من المثير للاهتمام أن بعض الكُتّاب الذين أقوم بترجمة نصوصهم إلى اللغة الإنجليزية يبدون اندهاشهم عند ملاحظة الفوارق في التعبير ونقل المفاهيم من العربية إلى الإنجليزية. يمكنني أن أتفهم هذه التساؤلات، لا سيما أن عملية الترجمة ليست مألوفة لدى الجميع، ولا يدرك الكثيرون متطلباتها العميقة التي تتجاوز استبدال الكلمات إلى إعادة صياغة المعنى بعمق ودقة. لذلك يواجه المترجمون الذين يعملون بين اللغتين العربية والإنجليزية مجموعة متنوعة من التحديات، لا تشمل هذه التحديات الاختلافات اللغوية فحسب، بل تشمل أيضًا التفاوت الثقافي.
الترجمة ليست مجرد كلمات
الترجمة ليست مجرد عملية استبدال كلمات من لغة بأخرى؛ بل هي فن متكامل يتطلب إيصال المعنى الأصلي مع الحفاظ على الفروق الثقافية والأسلوبية للنص. يكمن التحدي الأكبر عند الترجمة بين اللغتين العربية والإنجليزية في اختلاف بنيتهما، أسلوبهما، وسياقاتهما الثقافية.
اللغة العربية، كإحدى اللغات السامية، تمتاز بمفرداتها الغنية وتعابيرها الشعرية وقواعدها النحوية المعقدة، بالإضافة إلى اعتمادها الكبير على السياق لنقل المعنى. في المقابل، تتميز اللغة الإنجليزية، كإحدى اللغات الجرمانية، بقواعد نحوية أكثر وضوحًا وميلاً إلى الإيجاز. هذه الفروق تجعل الترجمة الحرفية بين اللغتين غير فعّالة في كثير من الأحيان، وقد تؤدي إلى فقدان الرسالة الأصلية أو تشويهها.
عندما يتعامل المترجم مع النصوص العربية، يتعين عليه أن يأخذ في اعتباره التراكيب النحوية المعقدة التي قد تبدو غريبة للقارئ الناطق بالإنجليزية. فمثلاً، في اللغة العربية، تتسم الجمل بالتكرار والتوسع، مما يُعطي القارئ شعورًا بالراحة في استيعاب المعنى، بينما في اللغة الإنجليزية، يتطلب الأمر تبسيط الجمل واختصارها لكي تكون واضحة وسهلة الفهم. لهذا السبب، فإن الترجمة الحرفية لن تُنقل المعنى بشكل دقيق أو فعال.
أهمية الثقافة في الترجمة
الثقافة تلعب دورًا محوريًا في عملية الترجمة، خاصة بين لغتين مختلفتين تمامًا كالعربية والإنجليزية. فاللغة العربية مشبعة بالإشارات الثقافية والتعبيرات البلاغية والدلالات التاريخية التي قد تفتقر إلى نظير مباشر في اللغة الإنجليزية. على سبيل المثال، العبارات المرتبطة بالمبادئ الإسلامية أو التقاليد العربية تحمل أبعادًا قد تضيع عند الترجمة الحرفية.
إحدى أكبر التحديات التي يواجهها المترجم هي النقل الفعّال للتعبيرات الثقافية. ففي بعض الأحيان، قد تكون هناك عبارات تُستخدم في اللغة العربية لا يوجد لها مرادف مباشر في اللغة الإنجليزية، مثل العبارات الدينية أو الأمثال الشعبية. قد نجد تعبيرات مثل "الله كريم" أو "الحمد لله" في النصوص العربية، التي تحمل دلالات ثقافية ودينية عميقة، والتي تحتاج إلى شرح أو توضيح في اللغة الإنجليزية حتى لا يتم فقدان المعنى العميق.
للتغلب على هذا التحدي، يعتمد المترجمون غالبًا على التفسيرات التوضيحية أو استخدام حواشي لإيصال المعنى بطريقة تتماشى مع فهم القارئ المستهدف، مع الحفاظ على الجوهر الثقافي للنص الأصلي. وفي بعض الأحيان، يتم استخدام العبارات التي تحمل معنى مشابه في الثقافة المستهدفة بدلاً من الترجمة الحرفية، مما يسهم في نقل الرسالة بشكل أكثر فعالية. هذا النهج أو الأسلوب من أساليب الترجمة الذي يعمل بهذه المقاربة في نقل النص الى لغة أخرى يُسمى
(Meaning-Based Translation - الترجمة القائمة على المعنى).
