ذات مرة. وأنا في بداية الصف الخامس الابتدائي، وكنت أفتقد «أخي سعد» بشدة بعد رحيله، وشعرت بإحباط مؤلم من ضيق الحياة المتزايد، وخنقة المدرسة اليومية، نعم.
وبلا أية مبالغة، شعرت بضجر بالغ على صغر سنِّي، وقررت بيني وبين نفسي أن أذهب إلى أختي الكبرى في القاهرة، ومعلوماتي عن مكان بيتها لم تكن أكيدة، لكن خنقتي دفعتني للمجازفة، وصوت داخلي يؤكد لي أنني سأصل إلى بيتها بسهولة.
صحوت قبل موعدي اليومي، وارتديت ملابسي فوق البيجامة، وكان الجو باردا، ووضعت شبشب البيت خِلسة بجانب الكتب بعدما تخففت من بعضها داخل حقيبة جلدية، ورثتها ومعها حذاء جديد «ببوز عريض» عن «أخي سعد»، لم يرحمني ضميري يوما لاستخدامهما بعد موته، ونزلت قبل موعد المدرسة بوقت كبير، وتعجّبت أختي عايدة، لكنها اقتنعت بحجتي عن اللعب قبل الطابور قليلا، واستحْسَنت هي وجود البيجامة تحت ملابسي اتقاء (للساقعة)، وصمّمت أن آخذ «ساندوتش» جبنة، قضمته في ضباب الشارع بتلذذ تحسبا لطول مسافة السفر، وأنا أتعثر في تعاريج الأرض، وأشم رائحة روث نفَّاذة، تتماهى في كثافة الشبورة، وكأن نشادرها أجّجت قرار الهرب إلى القاهرة في رأسي، وأتخمت روحي بهواجس المغامرة.
تحسست قروشي القليلة التي وفرتها خلال الأيام الفائتة من المصروف الذي يمنحنيه عمّي اسماعيل الحنون، وتأكدت من وجودها فحثثت خُطاي إلى محطة «ميت الخولى مؤمن» المقابلة لبلدتنا على البحر الصغير، والتي أعرفها جيدا لأن أخي الكبير كان يرغمني على شراء الصحف منها يوميا.
هناك. وجدت أوتوبيس القاهرة يوشك على الانطلاق فصعدت مسرعا، ولم أهتم بنظرات السائق المندهشة، والتساؤل الذي يملأ حدقتيه، وتتّبعه لي إلى أن جلست، وهو يُجسِّد استغرابه بكفيه، ويهمس للكمساري وهو يشير إليّ، وتخيّرت مقعدين خاليين وجلست بجوار النافذة، ونظرت لكل شئ مودعا، وشردت منتشيا في تداعيات انتقالي للعيش في القاهرة، الباهرة، فلعل أختي تساعدني في التحويل إلى مدرسة قريبة من مسكنها، وربما يرق قلب أخي الذي يدرس في الجامعة هناك، وله محل منتجات ألبان خلفها تماما، كما يؤكد لنا في إجازاته الخاطفه، ويتركني أعمل معه آخر النهار مقابل أجر!.
استعادني صوت الكمساري من شرودي: «رايح فين يا ابني.. وانت مع مين هنا؟!». وتلفَتَ متسائلا عاقدا حاجبيه، فأجبته بثقة، وصوت خفيض خشية أن يسمعني ناس المقاعد المجاورة:«أنا لوحدي.. رايح مصر.. الجيزة عند أختي»، اقترب منى كأنه يتأكد من وجهي وصوتي، وأمسك بياقة البيجامة من تحت قميصي باستغراب، وأخذ منى الحقيبة وفتحها، وأخرج الشبشب، ونظر في عمق الحقيبة، ثم أعاده مكانه وأقفلها بالسوستة، كان صوتها عاليا، ومؤلماً، أكثر مما اعتدته، ومال ناحيتي ثانية: «انت منين يابني؟».
من الدراكسة !!
وقف وقال بصوت مسموع: «فيه يا اخوانا حد هنا من الدراكسة ؟!» فصاح رجلان: «خير يا أخينا! » ذهب صوبهما وسمعته يقول لهما: «فيه ولد صغير.. خايف ليكون هربان.. لابس بيجامة تحت هدومه.. وحاطط شبشب في شنطة كتب المدرسة، ينوبكوا ثواب تشوفوا ابن مين.. وتاخدوه تروّحُوه لأهله.. ليضيع ولّا حاجة».
