تتداخل رواية «عائد إلى قبري» مع «ذاكرة الجسد»على الصعيدين الموضوعاتي والبنيوي، حيث ترتبط الروايتان بالوطن وما ينغلق عليه من أحداث تاريخية واقعية، وصراعات ثقافية واجتماعية لا يختلف شأنها بين الجزائر والأوطان العربية. فكلا العملين يعود إلى الماضي ممارسا تأويلا للتاريخ الجزائري على اختلافٍ في المرحلة التاريخية التي يتعاطاها السرد.

أنوثة التناص

في شعرية الحوار بين «عائد إلى قبري» لزكية علال و«ذاكرة الجسد"» لأحلام مستغانمي

فتيحة كحلوش

 

تندرج رواية عائد إلى قبري للكاتبة زكية علال في إطار كتابة ما اصطلح عليه بالأدب الاستعجالي أو أدب المحنة، رغم أنها صدرت متأخرة نسبيا عن المرحلة المتأزمة التي يتم تسريدها. وأدب المحنة هو المصطلح الذي أطلق على الكتابة الأدبية الجزائرية في مرحلة التسعينيات من القرن الماضي ثم شمل كل الأدب الذي تعلق موضوعه بأحداث تلك المرحلة حتى وإن صدر لاحقا. ويهدف هذا المصطلح "إلى بيان تعالق الكتابة عهدئد بالراهن الجزائري المأساوي إلى أبعد الحدود، راهن صادم للعقل والحس والمنطق والقيم، محيل إلى عوالم لم تعرفها المخيلة الجماعية مطلقا"[1] حيث بدا الواقع أغرب من الخيال، وإيقاع اليوميات الجزائرية يفيض بوقائع ومرْويات جاهزة لعمل سردي كامل كأفلام السينما المغرقة في الإثارة. ورواية "عائد إلى قبري" تتسلل إلى ذلك الفضاء، بعد أن اندملت الجراح الغائرة في الوجع وخمدت ألسنة النيران التي أشعلها واقع بائس على جميع المستويات وغذتها تيارات الفتنة المتربصة بالمكان والإنسان، لتعيد التحديق في المشهد بروية وتأن لأن الغد مرتبط باليوم واليوم مرتبط بالأمس، والأمس مرتبط بما قبله من الناحية الزمانية التاريخية. أما من الناحية المكانية فقد تهيكلت الرواية بالمنطق نفسه، حيث الخراب عدوى عربية بامتياز وإن تباينت أسبابه. وبناء على ذلك يتم تسريد ذلك الخراب عبر وطنين عربيين لطالما اشتركا في "أنفة" خاصة و"شهامة" مبدئية: الجزائر والعراق. وإذ تجمع الكاتبة بين وجعي الوطنين فهي تقدم نصا يقطر ألما، ويتنامى على محور الخيبة: الخيبة بدءا والخيبة منتهى. ورغم الإغراق في رسم مشاهد العاطفة الحزينة، الذي يميز عادة كتابة الأنثى حيث "للألم على الخصوص في حياة المرأة سحر كبير لا نكاد نجد له نظيرا عند الرجل"[2]، فالرواية تعكس موقفا مسؤولا من الوطن والتاريخ وهموم الناس، وهذا النوع من الأعمال يعيد الثقة للقارئ بجدوى الكتابة وجدوى الأدب. إن هذا الأخير وكما وصفه تودوروف "يستطيع الكثير. يستطيع أن يمد لنا اليد حين نكون في أعماق الاكتئاب، ويقودنا نحو الكائنات البشرية الأخرى من حولنا، ويجعلنا أفضل فهما للعالم ويعيننا على أن نحيا. ليس ذلك لكونه، قبل كل شيء، تقنية لعلاجات الروح؛ غير أنه، وهو كشف للعالم، يستطيع أيضا، في نفس المسار، أن يحول كل واحد منا من الداخل"[3] حقا إن العالم اليوم يجنح نحو "نهاية" القيمة في ظل زحمة مادية تُسيرّها الآلة، لكن مع ذلك، يظل الأدب أحد أوجه الضمير الإنساني الذي لا ينام، ويظل الأديب يناشد أعماق الإنسان مقاوما ضد التشيؤ وانفلات الذات نحو التفاهة والابتذال.

تهدف هذه الدراسة-كما أسلفنا- إلى مقاربة رواية "عائد إلى قبري" في ظل معطى الحوارية النصية. وإذ تنحو القراءة هذا المنحى فالأمر ليس رغبة خارجية خاصة بذات القراءة المنشغلة-نظريا- بموضوعة التناص والتي ستجتهد في بناء أمثلته من خلال نص ما، لكنها استجابة طبيعية لمهيمنات نصية تواجه القارئ منذ الصفحات الأولى للعمل و"تذكره" بكاتبة أخرى، حيث الكتابة عادة لا تتأسس بصيغة المفرد سواء وعى الكاتب ذلك أم لم يعه. وحيث " لا يوجد ملفوظ، وهذا شيء جوهري، لا تربطه علاقة بملفوظات أخرى "[4] والقارئ واسع الاطلاع يدرك باستمرار العلاقة الخفية بين الحضور والغياب، حيث الغياب هو "غيابة" بشكل ما، إنه قعر النصوص وظلمتها. فإذا كان الحضور هو العلامات اللغوية في الضوء، ضوء الرسم الكتابي المتحقق عبر سواد يزداد وضوحا على مسند الصفحة البيضاء فإن الغياب ملتبس وبعيد ومتعدد وإن لم يكن موحشا. ولعل نص زكية علال-ككل نص-يحيل القارئ على "قعره" بيسر حيث تطل من ذلك القعر أعمال أحلام مستغانمي بشكل عام ورواية ذاكرة الجسد بشكل خاص بوصفها مؤشرا قويا على غيابٍ سيُعجن في تجربة لغوية-سردية جديدة، مختلفة، لها تميزها بنية ومعنى. وهو ما نروم تشييده من خلال هذه القراءة التي ستمر بمجموعة محطات عنونتها على النحو الآتي:

1-في إعادة مفهمة التناص 2-التناص والثقة بكتابة الأنثى 3-تمظهرات حوار الأنثى مع الأنثى 3. 1- ميتاقصية اللاحق على خطى ميتاقصية السابق 3. 2- السرد بصيغة المذكر 3. 3-الوطن، الحب، السياسة في جب الكتابة 3. 4-السرد بلغة الشعر. خاتمة

1-في إعادة مفهمة التناص: التناص في أبسط مفاهيمه هو العلاقة بين عملين أدبيين حيث يتكئ العمل الثاني على الأول إعجابا به أو سخرية منه، ويتم استثماره بأشكال مختلفة تكشف في النهاية رغبة الكاتب في تدمير الآخر، أو احتوائه تكملة وتثمينا، أو الارتماء في دفئه الجمالي ومصداقيته الفكرية. وقد حدّدت جوليا كريستيفا-وهي من أهم المفكرين الذين عنوا بالتناص- أنواع الحوارية بين اللاحق والسابق من النصوص وحددتها في ثلاث كيفيات هي :" أ/ النفي الكلي : وفيه يكون المقطع الدخيل منفيا كلية ، و معنى النص المرجعي مقلوبا.

