يعدّ حسب الشيخ جعفر من الشعراء المجربين الذين تلوا الرواد واتقنوا أكثر من لغة. وهو ما ساهم في تعدد مرجعياته وغناها، وواحدة من تلك المرجعيات السونيت الذي تسرب إلى قصيدته التفعيلية، فشكَّل مع غيره من المرجعيات الأخرى كالمرجعية التاريخية والميثولوجية والدينية والجغرافية والأدبية وحدة واحدة. هنا إضاءة هذه المرجعية نقديا.

تغلغل السونيت في شعر حسب الشيخ جعفر

نادية هناوي

 

ونعد السونيت([i]) مرجعية من مرجعيات القصيدة الحسبية من ناحية أنه قالب مؤلف من نظام إيقاعي يلتزم به الشاعر سواء على مستوى القوافي أو على مستوى التفعيلات ومن ناحية انصهاره في هندسية القصيدة الحسبية بشكل مرن وعميق، قد لا تبين منه إلا بعض آثار وقد لا تبدو واضحة مع أن فيها مقداراً من الدلائل المؤكدة والدامغة.

والسونيت نمط شعري ابتكره الايطالي بترارك ثم انتقل إلى فرنسا وانكلترا. وأشهر من نظمه من الشعراء الانجليز شكسبير الذي ابتدع فيه صورا وإيقاعات أضفت على قالبه حيوية ومنحته تجددا، وتعد سونيتاته المئة والأربع والخمسين من أروع ما كُتب في الشعر الانجليزي من قصائد غنائية. 

وعلى الرغم من تأثير السونيت الفني في كبار شعراء العربية المحدثين والمعاصرين حتى لا نكاد نجد من لم يقرأ السونيتات الشكسبيرية بلغتها الأصل أو المترجمة.؛ فإن القليل من الشعراء العرب من أكد أن للسونيت تأثيراً مخصوصاً في شعره.

ولعل السبب كامن في أن في القصيدة العربية أشكالاً قريبة منها تغنيان عن احتذاء ما فيها من تنوع القوافي وتعدد الأسطر كالزجل والدوبيت كما أن العرب الأندلسيين ابتكروا قبل ذلك الموشح الذي لقي في البيئة المشرقية العربية بعض الرواج وكتب فيه بعض شعراء النهضة الأدبية أو لعل السبب هو أن شعر شكسبير على الأغلب درامي كلاسيكي بينما النزعة العربية في الشعر عادة ما تكون نزعة وجدانية. ولهذه النزعة تقاليد متوارثة لا تختلف كثيرا في الالتزام الإيقاعي والتزمت الفني.

وإذا كان الشعراء المحدثون أصحاب قصيدة التفعيلة قد تأثروا بالشعر الأجنبي بنوعيه الكلاسيكي وغير الكلاسيكي عموما والانجليزي والفرنسي تحديدا. فإن جزءا كبيرا من هذا التأثر مبني على تنوع المرجعيات من دون التقيد بمرجعية واحدة بعينها. وهذا أمر طبيعي بوصف المرجعية إستراتيجية إبداعية وليست فاعلية نصية.

ولا يمكن بأي حال من الأحوال نكران أثر السونيت الشكسبيري في قصيدة التفعيلة لا بوصف السونيت شكلا من أشكال الشعر الرومانسي؛ وإنما بوصفه مرجعية تحضر على خفاء مرة وتختفي مرات. وما يؤكد وجوده هو هذا التجديد الذي طرأ على بنية الجملة الشعرية وايقاعيتها عند شعراء أتقنوا اللغة الانجليزية فقرأوا لأهمّ كتّابها وشعرائها.

ولقد تشرَّبت القصيدة الحسبية بنية هذا النوع الشعري لا كتناصات تلتزم بنظام السونيت الهندسي وتقتفي أثر نظامها التفعيلي القافوي وإنما كإستراتيجية هضمت فيها القصيدة الحسبية قالب السونيت ثم أعادت تمثيله شعرا تفعيليا، مستلهمة منه رومانسية الحب والطبيعة والموت ومتغنية بالزمان والجمال ميالة إلى التهكم والتساؤل مستثمرة السرد بمختلف أساليبه كالمونولوجات والحوار والمفارقة والعجيب والحلم وبنزعة ميتافيزيقية أحيانا.

وإذا كانت نازك الملائكة والسياب وعبد الوهاب البياتي ومن جاء بعدهم قد تأثروا بشعراء رومانسيين مثل كيتس وشيلي وبايرون واديث ستويل، فإن ذلك لا ينفي تأثرهم بشعراء كلاسيكيين كعزرا باوند وت. س. اليوت وشاعر كان خارج المذاهب الأدبية الكبرى في أوربا هو شكسبير.

وفرق كبير بين أن يتمثل الشاعر غيره مرجعا أو يتمثله تناصا لأنه في الأولى يتشرب المتمثل به تشربا حتى يصبح متماهيا فيه بشكل لا واع بينما هو في التناص يأخذ بشكل محدود وجزئي ما يراه مناسبا للسياق الذي يريد التعبير عنه.

ولذلك لا نجد في القصيدة الحسبية تناصات كلية أو جزئية مع قالب السونيت؛ وإنما نجد مرجعية قائمة بذاتها تتماهى معها القصيدة الحسبية بشكل عفوي، منطبعة بهيأة شاعرها الإبداعية. 

وإذا أردنا البرهنة على التغلغل المرن لهذه المرجعية في القصيدة الحسبية وعزمنا على معرفة عمق هذا التغلغل؛ فإننا سنجده متشرباً شعرياً فيها كمؤشر إبداعي. ولا أقول مؤشراً نصياً لأن الذات الشاعرة تستوعبه في ما قبل تشكل القصيدة كنص وما بعده ومنه تستقي القصيدة الحسبية بناءها ممتلكة هويتها.

