تواصل الكلمة قراءة لنماذج من القصة القصيرة المنشورة بهذا العدد، تبيانا لبعض خصائص الإبداع عامة، والقصة القصيرة خاصة، وارتباطها بالشعر فى الكثير من عناصره، الواقعية والتخييلية، خالصة إلى أن الإبداع عامة، ينشأ من ذات الإنسان الفرد، معجونة بذوات الآخرين، والتى تشكل رؤية المجتمع، وعلاقته بما يدور حوله.

الذات .. والإبداع

شوقي عبدالحميد يحيى

 

مثلما تلعب السنوات الأولى للإنسان دورا أساسيا فى حياته. حيث لا يستطيع الاستغناء عن الآخرين، وفى ذات الوقت يعبر عن إحتياجه بوسائل مختلفة، فتظل العلاقة مُعَبر عنها بغير الكلام المباشر، وهو ما يعبر عنه سيجموند فرويد بالمراحل النفسية، وكيفية تعبير الطفل عن أحاسيسه فى تلك المراحل الأولى، لذا يرى فرويد أن هناك علاقة وثيقة بين العصاب والإبداع فقد شعر بأن كليهما ينشأ عن صراعات تنبع من تحقيق الرغبات والدوافع البيولوجية. أى أن فرويد –فى نظريته للتحليل- وضع يده على بدايات الإنسان، حين لم يكن يسعى إلا إلى تحقيق الرغبات الذاتية. لذا كانت دراسته للأدب –والتى إعتمد فيها على "الاخوة كرامازوف" لديستوفيسكى و "أوديب ملكا" لسوفكليس،  أى أنه يرى ترابطا بين الإبداع والطفولة، بما يعنى أن الإبداع ينشأ من داخل الذات، ويسعى للتعبير عنها. إذن فالإبداع هو التسامي للدوافع الجنسية في التصوير التحليلي النفسي، وهو ما نستطيع أن نجده بالدرجة الأولى فى الشعر، ومن بعده القصة القصيرة. وقد فسره فرويد بأنه –الابداع- ليس إلا صراع بين الأنا والأنا الأعلى، اى الصراع بين الذات والمحيط الخارجى. لذا عندما يكَبُر الإنسان، ويمر بالعديد من الأحاسيس والمزيد من التعرف على الآخر-خاصة العنصر الآخر –  وهو ما يعرف  "ببناء المعرفة" وتترسب بعض المواقف فى جوانيته، اى أنه يقوم بتقسيم وتنظيم هذه المعرفة، ويخشى البوح بالكثير منها، لظروف ومفاهيم المجتمع من حوله. ومع تراكم تلك الأحاسيس، تتشكل أفكاره، ومنها ما يستطيع الجهر به، ومنها مالا يستطيع. فتنبت الحاجة لديه لإخراج تلك الأشياء، ولكنه فى غالب الأحيان، لا يستطيع الجهر بها مباشرة، خاصة فى مجتمعاتنا العربية التى تضع المحاذير لبعض الأشياء، مثل الدين والجنس والسياسة، فلا يعود لديه، لتحقيق الرغبة، والحفاظ على تقاليد المجتمع غير الإيحاء، الذى يستخدم–خاصة- فى الإبداع، الذى ينفر من المباشرة، وهنا تأتى الرواية ، والتى تتطلب علاقاة الذات بالآخر.

أى أن العملية الإبداعية بصفة عامة تقوم على العلاقة التبادلية بين المجتمع (بموروثاته) والفرد (بتركيباته)، فالمجتمع يملى شروطه –غير المكتوبة- والفرد يسعى للحرية التى يستطيع بها أن يحقق كل ما يطمح إليه وما يعتمل فى داخله، وبالتأكيد يعوقه المجتمع، ومن هنا ينشأ الصراع الداخلى، والذى يعبر المبدع عنه فيما يُنتج من إبداع. لذاك يمكن تعريف الإبداع –عامة- والقصة القصيرة على وجه الخصوص، بانها التعبير عن دواخل الفرد، واشتباكاته مع البييئة المحيطة. أى أنه صراع، أغلبه داخلى، ينشأ من الذات الساردة، أو الذات المبدعة، ويتسع فى شبه دوائر متباعدة لتشمل الكون بأكمله. 

وقد درس الفلاسفة عملية الإبداع، وكيف ينشأ، حيث يرجعونها فى الأساس، بأنها محاولة من الإنسان (للمحاكاة، أو تقليد) المثل، الغير مرئى، بإعتبار المحاكاة نوع من التقليد الذى يسعى الإنسان لخلطه بما يراه من حوله مصبوغا بذاته، فكانت محاكاة الطبيعة ذاتها، أى سعى الإنسان لخلق عالم مواز لما يراه من حوله. فيرى أفلاطون (427 ق.م - 347 ق.م) فى نظريتة عن المحاكاة. أنّ الشعر هو فن قائم على التقليد أى على المحاكاة، حيث يصبح أكثر تأثيرا على القارئ، على إعتبار أن ما يوجد فى الحياة وهو مطابق للمثل (النموذج) العلوى، فهو يستمد صدقه من صدق المُثل العليا. ثم جاء من بعده "أرسطو" ( 384 ق.م - 322 ق.م) ليطبقه على المُثل والظلال (الموجودات الخارجية). حيث يرى أن المبدع والشاعر عندما يُحاكي الطبيعة فهو يحاكي ما يمكن أن يكون لا ما هو كائن. أى انه- الإبداع- عملية خلق مواز، وليس نقلا للواقع كما هو. كما حاول الفلاسفة العرب دراسة الإبداع، فجاء "الفارابى" ليقول أن المحاكاة هى التصوير لا التقليد. وجاء "ابن سينا ليؤكد أن المحاكاة تقوم على تقديم الشبيه ولا تنقل الشيء كما هو. وأدخل "حازم القرطاجنى" التخييل إلى الشعر، الذى يمارسه الشاعر، وتنتقل عملية التخييل من الشاعر إلى المستمع. أى أنه اقترب كثير من عملية الإبداع، أو الإنشاء. وهذه هى المحاكاة الأرسطية التى انتقلت من الفلاسفة اليونان إلى الفلاسفة العرب. وهو ما نستطيع معه القول بأن الإبداع عامة ينشأ اولا من الذات، لكنه يصبغ مؤثرات تلك الذات بالمجتمع، الذى يعتبر هو العمد الرئيسية التى يقوم عليها البناءالأدبى.