انتبهت فجأة لخطر ضياعي في مصر الشاسعة، الرهيبة، التي شاهدتها كثيرا من زجاج سيارة الأجرة مع أخوتي في طريقنا إلى بيت أختي الكبرى. ماذا لو لم أصل إليها، وليس معي فلوس تكفي للرجوع.
أدركت أن حلمي خاب تماماً، وفراري من وحشة المكان الذي كان ينام فيه «سعد» بجواري فشل. حنقت على الكمساري، لكن شيئا خفيا في روحي جعلني أمتن له، وقبل أن أتحرك، كان الرجلان يقفان في الطُرقة أمام مقعدي، جلس أحدهما بجواري، ومال الآخر ناحيتي مدققاً. يضعان نظارتين بعدسات سميكة على عيونهما. الجالس بجواري يرتدي جلبابا شتويا أنيقا وعليه بالطو رصاصي داكن، ويعتمر طاقية بحائط، والواقف يرتدي بالطو أسود جميل فوق جلبابه، وأعلى رأسه أصلع نظيف، وشعره خفيف على الجانبين. وكلاهما يبتسمان لي بود وطيبة صافية!
عرفتهما فورا. أي حظ هذا، مؤكد سيعيدانني إلى بيتنا!!
تذكرت أخواتي. وقلقهن عليّ. إذا تأخرت ستدور «عايدة» باحثة عني في كل الشوارع، والأجران، لن تترك أحدا يعرفني إلا وستسأله!!.. ماذا فعلت بها؟!
الجالس عمي الشيخ سيد، جارنا الطيب، اللطيف، ومن حفظة القرآن المتمكنين، ومن المهتمين بالشأن العام بشكل ظريف، ويتابع الراديو بشغف، ويقرأ الصحف، ويربي أولاده بطريقة أكثر تحضرا من محيطه الاجتماعي، ويناقشهم بشكل مدهش، ولا يوبخ أحدا منهم حتى لو أخطأ، فاكتسبوا طريقته في الكلام!
ظل يدهش أغلب الناس، لكن تدليله لهم، كان يثير استياء بعضهم!
والواقف. عمي «ناصف» قريب أبي، ابن عمته، كما سمعت مرارا من عمّي إسماعيل، وهو يتميز بالدِّعة والبشاشة، ومعاملة الناس برفق وشهامة في إدارته لماكينة الطحين الرئيسية ببلدتنا، والنساء تستأمنه على طحينهن، ويثقن بنظافة قادوسه، وعدالة مقابل طحن حبوبهم عنده، ويطمئن الرجال على نسائهم في ماكينته!!
وضع عمي الشيخ سيد الجالس بجواري يده على كتفي بحنو بالغ وهو يسألني: «إيه بقى يا سيدي اللي مزعلك، ومخليك تنويِ على مصر كده مرة واحدة، ولـ وحـداااك؟». تأكدت أنهما لم يعرفاني . فعاجله عمي ناصف:« طوّل بالك يا شيخ سيد.. مش نعرف ابن مين قَبْلَهْ؟». قال عمي الشيخ وهو يمسح خدي بيده الناعمة: «والله عندك حق يا حاج ناصف، قلنا يا سيدي بقى، مين والداااك؟!». حين نطقت اسمه صاحا معا بكلام لطيف كثير، وتداخل صوتيهما: «يا نهاااار، يابن الغاليييييي، الله يرحم والديك،. يا حبيبي، الله يرحم سعد النبييه، انت بقى أسامة أكيد، هه؟!».
كانت دموعي تسيل بلا قصد مني وأنا أهز رأسي، وانتبها لها، فبادر كلاهما لمسحها، كل بيد، ولم أعد أعرف من منهما يطبطب على وجهي، أو كتفي، احتضنني عمي الشيخ، وحاول عمي ناصف أن يضمني، فغادر عمي الشيخ مقعده ليمكنه من الجلوس مكانه بجواري، واستند إلى ظهر المقعد المقابل، وهو ينظر ناحيتي متأثرا، وقال بصوت رصين: «الفاتحة لروحهم»، وقرأها بجلال هيمن على أنفاس بقية الركاب، وسمعتهم يهمهمون بآياتها!!.
جاء الكمساري مستطلعا: عرفتوه؟
أجابه عمي ناصف، وهو يضمني إلى جانبه مبتسماً: «دا ابننا»، وأشار إليه بكفه اليمنى أن اطمئن.