بمعنى أن التغلغل ليس خطاً أو تكتلا أو منحى يمكننا التدليل عليه نصيا وإنما هو تراكم ما قبل نصي يتأتى على خلفية هضم داخلي لتتم بعد ذلك عملية استرجاعه بفاعلية ما بعد نصية.

ولكي ندلل على أن المرجعية السونيتية فاعلة في القصيدة الحسبية بخفاء ومتمشربة فيها داخليا؛ فإننا سنتناول نوعين: الأول إجمالي عام ويتمثل في:

ـــــ أن الشاعر حسب الشيخ جعفر كما شكسبير مأسور بشعرية حضارتين غابرة وعصرية، وعربية وأجنبية.

ــــ أن امتزاج المؤثر الغربي بالمؤثر الشرقي ولّد في الشاعر مغايرة حداثية هي بمثابة تنويع في قصيدة التفعيلة تماما كالسونيت الذي أوصل شكسبير إلى التجديد الشعري. 

ـــــ النزعة الجمالية في القصيدة الحسبية المشوبة بمشاعر وجدانية وصوفية متشائمة تفيض باللوعة والأسى هي النزعة نفسها في السونيت الشكسبيرية.

وأما النوع الثاني من الدلائل فتفصيلي خاص، وفيه تتنوع التغلغلات التي فيها السونيت الشكسبيرية متشربة في القصيدة الحسبية كاشتغال نصي وحاضرة كمرجعية فاعلة ومؤثرة. ومنها ما يأتي:

أولا - تغلغل الإيقاعي بالسردي

إن أهم مؤشرات التغلغل الإيقاعي السوناتي في القصيدة الحسبية هو التدفقية في التفعيلة التي تتعدد داخل الأسطر فتطول أو تقصر بحسب ما يستدعيه الإيقاع واكتمال البناء السردي.

وإذا عدنا إلى الشعر السومري لوجدنا جذور هذه التدفقية السردية في البنية الإيقاعية حاضرة كأوزان مرهونة باكتمال العنصر السردي فيها. وما بين التدفق والاكتمال تتحقق جمالية الإيقاع الشعري اعتمادا على وجود التفعيلة التي لا تتقيد بعدد معين داخل السطر الواحد أو مجموعة الأسطر.. بيد أنه مع تقادم الزمان تحولت هذه المرونة إلى قوالب وصار عدد التفعيلات محسوبا وغدا الشعر لا يكون شعرا إلا إذا التزم بعددية محسوبة بصرامة وزنية. وغاب عن البال أن السرد له إيقاعه وإن التداخل بين السرد والشعر والغناء والدراما أمر حاصل إبداعيا فصلا ووصلا.

وكان جان كوهين قد حدد بنية الفصل والوصل بأنها ("نمط من الانزياح المتمثل في وصل فكرتين لا تتوفران على أية علاقة منطقية بينهما بالانقطاع)"([ii]) والغاية هي الابتكار في الصورة بعفوية وسريالية لكن كوهن قصر الفصل والوصل على الدلالة أو شكل المعنى من ناحية تسلسل الأفكار سرديا، وإعمال العقل في إلغاء الروابط، وفي التسلسل الزمني والفكري والتعبير الموضوعي. وهذا يعني أن قصيدة النثر هي الأكثر امتثالا لما حدده كوهين بسبب انتفاء شرط الوزن والارتكان الى شرط الصورة في بناء الأسطر الشعرية. 

وقد عدّ الدكتور شجاع العاني الفصل والوصل ظاهرة في القصيدة العربية الحديثة، أخذت بالوضوح مع نهاية سبعينات القرن العشرين ثم اطردت في العقد الأخير منه. وتتبع أسبابها متوصلا إلى أن( الخيال الموضوعي التاريخي استحال الى خيال أسطوري خال من الزمان التاريخي وهذا العالم الاسطوري اللازمني هو بالذات ما يشكل المضمون العام للادب الحديث ويصوغ أساليبه ويقترح لغته)(([iii]))

ويحتل أسلوب الفصل والوصل مكانا مهما في السونيت بسبب ما تقتضيه البنية السردية في تشكيل كل مقطع من مقاطعه الثلاثة، ومنها هذا المقطع من السونيت الثاني الذي فيه الجملة السردية عبارة عن محاورة فيها السارد يخاطب شابا، محذرا إياه من تقدم العمر، راسما لتقدمه صورة استباقية وقد صار كهلا وبانت عليه التجاعيد، فيكون السطر الأول مكتملا إيقاعيا لكنه مقطوع دلاليا مما يتطلب وصله بما بعده ليكتمل البناء إيقاعا ودلالة:

Then being ask d where all thy beauty lies,

Where all the treasure of thy lusty days,

فإذا ما سئلت عن مكمن حسنك بأكمله،

وعن كل كنوز أيامك الشبقة، ([iv])

وكذلك في السطرين الآتيين اللذين يكمل أحدهما الآخر دلاليا مع أن كل واحد منهما مكتف بنفسه إيقاعيا:

  To say, within thine own deep- sunken eyes,

and thmftless praise , Were an all- eating shame 

فلتجب من خلال عينيك الغريقتين في الأعماق

عن الخزي الذي لم يدع شيئا، والإطراء الذي لا يجدي([v])

ونجد الفصل والوصل حاصلا في السونيت السابع حيث الصلة بين الفعل converted في نهاية السطر الأول والصيغة الاسمية his low tract  في السطر الثاني صلة دلالية تضمينية:

The eyes, fore duteous, now converted are

From his low tract , and look anther way:

والعيون التي كانت مذعنة لها من قبل ، تتحول الآن

عن مجراها المنحدر، متجهة بنظرتها إلى طريق آخر:([vi])