ب- النفي المتوازي: حيث يظل المعنى المنطقي للمقطعين و هو نفسه.

ج - النفي الجزئي : حيث يكون جزءا واحدا فقط في النص المرجعي منفيا " [5] وتؤكد هذه الأنواع كلها على كون التناص هو العلاقة المتبادلة بين النصوص، أو الطريقة التي يتم بها إنشاء نوع واحد من العلاقة بين النص والنص البيني حيث قانون التداخل لا يقتضي بالضرورة التكرار، وحيث تقوم باستمرار عمليات تحوير مقصودة سواء أكان التحوير على مستوى واحد أو على عدة مستويات.

ولعل عمليات الحوارية النصية اليوم باتت أكثر تفشيا من أي وقت مضى حيث لم تعد الذات الكاتبة تقيم في عزلتها بل أضحت متواجدة في كل لحظة مع نصوص الآخرين، وحيث وسائل التواصل الاجتماعي لم تكتف بالوظيفة الأصلية التي رافقت نشأتها الأولى، وظيفة السؤال عن الأصدقاء ومعرفة أخبارهم بأسرع وسيلة، بل تحولت فضاء ثقافيا بامتياز يتم عبرها تشارك المنشورات والتآليف مما يترك أثره الكبير على فعل الكتابة حيث يحصل التأثير المباشر والمحيّن باستمرار ويضيع "النقاء" شئنا أم أبينا، ذلك أن الكلام ينتج عنه الكلام واللقاء المفتوح على نصوص الآخرين ومنشوراتهم يمارس تأثيره على الكاتب الذي هو قارئ للآخرين، معجب على نحو ما بأقوالهم التي تقوله إن قليلا أو كثيرا. فكما لم يعد يوجد نقاء وهوية خاصة بكل مجتمع في الأكل والملبس ويوميات الإنسان، ضاع النقاء أيضا في النصوص الأدبية. وهذه ليست أزمة كما قد يعتقد البعض بل هي الانسجام وطبيعة التطور الذي يشهده المجتمع الإنساني. لقد تحولت المفاهيم إلى وسائل حياة، على هذا النحو يغدو التناص نوعًا من أنواع التواصل الثقافي الذي يسمح بنقل المعرفة والأفكار والقيم الثقافية وتشاركها بين الأفراد والمجتمعات المختلفة. وبذلك يسهم التناص في إثراء الفضاء العام العالمي من خلال تعزيز التفاهم والتعايش بين الثقافات المختلفة، وبالتالي يسهم في دعم العولمة والتشارك الاستهلاكي. على الجانب الآخر، تسهم العولمة في تسريع عملية التناص وتوسيع رقعة تواجد المعلومات والأفكار والثقافات في العالم، مما يعزز هذه الآلية الإبداعية ويزيد من تأثيرها المتبادل بين الثقافات المختلفة فكرة ولغة وأسلوبا. التناص بهذا المعنى هو العيش المشترك على سطح النصوص وفي تضاعيف اللغة استجابة للمطلب الفلسفي المتعلق بإيتيقا المعية في المدينة الصغيرة أو القرية الكبيرة المسماة قديما :العالم.

2-التناص ثقةً بكتابة الأنثى: تعكس الثقة بكتابة الأنثى ودورها المتنامي في الإبداع تحولا مهما في النسق، فقد كانت الكلمة مذكرة دوما وكان النبوغ الأدبي يقتضي المرور بالفحول الرجال، ولم يتشكل نسق "الفحلة" المؤثرة في الأدب العربي ومنه ظلت عين الإعجاب مشدودة إلى الرجل المالك لسلطة الفعل وسلطة القول. غير أن ما أحدثته رواية ذاكرة الجسد في القراء-الكتاب قلب موازين السيرة التناصية. ويمكن القول إن أحلام مستغانمي أسّست مدرسة جديدة بحق في الكتابة الروائية، دعامتها الأولى الحكي شعرا أو السرد بلغة الشعر . وهي الدعامة التي استعارها الجميع ثقة منهم بقدرة الرواية على التأثير كلما أمعنت في الانزياح، وأن الجمالية اللغوية لا تقف أبدا حائلا أمام تسريد يوميات الإنسان وانشغالاته الاجتماعية والسياسية. لقد تسربت أصداء أحلام مستغانمي إلى باقي الكاتبات العربيات، ويظهر ذلك من خلال أساليب الكتابة كما يظهر من خلال الثيمات المهيمنة على الأعمال السردية اللاحقة لها. وبالنسبة لرواية "عائد إلى قبري" نلحظ تشابها ملفتا للانتباه بينها وبين ذاكرة الجسد في الأسلوب السردي، حيث يتميز النصان بالسرد من منظور الشخصية الرئيسية في الرواية. كما يتم استخدام السرد الإيحائي في الروايتين لنقل الأحداث والمشاعر والأفكار الداخلية للشخصيات. ويتم التركيز على الوصف التفصيلي والبنية الموازية للأحداث في كلتا الروايتين لخلق تأثير درامي قوي. ومن جهة أخرى يتم تمثيل الحبكة بشكل غير خطي في الروايتين، حيث تحكي الشخصيات ذكرياتها وتجاربها بطريقة غير متسلسلة، وعبر تفاصيل من أزمنة متباينة. بالإضافة إلى ذلك، يتم استخدام الرموز الدالة على التاريخ الوطني في الرواية لاستدعاء مشاعر القارئ وتعزيز الرسالة الأساسية لفعل الكتابة. وسنقوم بالتفصيل في هذه المسائل في المحطات الموالية.

3-تمظهرات حوار الأنثى مع الأنثى: تتداخل رواية "عائد إلى قبري" لزكية علال إذن مع رواية "ذاكرة الجسد" لأحلام مستغانمي على الصعيد الموضوعاتي كما على الصعيد البنيوي، حيث ترتبط الروايتان بالوطن وما ينغلق عليه من أحداث تاريخية واقعية، وصراعات ثقافية واجتماعية لا يختلف شأنها بين الجزائر وباقي الأوطان العربية. فكلا العملين يعود إلى الماضي ممارسا تأويلا للتاريخ الجزائري على اختلافٍ في المرحلة التاريخية التي يتعاطاها السرد، ومع احتفاظ "عائد إلى قبري" بخصوصيتها واختلافها حينما تجمع بين تاريخ العشرية السوداء في الجزائر والحرب الأمريكية على العراق، محققة انفلاتها من مجرد المحاكاة إلى الإبداع وتحقيق الرؤية الخاصة. والروايتان تعرضان ذاكرة روح مسكونة بالوطن وهمومه على الرغم من عنوان "ذاكرة الجسد" المضلل، حيث القارئ يمكن أن يمارس فهما خاطئا ما لم يقرأ المتن الذي يحيل فيه دال "الجسد" على مدلول مفارق، إذ الرواية هي ذاكرة روح في الواقع تمثل الذراع المبتورة فيها أيقونة للوطني والروحي والقيمي والتاريخي. وستعرض "عائد إلى قبري" بدورها ذاكرة جسد مبتور الرّجْل والبتر مرتبط دوما بحدث تاريخي (حرب العراق) وهكذا تلتقي الروايتان منذ البدء ويكون الجسد المبتور معبرا لسرد التاريخ الوطني والعربي واسترجاع أحداثه بمنطق التأويل الذي يلازم الروائي وهو يتعاطى مع مادة تاريخية محضة. يقول يوسف بطل رواية زكية علال: "كم كنت جلادا أيها الطبيب وأنت تنعي إلي ما ضاع مني

بل كنت رحيما وأنت تبشرني بما تبقى مني ...