وصل الأوتوبيس محطة المنصورة، وبقايا الضباب تنقشع عن وجه يوم صبوح، منعش!. ترجلا منه بتؤدة، وهما يمسكان بيديَّ، كل من ناحية، ومشيا من الشارع المجاور باتجاه محطة القطار والسكة الجديدة، ومضيت بينهما، وأنا أضم حقيبتي تحت إبطي بصعوبة، لاصرارهما على الامساك بكفي، وحاولت مرارا إفلات إحدى يديّ منهما، فلم أفلح، فتشاغلت بمتابعة الحياة التي تدب في كافة الدكاكين، بعضهم يرص بضاعته، وغيره يكنس أمام محله، والمطعم يرفع صوت النار، ويلقي الطعمية في زيت يغلي، وبائع الجرائد يصنف معروضاته، ويرصها بنظام، وبائع اللبن يصيح على الشبابيك، ويلبي طلبات زبائنه، ويرفعها في الأسبتة المُدلّاة، وأناس يهرولون وهم ينفخون في أكفهم طلبا لبعض الدفء، وتلاميذ المدارس من الأولاد والبنات يخرجون من كافة الشوارع ويمشون بِهمّة في كل الاتجاهات.
مدينة بأسرها تصحو!!
بعد وقت طويل. هكذا أحسسته. وصلنا السكة الجديدة عبر النفق تحت محطة القطار، كانا يمشيان على مهل، كأنهما يستمتعان بالخطو البطيء. أحسست بخطوتي تضيق، وتتخلص من طاقة التنطيط، والعفرتة اليومية، وكأنني مقيد.
فاكر المرحوم السيد يا شيخ سيد؟ العمر الطويل لك؟
إلاَّ فاكره، ودا يتنسي يا حاج ناصف برضه، ربنا يديك الصحة، الجنة ونعيمها إن شاء الله
الله يرحمه، دا راح في عز صباه، مين يصدق!!
أمر الله يا حاج، نعجز عن بلوغ حكمته!
ونعم بالله!
يصمتان. يمصمصان شفاههما بحزن مصفَّى!
تشيع الشمس البازغة دفئا مفاجئا، وتبدو فتارين السكة الجديدة لامعة، مبهرة، وحاملو المباخر يتنقلون بينها بمرح كبير، وأصحاب المحلات يناولونهم قطعا نقدية ببشاشة بادية، ورائحة البخور تضاعف حميمية الصباح.
توقفا أمام محل النظارات الشهير «صبحي بانوب»، شعرا بحيرة للحظة، قال عمي ناصف: «زي العادة، بيفتح متأخر»، فضاحكه عمي الشيخ وهو ينظر نحوي ويهز يدي التي يمسكها: «طب إيه رأيك، نوصل لغاية الشويحي، نفطّر الأستاذ الصغير ده، وناكل لنا لقمة فول على حسّه». عمي ناصف يهزّ يدي بدوره: «يلا بينا يا أستاذ، نروح للطعمية السخنة، وبعدين نجيب لك «زَلِطَة» من أحمد أمين، علشان ترجع البلد مزقطط، وتلتفت بقى لدروسك، ولما تكبر شويتين تبقى تروح مصر على كيفك، أو أي مكان في الدنيا زي ما انت عاوز».
استحسنت الطعمية، ولم أكن ميَّالا للجيلاتي، لأني آكله يوميا عند عمي اسماعيل.
ما قلتليش يا شيخ سيد: «جبت الوُصُولات اللي هنستلم بها النضارات؟»!!.
أمُّال. الاتنين في جيب البالطو أهم، لكن ظنَّك يكون خلّص النضارتين؟»:
«ضروري يكون خلَّصهم، بقالهم شهر يا أخي، انت ناسي لمَّا جينا لدكتور العيون هنا، بقالنا أربع جُمَع وزيادة كم يوم أهه، ويدوب نجدد الدوا التركيب..».
وآدي أجزخانة الطرشوبي يا سيدي اللي «ملهاش زيّ» على قول الدَكتور».
كنت أحاول «ملص» أي كفٍ من الاثنين بلا طائل، أيديهما قوية كالكلاَّبة، ولم تفلتاني ولو لوهلة، وكنت طوال الوقت أقبض على حقيبتي بكوعي، وأرفعها بجانبي لأعيدها إلى عمق إبطي، وأقبض عليها، وهما لا ينتبهان لهذا، وظللت معذباً بها طوال الوقت، أتلهى عن انزلاقها المتكرر بعناد بمتابعة المحلات، واللافتات، والناس، والفاترينات، لكنها تعاود انزلاقها، وبدأ صدري يضيق على أنفاسي. وخشيت أن أظهر تململا لألَّا أعكر صفوهما، وكان شيء في قلبي مستمتعا بحديثهما البطيء، وخطوهما المتثاقل، وكنت أنظر إليهما مبتسما، وأتصورهما وقد فررت منهما، وهما عاجزان عن اللحاق بي، ولا يستطيعان الصراخ بصوت عالٍ، كنت أطرد الهاجس الشيطاني، وأقنع نفسي بأن فسحة المنصورة هذه مقدرة لي، كما يحدثنا زملاؤنا الكِبار من حفظة القرآن في الكُتَّاب عن أعاجيب القدر، فهذه المصادفة أفضل من الذهاب إلى مصر، أهز رأسي موافقا، وأنا أمسح وجهي في وبر «البالطوين» على الجانبين، لأشعر بدفء ملمسهما.
