواقب  ومسرحية الهوى والوفاء، تحقيق: فوزية فواز، هامش 61، ص32

(75) الرسائل الزينبية، صص193،192

(76) المرجع السابق، ص192

(77) المرجع السابق، ص11

(78) المرجع السابق، ص191

(79) المرجع السابق، صص 217،214

(80) المرجع السابق، صص 66-67

(81) المرجع السابق، ص60

(82)المرجع السابق، ص61

(83) المرجع السابق، ص157

(84) المرجع السابق، ص158

(85) المرجع السابق،صص 194،193

(86) (87) المرجع السابق، ص208

(88) المرجع السابق، صص111،110

(89) المرجع السابق، ص121

(90) المرجع السابق، ص 111

(91) المرجع السابق، صص 185 -186

(92) المرجع السابق، ص63

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

د. إيمان القاضي

 أستاذة جامعية، وناقدة سورية حاصلة على درجة الدكتوراه في الأدب العربي الحديث من جامعة دمشق.

نشرت عام 1992 كتاباً بعنوان: الرواية النسوية في بلاد الشام: السمات النفسية والفنية ( 1950-1985)، وكان أول كتاب في المكتبة العربية يتناول الرواية النسوية في بلاد الشام.

شاركت في تأليف المجلد الأول من (موسوعة الكاتبة العربية: ذاكرة للمستقبل) المنشورة في القاهرة عام 2004 بدراسة بعنوان ( الرواية النسوية السورية في نصف قرن).

لها عدد من الدراسات النقدية المنشورة في المجلات الأدبية السورية. نشرت لها مجلة (الكلمة) ثلاث دراسات، هي: " الرواية النسوية في سورية في سبعة عقود: جدلية الخاص والعام."، " إكرام أنطاكي: المتألقة في فضاءات الغربة والمسكونة بخيباب الوطن" ،" قرن ونصف على ريادة المرأة السورية في السياسة والأدب والعلم والعمل".

 قدمت عدداً من الأوراق البحثية في ندوات ثقافية في سورية والإمارات وكندا، كان آخرها ورقة بعنوان:

 “Syrian Women between Cultural and Social Heritage And Discrimination of Laws”

 قُدمت في جامعة يورك في تورونتو في ندوة أقامها قسم اللغات والآداب واللغويات لمناقشة قضايا شرق أوسطية إعلامية وجندرية. 

شغلت منصب رئيسة قسم اللغة العربية والدراسات الإماراتية بالإنابة في كليات التقنية العليا في أبو ظبي.

ودرّست الأدب العربي الحديث، ومهارات اللغة العربية، والدراسات الإعلامية في جامعة دمشق في سورية وفي جامعتي زايد والعين وكليات التقنية العليا في الإمارات العربية المتحدة، ودرّست اللغة العربية لغير الناطقين بها في جامعة ريرسون الكندية.