وما نخلص إليه من أن الأدب –عامة- يأتى نتيجة اهتمامنا بعالم الواقع، الذي نعيش فيه وبعالم الخيال الذي ننقله إلى الوجود. خاصة إذا نظرنا إلى المجتمع الذى يتشكل من مجموع الأفراد، ورغم أن كلا منهم له مواصفاته، وآراؤه التى تشكلت من مجموع علاقاته بالآخرين، وما يعتمل فى نفسه، فإن ما يعتمل فى نفسه، يظل خبيئا فى الجوانية، لا يعلمه إلا نفسه، وربما يكون هناك حائط غير منظور، فلا يراه الغير، فقد لجأ الإنسان إلى الأدب والفن، بصورهما المتعددة، وسيلة للتعبير عن ذلك الذى يعتمل بالداخل، ولا يود الإنسان أن يبوح به للغير، حيث يلجأ لإلباس تلك الأشياء التى بداخله، لغيره، وكأنها ما حدثت إلا لشخص ما، فى مكان ما، وفى زمن ما، وهو ما نستطيع أن ندركه من خلال تلك النماذج، والتى تنبع الرغبة فيها للتعبير عما يعتمل داخل نفسية الإنسان الفرد، فى البداية، ثم تنتقل إلى المحيط الضيق فالأوسع حتى يشمل الكون كله.

ويكفى أن ننظر إلى تاريخ الإبداع وتطوره، لنجد أنه ارتبط بالتغيرات الأساسية، أو المفتاحية، التى تحدث فى المجتمع. كما ننظر إلى رؤية المبدع ذاته للإبداع المرتبط بحياته، ويكفى أن نذكر مقولة نجيب محفوظ عندما سُئل "لماذا لم يكتب سيرة حياته الشخصية" فكانت إجابته: من أراد حياتى الشخصية، فليبحث عنها فى أعمالى. وقد حرصنا فى هذا العدد من "الكلمة" إلى تقديم النماذج من القصة القصيرة – بإعتبارها الأقرب إلى الذاتية لنخلص إلى أن الإبداع عامة، والقصة القصيرة خاصة، مرتبطة إرتباطا وثيقا بين الذات أولا، وتفاعلها مع الواقع المتدرج مثل الدوامات، لتحيط بالإنسان الفرد، فلا يملك منها هروبا. :

الظل يحترق – هدى النعيمى

بقول المثل الشعبى، عندما يصير ضجر الإنسان لذروته (أنا مش طايق نفسى)، وهو المثل الذى عبرت عنه الكاتبة القطرية هدى النعيمى فى قصتها الرائعة "الظل يحترق" والتى استطاعت فيها أن تعبر عن ذلك الضيق، بلغة شاعرية، تُضمر أكثر مما تُظهر، وتُكثف الحزن والمطاردة، فى كل مسيرة الحياة، منبثقا من عمق الماضى، مقترنا بالأصل الذى وُجد منه، من الأم التى هى مصدر وجوده، ليطارده حين تتسع الدائرة وتخرج من الحيز المحدود إلى اتساع الحياة، متمثلا فى ظله الذى لا يفارقه، والذى يحمل معه الروائح الكريهة، التى تطارده، فلا يملك إلا ان يحرق صندوق الذكريات، الذى يحمل تلك الذكرى، وتلك الرائحة.

اعتمدت الكاتبة على روح الشعر، فنقلت الإحساس بالمطاردة، والإحساس بالغضب، قبل أن تسوق (حكاية) أسباب تلك الحالة، حيث أضغمتها فى ذلك الإحساس، وتركت للقارئ أن يبحث هو عما خلف هذه الإحساس.

فبدأت القصة بإضافاء ذلك الجو النفسى الذى يسيطر على السارد، أو الساردة، فلم تبح الكاتبة بنوعيته، فى إيحاء بالتساوى، أو عدم الفرق بين من يكون، سارد أو ساردة، لأنه إحساس الإبن، والإبنة معا { الظل الذي كان يجاوره على المقعد، كان أسود داكنا، وخشنا، وله أنياب حادة ونظرات شرسة، لم يتعود من ظله أن يكون بهذا الجفاف والقسوة، لكنه اليوم يشعل مقعده سخونة وعنفاَ، لم يتحمل امتداده الأسود القاتم}. فالمفقود هو الإحساس بالأمان، الإحسان بالحض الدافئ، الذى يمنح الحب، ويمنح الانتماء فقد { وجد أنه يشتهي أن ينام على صدرها}. حيث تكشف الجملة عن كينون السارد، وكينونة المشكلة، ف(أنه) تُنبئ بأن السارد ذكر، كما توحى على صدرها بأنها الحبيبة، أو الأم، غير أنها –الكاتبة- فى موقع آخر تذكر{ سار حتى توقف عن التفكير في الصغير وأمه المختلطة بالنسيان}. لنتبين أن أساس المشكلة النفسية التى يعانى منها، هى الأم، وأن السارد -مرة أخرى- هو ذاته ذلك الطفل الذى كانه، عندما كانت الأم موجودة فى حياته، وكانت تمنحه الدفئ والحنان { توقف حين اختفى امتداده الأرضي}. فهو الامتداد (الأرضى) لتلك الأم التى { تركته حين جاء تاجر العنب ليخطبها، ثم عادت إليه ليلاً حين اكتشفت أن تاجر العنب لا يسكر}. فقد تركته، وإن كانت قد عادت، إلا أنها لم تعد لأجله، بل لأن تاجر العنب لا يسكر، بينما كان هو لا يملك أن يقول { «لا»، لكنه أبدى مزيداً من المراحب !}. ولنلحظ أن الكاتبة اختارت{ ثم عادت إليه ليلاً} حيث توحى كلمة (ليلا) بأكثر من إيحاء، فتوحى بما يحدث فى الليل، وأنها عادت إلى طفلها عندما وجدت تاجر العنب لا يسكر، بما تكتنفه كلمة السكر. كما توحى(كلمة الليل) بأنها عادت إليه (ليلا) بأنها عادت بعد أن كانت بذرة القلق والسواد قد استقرت فى النفس، وأصيح { يشتهى أن يشكو إليها قصة الظل الشرير المكسو بالبول والأشواك} حيث يضفى الليل المزيد من الغموض والتوهان. وهو ما يؤكد قدرة الكاتبة على اختيالا الكلمات الداله، أو الموحية، والتى توسع من مساحة الظلال التى يصنعها، وبالتالى مساحة الرؤية للقصة.