وها أنت تريد أن تكون حكيما، وتحاول أن تجمع بين ما ضاع وما تبقى: إن رجلا بمثل قوتك وعزيمتك لا يمكن أن ينتهي عند بتر الساق، فمعظم العباقرة الذين أناروا العالم كانوا بأعضاء وحواس ناقصة..."[6] من السهل على طبيب، بتَرَ كم من ساق وكم من ذراع وانتزع كم من عضو، أن يطيّب خاطر مريضه بتذكيره بأهمية "باقي" الجسد وأن الحياة لا تتوقف عند عضو فاسد قُطع ، بل ستستمر بأعضاء أخرى لها عبقريتها الخاصة في سدّ النقص الذي قد يخلفه غياب ما بُتر، لكن الأمر بالنسبة للمريض الذي استيقظ لتوه من عملية بجزء ناقص من جسده لن يكون على ذلك المنوال من البساطة. ومواجهة الجسد الجديد لحظةُ أقسى من الموت نفسه الذي هو أكبر مصيبة تلم بالإنسان. يتحول الطبيب إلى جلاد ويحتاج إلى دهاء عظيم ليحقق بعضا من الرحمة الإلهية التي تحفظ التوازن النفسي للشخص رغم سيل المرارة المتدفق والذي يمنع غالبا من التفكير الحكيم. إنها حال يوسف وهو يعي جسده الجديد. ولعلها المرارة نفسها التي نسجت خيوطها أحلام مستغانمي على لسان خالد وهو يسرد لحظات إدراكه لضرورة بتر ذراعه بعد استحالة استئصال الرصاصتين اللتين أصيب بهما في معركة من معارك ثورة التحرير :"ها هو ذا القدر يطردني من ملجأي الوحيد، من الحياة والمعارك الليلية، ويخرجني من السرية إلى الضوء، ليضعني أمام ساحة أخرى، ليست للموت وليست للحياة. ساحة للألم فقط ...كنت أشعر ، لسبب غامض، أنني أصبحت يتيما مرة أخرى. كانت دمعتان قد تجمدتا في عيني، كنت أنزف، وكان ألم ذراعي ينتقل تدريجيا إلى جسدي كله، ويستقر في حلقي غصة. غصة الخيبة والألم..والخوف من المجهول "[7] لقد فقد خالد ذراعه، رمز قوته وبطولته، ومعها فقد إمكانية مواصلة الجهاد كما فقد الحيز المكاني الذي يعطي معنى لوجوده في الحاضر وفي المستقبل، إنها خسارة فادحة أدخلته في حالة يأس ويتم وخوف. ولعبارة "غصة" دلالتها العميقة: يموت كل شيء في لحظة ما ويتدحرج حجر ما ليستقر في الحلق مانعا التنفس والأكل والشرب وكل دواعي الحياة. إن "استعارة" زكية علال فكرة الجسد المبتور للشخصية الرئيسية في الحكاية في الحرب المقدسة –وطنية كانت هذه الحرب أم قومية- لم يسلب الرواية مسارها المختلف، لقد استمر خالد يتعاطى الحياة والفن بذراع واحدة محققا إنجازات تاريخية وفنية، لكن حياة يوسف بدت وكأنها توقفت عند بتر الساق، ومن هنا يحقق النص اللاحق تمايزه وسلطته الإبداعية. تنغلق الرواية على عودة البطل إلى قريته وإلى قبر أبيه حيث الموت والخيبة ولا شيء سواهما. إن يوسف الذي خرج من بؤس القرية ودموية الإرهاب فيها ، متدرجا في نجاحات علمية ومهنية سريعة، سيعود إليها خائبا، مقهورا، مبتورا في جسده وفي مشاعره، ولذا لا نعجب إذا كان أول مكان يتوجه إليه، بعد رجوعه من بغداد، هو المقبرة حيث قبر أبيه، وهو قبر مجازي ينطوي على الرأس الذي أرسله القتلة بعد فصله عن الجثة، وهي واقعة أُلفت في المجتمع الجزائري في التسعينيات، رغم أن مثل هذه القصص تبدو أسطورية وخرافية لمن لم يعايش المرحلة. إن توحد يوسف مع قبر أبيه في أول فعل يمارسه بعد عودته هو انحياز إلى عالم الموت واستسلام إلى جهة الفقد، فقد الأب، فقد الساق، وفقد الحلم : " الأكيد أنهم ساروا به (يقصد أبيه) إلى مقبرة القرية في تابوت صغير كرضيع حديث الولادة، وجنازة كبيرة ومهيبة، ومشوا بي إلى مقبرة اليأس في تابوت كبير وجنازة يتيمة، ووحيدة مشى فيها القتيل على قدميه" [8] ولعلنا ندرك أن القبر الترابي أرحم من قبر اليأس. إنها الكناية عن نهاية الحلم وبداية حياة رتيبة، مملة، في قرية نائية بعيدا عن سعاد حبيبة البطل ورمز الانعتاق.

 عندما ننتقل من تبرير العنوان "عائد إلى قبري" في علاقته ب"ذاكرة الجسد" إلى الحوارية على مستوى المتن يمكننا أن نلاحظ تلك التقاطعات النصية على مستويات عدة سنفصل فيها على النحو الآتي:

3. 1-: ميتاقصية اللّاحق على خطى ميتاقصية السابق: نعني بمصطلح الميتاقص " كل توجهات النقد في العملية القصية ذاتها"[9] حيث يبدي الروائي وعيا كاملا بمسألة الكتابة فيعلق السرد ليقدم ملحوظاته التي هي في الأصل من انشغالات النقد والناقد "فيتوقف الحكي وتتقدم بدله التحليلات والتعليقات و الشروحات التي تشكل نصا موازيا أو كتابة "ثانية" تتجاوز النص إلى نقدية النص" [10] وتضطلع نقدية النص غالبا بالتوضيح والتبرير ، سواء تعلق الأمر بالاختيارات البنيوية الخاصة بجنس الرواية، أو بالإشارات الرمزية المؤسسة للمعنى، أو بمحاولة التنظير للمفاهيم مجددا. وتعج رواية "عائد إلى قبري" بالقطع السردي من أجل بلورة رؤية الكاتبة في الأشياء الفنية وموقفها من القضايا التاريخية والاجتماعية حيث يمكن التأسيس لمفاهيم الأشياء باستمرار. تقول الكاتبة: " الكتاب كالحب لا يجوز أن نقرأه بصوت عال، أو يشاركنا أحد في قلب صفحاته وإلا فقد خصوصيته...الحب حالة خاصة"[11] والكاتبة هنا تثير أهمية الخصوصية في تجربة القراءة. الكتاب حالة حب تجمع بين شخصيتين منسجمتين تبحثان عن المعنى عبر بريق الحروف: الكاتب الذي ينثر الكلمات تثبيتا لهاجس إعطاء المعنى للوجود، والقارئ المشدود إلى سواد الحروف بحثا عن وجود نوعي ناصع الجمال. ومن هنا تتحول القراءة إلى فعل حب، تتطلب ممارسته الهدوء والتستر وبعض العزلة، ككل الأفعال النوعية والاستثنائية. لقد أشار رولان بارت Roland Barthes إلى القراءة بوصفها "فعل" حب وتلذذ ورغبة متبادلة بين القارئ والنص، حيث يكون هذا الأخير"فردوسيا حقا، وطوباويا (من غير مكان)، وشذوذا ممتلئا كمالا: إن كل الدوال قائمة هنا، وإن كل دال منها ليصيب هدفه. ويبدو أن الكاتب(القارئ) يقول لها: أحبك جميعا(أحبك كلمات، وأشكالا، وجملا، وصفات، وقطيعات: أحبك حابلا ونابلا: أحب الإشارات وأشباح الأشياء التي تمثلها" [12] والقارئ الذي يقول هذا هو ذاك الذي دخل عن طواعية في تجربة كتابة النص المقروء، حبا به، وتلذّذًا بمنعطفاته، فتحول عاشقا/كاتبا بدوره، يمارس هواياته بمفرده في الصمت والوحدة. ينتمي فعل القراءة والحال هذه إلى حقل المقدس أيضا حيث الكتابة تشترط الوحدة لضمان كامل استسلام القارئ للمقول المكتوب أو المُوحى كما دأبت الخطابات السماوية على التأسيس له، وتجربة بداية الوحي مع النبي محمد(ص)خير دليل على ذلك. قال تعالى:" اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ "[13] الأمر بالقراءة أوّل الخطاب، لأن القراءة التي تتأسس عبر الصمت والسكينة -وما ينجر عنهما من حسن الإصغاء للمقول وحسن الاحتفاء به- هي أول الحب، وعبرها يتم كل إنجاز حضاري. بما قل ودل تنحرف الكاتبة زكية علال عن القص إلى الميتاقص منظّرة على نحو فلسفي جمالي لفعلين شغلا الوعي الإنساني على مر العصور وهما فعلا القراءة والكتابة. وهي في هذا تشارك أحلام مستغانمي هواجسها حول التعرّي كتابة وقراءة، تقول هذه الأخيرة:" إننا نكتب الروايات لنقتل الأبطال لا غير، وننتهي من الأشخاص الذين أصبح وجودهم عبئا على حياتنا. فكلما كتبنا عنهم فرغنا منهم ..وامتلأنا بهواء نظيف "[14] الكتابة هنا تساوي القتل وتساوي التحرر، والنتيجة خلق قراء يتناسلون على مرّ الزمن. يتلذّذون بالقتل الرمزي، ويعيدون إحياء الموتى الذين طعنهم خنجر الكاتب في لغة وفي صور شتى يحكمهما التعدد الذي ينطوي عليه فعل القراءة بوصفه الوجه الآخر لفعل الكتابة. إن "عائد إلى قبري" تنحو منحى ميتاقصيا مشابها لذاكرة الجسد، وإن اختلفت المصطلحات التي تُنظّر لها قليلا، فإنها تدور في الحقل الدلالي الواسع نفسه مؤكدة أهمية الكتابة والقراءة بالنسبة لأنثى محدودة بالمكان والزمان وتجد متنفسها فقط عبر صفحات الكتب قراءة أو كتابة. وما تفعله زكية علال مع مصطلح القراءة ستفعله مع مصطلحات كثيرة، سنكتفي بواحد منها فقط في هذا المقام. تتحدث الكاتبة عن "السعادة" قائلة: "بماذا نقيس سعادة المرء؟ هل بقدرته على الحب، أم على الغفران، أم بتبسمه في وجه من داس على رأسه وذبحه؟ إذن فأبي عاش أكثر من عمره لأنه فعل كل ذلك"[15] ولعل في هذا "انفلات" بتعبير القدامى من سرد أحداث الحكاية نحو تأمل المفاهيم الدارجة وتقويضها بإعادة التساؤل حولها، وأول هذه المفاهيم "السعادة" حيث يظل معيارها الحقيقي غائبا عن وعي الناس. ولعل ذلك يذكر بقول أحلام مستغانمي :" الناس إنهم لا يطرحون عَليك إلا أسئله غبيه يُجبرونك على الرد عليها بأجوبه غبيه مثلها. يسألونك ماذا تَعمل لا ماذا كنت تريد أن تكون. يسألونك ماذا تملك لا ماذا فقدت. يسألونك عن أخبار المرأه التي تزوجتها لا عن أخبار تلك التي تُحبها. يسألونك ما أسمك لا ما إذا كان هذا الاسم يُناسبُكَ. يسألونك كم عمرك لا كم عشت من هذا العمر. يسألونك أي مدينه تسكن لا أي المدن تسكنك. يسألونك هل تُصلي لا هل تخاف الله لذا تعودت أن أُجيب على هذه الأسئلة بالصمت فنحن حين نصمت نُجبر الآخرين على تدارك خطأهم"[16] وهذه الأسئلة كلها تتمحور حول سؤال واحد: ما الذي يُسعد الإنسان؟ ما يرغب به أم ما وُجد به وأجبر عليه؟ وشتان بين هذا وذاك...

تبدي رواية "عائد إلى قبري" شغفها بأسلوب الانفلات هذا -الذي حلقت عبره أحلام مستغانمي في عوالم المقولات والمفاهيم فتعاطت معها على نحو شعري، ناثرة بجوارها معان جديدة- فتمارس الشيء نفسه، ومن ثم تعج الرواية بالتأملات ومحاولات "المفْهمة" التي تضع الأصبع على مفارقات النظرة السائدة إلى القيم، وقصورها في أحيان كثيرة عن إدراك الجوهري في محددات الوجود الإنساني.

 يكلم يوسف والد سعاد:" في بداية شبابي كنت أكتب الشعر...رأيت فيه متنفسا عن كثير من همومي وهموم الآخرين، وكنت سعيدا لذلك. لكن سلطة الصحافة داست على كل الأوزان والقوافي وعبثت ببحور الخليل، وأكثر من ذلك وجدت أن الشعر ترف لم نرتق بعد إليه ونحن نغرق في ملفات الضحايا والمفقودين والمعطوبين جسديا ونفسيا"[17] ها هي الرواية تنفلت من سرد الحكايا لتُبدي موقفها من فنون الكتابة بوعي نقدي كبير. إن رحلة يوسف مع الحرف هي رحلة آلاف المثقفين: يبدأ المرء في مراهقته عادة بالتهويم في عالم الشعر –وفاء للأجداد أو انسجاما وجموح الخيال الذي يلازم تلك المرحلة- لكنه سرعان ما يتعرف إلى واقع قاس جدا، معقد جدا، وليس ورديا كما أوحت به الخيالات الشعرية، فتُغيّر الخيبة مسار الكتابة، حيث تجد الذات متنفسها الحقيقي في الكتابة الصحفية التي تقول الواقع كما هو، وتشعر الفرد بجدوى حروفه. إن الشعر لا يملك القدرة نفسها على التغيير الذي تنشده ذات الكتابة، كما لا يتيح إمكانية الفهم الأعمق للعالم ، بينما الصحافة تسمح بتعرية ما يجري وتسمح بإمكانية ترميم الواقع. هكذا يهجر يوسف الشعر في واقع غير شعري إطلاقا، وينخرط في عالم الحقيقة بكل ما يحمله من قسوة وتحديات. إن التدخل الميتاقصّي هنا يهدف إلى اختصار المقارنة بين مجتمعات الرخاء الاقتصادي والاجتماعي وحاجتها إلى ترف فني ممثل بالشعر، وبين مجتمعات متخلفة تبحث عن سبل الخروج فقط من نفق الجوع والفقر أما الشعر بالنسبة لها فلا يمثل حاجة أبدا، فهي مجتمعات الضروري لا الكمالي.

