يقول جون لينون: "الحياة هي كل ما تعيشه ولم تكن لتتوقع حدوثه"، ومن هذا المنطلق سأروي لكم ما جرى معي في 61 من أيار/ مايو عام 2016 م، خلال مؤتمر عُقد على شرفي في مدرسة عباقرة الفن في سيول عاصمة كوريا الجنوبية.
في نهاية المؤتمر، قدّم لي مدير المدرسة فتاة شابة عمرها ستة عشر عاما،ً مؤكّداً أنّه لا مناص من التحدّث إليها. وكانت المترجمة إلى جانبي بالإضافة لمصوّر يوثّق المشهد.
رحنا نتحدّث معا، فقالت لي الفتاة إنّها تفكّر في الانتحار كونها تخشى كثيراً الإخفاق في دراستها، وهي تشعر الآن أنّها سوف تفشل فعليا في الامتحان، وهذه الفكرة لم تكن محمولة لها. فأوجزت باختصار:
"أعطني يا سيد فيربير سببا واحداً كي لا أموت".
أوف! يا للهول! إنّها لمفاجأة المفاجآت.
إنّ هذه واحدة من العيوب الصغيرة للشهرة، إذ يحدث أن نتعرّض لمواقف غريبة كهذا الموقف. كان عليّ التصرف بسرعة. توجّهتُ إلى المصور طالبا منه التوقف عن التصوير، محاولا بذلك كسب الوقت لأبحث عن حجج مناسبة لهذا الاختبار الجديد، ألا وهو: السرعة الفائقة في إيجاد أفكار تنجح في إنقاذ الحياة. طلبتُ منها التنفس بهدوء (لأنّها كانت تتنفس من كتفيها وتبكي في الوقت عينه)، وانتهزتُ الفرصة حينما بدأت بالتنفس بشكل أفضل، ولكي أعثر على الكلمات الملائمة. طرحتُ عليها بعض الأسئلة عن حياتها وكانت في كلّ مرة تعود لفكرة أنّ حياتها تسير في طريق مسدود لن يوصلها إلّا نحو نهايتها المحتّمة. إنّه لمن الغريب رؤية عقليّة منغلقة بهذا القدر ترفض أيّ حلّ يخرجها من مأزقها. لذا رحتُ أبحث عن حجج أبعد ما يمكن أن تكون عن الفلسفة وأقرب ما يمكن إلى التجربة الحياتية المُعاشة. سألتها إن كانت تمارس الرياضة، وإن كان لها أصدقاء، كما طلبت منها أن تحدثني عن أسرتها وعن الأشياء التي تجعلها سعيدة، وعن طعامها المفضّل ولم أتطرّق إلى أيّ شيء يخيفها. لم تكن تعلم أنّني أمرّ بأصعب اختبار شفهي في حياتي الشخصية مع خطورة أن يؤنّبني ضميري مدى الحياة إن لم أُحسن اختيار كلماتي بدقّة.
كيف ننقذ حياة إنسان بالكلمات؟
تطلّب الأمر مني نصف ساعة حتى بدأت تتمالك نفسها، وتوقفت عن البكاء، وصارت تنظر في عينيّ (حتى تلك اللحظة كانت نظراتُها هائمة وهي تخاطبني). استطاعت في النهاية أن تبتسم، ووعدتني أنّها ستشرع بممارسة رياضة الجري بالتحديد. أعتقد أنّ الرياضة والرحلات هي الإجابة المثلى على هكذا نوع من الحالات التي يكون فيها الناس كالقطارات التي تمضي سريعا،ً ولكن على السكة الخاطئة.
كان من المدهش رؤية كلّ هذا الذكاء ينصبّ حصراً نحو تدميرها الذاتي، ولكن أعتقد الآن أنّ الأمور سوف تتحسّن لاحقا.ً (أسرَّ لي المدير فيما بعد أنّ هذه الفتاة هي الأولى في صفّها).
يقول صديقي جيل مالونسون: " جميع المشكلات يمكن حلّها بالجغرافيا". ولهذا أصررت عليها أن تخرج من جامعتها، حيث تقضي كلّ وقتها هناك، وأن تتنزّه في الغابة وتركض وتسبح وتغادر سيول، وألّا تبقى مثل "القطة على سطح صفيح ساخن".
حاولتُ التندّر على مدرستها واصفا إيّاها بأنّها مجرد مرحلة صغيرة من حياتها التي ستشهد بالطبع مراحل أكثر تشويقا وشغفا.ً
طلبتُ منها أن تتخيّل نفسها في المستقبل وقد أصبحت فنانة عظيمة ومشهورة بأعمالها الفنيّة الهامّة وليس بتحصيلها الدراسيّ. قلت لها إنّه من الطبيعي أن تكون بهذه الحساسية، ولكن عليها توجيه هذه الحساسية نحو إبداعاتها الفنية وليس ضدّ نفسها. يجب وضع هذه الطاقة في مكانها الصحيح.
أرجو أن تكون مترجمتي قد أجادت في الترجمة، كانت المترجمة مدركة لأهمية الموقف لا بل تملّكها الخوف أكثر مني، فراحت تتحدثُ وهي تتنفس بصعوبة باحثة عن أدق ترجمة ممكنة. ففي النهاية هي أيضا شعرت بالضغط، وأدركت أنّ أقلّ خطأ يمكن أن يؤدي إلى نتائج لا تُحمد عقباها.
عند مغادرتها، كبحت الطالبة ضحكات متوترة خافتة قائلة إنّها قد فهمت ما قصدتُ، صافحتني بحرارة واضحة، فأهديتها رسمة مضحكة عن النمل.
أرجو أن تكون قد فهمت حقا أهمية الحفاظ على نفسها، وأنّها لم تقل ذلك لمجرد طمأنتني آنذاك، ولكن أظنّ أنّني بذلتُ قصارى جهدي للتخفيف من كآبتها. يبدو أنّ كوريا واحدة من أكثر البلدان التي تحدث فيها حالات انتحار، لأنّ الطلاب يتعرّضون لضغوطات هائلة، وقد استطعتُ أن أعاين هناك المشكلة عن كثب. لقد تأثرت كثيراً، وأتمنى فعلا أن أكون قد ساعدت هذه الفتاة، فلم يسبق في حياتي أن شعرت بالخوف لهذه الدرجة من ألّا أعثر على الكلمات المناسبة.