ثم تأتى الكاتبة بإشارة ترمز إلى مراحل العمر، وكيف أن الظل، بما يحمله من رائحة تزكم  الأنوف، فكرت{ توجه نحو الدرجات المكسورة التي اعتاد ارتياد القداسة من خلالها، وجد كومة من القمامة تسد الدرجات، ود لو استطاع أن يأمر الظل القذر برفع القمامة، لكن الظل كان قد تلاشى، ثم إنه ليس ممن يسمعون الكلام فيتبعون أحسنه، ليته يختفى من كل الصباحات}. فالدرجات المكسورة هنا هى درجات العمر، التى أصبحت مكسورة، خاصة إذا تأملنا{ التي اعتاد ارتياد القداسة من خلالها}، فالقداسة هنا تشير إلى قداسة الأم. وبعد أن اصبحت تلك الذكرى تطارده أينما ذهب، فى الصباح وفى المساء، فى البيت وفى الشارع، فقد تملكه الغضب، والكره الذى طال كل الألوان الخضراء، ف{عاد أدراجه يلعن القذارة والدرجات وصدرها المشتهى وكل تجار العنب وأصناف الفاكهة وكل الألوان الخضراء}. أى أن تلك الواقعة غير المسئولة، طاردته طوال حياته، إلى أن جاءته ورقة  من عقب الباب {"حسابك المصرفي قد وصل إلى الرقم الذي حددته، الديك المذبوح لم تهمل دماؤه، اطمئن لن يدري بما فعلت إلا ظلك الذي لا ينطق"} فالديك المذبوح ليس إلا السارد، فكان طبيعيا أن{استدار نحو المطبخ خطف الموقد الصغير من مكانه، أسرع به إلى الصندوق قبل أن تفرغ محتوياته من التسلل أفرغ قلب الموقد في قلب الصندوق، ثم قذف بعود ثقاب مشتعل على ذلك القلب الأسود، وجلس يرقب الدخان وهو يتصاعد}. وكأنه أوقد الحريق فى صندوق ذكريات، ظنا منه أن بذلك يتخلص من الماضى الجاثم على حياته. لتكون  القصة أصدق تعبير عن الذات، وتنطلق منها إلى الدوائر المحيطة بها، صغيرة ثم كبيرة ولتتسع إلى أن تشمل الكون كله.

مدينة الألعاب – لنا عبد الرحمن

لا شك أن الإنسان المبدع، يعيش فى حالة متفردة، يرى ما لا يراه سواه، فيخرج بتلك الرؤية إلى الآخر، بعمل إبداعى، يصوغ فيها الحياة، ولا شك أن المبدعة اللبنانية، التى طوفت بالعالم، واستقرت فى مصر "لنا عبد الرحمن"، فعندما أرادت أن ترى العالم وفق ما تراه، وتعيشه، حيث رأت العالم، مجرد مدينة، تلهو بالخطر، وتموج بالحركة والرعب، بينما كانت هى{ لا توجد أي ملامح اضطراب على وجه أحد سواها} بينما الإبن، الطفل، المستقبل، يرى أن ما يحدث لا يدعو للخوف، ولا للرعب {ماما، أنت خائفة؟ لقد شاهدتُ هذا العرض قبل الآن في رحلة المدرسة، لا تخافي، لن يحدث شيء}. فتهرب من تلك الحياة التى لا تستطيع المواءمة معها، فتعود إلى طفولتها، حيث تخرج من مدينة الملاهى، تاركة الإبن/ الطفل يعيش حياته، لتجد رجلا تذكره تماما، حيث كان صديق والدها، تتحدث إليه، لكنه لا يتحدث، ولا يعرفها، وكأن الماضى يُنكرها بكل ذكرياته، فقد مضى الزمن، ,اصبحنا فى زمن غير الزمن، لتصبح هى التائهة فى عالم لم يعد عالمها، فقد ساد العالم اليوم {أسود تترقب الإلتهام، وضعيف يمشى على الحبل، ويخشى الوقوع فى فم الأسد{لم يتذكر صداقته لأبيها، وأيامهما التي مضت بين حرب وحرب؟}.

فالكاتبة هنا، تعلن الرفض لعالم اصبحت الحروب التى لا تتوقف، هى ما يصبغ الحياة بلونه الأحمر الدامى، ويُضمر الخوف والرعب والفرار.

فإذا ما نظرنا إلى لبنان، بلد المنشأ، وما يحدث فيه من اقتتال، ودمار، سندرك لما طافت الكاتبة بلاد الأرض، واستقرت فى مصر، وسندرك كيف استطاعت المبدعة أن تترجم كل ذلك فى قصة قصيرة، استطاعت أن تطوف فيها بما يدور فى العالم، منطلقة من البيئة المحطية، وأن تصور الذات المبدعة، وكيف تعانى، لتخرج المعاناة إبداعا حقيقيا، خاليا من الشعارات، وثائرا فى نعومة الموسيقى، وخطوط اللوحة الرومانسية، فخلقت من المكان الصغير، العالم باتساعه، وضجيجه وحروبه.