إن ظاهرة الميتاقصية هذه ظاهرة تطبع ما يمكن الاصطلاح عليه بالرواية الجديدة، حيث يظهر الروائي لا بوصفه فقط ساردا يتقن فن الكذب، ولكن بوصفه مثقفا أو فيلسوفا يتقن التنظير، فيعيد تبعا لذلك صياغة المفاهيم، ويشارك في التأسيس للحياة الثقافية والقيم الإنسانية بالموازاة مع سرد أحداث الرواية. و"عائد إلى قبري" ثرية جدا بهذه الصياغات التي تعيد النظر في كل ما ألفنا المرور عليه مرور المسلم به.

3. 2- السرد بصيغة المذكر: تعد ظاهرة السرد بصيغة المذكر في الأدب النسوي أمرا ملفتا للانتباه، حيث الكاتبة التي تحمل القلم أمام طاولة الكتابة تماما كما يفعل الكاتب المذكر، تستعير صوت هذا الأخير لتدخل به عالم الرواية/الحكاية مسلمة له زمام الحكي. نجد هذه الإستراتيجية عند زكية علال أيضا، وهي في ذلك تقتدي بأحلام مستغانمي متخذة من البطل/السارد يوسف صوتا ينقل مواقفها من الكتابة والسياسة والوطن والتاريخ. ينتظر القارئ، عادة وعندما تكون الكاتبة أنثى، ساردة بصيغة المؤنث. لكن الكاتبات ينفلتن من تحقيق هذا الانتظار، فيخرج علينا رجل يسرد القصة، وهو غالبا سارد عارف بكل شيء. هل هي الثقة المطلقة بهذه المعرفة الشاملة؟ أم هي حيلة أنثوية غرضها في النهاية إقناع القارئ بمصداقية الحكاية، "فالرجل" هو الذي رواها، والرجل يساوي الكلمة، بل والكلمة الصادقة؟ أم أن الأمر يتجاوز الحدث إلى الإيديولوجيا حيت " أن المتكلم في الرواية هو دائما، وبدرجات مختلفة، منتج إيديولوجيا،وكلماته هي دائما عينة إيديولوجية" [18] مهما يكن من أمر هذه المسألة فزكية علال–تماما مثل أحلام مستغانمي- تختار شخصية يوسف ليكون البطل والسارد في الوقت نفسه معلية من شأنه كسارد وكشخصية من شخصيات الرواية. لقد انتقت له اسما نبويا وجعلته يرفع نفسه –عبر سرده-إلى مصاف نبي عارف، مؤول، حكيم، لكن نهايته لم تكن سعيدة كما هي نهاية يوسف عليه السلام رغم أنه لاقى الكثير من المحن والابتلاءات التي تميز الأنبياء والعظماء: "كنت أحس أني داخل جب يشبه ذلك الذي رمى فيه الإخوة –الذين أعمت الغيرة بصيرتهم- أخاهم يوسف الصديق. وأني في انتظار معجزة تنجيني مما أنا فيه..."[19] لم تعد السماء تمطر معجزات لذا كانت نهاية السارد مأساوية، على الرغم من تدرجه في النجاح على نحو يوحي بمعجزة ما. لقد كان فتى قرويا انتقل للدراسة في العاصمة، لكن القدر هيأ له النجاح تلو الآخر حينما رمى في طريقة ابنة أحد كبار الصحفيين الجزائريين فساعده على تحقيق بعض النجومية في عالم الصحافة، قادته من تغطية أحداث الوطن إلى تغطية حرب أمريكا على العراق وهناك فقد ساقه بالكامل فضاع كل شيء: الوظيفة والحبيبة التي تركها تنتظر عودته وعاد إلى الوطن برجل واحدة وخيبة عظيمة، عاد إلى قبر أبيه في قريته وإلى أمه التي ضيّعها في زحمة النجاحات، حيث يبدأ السرد من هذه النهاية ليستذكر السارد حكاياه الشخصية منذ الطفولة، وحكايا الوطن والتاريخ والدم والنار والموت العشوائي خلال العشرية السوداء. إن يوسف هو الراوي الناقل للأحداث والمشارك في صناعتها تماما مثل شخصية خالد في رواية ذاكرة الجسد، وكلاهما مثقل بحمولة دلالية وإيديولوجية تعكس رؤية الكاتبتين، أضف إلى ذلك فكلاهما يتكلم من داخل ذاكرة جسد منقوص. في النص الأول فقد السارد-كما أشرنا سابقا- ذراعه في الحرب الأولى، حرب تحرير الجزائر ، وفي النص الثاني فقد السارد رجله في الحرب الثانية، حرب العراق ضد أمريكا وهي أشرس من الأولى لأن الأعداء كُثر وبهويات متعددة. السارد واحد في آخر المطاف، فالعراق هو الوجه الآخر للجزائر. لقد دُمرت هذه الأخيرة في الضفة الغربية من الوطن العربي بحرب وهمية بين الإخوة امتدت على مدار التسعينيات من القرن الماضي. وحينما هدأت الأوضاع بها كان يجب أن يدمر العراق في الضفة الشرقية حتى لا تقوم قائمة للبعث القومي بعد ذلك. لعل إسناد مهمة السرد للبطل الذكر هو انسجام مع طبيعة شجرة الموضوعات المطروحة وهي موضوعات سياسية عنيفة تحتاج إلى صوت ذكوري قوي، حيث الثورات والمقاومات كانت في غالب الأحيان ذات صبغة رجالية.