وقد عرفت القصيدة العربية الكلاسيكية والحداثية الفصل والوصل، ووظفه رواد قصيدة التفعيلة أيضا لكنه لم يكن ليمثل عندهم مهيمنة أسلوبية. من أمثلة ذلك هذه الأسطر من قصيدة (في السوق القديم) للسياب وفيها نجد أن الوصل ضروري بين الاسطر مع أن كل سطر مكتمل إيقاعيا:

( أنا سوف أمضي فاتركيني: سوف ألقاها هناك

عند السراب

فطوقتني وهي تهمس : " لن تسير") ([vii])

وإذا كان السياب قد تميز بأسطرة الشعر، والبياتي تميز بالقناع، ونازك تميزت بالرمز؛ فإن حسب الشيخ جعفر تميز بالفصل والوصل أو ما سماه النقاد بالتدوير كملمح أسلوبي مهم تميزت به قصيدته. ليكون الشاعر الرائد في هذا المجال حتى لا تكاد تخلو قصيدة من قصائده من هذا التوظيف، وقد تأثر به الشعراء الذين جاءوا من بعده ومنهم زاهر الجيزاني. ويعني التدوير اصطلاحا أن التفعيلة الأخيرة من الشطر الأول تدوَّر إلى مطلع الشطر الثاني.

وقد عدّت نازك الملائكة التدوير تبعة من تبعات القصيدة العمودية، وحددت فائدته لهذه القصيدة في أنه يسبغ على البيت غنائية وليونة لأنه يمده ويطيل نغماته.. ووجدت أن توظيف التدوير في الشعر الحر يبدو مشكلة من المشاكل الفرعية، لأنه قد يمتنع امتناعا تاما لأسباب منها أن التدوير لا يتصل بطول العبارة، وإنما هو محض انشطار في الكلمة إلى شطرين كل منهما ينتمي إلى تفعيلة، ومنها أن الشعر الحر ذو شطر واحد والشاعر ليس بحاجة إلى أن ينطلق من القيود لأنه في الأصل حر في إطالة أشطره وتقصيرها([viii]).

لكن ما السبب الذي حمل نازك الملائكة على التعامل مع التدوير من منطلق بلاغي، ولم تتعامل مع الظاهرة من ناحية أنها أسلوب جديد في القصيدة الحديثة ؟ وما الذي جعل التدوير الذي هو مصطلح بلاغي خاص بالقصيدة العمودية ذات الشطرين([ix]) مخصوصا ومنطبقا أيضا على قصيدة التفعيلة التي لا تخضع لسنتيمترية الشطرين بل هي توزع أسطرها بكيفيات وزنية معينة سواء في طول السطر الواحد وقصره أو في تكثيف السطور ومدها ؟

لعل المقايسة النصية التي عليها أقامت الناقدة معيارها الشعري متأتية من أن القصيدة العمودية تعتمد نموذجاً، والشعر الحر بلا نموذج، بسبب اختلاف بنية أسطره.

وطبيعي أن تكون لهذه النظرة المعيارية للتدوير بوصفه مصطلحا نقديا تبعات ترى في الشعر الحر عيبا هو مراكمة التفعيلات التي تفقد القصيدة الحيوية حتى لا جدوى من إيراد أكثر من ست تفعيلات أو ثمان في الشطر الواحد([x]).

ولا عجب إذا قلنا إن التداول النقدي لمصطلح ما، وعدم وجود أي معترض عليه هو الذي يجعله صحيحا وإن لم ينطبق على ما أُريد منه أن يدل عليه. وهو ما حصل مع مصطلح التدوير الذي صار معبّرا عن ظاهرة مبتكرة وجديدة في القصيدة الحديثة كأنه نابع منها بينما هو في الحقيقة مسحوب من توصيف قديم ومتلبس بمظاهر جديدة هي ليست منه ولا هو دال عليها.

وهذا النوع من الالتباس في فهم المصطلحات يجعل النقد اقحاميا وهو يفرض على الموصوف وصفا ليس منه في شيء. والنتيجة أن لا المصطلح يعبر بدقة عن الظاهرة، ولا الظاهرة تعكس آلية المصطلح. 

والحقيقة أن الفصل والوصل أسلوب عرفته القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة، وشكّل في القصيدة الحسبية ظاهرة مبتكرة نظرا لما تمشربته هذه القصيدة من مرجعيات بعضها خفية ونعني بها السونيت الشكسبير وبعضها جلية كالمرجعيات الثقافية والتاريخية وغيرها، وذلك منذ الديوان الأول لحسب الشيخ جعفر وهو (نخلة الله ) الذي نشره في نهاية ستينيات القرن الماضي وكذلك دواوينه اللاحقة التي فيها تأتي بعض أسطر القصيدة مستقلة إيقاعيا لكنها مرتهنة دلاليا بسردية ما بعدها، وهو ما يتضح في هذين السطرين من قصيدة( الكنز ):

( كنزي الذي فقدته

في رحلتي الخائبة المريرة ) ([xi])

وفي الفصل إيقاعيا والوصل دلاليا غاية جمالية، حرصت القصيدة الحسبية على تحقيقها، وتتمثل في أن الجملة الشعرية لا تكتمل إلا بوصلها وفي الوقت نفسه هي مستقلة بانفصالها عما بعدها.

وما دام السرد عنصرا تكوينيا في القصيدة الحسبية؛ فإن وجود السارد أمر مؤكد ذاتي ومعه السمات السردية الاخرى كالشخصية والاسترجاع والاستباق والمفارقة والحوار والمونولوج.

وهو ما نجده في قصيدة( الراقصة والدرويش) التي في كل مقطع من مقاطعها الخمسة عشر([xii]) نجد الفصل والوصل, ومنها هذا المقطع وعنوانه( الشك واليقين) وعليه يخيم جو مفعم بالتساؤلات وغارق بعناصر الطبيعة الحية والجامدة وفيها الراوي يتأسى بجمال الحبيبة/ الطبيعة وبراءتها ونقائها كحلم رومانسي به يجافي الواقع القاسي المليء بالشحوب والنضوب والخسارات.