وقد استخدمت الكاتبة الأساليب الإبداعية، والصور الناعمة، لتصوير الرعب الذى يكتنف الإنسان فى هذا العصر. فنجد إنسان العصر ممثلا فى لاعبة السيرك التى تخشى السقوط { وحرصها على عدم السقوط}، حيث فى الأسفل، هناك من ينتظرها{أسد رابض على الأرض، يفتح فمه، ربما يكون جاهزًا لالتهام الفتاة}. بينما العالم من حولها –تلك التى تسير على الحبل- فيرى أنها لعبة فى نظر الأطفال، فقد اعتادوا أن يرو ذلك فيما قدم لهم من ألعاب، ويرى الكبار أن ما يجرى هو حقهم، وهو القانون الطبيعى للحياة{الأطفال يدركون أنها لعبة، والكبار يستمتعون بالمشاهدة}. ففى تلك الكلمات المحدودة الحروف، الواسعة التعبير، صورت الكاتبة عالم اليوم، وعالم الحروب، ونظرة الكل إليها، بينما لا يُدرك وقعها، ويتألم فى الحياة، غير الإنسان الفرد، الذى هرب منه الماضى، وضاع المستقبل، فى عالم لم يعد عالمه { في الخارج، أشعلت سيجارة، لم تكن تدخن في المعتاد، إلا حين تحس باضطراب كثيف. كانت على وشك الدخول في حالة من الإغماء} ولنصبح أمام الإنسان –عامة- وسلوكه وكيف أنه يتأثر بما يدور حوله، وكأن تلك الظروف هى التى تصنع الشخصية فى زمن معين، ومكان معين.    

رائحة البرتقال – محمد إبراهيم طه

ولأنه لا شئ ينشأ من العدم، فكذلك الإنسان، لا يشكل إبداعه، وإخراج المكنون داخل ذاته، إلا للتعبير عن تلك العلاقة الأبدية، بينه وبين الآخر، من جانب، وبينه وبين الكون، من جانب آخر، وبينه وبين ما يحدث له دون أن يستطيع أن يعلم أسراره، فتأخذ صورة التعبير عن الذات، إذ ربما يستطيع بها فهم نفسه، وربما ساعد غيره على فهم تلك الذات الإنسانية، وهى الوظيفة الأساسية التى لجأ فيها الإنسان للأدب والفن. ومن هنا كانت علاقة الأدب والفن بالمجتمع الذى يعيشه المبدع، منه يتكئ على المنظور، وغير المنظور، حوله، ويبنى عمله، ويرسله، او يتركه لغيره، عله يساهم فى فهم لغز الإنسان، ولماذ جاء الحياة، وكيف يعيشها. ولا شك أن الطبيب، من بين البشر الذين يمرون بالعديد من التجارب مع الآخر. وبحكم أنه (إنسان) فهو يعانى كل ما يعانيه (الإنسان)، من احتياج، ومعاناة. من رغبة وقيود. من نقطة ترتكز هناك فى الخفاء، لكنها تلازم الفرد، لسنوات، وربما إلى أن تنتهى حياته.

ونحن هنا مع د محمد إبراهيم طه، نشُم رائحة البرتقال، ولكنا لا نراه، ولا يراه الآخرون، مثلما المرض اللعين، يشعر المريض بآلامه، لكنه لا يراه. فاستطاع أن يستخدم تجربته الحياتية –كطبيب- وما يمر بها من أسباب ومسببات، ليصنع بها قصة قصيرة، تتسع لتشمل الإنسان، فى كل مكان، وكل زمان.

فتبدأ القصة بتلك النقطة البعيد التى خبأها الزمن {المشهد بعيد، لكنه متكرر}، ولهذا المشهد طقوس معينة، فتبدأ برائحة البرتقال. وهنا نتساءل، لماذا رائحة البرتثال تحديدا؟ ولنعلم أن رائحة البرتقال، ترمز إلى الخضرة، أى فترة بداية النضج، كما أنها تتطور، وتتغير على مر اليوم، فضلا عن أن رائحة البرتقال لها المذاق الحمضى، وهو ما يسبب إرتجاع المرئ، والذى يصل إلى الفم، بصورة متكررة. فالصورة هنا، توحى بالبدايات، وتوحى بالتكرار الفارض وجوده، على الرغم من أنه غير مستحب، كما أنها (الصورة) تعكس أحد إيحاءات الطبيعة الريفية التى التى هى مسرح العملية التى تتحدث عنها القصة، دون أن تقول ذلك صراحة، وتنتقل (الصورة) إلى المحيط الضيق فى مسرح العملية، حيث المستشفى، والطوارئ، والممرضة "كوكب السنوسى" العجوز، وتلك التى جاءت إلى المستشفى، بصحبة رجل عجوز، ظنه السارد والدها، وكانت تلبس {البلوزة البيضاء التي بلا أكمام لم تكن بيضاء تماما، بل يغلب الزهري على خطوطها العرضية}. والذى يكشف تلك العلاقة بين{ائحة البرتقال) و{ يغلب الزهري على خطوطها العرضية}. الأمر الذي يكشف ارتباط تلك الذكرى، بتلك الرائحة. وليكتشف السارد أنها أثارت حواسه، كرجل شاب لم يزل، ورأى أنه لا بد أن يكون اسمها نور، فقد أضاءت تلك الحواس الخفية، وأخرجتها إلى الضوء والعلن. وتتجمع الخيوط كلها فى جنح الظلام، فتتداعى التساؤلات والخيالات، والرؤى، فضلا عن اختياره لاسم "نور" حيث تتضح كل الرؤى{ المشهد كأنه في حلم، و"كوكب" لا ترد كأنها ميتة، ورنات التليفون في السكن تصل إليَّ في الاستقبال ولا تسمعها هي، فلا يبقى في الكادر سوى طبيب أعزل وفتاة ببلوزة بيضاء وصدر في كامل عنفوانه، لا يفصل بينهما سوى أنبوب رفيع ينقل قطرات الجلوكوز برتابة إلى وريد خارج الكادر باستقبال مستشفى خارج الخدمة، يتناوب عليه أول الليل ممرضة، وآخر الليل طبيب عام أعزل، ليصير المشهد في جوف الليل كأنه حلم، يتعانق فيه القلق مع السكينة وتمتزج الوحشة بالأنس والتعب بالراحة والخطيئة بالغفران، وتتسرب رائحة الموت إلى رائحة البرتقال حتى يبزغ نهار وتزقزق عصافير، وتأتي من خارج الكادر سارينة إسعاف متهالكة، تخرج على إثرها كوكب من السكن متثائبة، وهي تعرف أنها قادمة بحالة، لكنها لا تعرف أنها ستحمل ميتا في صمت}. ففى ذلك الليل، تختلط المشاعر، ويكون الرجل قد فارق الحياة، بينما الحب والرغبة، قد أشرقت مع إشراق الصباح، فارتبط الموت بالحب، وخرج النور من الظلام، وترسخ مع كل حالة تأتى، لتعيد تلك الذكرى التى ترسخت فى الأعماق، وأصبحت ذكرى تلازم الطبيب العام الأعزل الذي كانه السارد، يوما ما.   