3.3- السرد بلغة الشعر: لا يخلو جنس أدبي ما من بعض مظاهر الأجناس الأخرى، ومع ذلك هناك وظائف تقليدية مهيمنة في كل جنس، تُصنف حسبها الأعمال الأدبية إلى شعر ونثر وقصة قصيرة وما إلى ذلك، غير أن استعاره جنس أدبي لوجه من وجوه جنس آخر غدت اليوم ظاهرة ملفتة للانتباه، وتحديدا ظاهرة اللغة الشعرية في الرواية. لا أتردد في القول إن أحلام مستغانمي أسّست لهذه المدرسة في الرواية العربية المعاصرة "وكأنها لم تكتب إلا من أجل تمجيد اللغة والاحتفال بها"[20] فمنذ ذاكرة الجسد التي "دوخت" الشعراء بشعريتها - كما أشار نزار قباني- انتشر تيار جارف من الروائيين الحريصين على شعرية اللغة حرصا واضحا حيث تساعد اللغة الشعرية على إدراك الوجود إدراكا عميقا مختلفا والسكن فيه على نحو مختلف، فهل نحن إلا لغتنا في النهاية؟ لعل الروائية زكية علال واحدة من هؤلاء الكتاب الذين نهجوا نهج أحلام مستغانمي في تقديم القصص والحكايا في ثوب لغوي أنيق موشى بالانزياحات المولّدة للمفارقات الجمالية التي تنطوي بدورها على حمولات دلالية لا يمكن حصرها إذ من طبيعة اللغة الشعرية تحقيق الانتشار الدلالي على خلاف اللغة التواصلية التي تتسم بالتكرار الدلالي بحكم طبيعتها المنفعية الخالصة. سأقدم في هذا المقام بعض الأمثلة الدّالة من رواية "عائد إلى قبري"، تقول الكاتبة: "ما أقسى ألا يكون لفقيدك غير رأس يقطر دما. يسيرون به في جنازة مبتورة في انتظار زمن آخر يوارون فيه ما تبقى من الجسد، وقد لا يأتي هذا الزمن، فيظل الرأس يحن إلى بقاياه ولو كانت رِمَمًا"[21] تختزل زكية علال –عبر اللغة الشعرية المكثفة- وضعيةً فاقت الخيال في المجتمع الجزائري في مرحلة التسعينيات ، وضعية الفقيد الذي ذُبح وتم التنكيل بجثته ثم أُرسل الرأس فقط إلى الأهل شاهدا على نصرٍ خرافي، مما وضع أهله في حالة خرافية أيضا من الألم والحزن حائرين بين دفن هذا الجزء وحده أو انتظار بقايا الجثة التي قد لا يعثر عليها فيما يتحول الرأس كيانا مستقلا ينزف حنينا إلى أجزائه الضائعة. وهي صورة شعرية غارقة في الكثافة البلاغية التي تحيل إلى لا نهائية حالة الحقد والبغضاء التي سادت المجتمع الجزائري. فالقاتل لا يسعد فقط بفعل القتل بل يتمادى في تقتيل الجثة أكثر من مرة بتقطيع أجزائها والتلذذ بالمشهد الدموي. وهذه الصورة الشعرية القاسية تمعن في تقديم صورة إجرامية لا يمكن للإنسان قبولها تحت أي مبرر كان. لقد تساوى الإنسان بالكبش المذبوح مع اختلاف في درجة الألم: الكبش تفصل رأسه ويؤكل أما الإنسان فتفصل رأسه وترسل إلى أمه وإخوته أو زوجته وأولاده ليموتوا حسرة، فأي عقل آدمي يحتمل مثل هذا القدر من المرارة؟ هل كان المجرم حقا إنسانا؟ إن اللجوء إلى اللغة الشعرية هو استبدال كلامي لاختصار الصورة الاجتماعية التي تحتاج إلى صفحات من النثر كي تقال. ولا تكتفي الكاتبة باستعارة اللغة الشعرية لنقل حكاياها بل ستمارس التفاتا من النثر إلى الشعر قائلة:

"وفجأة حبس الزمن أنفاسه ...

سقطت بغداد!!

تهاوت أحلام الشموخ

تناثر عقد الرجاء الذي كنا نتجمل به ...

وسخرت منا سمكة أفريل لأننا صدقنا وعود حاكم عربي...

..................

لا ندري أي زلزال ضرب الأرض!![22]

لقد انفلتت الرواية لغةً ومكانيةً نصية عن النثر، وارتمت في أحضان لغة الشعر بل وفضائيته النصية، تماما على منوال أحلام مستغانمي التي لطالما شدها الحنين إلى زمنها الشعري الأول فتتسلل من سرد الحكاية وتأخذ نفسا شعريا على صفحة الكتابة ثم تعود إلى الحدث الروائي. لغة النثر لا تكفي لتأريخ سقوط بغداد، فبغداد هي التاريخ، التراث والشعر . بغداد هي أبو نواس والمتنبي وأبو تمام ولذا تستشعر الكاتبة حاجتها إلى ميراثها من هؤلاء فترثي المدينة شعرا، ممارسِة خلخلة إسنادية تجسد فظاعة المشهد: الزمن إنسان مفجوع يبحلق في الركام، مندهش أمام هول الكارثة، ساكن لا يحتاج إلى استمرارية، وبغداد امرأة تعثرت خطواتها فجأة فهوت أرضا وهوت معها كل الأمجاد، والأمل بالنصر الذي تشكل في مخيلة الإنسان العربي عقدا متينا محكما، انفرطت حباته في أرض الهزيمة التي لا تسمح نارها بالتقاطها مجددا. إنه مشهد الهزيمة الموغل في الألم والذي لا تكفي لغة الحكي (النثر) لتجسيده فكان الانزياح عن السرد نحو لغة الشعر المنبنية بدورها على الانزياح بديلا أسلوبيا يفي بقول مأساوية اللحظة. وهذا البديل يُستدعى عبر كامل الرواية استدعاء يشي بسقوط الحدود بين الأجناس الأدبية في عالم سقطت كثير من حدوده الجغرافية وقيمه الأخلاقية في الوقت ذاته.

3. 4- الوطن،السياسة، الحب في جب الكتابة: تشتغل رواية "عائد إلى قبري" على استغلال التاريخ بتمثيل الهموم الوطنية، سواء تعلق الأمر بيوميات المواطن البسيط أو بمنعطفات عالم السياسة وما تنطوي عليه من فساد وخيبات وأزمات متكررة، يدفع ثمنها ما يمكن الاصطلاح عليه "بالإنسان اليومي". وهي في ذلك تحذو حذو أحلام مستغانمي التي عرّت التاريخ وعوالم السياسة وكواليسها عبر أعمالها المختلفة. تتقاطع الكاتبتان إذن في موضوع الكتابة أو المحكي في عالم السرد، ومن داخل الوجع الوطني تتبدى مسؤولية المثقف الذي لا يمكن أن يلزم الحياد عندما يتعلق الأمر بالوطن وجراحه، وعندما "عندما يعْلق الوطن حبرا أسود باليد"[23]