كانت سعادتي كبيرة حين وصلنا إلى الأجزخانة، فأحدهما ترك كفي للحظات، ليخرج اسم الدواء، والفلوس، فأرحت إبطي، وحملت الحقيبة بكفي وحملتها على وسطي، وأملته قليلا لأريح كفي وأجففها من العرق العجيب الذي ينزّّ في عز البرد، وجفّفت كفي بقوة في بنطلوني، وسريعا ما عاود الإمساك بكفي الصغيرة، وترك الآخر كفي الثانية، فجففته في بنطلوني بدوره، وانتشلت الحقيبة إلى جانبي الآخر، وجلسنا ثلاثتنا بانتظار تركيب دوائيهما، وطال الوقت، وأنا مستريح تماما بينهما، وأحرك كفي براحة تامة في كل الاتجاهات وهما ينظران إلي باستغراب، ويهدهدان كتفي بتؤدة، ورتابة!
نادى عليهما الأجزجي، وناولهما لفتّيهما، فدسّاهما في جيبيهما العميقين، وخرجنا مجددا إلى الشارع، ووقفا في مواجهة محل أحذية «أبو طوق»، وتساءل عمي الشيخ بصوت متردد: «هنقدر نتمشى الشوية بتوعنا على كوبري طلخا ولا إيه؟»، فقال عمي ناصف دون أن ينظر إليه: «يتهيألي المرة دي صعب، الواد معانا، وتعدية شارع البحر صعبة علينا وعليه وسط العربيات اللي بترمح دي، ولا إيه؟»:
على قولك!!
عبرا شارع بور سعيد بتؤدة، ومضيا بامتداد السكة الجديدة، ووصلنا إلى مطعم الشويحي الذي تحدثا عنه، بعد جهاد وسط سيارات متعددة الاتجاهات، لكنها حذرة وغير مسرعة، وجلسنا على مائدة لامعة نظيفة، والناس من حولنا منهمكون في تناول إفطارهم بسرعة كنت أراها لأول مرة، وكأن وراءهم شيئا مهما، وجاء الجرسون، فطلبا لنا ثلاثة فول، اثنان لهما بالزيت الحار، والثالث لي بالزيتون، وثلاثة طعمية، وسلطة طحينة، و«بتنجان»، وأكلت بشهية وسرعة، واستمتعت بطعم الفلافل كما يسميها الرجل، أحلى مما يصنعونها في بلدنا بكثير، وجلست انتظرهما، وهما يلوكان طعامهما ببطء شديد، حتى أن اللقمة تظل في فميهما لوقت طويل جدا، ولا يصدران صوتا أبدا، كأنهما لا يأكلان. ظننت أن الظهر سيؤذن وهما ما زالا يأكلان رغيفهما الوحيد، وكان الرجل ينظر ناحيتنا شذرا، كونهما يعطلان المائدة لوقت أطول من المعتاد في وجبة الإفطار، لكنهما انتهيا أخيرا، ودفعا 12 قرشا كاملة، أكثر مما ادخرته لسفرية القاهرة.
خرجنا بذات المهل، وقال أحدهما: « نروح بقى لأحمد أمين علشان الأستاذ..»، فبادرتهما: « مش عاوز، أنا شبعت قوي، ومفيش مكان لنفس»، فضحكا بوقار لكلامي، هههه:
«مفييش مكان لنفس؟ مين علمك الكلام بالطريقة دي!!»
«بناخد الأحاديث النبوية في المدرسة، وقلت الحديث كاملاً بحماس كأنني أُسمّعه في الفصل لمدرس العربي، وِبلُغة فصيحة:«..فثُلث لطعامه، وثُلث لشرابه، وثُلث لنَفَسِه»، ونطقت «الثاء» واضحة، فضحكا أكثر، وهللَّا، وقبَّلاني كل من ناحية، وقالا: «انت تستاهل تشرب كاكولا في أندِريّا علشان تهضم.. تعالى».