سرحان والقرصانة- محمد الفخرانى

المتابع لأبداعات محمد الفخرانى، سيدرك أنه لا يعتمد فيها، على التجربة المحدودة، وإنما يعرض رؤية عامة، قد تشمل الكون بأسره. وإن كان الإنسان يكمن فى الأعماق، يتأمل، وينسج الخيوط الحياتية، التى تؤكد أن وراء كل عمل الإتسان، الفرد، يسعى من خلاله أن يرى العالم فى المجموع.

ففى قصته "سرحان والقرصانة" يعود إلى الطفولة الأولى –للإنسان- حيث تخرج الأشباح ويتعامل معها الفرد، بالخوف، ولكنه هنا يتعامل معها كما لو أنها إنسان. ولم تكن الأشباح وحدها هى التى تتحول إلى إنسان، ولكنها العربة "قرصانة" التى تولد في أعماقه حب لها، بل توحد، وكأن الفخرانى يقول أن الإنسان ليس إلى وحدة واحدة فى عالم مليئ بالكائنات، يعيشون مثلما يعيش الإنسان، وأن الحياة لا تكتمل إلا بالتفاعل بينها، والتسامح معها كي يعيش الإنسان فى سلام – مثلما فى روايته "غداء فى بيت الطباخة"-. فسرحان، وقع فى غرام العربة "قرصانة" منذ أن كان عتالا عليها، وحلم أن يكون سائقا لها، وتوحد معها فى الطريق، الذى يمثل طريق الحياة، ومغماراتها المتمثلة فى مغامرات الطريق، ورغم أنه قابل العديد من النساء فى الطريق، إلا ان واحدة منهن لم تستطع أن تُنسيه "القرصانة" التى ارتبطت حياتها بحياته، حتى ماتا معا، وبعد موتهما { تَحَوَّل "سرحان" إلى كائنٍ هو الأول من نوعه، حالة وسَطًا بين الشبح والإنسان، مزيج من بعض ما هو موجود فيهما، ولديه في الوقت نفسه قُدرات تَخُصُّ هذه الحالة الوَسَط، يمكنه بها أن يفعل أشياء لا يستطيعها الشبح النقيّ، ولا الإنسان النقيّ.. فقط "سرحان" و"القرصانة"}.

فالإنسان هنا هو الأساس، ورؤية الكاتب، وما شاهده على الأرض، هو المادة الخام، التى يستعملها ليبنى عمله الإبداعى، حتى وإن خرج عن التجربة الحية، ولكنها تُفصح عن مكنون الإنسان المبدع، وحلمه الذى يحلمه للإنسانية، وذلك جوهر الإبداع، فى صياغة سردية تحمل شكل الحكى البسيط، لكنها تُضمر فى باطنها، المعنى الأسمى، الذى يُشع من الداخل، وينشر إشعاعاته على الوجود الذى يشغل الفخرانى، فى كل أعماله، القصصية والروائية، حيث لا يقدم التفصيلات، أو المواقف الحياتية، ولكنه يقدم الرؤية الكلية، التى تترك اثرها، وتفعل فعلها المطلوب منها أن تفعله.

ضباب شفيف – حاتم رضوان

لطبيب الوحدة الصحية فى الأرياف، على وجه الخصوص، الكثير من التجارب الحيوية، والكثير من الأحلام، تجاوز الجفاف الذى يعيشه- مضطرا- بأمل تحويل الحياة إلى ما تشتهى النفس، ويطمح الخيال، فهى {إنها الثامنة مساءً تنقطع هنا الحياة، وتتوقف المواصلات من وإلى المدينة، كان عليَّ المغامرة واختصار المسافة المؤدية إلى الطريق الزراعي، لاستوقف أي سيارة تحملني إلى المدينة، مشيت فوق مدق ضيق يشق زراعات الذرة، تحيط بي ظلمة متكاثفة وضباب خفيف}. ووسط هذه الأجواء الضبابيىة التى توقظ المخاوف قبل الأحلام، فيبرز معايير وأفكار تلك المنطقة، ولعل أبرزها، وما يثار فى مثل تلك الرؤية من الضباب والليل، تبرز الجنية التى تختطف الرجال، لمكان مجهول، وكل مجهول يثير الخوف والأفكار، فتبرز الأحلام، ليرى السارد تلك الفتاة التى ينضح كل ما فيها بالجمال {جمال ملائكي برئ، لا يخلو من الفتنة، كان صدرها يعلو ويهبط بسرعة وانتظام، مع رجرجة خفيفة بفعل الأرض غير المستوية تحتنا، وكأنه يكاد أن ينفلت من الخوف}.  فتُصر الفتاة على عدم سؤالها عن هويتها، الأمر الذى يثير المزيد من الخوف والترقب، وليبرز التناقض بين وجود الجمال مختبأ فى الظلمة. وتختفى الفتاة فجأة، عند وجود القطار الذى يسير بسرعة كبيرة، وكأنه قطار الزمن، فيختفى الجمال، ويختفى الخوف والقلق. ليفاجأ بها فى الصباح، وكأنه بداية ونهاية، ليستدعى ذلك قصة يوسف إدريس (العملية) عندما كان الرجل فى المستشفى يحتضر على سرير، بينما على السرير الآخر، كان الطبيب يعتلى الممرضة. فيفاجأ دكتور الوحد الصحية الريفية، بأن تلك التلى رآها تتمدد على السرير، ليكتب لها شهادة الوفاة، دون أن يعلم حتى اسمها. وكأنه استيقظ من حلمه، أو كابوسه، على نهاية الحياة، لتتسع الرؤية بمساحة الحياة بأكملها. وليثبت دحاتم رضوان، أنه من المكان، استطاع أن يخلق الزمان الذى معه تمر الحياة، وكأنها حلم. فانحصر الزمن القصصى فى ضربة البداية التى كانت هى نفسها النهاية، حيث بدأت القصة من النهاية وهى اللحظة التى وقف السارد فيها مشدوها، فأخذ يردد –فى نفسه-  { أقسم أنها هي. لن تخطئها عيني التي رأت وعاينت}.