 تلمح زكية علال منذ الصفحات الأولى للرواية للعشرية السوداء وبلاغة الموت فيها ومأساويته، ثم المصالحة الوطنية التي أعقبت خراب الإنسان والمكان "فقبل أن تنطق الحكمة تكون الرغبة قد حصدت ملايين الأرواح وكممت آلاف الأفواه...عيب الحكمة أنها بطيئة، بينما الحماقة تضرب في كل الاتجاهات وفي وقت واحد" [24] تمارس الرواية-كما نلاحظ- نقدا عنيفا للإنسان الذي خانه التعقل فوضع ضميره في زاوية بعيدة عنه، واستسلم لجنون الرغبة، بغض النظر عن طبيعة هذه الرغبة، وما يؤول إليه الاستسلام لها. إن الرغبة في الأصل هي انتماء إلى شطط ما وهي "تولد في الحد الفاصل ما بين الحاجة والطلب، فهي غير قابلة لأن ترد إلى الحاجة المحضة لأنها ليست في جوهرها علاقة بموضوع واقعي مستقل عن الشخص، بل هي علاقة مع الهوام، كما أنها غير قابلة لأن ترد إلى الطلب بمقدار ما ترمي إلى فرض ذاتها دون أن تأخذ في الحسبان لغة الآخر ولا وعيه، وإنما هي تتطلب الاعتراف القاطع من قبله" [25] ولذلك تتقدم دوما بوصفها قوة مدمرة. ذلك أن الإرهابي الذي يفصل الرأس عن الجثة ببرودة أعصاب قد تعرض وعلى مدار سنوات لعمليات غسيل دماغ ممنهجة، تلقى عبرها قيم التطرف التي تبرر له أفعال العنف وتقنعه بضرورة تلك الأفعال، بل بقدسيتها ومشروعيتها. إن الرغبة في القتل هي انتقام عميق من الإحباط واليأس والكراهية التي مكث فيها القاتل لمدة طويلة ثم لم يستطع الفكاك منها بالطرق السليمة، فكان الانضمام إلى خلايا الموت سبيلا براقا لتحقيق الشعور بالانتماء إلى هوية هامة. هذه الأخيرة تبرر للقتلة العنف كوسيلة لتحقيق الهدف، إذ يكف هؤلاء عن النظر إلى أنفسهم بوصفهم ذواتا مهمّشة ويكتسبون شيئا فشيئا الشعور بالبطولة في قضية سامية. هكذا عاش الجزائريون في مرحلة التسعينيات كل ألوان القتل التي تخطر على البال والتي لا تخطر استسلاما للرغبة "المنحرفة" التي تأخر صوت الحكمة في احتوائها فاستمرت لسنوات. إن الكاتبة هنا لا تكتفي فقط بسرد حكايا الدم والموت المجاني بل تتجاوز الأمر لتُنظّر لواقع اجتماعي وسياسي بائس، تقدم فيه تبادل العنف وتراجع العقل الحكيم فكان ما كان من رعب ودمار، لأن القاتل متمركز حول ذاته وإيديولوجيته لا يحدق في عين المقتول البريء "هل نظر قابيل في عيني أخيه قبل أن يجهش عليه؟ أكيد، لا. لو نظر في عينيه لرأى اللقمة التي تقاسماها معا. ولرأى ظل كفيه على النهر الذي شرب منه أخوه...لو نظر في عينيه لرأى تاريخيهما المشترك الذي بدأ بالجنة وانتهى إلى الأرض التي تقاسما فيها النشأة الأولى... "[26] وهذا التشبيه الذي تلجأ إليه الرواية له دلالته، القاتل والمقتول إخوة في المنبت وفي الوطن وجيران في الجرح والبؤس الاجتماعي، ومع هذا يقتلون بعضهم البعض، لأنهم فقدوا البصر والبصيرة ولم يستطيعوا رؤية عدوهم الحقيقي فكلفهم ذلك مزيدا من الخسارات الاقتصادية والاجتماعية الإنسانية التي دفعوا ثمنها غاليا قبل أن يعلو صوت الحكمة أخيرا ويستعاد الوئام الوطني. هل جزاء العنف إلا العنف؟ هكذا كانت زاوية النظر عند بداية الأزمة وحينما استحال تحقيق السلام وغرق الوطن في بحر البغضاء والعداوة وما انجر عنهما من سيلان للدماء وانهيار للقيم وتراجع للاقتصاد كان لابد من مراجعة منطق العنف وحكمة القوة واللجوء إلى قوة الحكمة وقد صارت ضرورة لا بديل عنها.

إن تسريد العشرية السوداء سيجر معه موضوعات أخرى مرتبطة به، حيث ستعرض الكاتبة إلى جانب من جوانب الفساد الذي يحصل في البلاد وتنسب كل الجرائم تبعا لذلك للإرهابيين، الجرائم التي اقترفوها والتي لم يقترفوها. تقول الرواية: "فهذا النمو الديموغرافي غير المرغوب فيه يجب اختزاله بشتى الطرق، وان اقتضى الأمر بذبحه ...وعرفت أيضا أن كثيرا من السفن كانت تأتي بالسلاح الذي قتلنا به بعضنا البعض"[27]

إن الوطن يأكل أبناءه وهو ما جعل الراوي يحقد عليه "لم أحضر عرس مريم وهي أختي الوحيدة والقريبة من قلبي...كنت أحس أني أنسلخ عن أهلي وقريتي شيئا فشيئا عقابا لهم على جريمة وطن، وأني لم أعد معنيا إلا بتحقيق ذاتي وإرضاء طموحي الذي كان يتجبر"[28] إن يوسف يعيش في الواقع ضمن بوتقة من المشاعر المعقدة تجاه وطنه وأهله . فمن ناحية، يحز في نفسه غيابه عن عرس الأخت وشعوره بالانفصال عن عائلته وبلده، ومن ناحيةٍ أخرى، تُشير عبارة "عقابا لهم على جريمة وطن" إلى أنّ الشخصية تُحمّل العائلة والوطن مسؤولية ذلك الانفصال. وتستخدم الكاتبة عبارة "كنت أحس أني أنسلخ عن أهلي وقريتي شيئا فشيئا" للتعبير عن هذا الشعور المرير في الحقيقة فما من أحد يسعد حقا بابتعاده عن الأهل والوطن. ألم يقل الشاعر العربي:

 بلادي وإن جارت علي عزيزة وقومي وإن ضنوا علي كرام

إن العتاب الذي يوجهه يوسف لوطنه ناتج عن التجارب المريرة التي واجهتها هذه الشخصية في مكانها الأول، وأسوأ تجربة عاشتها هي قتل الوالد وفصل رأسه عن جسده. أيّ وطن هذا الذي يسمح بجريمة خرافية كهذه وهي تتكرر يوميا؟ إن عبارة "لم أعد معنيا إلا بتحقيق ذاتي وإرضاء طموحي الذي كان يتجبر" تومئ إلى الرغبة في انفصال الراوي عن ماضيه وتحديقه نحو الأمام فقط حيث الهدف نسيان الماضي والتصالح مع الحاضر والمستقبل المختلف، حتى لو كلف ذلك التخلي عن العائلة والبلد. وقد تومئ العبارة إلى الشعورٍ باليأس التام من إمكانية إصلاح الأمور في وطن يبدو وكأنه فقد بوصلته،فأمر استعادة الحياة الآمنة الكريمة ليس هينا. إن الظروف الاجتماعية والسياسية تسهم دائما في إعادة تشكيل هوية الفرد ونظرته نحو ذاته ووطنه فلا يثبت على المشاعر نفسها ولا على المفاهيم ذاتها. ولعل هذه الثيمات كلها موجودة بشكل أو بآخر في "ذاكرة الجسد" التي تأسست على النقد السياسي للوطن وإعادة التقييم للتاريخ المسكوت عنه، والذي يظهر من خلال السرد الاستذكاري للراوي أو من خلال مشاهد الحوار بين بطل الرواية وبطلتها، فكلاهما ينتمي إلى تاريخ ثوري وكلاهما غادر الوطن الذي حصل على استقلاله لكن الأنظمة الجديدة خانت ذاكرة الثورة. لقد اختار خالد السفر إلى فرنسا مكتفيا بالفن، لما أيقن أن الوطن الذي رسَمتْ ملامحه خيالات الثورة والثوار الكبار قد ظل مجرد خيال بل بدا وكأنه توارى مع الشهداء، وأن الصورة الجديدة لهيكله ممسوخة ولا تجسد أحلام الذين تطوعوا بكامل الحب لاسترجاعه. إن الروايتان (عائد إلى قبري وذاكرة الجسد) تشتركان في تسريد تاريخ الخيبة، ولعل رواية زكية علال هي تكملة لرواية أحلام مستغانمي وتفصيل في الآن ذاته في مشاهد الهزائم النفسية والاجتماعية والسياسية الكثيرة والغريبة.