والتساؤل والتكرار يعطيان للوصل السردي والفصل الإيقاعي جمالية خاصة:

( أنتِ أم القمر

وجدته يجلس في سريري

يغزل لي مصيري ؟

أنتِ أم الجنية المحلولة الشَعر

ترقص في غمائم العبير ؟

أنتِ أم المطر

أغرقني أثقلني

بالورق الأخضر والثمر ؟

أنتِ أم السراب

أسكرني حيرني

في غابة النجوم والتراب ؟) ([xiii])

ويطغى البعد السردي في قصيدة( في أدغال المدن) ، فيغدو كل سطر مكتفياً ايقاعياً بنفسه لكنه موصول دلاليا بالسطر الذي بعده حتى أننا لا نقرأ أو نستشهد بسطر إلا وصلناه بالذي بعده وهكذا ننتهي وقد قرأنا القصيدة كاملة:

( نخبئ في دغل المدن الرعد، نقتسمُ

القطرات الأخيرة في القدح المتواطيء،

تلقي الرياحُ الشديدة أوراقها فوق أكتافنا

في عواصم منهكة الخصر، آن التوقف عند

الجدور المجعدة الوجد آن التوحد باللهب

المتطاول، في منزل منزو تحت أجنحة النخل

والطير أدركنا الفجر نكتب آخر لافتة

في الظهيرة، تثقبها فوق أوجهنا الطلقات

السريعة، .....  ) ([xiv])

فكل مقطع يشكل مع المقاطع الأخرى وحدة موضوعية لا تكتمل إلا بمواصلة القراءة. ولولا أن للقصيدة الحسبية الحرية في فصل أسطرها وتفعيلاتها ووصولها تبعا لطبيعة البنيتين الإيقاعية والسردية فيها، لما كانت ذات شكل تفعيلي ولبدت أقرب إلى قصيدة النثر.

ثانيا - تغلغل الدرامي بالأسطوري

يتميز السونيت الشكسبيري بنزعته الدرامية التي تمنح القصيدة دينامية ادهاشية تولدها حركية الزمن وهو يتناوب ماضيا وحاضرا ومستقبلا. وهذه الدرامية عادة ما تأتي مصحوبة بنزعة أسطورية تمنح السونيت فضاءً تخييلياً فيه يتعالق الوقائعي بالغرائبي ثقافياً، ويصبح الشاعر هو السارد بضمير الأنا أو الخطاب أو يكون مختفيا وراء راوٍ يتكلم بضمير الغائب.

ففي السونيت رقم( 19 ) نجد أن كل مقطع مسرد بضمير الغائب، فيه الزمن هو الفاعل الذي يعرك كل شيء ولا يعركه شيء، فهو كالأسد ينشب مخالبه في البشر ثم يخلع الزمن مخالب هذا الأسد لكي تلتهم الأرض من ثم قوته.

وهذه الدرامية التراجيدية تأتي متعالقة بأسطورة العنقاء، الطائر المارد الذي لم يعد باستطاعته أن يقاوم الزمن:

Devouring time, blunt thou the lion s paws,

And make the earth devour her own sweet brood:

Pluck the keen teeth from the fierce tiger s jaws,

And burn the long –lived phoenix in her blood

الزمن المفترس، يثلم براثن الأسد،

ويجعل الارض تلتهم ابناءها الطيبين؛

ينتزع أسنان الباترة من فك النمر المتوحش،

ويحرق العنقاء المعمرة في دمائها؛([xv])

فالمقطع ليس حكاية بانورامية ولا هو وصف قار؛ وإنما هي أحداث سردية محتدمة بالأفعال المضارعة( يثلم/ تلتهم/ ينتزع/ يحرق) التي أعطت الزمن استمرارية وصارت الحيوات والجوامد كلها راضخة له حتى أن أقوى الأحياء( الأسد / النمر ) والجوامد(الارض) لا تستطيع مقاومته ثم أضاف لما تقدم كائنا لا هو من الاحياء ولا هو من الجوامد خرافي الوجود، كلما احترق وصار رمادا عاد منبعثا من جديد لكنه أمام دينامية الزمان لم يعد قادرا على الصمود فقد طال هذا الزمان دمه الذي فيه حياته. ولا يخفى ما للتقفية المتمثلة بصوت القوة (  aws) ومقابله صوت الخفوت (  ood) من دور في توكيد هذه الاسطرة الدينامية.

ولأن التداخل بين الدرامي والسردي حتمي في السونيت الشكسبيري يغدو توظيف تقانات مثل المونولوج والمفارقة والكرنوتوبية والحوارية أمرا مؤكدا كما في السونيت رقم(22) وفيه يتم استدعاء أسطورة المرآة العجيبة التي تعيد للعجوز الشباب، ممزوجة بدرامية الحوار المونولوجي بين السارد ونفسه وهو يشكو أثر الزمن فيه ولا أثره في الاخر/ الحبيب:

My glass shall not persuade me I am old,

So long as youth and thou are of one date

But when in thee time s furrows I behold,

Then look I death my days should expiate.

مرآتي لن تقنعني بأنني صرت عجوزا

ما دام الشباب وأنت صنوين

لكنني عندما أرى الغضون التي أحدثها فيك الزمان

أرى الموت الذي ينبغي أن تكفر عنه أيام حياتي([xvi])

وساهم التضاد بين الشباب والعجز والموت والحياة وكذلك توظيف الأفعال المضارعة في اضفاء الدرامية على السونيت. وعلى هذه الشاكلة تسير مقاطع السونيت الثلاثة الأخرى مؤكدة الثيمة ذاتها ثيمة الشباب الذاوي المنطفئ الذي فيه الحب والموت صنوان. ومثل ذلك ينطبق على أغلب السونيتات الشكسبيرية.