فمن خلال التجربة الذاتية-كطبيب- تتسع الرؤية، لترى العالم، والإنسان، أينما كان.

من جاور الجدة- رشا عبادة

عندما يتخفى الزمن وراء بساطة الفكرة، وبساطة السرد الذى يشد القارئ للقراءة، يكمن الإبداع الحقيقى، والمستمد من واقع الحياة المعاشة، رغم ما قد يظهر من تصور للخيال، الذى أيضا يلعب دورا مهما فى صياغة القصة القصيرة.

فتبدأ قصة "من جاور الجدة" لرشا عبادة،  بالتساؤل، الذى بدوره يعمل على إثارة الفكر، والمقارنة بين ما كان، وما هو كائن. فالوضع الكائن تؤجله الكاتبة إلى نهاية (الحدوتة) التى تعبق بالحكمة، وتستدعى ذكريات عالم ما كانت تموج به "الف ليلة وليلة" فنقرأ {أزيدك من الطين بله، عينا صغيري التي يملؤها العُماص..... التراب الطفل نائمًا على زجاج الطاولة وأخشاب الكراسي... الكتب المرصوصة دون قراءة حتى الآن... العرق بالمطبخ رذاذ... العرق بالمطبخ رذاذ} فكل هذه التراكمات التى تبرك على صدر المرأة، فتحيل الحياة إلى سلاسل من المعاناة والضجر.

 غير أن المرأة الفقيرة- المعاصرة-، التى لا تمتلك، ما تعيش به فى البيت الكبير، والمدفأة التى تقيها اختراق البرد القارص لجسدها، فتلجأ للوسيلة التى كانت تعيش بها (الجدة)، حيث ترضى بما هو مقسوم لها، وتحمد ربها، لتشعر بالأمان والطمأنينة. فتجد الذهب، فتفكر فى أن تستمتع به وتُمتع الآخرين، ويتحول الذهب إلى فضة، فلا تنسى الآخرين أيضا من نصيبهم فيما وجدت، وتتحول الفضة إلى حجارة، فترضى بها، وتحاول الاستمتاع بها فى صنع الكرسى، وهى -أيضا- لا تنسى الآخرين. فعاشت حياتها بالرضى، والاستسلام.

والقصة على بساطتها، تنفذ- دون أن يشعر القارئ- إلى عمق الإنسان لتستخرج أحد المؤثرات فى تكوين شخصيته، وهى الاستسلام لما هو موجود، ليلعب دورا مزدوجا، فهو يساعد على الحياة، دون معاناة نفسية، وتُشعره بالرضى، لكنها فى ذات الوقت، تعبر، وترفض المغامرة التى تقود إلى الاكتشاف، والابتكار، فيظل المرء فى قاع العالم، ويظل مستهلكا، لا صانعا. فضلا عن أن الماضى- الممثل فى الجدة- له التأثير الأكبر على حياة الإنسان العربى، وكأنه يعيش حياته تحت عباءة الماضى، الذى يرفض أن يغادره. وكأننا أمام رسالة تنويرية، فى صيغة قصصية

ساعد على أن يتحمل القارئ تلك الرسالة، وتلك الدعوة للتفكير، ما تمتعت به "رشا عبادة" من روح السخرية، والقدرة على صهر تلك الرؤى، فى صورة (حدوتة) تستعيد بها زمن الحواديت، التى كانت تستهوي الأطفال، وتوسع خيالهم، ليكون الخيال هو الحافز وراء الاكتشاف والمغامرة؟. 

قشرة برتقال لا تقطعها سكين- محمد حسنى عليوة

صورة جديدة للشكل الدائرى فى القصة القصيرة، التى استطاع محمد حسنى عليوة أن يصيغها ببراعة يحسد عليها.أجاد فيها التلاعب مع القارئ، يحاوره، ويلاعبه، فصهر رؤيته فى القصة بين الصمت والكلمات، وبعثر المفاتيح فى أماكن متفرقة، ودعا القارئ للبحث عنها، كى يستطيع فتح القصة المغلقة، ويهتف تصفيقا للكاتب. فما تحمله القصة القصيرة، تتحمل أن تحمله الرواية بكل ما لها من حرية فى الزمان والمكان، غير انه حافظ على ما تعارف عليه النقاد من حدود للقصة القصيرة.