وكما تشترك الروايتان في التمحور حول سرد صور خيانة أحلام الشهداء، وعرض ألوان الفساد السياسي في وطن ما بعد الاستقلال، ستشتركان في موضوعة الحب، وستقدم رواية "عائد إلى قبري" قصة جميلة تجمع بين يوسف وسعاد، وهما شخصيتان نخبويتان مثل بطلي قصة الحب في "ذاكرة الجسد"، ولكن القصة لا تكتمل، فيوسف الذي عاد مبتور الساق لم يعد صالحا لموضوع الزواج الذي بدا شبيها بالمستحيل، تماما كما كان لقاء خالد وحياة شبه مستحيل. لقد تحققت في الروايتين قصة الحب العظيم ولم يتحقق اللقاء الأخير الذي يليق بعظمة الحكاية لا في الرواية الأولى ولا في الثانية، إنه إعجاب النص اللاحق بالسابق والتأكيد على النزعة الواقعية المضمرة في خطاب تدفعه لغته إلى جهة الخيالي البراق والمدهش.

-خاتمة: يمكن في الأخير حوصلة نتائج القراءة التي سعت إلى رصد مواطن التداخل النصي بين روايتي "عائد إلى قبري" و"ذاكرة الجسد" في النقاط الآتية:

- تتخذ الحوارية في رواية "عائد إلى قبري" مظهر الإعجاب الشديد حيث النص اللاحق يقتدي بالسابق ويحاكيه محاكاة التثمين لا المعارضة.

-تنحو "عائد إلى قبري" نحو ذاكرة الجسد، في السرد بصيغة المذكر والانزياح نحو اللغة الشعرية المكثفة وسلوك أسلوب الميتاقص على طول الرواية، وهذا يعكس تأثير المدرسة المستغانمية في السرد الجزائري المعاصر في كتابة الأنثى كما في كتابة الذكر.

-تخوض رواية "عائد إلى قبري" في ثيمات الوطن والسياسة والتاريخ، وتنأى عن الكتابة النسوية التي تكرس الصراع أنثى-ذكر ، تماما مثل ذاكرة الجسد. وهي بهذا لا تختلف عن كتابة الرجل. إنها أنموذج الأدب "الملتزم" الذي يضع الهم الوطني في مقدمة عنايته، لكنها لا تسقط مع ذلك في ربق الموضوع الذي ينسيها "أدبية الأدب" كما حصل مع ما اصطلح عليه بأدب الالتزام.

-تمارس الكاتبة زكية علال –على خطى أحلام مستغانمي- نقدا للعقل الجزائري، وتحاول إعادة صياغة المفاهيم المتعلقة بالوطن والتاريخ والتضحية، يلفها في ذلك ألم كبير، يصل أحيانا حد اليأس كما هو الحال بالنسبة للبطل الذي فرّ من القرية ونفر منها بعد أن أعطته المدينة فرصة النجاح، وكان في الواقع يجسد أنموذج الشخصية التي لا تريد التحديق في الوجه المأساوي للوطن حتى لا تكرهه، والقرية تمثل ذلك الوجه. إنها تجسد قساوة الوطن على أبنائه وتنكّره لهم مما يؤدي إلى برودته في قلوب هؤلاء .

-لم تخرج رواية "عائد إلى قبري" -من حيث موضوعاتها- عن الموضوعات التي طرقتها "ذاكرة الجسد": أحلام الثورة وخيبات الاستقلال، الفساد السياسي وانعكاساته على الحياة الاجتماعية للناس، الحب بما هو أمل في الخلاص والخيبة فيه، حيث الأعطاب التاريخية تنتج عنها أعطاب نفسية تحول دون لقاء العاشقين.

 

جامعة سطيف2 الجزائر

 

الهوامش:

 

[1] -عبد الله شطاح، قراءة في الرواية الجزائرية (متن العشرية السوداء بين سطوة الواقع وهشاشة المتخيل) مجلة المحكمة، مؤسسة كنوز الحكمة للنشر والتوزيع، العدد الثالث، 2010، ص149

[2] - زكرياء إبراهيم، سيكولوجية المرأة، مكتبة مصر، القاهرة، مصر، ص18.

[3] -تزفيطان تودوروف، الأدب في خطر، ترجمة عبد الكبير الشرقاوي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 2007، ص45.

[4] - تزفيطان تودوروف،نظرية الأجناس الأدبية دراسات في التناص والكتابة والنقد، ترجمة عبد الرحمن بوعلي، دار نينوى، دمشق، سوريا، ط1، 2016، ص86

[5] -جوليا كريستيفا، علم النص، ترجمة فريد الزاهي، مراجعة عبد الجليل ناظم،دار توبقال للنشر،الدار البيضاء،المغرب،ط2 ، 1997، ص78-79

[6] -زكية علال، عائد إلى قبري، دار الأوطان، الجزائر، ط1، 2015، ص284.

[7] - أحلام مستغانمي، ذاكرة الجسد، دار الآداب، بيروت، لبنان، ط10، 1998، ص35-36.

[8] -زكية علال: عائد إلى قبري، ص57.

[9] - أحمد خريس: العوالم الميتاقصية في الرواية العربية ، دار الفارابي بيروت لبنان ، دار أزمنة للنشر والتوزيع ، عمان ، الأردن. ط1 ،2001. ص3

[10] - فتيحة كحلوش، في مهب السرد قراءات في الرواية العربية المعاصرة، دار خيال، برج بوعريريج، الجزائر، 2023، ص91.

[11] -زكية علال، عائد إلى قبري، ص69.

[12] - رولان بارث: لذة النص، ترجمة منذر عياشي،مركز الإنماء الحضاري، سوريا،ط1، 1992،ص31.

[13] -القرآن الكريم، سورة العلق، الآية1،2.

[14] -أحلام مستغانمي، ذاكرة الجسد، ص 18

[15] -زكية علال، عائد إلى قبري، ص11.

[16] -أحلام مستغانمي، فوضى الحواس، دار الآداب ، بيروت ، لبنان ، ط6، 1998، ص24

[17] -زكية علال، عائد إلى قبري، ص133.

[18] - ميخائيل باختين الخطاب الروائي، ترجمة محمد برادة، دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، القاهرة، ط1،1987، ص 102

[19] -زكية علال، عائد إلى قبري، ص58.

[20] - محمد عبد الله الغذامي، المرأة واللغة،المركز الثقافي العربي ، بيروت، لبنان، الدار البيضاء، المغرب، ط3، 2006، ص193.

[21] -زكية علال، عائد إلى قبري، ص119.

[22] -المصدر نفسه،ص 238.

[23] -أحلام مستغانمي، ذاكرة الجسد، ص14.

[24] -المصدر نفسه، ص16.

[25] -جان لابلانش وج ب بونتاليس،معجم مصطلحات التحليل النفسي،ترجمة مصطفى حجازي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروتن لبنان،ط4، 2002، ص261.

[26] - زكية علال، عائد إلى قبري، ص57.

[27] -المصدر نفسه، ص89.

[28] -المصدر نفسه، ص94.