وفي القصيدة الحسبية نجد ايضا أن تمازج الدرامي بالأسطوري يأتي على الطريقة نفسها التي اعتمدها شكسبير في بناء سونيتاته متأثرا بالآداب القديمة ومنها الأدب العربي.

ومن القصائد الحسبية التي بها نمثل على تغلغل الدرامي بالأسطوري قصيدة ( الطائر المرمري ) التي فيها يغدو الزمن الغابر متآزرا مع الزمن الحاضر وهما يكويان السارد المتيم بالوجد ويحرقانه بالظمأ. وساهمت الافعال المضارعة ونداءات الحب المتكررة وقوة صوت الراء وقراره المتواتر في توكيد الاحتدام الدرامي الممزوج باسطورة العنقاء المرموز إليها بالشاعر وهو يحترق مستعادا: 

( ها أنا ابحث عن طير السهاد

في لهيب الجسد الفاني وادغال السهاد،

هذه الخصلة من شعرك ريح وشرار

هذه الكأس التي كانت تدار

ها انا اشرب من فخارها الاخضر نار ) ([xvii])

وتستمر القصيدة بدرامية تدلل عليها أفعال الاستمرار( اشعل ، يحرقني ، يطوي ، اركب ، اغزو، اشرب ، ألمس، أغني .. الخ ) وتوظف المونولوجات بين الفينة والأخرى ثم تنتهي القصيدة بمفارقة تتمثل في استمرار الشاعر في البحث عن طير السهاد. كل ذلك عمل على تعزيز حالة التمازج الدرامية /الاسطورية. وهذا التناص الواضح مع السونيت التي مثلنا بها سلفا يؤكد حقيقة التغلغل الذي نحن بصدده وفي الان نفسه يثبت أن المرجعية السونيتية في القصيدة الحسبية حية وجلية.

وتفتتح قصيدة( هبوط اورفي) بمقطع درامي /اسطوري يجمع بشكل تزامني بين حاضر كئيب فيه الشاعر لا يعرف مستقرا وبين ماض بعيد فيه اورفيوس موسيقار مسافر حزين يأتي هابطا من الاعالي حاملا قيثارته عازفا في وجه الزمن ألحانه متلهفا مثل الشاعر للقاء الحبيبة الضائعة:

( تدور العصافير في آخر الليل

في البار، يهبط اخضر اسود

في وجهه النار والعشب

.........

.........

من اعالي نيويورك يهبط اورفي

الى غابة الصخر، يهبط اسود في وجهه النار

والعشب، في وجهه الالق الاخضر الذهبي،

المدينة تبتل في صوته الاخضر الذهبي،

المطارات تغلق في وجهه والفنادق، عن

أي خادمة في المقاهي الصغيرة يبحث) ([xviii])

ولا يخفى ما تجلبه الدرامية للنص الشعري من حضورية آنية تجتمع بأسطورية بعيدة وتكون المفارقة زمانية، فيها النص الشعري نفسه منجذب الى الاثنين معا. فهو يجسد عصرنا الذي نعيشه وعصرا لا نعرف عن حقيقته شيئا، هذا إلى جانب مفارقة لفظية تتمثل في تجانس قرار صوت الراء( صخر، نار، اخضر) مع انسياب صوت الياء( الذهبي، اورفي، المقاهي).

ومثل ذلك نجده في قصيدة (الرباعية الثالثة) وفيها يتخذ الشاعر حسب الشيخ جعفر من القناع تقانة بها يجمع درامية العمر ورومانسيته بأسطورية كيوبيد الإله قليل الحظ صاحب قوس الحب الجنوني الذي أصاب الشاعر فأوقعه في الغرام فكان هو الخيام وأبو نواس وأبو العلاء المعري منتقلا إلى زمن فرعوني فيه نفرتيتي وزليخا:

( أنا الكوكب الأسود، انتشروا في المقاهي

اشربوا الشاي، وحدي أقهقه في وجه

تمثالي الحجري، الصبايا النحيفات يرقبن) ([xix])

ثم يلبس قناع الفرعون امنحوتب الرابع الذي وقع أسير جمال نفرتيني منتقلا بدرامية مستمرة إلى فتيات الشعلة المتوهجة وهن يسرن في قاربهن ناثرات الحب في شكل حفلة درامية فنتازية تجمع الأضداد :

( تأتي الصبايا النحيفات:

( في السيسبان القديم

ابتنينا منازلنا الحجرية ، عبر

السهوب انتشرنا نلم لنيراننا

الروث، يطفو بجنية الهور

قاربنا الذهبي، احملينا الى

قصرك الذهبي احملينا ولو

مرة، قيل اباؤنا في مدائنك

الخضر أسرى يكبلهم شعرك)([xx])

وهذا التوظيف للحوارات والمنولوجات والتناصات هو تعويض عن غياب نسقية التنويع القافوي التي حرص الشاعر على توظيفها في قصيدة التفعيلة لكنه أبقى على التوازي الصوتي داخل كل سطر شعري. وقد انتهت القصيدة ـــ وهي طويلة ـــ نهاية حزينة، فغدا كل شيء باهتا وغريبا يجرف الأحلام والحقائق برمتها.

واستلهم شكسبير من خاتمة ملحمة جلجامش فكرة السونيت رقم( 2 ) متناولا حقيقة الخلود حيث الموت ليس هو النهاية بل هو البداية التي بها يترك الانسان وراءه شيئا يمثله:

If thou could answer. This fair child of mine,

Shall sum my count and make my old excuse,

Proving his beauty by succession thine,

لو أنك استطعت الجواب قائلا: ( هذا الطفل البديع الذي ينتمي الي

سيجمع حظي، ويكون العزاء والتبرير في كهولتي)

ويكون جماله البرهان على انتسابه اليك. ([xxi])

وكذلك عمل الشاعر حسب الشيخ جعفر على استلهام الاساطير من خلال تغلغل الدرامي بالأسطوري في قصيدة( السيدة السومرية في صالة الاستراحة)، وفيها تتوضح مرجعية سوناتية فيها الشاعر هو تموز وعشيقته عشتار([xxii]).