تبدأ القصة بالمكان الواقعى، حيث البنت تحاول الفكاك من القيود المفروضة عليها، فى القرية، وحيث الأب المحدود الذى يخضع لقيود القرية، المادية والمعنوية، وحيث الولد اليافع { يراقبها كعادته، عبر ثقب صغير صنعه في النافذة بآلة حادة التقطها خلسة من عامل دريسة القطارات} فتحمل مجرد كلمة(كعادته) الاستمرارية التى تمنح الحق فى فعل ما فعله معها. وتتجسد الطفولة بأحلامها، مع من يناسبها، مع الولد الذى جعل منها كعبة يطوف حولها سبع مرات، بعد أن كان قد فاض بِشرا وفرحا. خاصة أن من يُعتقد أنه هو الذى فض بكارتها- فالكاتب لم يقل صراحة من الذى فعلها، فحين أرغمها الأب على السفر إلى بيت الرجل الكبير ذكر لها { في الطريق سقطت أكثر من مرة منهارة، فكان يجذبها من ثوبها بقبضة يده ويصرخ في وجهها أنه لو تراجع سيفقد لقمة عيشه والبيت وتفقد هي حياتها}. حيث تفتح الجملة عالما يضم فيه عالم (الباشوات) أو الطبقة العليا، وكيف كانت تتحكم فى الطبقة الأدنى. فضلا عن الاعياء الذى أصاب البنت ، لفراق عالمها، وفقدان من تركت معه أغلى ما تملك.

ثم تبدأ الرحلة من القرية إلى المدينة، من الطبقة المتواضعة، إلى الطبقة التى تعود لعصر الباشوات، والوزراء، عبر رحلة القطار التى تنقلها من عالم عاشته وأحبته، إلى عالم مشحون بالقلق والخوف { فالقطار، في مخيلتها كوحش يلتهم المسافات، يبتلع الزمن في جوفه}فالقطار هنا لا يحمل الرحلة المكانية فقط، وإنما يحمل قبلها رحلة الزمن، الممتدة من الأم إلى الإبنة.

 وفى البيت الكيير {كانوا قد تركوا لها غرفة صغيرة يُفتح بابها على حوش كبير، كان يشغلها في الماضي رجل يرعى الخيل، لا زالت تحتفظ بكثير من رائحة موته -غدرًا- فيه}. ليبدو الأمر هنا غامضا، وما العلاقة الآثمة التى جعلت الرجل يموت غدرا؟ ويلقى الكاتب بصيصا من الضوء، حيت تذهب الفتاة خلسة إلى حيث النور المقطوع لتسمع فى إحدى الغرف البعيدة : {وبدافع الفضول سمعت نقاشاً حادًا بين الرجل وولديه، وكان أحدهم يصرخ غاضبًا:

لا يهمني ماذا ستفعل؟ الأمور فلتت من يديه! وعليّ أن أتصرف.

يشارك “الرجل الكبير” شجارهما: أخبرني أولاً، كيف عثرتَ على هذه الورقة؟} فالرجل قد فعل فعلتة. ونحن هنا أمام جريمة حدثت، يسأل فيها (الرجل) عن كيفية وصول الورقة؟ فما هى الورقة؟ وإلما تشير؟ وما موقعها فى هذا الظرف الغامض؟. وقد تتضح الأمور عندما نعلم أن أم الفتاة كانت تعمل فى ذات البيت الكبير، حيث تصف القصة وهى (الأم) تشرح لبنتها أركان البيت{ تُظهر صورة رجل عظيم الهيئة، بشاربه الكث وجبهته العريضة، فتخبرها الأم وهي تضع يدها بحنان على كتفها}{ وهما تتمشيان بين أروقة المنزل}. ولنصبح أمام عديد الاحتمالات، التى توحيها القصة، وتتركنا فريسة للتخمين. لعل أقربها أن الرجل الكبير كان قد عقد على الأم خفية، وراعى الخيل يعلم بالحقيقة- وقد يتصور كل قارئ للواقعة وفق ما يتصور، وهو ما يوسع من مساحة القصة التخيليلة- حيث أن الإبنة عندما تسأل أبيها وهم فى بداية الرحلة، يجيبها {ستعرفين كل شيء في حينه. ولا تخافي! لن تضيعي مني كما ضاعت أمك}. وتم إكتشاف الأمر، فقتله الإبن، بينما الأم فى القصة ماتت دون أن نعلم كيف ماتت، وحديث القصة عن الأب وكيفية موته بالصورة التى عرضتها القصة، هو ما يشير إلى ذلك {خلال يومين كان كل شيء قد تم. الجنازة المهيبة التي دعي إليها كل “الرجال الكبار”، العزاء وقد أقيم له سرادق امتد بطول وعرض القرية، رعبها الشديد – وهي ابنة رجل فقير لا ناقة لها ولا جمل في ما حدث!- الذي شيعته نظرات ووعيد أولاده وزوجته}، فحتى موت الرجل الكبير يحوطه الشك والإخفاء. وبعد تلك الواقعة يتكشف تأثيرها النفسى على الإبنة حيث {الليالي الطويلة التي قضتها، بعد ذلك، وهي تفزع من نومها كمجنونة تطارد شبحًا متجسدًا في قشرة برتقال سوداء تغطي مساحة كبيرة من خدها الأيمن، “هي السبب!”} فإذا ما علمنا أن رؤية قشر البرتقال أو قشر البطيخ فى المنام، تدل على فضح الأسرار وكشف الأمور المستورة، وهى مقدمة على الزواج من إبن الرجل الكبير، ولا هو ولا أمه تعرفان أنها ليست بكرا. فتعود القصة إلى حيث البداية ولكن بالصورة الخيالية، فتتذكر البداية التى فقدت فيها الحب وما كان من عذريتها التى تخشى أن تذيعه كسر مكتوم فى الأعماق، وتخشى إذاعته أو أن يُعرفا{ وبنظرة غامضة شردت في مهب خيالها، حتى أحست أنها غائبة عن الوعي باللحظة... وبولد يتمرغ في تراب الحقول، يغرد كعصفور مشاكس، وينقر بآلته الحادة في شجرة التوت العتيقة، ليصنع ثقبًا أكبر يراقب منه إحدى جنيات القرية الحبيسات، ولا يترقب خروج خفير نظامي غاضب من وراء جدران البيت الأربعة، التي أزيلت منه النافذة وعُلق بدلاً منها لافتة صغيرة تحمل اسمه الثلاثي}. حيث يمكن أن يُنظر للألة الحادة هنا إلى أنها ذكروة الولد، ولنصبح أمام المفارقة، فها هو الولد فى القرية يحمل (سلاحا قويا)، بينما من ستتزوجه ويملك المال (عاجز) لايسير إلا على العجلة. كما أن كتابة الأسماء على الشجر، هى العادة المعروفة بين المحبين، نحت أسمائهم على جذوع الشجر. ثم تكون النتيجة، أن تنال المال، ولا تنال الحب، فالإبن الذى اتفقت زوجة الرجل الكبير مع والد البنت  على زواجهما، لايستطيع السير إلا على عجلة نقالة. فإذا ما عدنا إلى العنوان، فنجد أن قشرة البرتقال، التى تمثلت فى خدها، كانت هى الإشارة، أو الرمز الذى يغطى تلك الخطيئة التى تحاول أن تخبئها عن العائلة، والتى لا ينفع فيها سكينة، أو أى آلة حادة.