وفي الكازينو الوسيع على النيل شعرت براحة ومرح كبير، فقد تخلصت من الحقيبة للمرة الثالثة، وشربت الكولا مثلجة، وطعمها ساحر، وغازها يُدمع عيني، وتجشأت بصوت مفاجئ ومسموع، استمتعت به، وغطيت عيني خجلا منهما، ومن بقية الرواد، فضحكا ملء قلبيهما، فجلجلت ضحكاتهما في الأنحاء، وجاءت قهوتهما التي طلباها على الريحة، وارتشفاها بتلذذ واستطعام، وكانا يغمضان معا على مذاق البُنّ، وفواحه ينسرب إلى حناياهما، ويقول أحدهما بإخلاص:
«بن أندِّريّا لا يُعلى عليه »
ويرد الثاني:«.. الظاهر دا اللي بيشرب منه سعد الشاعر ويخليه يلعلع لما ييجي نواحينا»
يضحكان بحرية أكبر، ويظهر البن على أطراف لسانيهما وشفاههما، وصمتا لبعض الوقت، استسلما خلاله للهواء المنعش وغلالاته الناعمة الشفيفة تهفهف عليهما، أحسست بالنوم يخايلني. دفعا الحساب، ونهضا معا.
مضينا بمحاذاة البيوت على طريق البحر، وكوبري طلخا والنيل تحت شمس الشتاء، يشكلان مشهدا أسطوريا.
عبرنا الشارع بمساعدة رجل المرور المهذب الوقور، وهما يقبضان على كفيّ مجددا، وسرنا بجوار العمارات، ومررنا بسينما عدن، وبهرتني أفيشات الأفلام على واجهتها، وظللت أتلفت إليها إلى أن اختفت عن ناظري، وبعد قليل دخلنا شارع بنك مصر، وكنت أعرف الأسماء من اللافتات الزرقاء، ومضيا وهما يشيران لبعضهما على محلات، وأشياء تمر أمام أعينهما، ويتذكران فلان وعلان من البلد، كانوا يسكنون هنا، وهناك.
وجدا محل النظارات مفتوحا، فتهلّلا، وهناك وجدا نظارتيهما الجديدتين، وتأكدا من انضباط القياس، وأبديا راحة كبيرة لاعتدال رؤيتهما للأشياء أكثر، وقررا وضعهما في جرابهما، واستخدام القديمة إلى أن تتأقلم عيونهما مع القياسات الجديدة في البيت أولا.
ومن السكة الجديدة، دخلا يسارا إلى ميت حدر، ليشتريا كنافة من أشهر محلاتها في المدينة كلها، وهما يشيدان بشعرها الرفيع الطريّ، وحمل كل منهما لفّته تحت إبطه، وظلا قابضين على كفيّ، حتى وصلنا إلى محطة الأوتوبيس.
مجرد أن جلست في مقعدي، غطست في نومة عميقة، حلمت خلالها أنني أجري وراء «أخي سعد» في حقول فسيحة، ونحن نضحك من قلوبنا، ونلهو بالفراشات البيضاء التي لا تستقر في مكان، وتعلو بمرح كلما حاولنا الامساك بها، كان وجه سعد مرحاً، وضيئاً، وملامحه منبسطة بلا ألم لأول مرة منذ ضرب الورم رأسه، وهو يقول لي فرحاً: إحمد ربنا إنك ما رحتش مصر!.
استيقظت على كف حانية. عمي ناصف يوقظني: «يلا يا أستاذ وصلنا، علشان تروح مع عمك الشيخ لغاية بيتكم».
هناك. لم نكن قد ابتعدنا كثيرا عن موعد خروج المدارس، ولم تنتبه أختي لشيء، فلم تكن تكف عن الشغل دائما، خلعت ملابسي، وأخرجت الشبشب من الحقيبة خلسة، وغُصت ببجامتي تحت اللحاف، ولا أعرف كم من الوقت مضى وأنا أحاول استعادة سعد والفراشات في نومتي.
كان عمي الشيخ سيد كلما صادفني يضاحكني: «استعد يا واد يا أسامة علشان تيجي معانا المنصورة أنا وعمك ناصف، بيسلم عليك ونفسه يشوفك»، ويضحك بصوت عال وهو يقول: «واوعى تنسى الشبشب!!.}
بعد سنوات طويلة. كفّ بصره، وكنت أصادفه أحيانا، في طريقه إلى المسجد، فأسلّم عليه، ويرد بمحبة: {إزيك يا واد يا أسامة، وصلت لفين الوقتي؟! رحت القاهرة ولا لسّه؟!.}