وعادة ما ينظر حسب الشيخ جعفر للمرأة نظرة أسطورية وهي النظرة نفسها التي نجدها في سوناتات شكسبير، يقول حسب:

( تخيرني وجهك السومري مطارا، فما لي

سوى أن أرحب أو أن اودع ، سيدتي

كنت لي نجمة في سماء المخازن تؤنسني

كلما انحسر المشترون، اتركيني المَّ تقاطيع

وجهك في الحائط المتآكل في أور، في صالة

الاستراحة، في أوجه العارضات النحيلات) ([xxiii])

والابتكار الذي يضفيه الشاعر حسب الشيخ جعفر على مرجعية السوناتا هو أنه يتوغل في الاسطورة ويتقنع بها ويعيشها زمنا قادما كظل يرافقه أينما حل ولا زمنا مسترجعا فيه كان طيفها يؤنسه فيعيده إلى اوروك المدينة التي عرفت الحضارة قبل كل مدن الارض، ليكون امتداده سحيقا فهو سليل حضارة عمرها الآف السنين، منها استلهم شكسبير قصائده ومنها السوناتا رقم (38 ) وبمنحى درامي ممزوج بغنائية طافحة:

Be thou the tenth muse , ten times more in worth

Than those old nine which rhymers in vocate ,

And he that numbers to outlive long date.

فلتكن انت عروس الالهام العاشرة ، ولتكن عشر مرات اكثر جدارة

من عرائس الالهام القدامى اللائي يستلهمهن الشعراء

ولتدع ذلك الذي يستلهمك([xxiv])

وهذا الاحتباك الدرامي نجده ايضا في القصيدة الحسبية وقد تأسطرت بتموز وقصة حبه مع عشتار الإلهة التي كنّى عنها حسب الشيخ جعفر بالسيدة السومرية وهي تجيء من أعماق بلاد الرافدين، فأضفى عليها ملامح عصرنا فها هي تنتظر في المطار وهو لا يدري هل تروم المغادرة أم أنها الآن قادمة ؟ :

عودي تماثيل  في باطن الارض أو في

المتاحف ، بيني وبين السحوب الذي لمسته

يدي، برهة واكتوت، قهقهات البغايا

وثرثرة المخرجين، اتركيني أعد مثلما كنتُ

تذكرة في تألق موسمك المسرحي، ارتضى

وجهك المتكبر صحبة وجهي دقائق ، لكنني

حين يغلبك النوم ارقب عريك مبتهلا دون

أن احتويه، والهو مع الريح في خصلاتك

في كل ممشى ارافق خطوتك الملكية، (([xxv]))

ويساعده هذا التقنع الاسطوـ درامي على مد الحدث السردي بطاقة شعرية تحتدم بسببها الأحداث فتتصاعد الحبكة. وها هو تموز في عالمه السفلي يترقب عودة عشتار من عالمها الارضي وقد  هالها المتحف الذي رأته في العالم الأسفل وفيه رفات عشاق ساهمت البغايا والالهة في جعل الموت مصيرهم.

وهنا يتذكر تموز كيف كانت عشتار تشق شارع الموكب بهيبتها وهي تتقدم الجموع عابرة بوابة الحياة قادمة نحوه فكانت تلك سعادته التي تعيده مجددا شابا يبتهج بصحبة حبيبته لكن ذلك الابتهاج لا يدوم إلا هنية إذ سرعان ما تغيب عنه فيتعزى بملامحها كامرأة اجتمعت فيها المفاتن كلها، ومعها جمعت كل المحاسن فكانت كقديسة لها هيبتها الممزوجة بطيبتها وجها وشعرا وجسدا وخطوات ملائكية ولحظات ذهبية وتموز حالم بصالة مسرح، فيه ينتظر عشتار كي تهبه السعادة وتملأ روحه بالنشوة مترقبا منها كل لمسة وكل خطوة وكل لفتة وكل صحوة .

وما بين الحلم واليقظة يقترن تموز بعشتار روحا وجوهرا، ويكون هذا الاقتران أبديا لا مفك منه. وعشتار إن غادرت أو حضرت فإنها كالروح مكتنزة فيه فهي منه وهو منها كيانان من وجد شفيف لا معنى عندهما للعصور في تقادمها أو في تسارعها ولا أهمية للأمكنة والأسفار في امتدادها وطيّها..

وإذا عاد الشاعر المتقنع أسطوريا بتموز إلى صحوه تذكر أن الروح التي بها استعاد الحياة هي بحر من الوجد فكيف له أن يلملم شغاف روحه وسط عبابه ويعلن عن قيامته عائدا إلى الحياة من جديد. وليس له ذلك وهذه الروح قد أعلنت أفول القمر الذي قد لا يظهر مجددا. لذا أعلن تمرده على الالهة التي احتجزته في عالمه السفلي وفصلته عن عالم عشتار الارضي .

بيد أن ذلك التمرد لا يذوي على شيء؛ وتظل عشتار حيوية في حياتها تبدو تارة في وجه بائعة ورد وتارة في وجه صحفية او صديقة قادمة من إحدى يوتوبيات الزمن الغابر.

وها هو تموز جامد في مماته متشبث بوجه عشتار مستذكرا كيف أن حبه النقي لعشتار أودعه غياهب الأرض وإلزمه المكوث غائبا فيها منتظرا بلهفة قدومها كل عام قديسة تبارك موته وسيدة تهبط حنانا على قبره فتخفف هول المكوث الإجباري الذي هو أمر نازل به ومحتم عليه البقاء فيه حتى لا مهرب منه.