وهكذا أغرقنا محمد حسنى عليوة فى عالم الطبقات، وما يجرى فيه، حيث استطاع أن يكتب قصة، ما يستطيع القارئ الخروج منها، إلا ويتنفس راحة واستمتاعا، ويُدرك أنه قرأ قصة تستحق القراءة.

يوم المنصورة – أسامة الرحيمى

لاشك أن الحياة المعاشة. هى البئر التى تُنتج الحكايات، وتشعبها بين المعاناة، والابتهاجات التى هى المادة الأساسية التى يتحدث عنها المبدع. ويتوقف استغلال تلك الحياة، على قدرة المبدع على تحويل هذه المادة الخام إلى إبداع. وقد يتجلى ذلك بوضوح، عندما حول الصحفى أسامة الرحيمى، أن يحول السيرة الذاتية إلى قصة قصيرة، خبأ من ورائها مشاعر الطفولة، وطموحها، ومعاناتها البيسطة، وتحويل الأفراد العاديين فى زمن مضى، إلى تعبير عن طبيعة الإنسان فى ذلك الزمن، ليكشف ما أصبح عليه إنسان هذا العصر المادى، والفردانى، وكأنه يعقد مواجهة بين زمنين، دون أن يذكر ذلك صراحة. فضلا عن إلتزام بما تم التعارف عليه من عناصر القصة القصيرة، فجاءت القصة (السيرة) محصورة فى يوم أو بعض يوم، ليكشف أن مجرد هذه الساعات القليلة كافية لعقد تلك المقارنة، التى تحمل متعة الإنسان المحب لقراءة الذكريات، فيقرأ وكأنه يقرأ السيرة الذاتية للكاتب، دون أن يعلم أنه يقرأ قصة قصيرة، تستوعب زمنين كاملين، وكأنه يهجر الحياة المعاشة، فلا يملك إلا الحنين، الذى يؤجج المشاعر، ويحفز الهمم، لإصلاح ما يعيشه، وهو الرؤية الأساسية فى الإبداع، أن يحمل المتعة وتأجيج المشاعر، والدفع نحو التغيير، وهو الدور الإيجابى الذى يمارسه المبدع، وما عليه أن يقدمه للمجتمع.

الكُحكُ - عادل سعد

وقد اختارت "الكلمة" فى هذا العدد رواية هى الأقرب للحديث عن الذات، وهى السيرة الذاتية، وإن كانت رواية العدد لم تتناول السيرة الذاتية بصورتها الأقرب للذهن، ولكن ما يمكن أن نقول عليه السيرة الغيرية، فلم يترك الكاتب شخصياته لتتحدث بلسانها(رواية الأصوات)، وإنما استخدم الراوى العليم، ليتحدث عن شخوصه التى إختارها، ليؤكد وجوده فى العمل، ليكون هو الصانع، أو الفاعل، وقد يكون ذلك لرؤية فنية ترى أن النساء فى هذه السن، ربما يصيبهم الخرف(كما فى بعض الشخوص) فلا يستطعن توصيل الرؤية المستهدفة، فجاء استخدام الضمير مطابقا الشخصيات. فقد برزت الحياة الشخصية للكاتب، وظروفه الصحية، فى رؤية العالم كمسرح كبير، وكل فرد فيها يلعب دوره، الذى يتشبث به، حتى لو لم تساعده ظروفه الصحية- لكبر العمر- عن أدائه لدوره. فقدم الكاتب عمله، حيث تتداخل الحياة فى المسرح، ويتدخل المسرح فى الحياة. فينتقى عادل سعد شخوصه من بين الحياة، ليرسم "الكحكح" ويمتزج كلاهما، فيبحث القارئ عن أيهما يعيش،، الحياة أم المسرح، فلم يغفل الجانب الإبداعى فى عمله. فضلا عن أن النماذج المختارة من السيدات، لم يشغلهن سوى حياتهن، الماضى منه، والمستقبل، فجاءت الرواية بصورة جديدة مما يطلق عليه "رواية الأجيال"، رغم أنها لم تتضمن قصة متطورة، وفق الصورة الذهنية للرواية، وإنما جاءت كما لو أنها لوحات متجاورة، لتمنح القارئ رؤية الزمن، وماذا يفعل بالبشر، خاصة أن أبطال العمل كلهن- تقريبا- من السيدات، حيث العبئ الأكبر للحياة يقع عليهن بالدرجة الأولى، ورغم ما قدمنه للأبناء والأحفاد، إلا أن الزمن وصل بهم –الأبناء والأحفاد- أن ينتظروا موتهن. غير أن حب الحياة، وطبيعتها، يجعلهن متمسكات بذات الدور الذى كن يلعبنه فى فترات الشباب، حيث كن مدرسات فى المدرسة، وكانت كل واحدة تمارس نوعا من الفنون فى المدرسة، مثل الموسيقى والرسم والتمثيل، الأمر الذى يشكل منهن مسرحا كاملا، تختلط فيه الحياة بالمسرح، حتى يصبح المسرح هو الحياة. أى أن العنصر الذاتى أو الشخصى هو المحرك الأول للإبداع، يخضع لرؤية الكاتب للحياة وللكون، منطلقا من الذات الفردية، وتتسع الحلقات لتشمل الكون بأسره، وتظل بؤرة الإنتاج فى الإبداع.. هى .. الذات.