مفهوم "الترجمة القائمة على المعنى"
تعتمد الترجمة القائمة على المعنى على استيعاب النص الأصلي بعمق، ثم البحث عن الطريقة الأمثل لإعادة صياغته في اللغة الهدف، مع الحفاظ على روح النص وسياقه. الهدف هو إنتاج نص يبدو وكأنه كُتب أصلاً بلغة القارئ المستهدف، مما يجعله طبيعيًا وسهل الفهم دون أن يفقد تأثيره أو معناه الأصلي. يُمَكَّن هذا النهج المترجم من سبر أغوار نص اللغة المصدر ومن ثم يتعمق في دلالته وأكتشاف معناه بالشكل المناسب، ثم يبحث عن أفضل السبل لإعادة التعبير عن هذا المعنى باستخدام كلمات وعبارات من اللغة التي يُترجَم إليها النص، بذلك هو يبحث عن الطريقة المكافئة التي يتم بها التعبير عن نفس الرسالة بشكل مفهوم في لغة المستقبل/الهدف. هنا يصبح المترجم قادرًا على تقديم ترجمة مناسبة ومترابطة، تجعل هذا الشكل من الترجمة للنص المُترجم عند عند قراءته من قبل متحدث أصلي للغة الهدف وكأن النص قد كُتب باللغة الهدف، وليس ترجمة في حد ذاتها. يهدف هذا النهج كذلك إلى إنتاج نص مخلص للمعنى الأصلي مع ضمان وصول اللغة المصدر بشكل سلس وغير مُتكَلَّف، حيث تُقدَّم الترجمة بطريقة تثير نفس الاستجابة التي حاول النص المصدر استحضارها. هذه الطريقة تسمح للمترجم بنقل الرسالة المقصودة والفروق الثقافية والعمق العاطفي المتأصل في اللغة المصدر، مما يضمن أن النص المترجم له صدى جيد مع الجمهور المستهدف.
الجوانب الرئيسية لهذا النهج:
- الفهم السياقي: يولي هذا الأسلوب أهمية خاصة للسياق الذي كُتب فيه النص الأصلي، حيث يؤثر السياق بشكل مباشر على تفسير المعاني. فالمترجم الذي يتبع الترجمة القائمة على المعنى لا يترجم الكلمات بمعزل عن سياقها بل يدرس السياق بالكامل لفهم المعنى في أبعاده المختلفة. على سبيل المثال، عندما يتحدث الكاتب العربي عن "الحرية"، فإن الفهم الكامل للكلمة يقتضي معرفة السياق الثقافي والسياسي في المنطقة، وكيفية تأثير هذه الكلمة في ذهن القارئ.
- الأهمية الثقافية: يتم تكييف النص ليتماشى مع الثقافة المستهدفة، مع ضمان الحفاظ على المعنى الأساسي. فبعض العبارات التي تُستخدم في النصوص العربية قد تكون مقبولة في ثقافات أخرى ولكنها قد لا تحمل نفس الأثر في الثقافة الإنجليزية. لذلك، يجب على المترجم أن يتأكد من أن النص المُترجم سيحمل نفس التأثير على القارئ في اللغة المستهدفة.
- الاسترسال الطبيعي: يُعاد هيكلة الجمل لتتناسب مع أسلوب وبنية اللغة الهدف، مما يجعل النص أكثر انسيابية. اللغة الإنجليزية تتسم بالتركيز على الإيجاز، ولذلك غالبًا ما يتم إعادة صياغة الجمل الطويلة والمعقدة في اللغة العربية لتكون أكثر اختصارًا ووضوحًا.
- التركيز على النية الأصلية: يُركز هذا النهج على الفكرة والهدف الذي أراده الكاتب الأصلي. قد تتغير بعض الكلمات والتعابير، لكن المترجم يسعى إلى الحفاظ على جوهر الرسالة. هذا النهج يُعتبر ضروريًا خاصة في النصوص الأدبية والتسويقية وأي نص نثري اخر، حيث يُعد التأثير العاطفي عنصرًا جوهريًا. فالترجمة ليست مجرد عملية تطابق لفظي-كتابي تواصلي، بل هي أيضًا عملية تعبير عن العواطف والمشاعر التي تنطوي عليها الكلمات. عندما يترجم النص الأدبي، يحتاج المترجم إلى فهم كيف سيؤثر النص على القارئ، وكيف يمكن أن تُترجم تلك التأثيرات بشكل فعال إلى لغة أخرى.