وإذ يخاطب تموز عشتار غيابيا ( اتركي الأرض واهبطي إلى ارضي التحتية لنندمج ونتكاتف في مواجهة هذه القسوة) فإنه خطاب الذات التي أضاعها الغياب فتحولت من صوت الانا الى الانت كي تتحمل هول البوح الذي أضنى الشاعر فراح ينادي الحبيبة تكرارا ومرارا لعلها تسمع نداءه.. وإذا سمعته فعندها سيتحول موته الى حياة وهشيم روحه إلى اتقاد.

ويبدو الشاعر في هذه القصيدة أكثر تمردا على الوزن، وتزداد رغبته في التمرد التموزي اسطوريا في قصيدة ( في الحانة الدائرية ) التي فيها تموز ما زال يسرد قصة مكوثه الإجباري منتظرا تلك السيدة التي ستعيد له روحه فيسعد بوجودها إلى جنبه. ولأن موته مستمر إلى الأبد، تصبح أفعال الديمومة المضارعة ملازمة له في إشارة رمزية الى حتمية حتفه الأبدي:

( أكور شيئا من الطين، أكسره كل يوم

أحاول ان اجد الالق البكر، منتشرا في

الزمان، القرى تتبعثر في الشمس والقش،) ([xxvi])

فلقد تحنط تموز قابعا لا يقدر على الالق، ضاع منه العنفوان وتبدد في الزمان وتبعثرت الامكنة في ذاكرته، ولكن عشتار ما زالت على الوعد تهبط من علو فتدب الحياة في النهر والجرف والعشب والنخل، فيعود لتموز بهاؤه وقد نما الجنوب في داخله حياة حتى كأنه خُلق من جديد.

وتسفر نداءاته لعشتار عن رغبة في التلاقي؛ أن تعالي إليّ مدينة أو غابة أو سفائن، لكن كيف لها أن تسمع وهي بعيدة أو بالاحرى أنّى لها أن تسمع فتؤوب من عالمها الارضي الى عالم سفلي وهي الزجاجة التي ستتهشم إن هي وضعت خطوها على سلم الهبوط المتهالك ؟.

فيزداد نحيب تموز ويتعالى وجعه وهو يرجوها ألا تهبط وأن تظل تطوي الوجد منتظرة قيامته لعله يفيد من استعادة شبابه وحياته ويعود إليها من تحنيطه عاشقا قادما من إياب سفر بعيد، حاملا إليها الحب والحياة والأمل.

وتموز القابع في سجنه السفلي مكبل عاجز إلا عن حلم يراه النائم طيفا وها هو الرجل العرّاف ينبئه أن سيأتي إليه شهاب من ربيع أخضر علوي فينزل إلى جحيمه السفلي كومة من وهج خريفي يقصده هو لا غيره، معيدا إليه الحياة من جديد.. لكن سعادته قصيرة، إذ سرعان ما يتحول صفاء المكان العلوي إلى تعاسة فيخفت ائتلاق ربيعه.

فما أسوأ حظ تموز!! وهذه النبوءة هي الأخرى تغدر به، مبينة أنه وإن عاد إلى الحياة وانتشى بربيعها سيجد أن الأبواب موصدة وعشتار بعيدة، متسائلا كيف أصعد الى الارض وأجد نفسي باحثا من جديد عن وجه"" يلمني ومحطات توصلني إلى بغيتي عشتار؟ "" ويضع الشاعر المقاطع التي فيها تداعيات مونولوجية بين قوسين كبيرين مثل:

( هل أنت راحلة؟

إنني في المدينة منذ دقائق،

في الفجر ارحل.)

( حين انطق اسمي تفارقني)

( حين تنطق اسمي تفارقني )

ويسأل طيفها مجددا وهو في الحانة الدائرية: لمَ الرحيل يا عشتار وأنا جئت إليك بنفسي ولن يطول مكوثي معك ؟! وهنا يأتي صوت أحدهم وهو يسألها عن اسمها ويكرر صورتها وجها ذا ألق لا ينتهي .. فهل يا ترى سيأخذ أحدهم عشتار من يدي تموز؟

ما دامت النبوءة لا تفيد في ترقب أمل العودة العشتارية للربيع يعود تموز إلى أحلامه وهو يراها سيدة قديسة فيرهبه مزارها الذي يفتح أبوابه له فيدخل وعشتار تراه ولا تكلمه فيسألها ألا نغادر إلى فضاء كنا فيه فيما مضى سوية ؟!!

وعلى الرغم من أن مجيء الفجر أطفأ جذوة الحلم، فإن الأمنية باللقاء تظل ساكنة روحه ومخيلته، نابضة مؤتلقة.

وتنتهي حكاية بعث تموز من الموت وقد غدت الأمكنة كلها لا تسع هروبه ولا تعلم بحضوره والمدينة تسمع نداءه وتصغي لوقع خطوه عائدا إلى العالم الأرضي وقد خانه التوقيت لتكون الخيبة خيبة زمكانية فيها العمر يهرب والمدينة والجسر والزقاق.

وإذ لا طائل من حانته الدائرية وعشتار بعيدة تكون عودة تموز إلى مدفنه قاسية وقد أحكم حارس العالم السفلي قبضته عليه فيعيش في شتائه غائبا في المكان والزمان وكل شيء مبعثر وزائل، مناجيا عشتار"" أيتها الوردة إن اهبطي ؟"" وكيف تهبط والسلم متهالك حتى إذا انهدم بها ضاع حلمه وتهشم أمله!!.

وإذا كانت سدوري المرأة العارفة قد استوقفت جلجامش في رحلته بحثا عن العشبة كذلك تستوقف المرأة تموز ولا يهمه إن كانت إلهة صاحبة حانة أو لا؛ بل المهم سؤالها الابدي ""هل تعرف يا تموز طريقا الى الفجر الذي فيه خاتمة حكايتك؟ "" وعلى عكس ما أجاب جلجامش سدوري يجيب تموز: أي نعم.

