القصة عاطفية جدًا وخيالية أيَضا، اسألني إن شئت كيف يمكن للخيال أن يكون عاطفيًا أوكيف يمكن للعواطف أن تكون خيالية؟
نحن نحب بخيالنا لا بعاطفتنا. كم مرة تخيلت أنك تستيقظ على عبير وردة حمراء تداعب أوراقها خديك، بينما تمسك بها عروسك الحلوة وهي تقول لك بنعومة: "إصحي بأه يا بوسي بوسي أو نوسي نوسي، عيونك وحشتني؟". هذا المشهد تحديدًا عادة ما يليه -بخيالك المريض- مشهد تحميرها للبطاطس مرتدية نصف بيجامتك العلوي فقط، قبل أن تدخل عليها المطبخ محاولًا خطفها ساخنة!
نعود للقصة، قلت لك إنها عاطفية وخيالية،الجدة العجوز الفقيرة تطمح في كرسي خشبي أمام مدفأة في بيت لا يسمح سقفه بتسرب ماء المطر، والجدة العجوز بينما تسير في الغابة تبحث عن طعام وجدت إناءً عميقًا به قطع ذهبية، فرحت الجدة قالت في نفسها:أبيعها وأشتري بيتًا كبيرًا بمدفئة وكرسي، وأمنح الجيران بعضها ليشتروا ما يريدونه وبينما هي تسير حاملة الإناء، شعرت بالتعب فجلست تستريح، نظرت في الإناء فوجدت الذهب وقد تحول إلى فضة، فرحت الجدة قالت: لا بأس..أبيع الفضة وأشتري بيتًا صغيرًا وكرسي صغيروأقيم حفل عشاء للجيران احتفالًا بالبيت، وبينما تستكمل سيرها تعبت مرة أخرى فجلست لتستريح، ثم نظرت في الإناء لتجد الفضة تحولت إلى كتلة كبيرة من الحجارة! فرحت الجدة قالت في نفسها: الحمد لله أصنع من الحجارة كرسيًا أجلس عليه أمام الحطب الذي سأشعله للتدفئة فيما أُلوح لأطفال الجيران وأعدهم بصناعة الحلوى حينما يرسل لي الله الدقيق والحليب والسكر والبيض.
عادت الجدة لبيتها القديم الصغير جدًا، فوجدت كتلة الحجارة أمام الباب وقطع الفضة ملقاه داخله والقطع الذهبية داخل الإناء، فرحت الجدة رقصت وهللت، ثم اشترت البيت الكبير بالمدفئة، وصنعت كرسيًا من كتلة الحجارة الكبيرة، وأعدت حفل عشاء للجيران ووزعت عليهم القطع الذهبية.
قلت لك:"القصة خيالية عاطفية"، ما معنى أن تفرح دائمًا في كل حال، أن تسعد حينما تذهب الفُرص ويخرج الحظ لسانه لسعيك ويجري أمامك وهو يهتف: عليك واحد يا عبيط؟
لا تجادلني لقد حاولت، رأيت بالأمس وردة صفراء وحيدة توشك على الذبول، تتمايل بميوعة على فرع شجرة الليمون التي لم تطرح سوى ليمونة خضراء واحدة منذ انتقلنا للسكن بالشارع، ودعوت لهما بالرفاء والليمون ودوام الري.
بوستات الحُب العادية البائسة من نوعية"ما الحب إلا للحبيب اللي جيبه مليان""وقيس ابن عمي عندنا يا أم ماهر، قوليله اتفضل أبويا مسافر" أصبحت أراها قصائد قيس لعبلة و جميل لبثينة، أهللُ فرحة وأكتب تعليقًا: ما أحلى الحُب يا ولاد!
أزيدك من الطين بله، عينا صغيري التي يملؤها العُماص أراهما قمرين في عز الصبح.
التراب الطفل نائمًا على زجاج الطاولة وأخشاب الكراسي، لا أجرؤ على إيقاظه..الكتب المرصوصة دون قراءة حتى الآن، ترسل لي القبلات وتربت صفحاتها كتفي في الرايحة والجاية.
العرق بالمطبخ رذاذ بحر ينعش وجه المتسكعيين على شاطئه، أكوام المواعين -الأطباق والحلل-صارت كتلًا من الحلوي ويداي فمان كبيران يجيدان ابتلاعُها و
الحياة لونها بمبي مسخسخ.
رأيت كم أنا متفائلة؟ العرق في المطبخ، والتراب على الطاولة والكراسي.
وزوجي الذي لا يراني حينما يخلع نظارته، فيخلط بيني وبين الدمية الراقصة التي تعطلت بعد شرائها بيومين، فيصفق كلما مررتُ أمامه مهللًا:
"هِز يا وِز"
وابني، لم ينهِ منهجه الدراسي المزدحم بالجمع والطرح وإكمال الفراغات بأشياء لم تثبت فائدتها. ونحن مع الأسف لسنا جيران الجدة العجوز التي تفرح دائمًا فيختشي الحظ على دمه ويبتسم لها في نهاية القصة.