التحديات بين الترجمة الحرفية والإبداعية
يوجد جدل دائم بين من يفضلون الترجمة الحرفية، التي تسعى للحفاظ على شكل النص الأصلي، وبين من يفضلون الترجمة الإبداعية، التي تُركز على نقل المعنى والتأثير العاطفي. في بعض الحالات، قد تُعد الترجمة الحرفية ضرورية للحفاظ على دقة المعنى، بينما في حالات أخرى قد تؤدي إلى تقييد النص وجعل الترجمة تبدو غير طبيعية أو ثقيلة.
في النصوص الأدبية، على سبيل المثال، تكون الأسلوبية والتعبيرات الاصطلاحية جزءًا من تأثير النص. قد تتطلب الترجمة هنا إعادة صياغة الجمل والتعبيرات بشكل إبداعي للحفاظ على التأثير الأدبي للنص الأصلي. إذا كانت الترجمة الحرفية تُضيع هذا التأثير، فإن الترجمة القائمة على المعنى تصبح ضرورية لضمان أن النص المُترجم سيحمل نفس الأثر العاطفي على القارئ.
النصوص العربية، على سبيل المثال، تميل إلى استخدام جمل طويلة ومعقدة تحتوي على عبارات ثانوية متعددة، مما يتطلب إعادة صياغة هذه الجمل لتتلاءم مع بساطة اللغة الإنجليزية ووضوحها. هذا يتطلب من المترجم أن يكون حذرًا في اختيار الكلمات وبناء الجمل بطريقة تحافظ على المعنى الأصلي وتناسب الأسلوب الثقافي للغة الإنجليزية.
مهارات المترجم وثقافته
الترجمة القائمة على المعنى ليست مجرد مهارة لغوية؛ بل تتطلب حساسية ثقافية وفهمًا عميقًا للسياق الاجتماعي والتاريخي للنصوص. يجب على المترجم أن يكون مُلمًا بثقافة اللغتين ليتمكن من تجاوز العقبات وإيجاد حلول إبداعية لسد الفجوات الثقافية.
المترجم الذي يتبع هذا النهج يجب أن يكون على دراية بالتغيرات في السياقات الاجتماعية والسياسية التي قد تؤثر على النصوص المترجمة. إن فهم المترجم للثقافة لا يقتصر على اللغة فقط بل يمتد إلى فهم التراث الاجتماعي والديني والسياسي الذي قد يعكسه النص.
من الكتب البارزة التي تُسلط الضوء على هذا النهج من عمليات الترجمة كتاب "Meaning-Based Translation: A Guide to Cross-Language Equivalence" لميلدرد لارسن. يركز الكتاب على مبادئ الترجمة القائمة على المعنى، ويُقدم أمثلة عملية من لغات متنوعة، مع التأكيد على أهمية فهم النصوص في سياقاتها الثقافية والاجتماعية. الفكرة الرئيسية للكتاب هي أن الترجمة ليست مجرد التزام حرفي بالنصوص، بل هي فن يتطلب نقل المعنى بجوهره وأبعاده المختلفة . أي أنه بمجرد أن يحدد المترجم معنى النص المصدر، يصبح هدفه التعبير عن نفس المعنى في اللغة المستهدفة بأشكال قد تختلف اختلافًا كبيرًا عن تلك الموجودة في النص المصدر.
من هنا فإن الترجمة القائمة على المعنى من العربية إلى الإنجليزية أو العكس هي فن يتجاوز الكفاءة اللغوية. إنها مهارة تتطلب حساسية ثقافية ووعي للسياقيات وايجاد حلول للمشكلات بطريقة ابداعية لسد الفجوة بين عالمين لغويين متميزين بشكل فعال، وذلك من خلال إعطاء الأولوية للمعنى. تُبرز الترجمة القائمة على المعنى أهمية الحفاظ على جوهر النص وسياقه الثقافي واللغوي، مما يُتيح للمترجم تقديم نص يعكس الرسالة الأصلية بدقة وسلاسة. هذا النهج يُعزز من التواصل الفعّال بين الثقافات المختلفة، ويُثري تجربة القارئ للنصوص المترجمة.
بانتهاج هذا الأسلوب، يتجاوز المترجم حدود اللغة ليُسهم في بناء جسور معرفية وثقافية، مما يُعمق الفهم ويُعزز الحوار بين الشعوب. إن الترجمة القائمة على المعنى ليست مجرد عمل معجمي؛ بل هي أداة فعالة لتعزيز الفهم بين الثقافات المختلفة، مما يعكس التنوع البشري ويُسهم في بناء عالم يتسم بالتواصل العميق والتفاهم المشترك.
كاتب ومترجم سعودي