وتصطحب المرأة الحكيمة تموز بعيدا عن السفاسف والزوائف وتصل به إلى عالم كان قد خبره وعرفه، عالم هجره الطير وسكنه رجل سبق أن رآه.. إنه العراف الذي أنبأه أن لا أرض علوية سيجد فيها بغيته ولا انبعاث سيعيد إليه سعادته التي لا مناص له من انتظارها ولا جدوى من بحثه عنها فالقدر رسم له مصيرا ولا مجال للتمرد عليه أو عصيانه بل عليه تقبله والتسليم له.

إنها دورة الحياة التي أوجبت أن يكون في الموت انتظار أبدي للحياة كما أن في الحياة انتظار أبدي للموت.

وما بين الموت والحياة يتبادل العاشقان عشتار وتموز الأمكنة، فلا هي تلقاه ولا هو يلقاها، فلقد خانهما الزمان وعارضهما المكان. وبالرغم من ذلك فإن روحيهما تظلان أكبر من الزمان والمكان.

وبهذا النزعة السردية المؤسطرة تكتمل القصة وقد ضمن تموز وعشتار لنفسيهما الابدية والخلود، ويصبح البعد الدرامي واضحا في علاقة السيدة السومرية بحبيبها. وبالشكل الذي يؤكد لنا أن الابتكار التجديدي في القصيدة الحسبية هو تمشرب لمرجعية السونيت، متخذة منه قاعدة تبني عليها ـ ولا تحتذيها ـ بناء يفوق القاعدة إبداعيا. وتساهم تقانة القناع في منح القصيدة الحسبية سمة التمرد لا على الاسطورة والواقع؛ بل على الشكل الشعري الذي قد يطغى عليه السرد فتصير القصيدة أقرب الى قصيدة النثر منها إلى قصيدة التفعيلة.

وهذا التحول في القصيدة الحسبية ليس غريبا وقد كان التدوير مهيئا مهما من مهيئاتها بيد أنها ظلت محافظة على توزيعها السطري الذي هو ميزة أخرى من مميزات قصيدة التفعيلة التي دشنت أبعادها القصيدة الحسبية.

وبالتمشرب السوناتي تردم البنية السردية فجوات البنية الإيقاعية التي تتأرجح القصيدة الحسبية بين جنسين شعريين هما قصيدة العمود وقصيدة التفعيلة وبرؤية انفتاحية تَعبر عليهما قصيدة النثر أحيانا. وهو ما يتضح في ديوان( عبر الحائط في المرآة) الذي فيه تعلو النزعة الحوارية وتسود السردية وتتراجع السمة الوزنية للتفعيلات فيغدو الرابط بين الصور الشعرية الزمان وليس الاوزان وتظل المرجعية الشكسبيرية متمثلة في طريقة التوزيع السطري للأشعار.

ولعل أهم دلائل اقتراب القصيدة الحسبية من شكل قصيدة النثر، البنية التراكمية التي بها تجتمع الغنائية بالتعدد المقطعي stanza مع الميل الواضح إلى توظيف السرد كمشاهد مونودرامية وملصقات صورية على حساب الاتزان اللفظي محققة بذلك وحدة في الانطباع الذي به تترابط الأسطر فتتقارب وتتقابل.

وما عمله الشاعر حسب الشيخ جعفر في تمرير قصيدة النثر من خلال قصيدة التفعيلة هو مشاكِل لما عمله الرائدان نازك الملائكة وبدر شاكر السياب حين مررا قصيدة التفعيلة من خلال قصيدة العمود حتى تمكنوا من إثباتها جنساً من أجناس الشعر لا يُنكر ولا يُرد.

 

 

الهوامش

 

([i]) سونيتات شكسبير الكاملة مع النص الانجليزي، ترجمة بدر توفيق، مؤسسة اخبار اليوم، القاهرة، ط1، 1988، ص6.

([ii]) بنية اللغة الشعرية ، جان كوهن، ترجمة محمد الولي ومحمد العمري، دار توبقال للنشر، المغرب، ط1، 1986، ص163.

(([iii])) قراءات في الأدب والنقد، د. شجاع مسلم العاني، دار الفراهيدي، بغداد، ط2، 2011، ص33. وقد أطلق الناقد على الفصل والوصل تسمية (بنية التجاور والانقطاع)

([iv])  سونيتات شكسبير الكاملة مع النص الانجليزي، ص18.

([v]) المصدر نفسه.

([vi])  المصدر السابق، ص23.

([vii]) الأعمال الشعرية الكاملة بدر شاكر السياب، المجلد 1و2، ص47.

([viii]) ينظر: قضايا الشعر المعاصر، نازك الملائكة، مكتبة النهضة، ط2 1965، ص91ـ98

([ix]) أي أن الحرف الاخير من الشطر الاول يدور الى مطلع الشطر الثاني

([x]) ينظر: المصدر السابق، ص99 

([xi]) الاعمال الشعرية الكاملة 1964ـ1975 ، حسب الشيخ جعفر، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1985، ص158.

([xii]) ينظر: المصدر السابق، 148.

([xiii]) المصدر السابق، ص132ـ133

([xiv]) المصدر السابق، ص270

(([xv]) ) سونيتات شكسبير الكاملة مع النص الانجليزي، ص38

([xvi]) المصدر السابق، ص41

([xvii]) الأعمال الشعرية، ص223

([xviii]) المصدر السابق، ص280ـ282

([xix]) المصدر السابق، ص328.

([xx]) المصدر السابق، ص341.

([xxi])سونيتات شكسبير الكاملة مع النص الانجليزي، ص18.

([xxii])ينظر : المصدر السابق، ص39. سوناتا رقم 20

([xxiii]) المصدر السابق، ص313.

([xxiv]) المصدر السابق، ص57.

([xxv]) المصدر السابق، ص314.

([xxvi]) المصدر السابق، ص319.