اللوحةُ تفتحُ بياضَها الفاضح أمامي، لكنني لا أشتهي الرسمَ، ألقي أدواتي في أرجاء المَرسم، ألطِخُ الوجهَ القبيح لِمَرسَمي، حتى تختلِط الألوانُ مع نزيف أنفي الذي يتزامن مع غضبي، ينتشر اللون الغاضب والدم في ــ عُذرا ــ ما أسميه مرسما ظلما وتجاوزا، أو ربما لمجرد الشعور بالرضا والخـُيلاء، مرتع الجرذان ما أكثر المرات وقد رسمت بنصف ريشـة بعد أن عبثــت جرذاني بالنصف الآخر. أو أجعل من أنابيب الزيتي والمـــــائي كرات ألطـخ بهـــا البــلاط القديـم لغرفتـي المُعلقـة في ذلك البيت البغدادي الراكن في بحيرة الأزبال وطفح المجاري، وسط ضوضاء العربات، وصراخ الباعـة وسبابهم الحديث الذي يتجدد دوما لأن حداثتنا الوحيدة تكمن في إبداع الكم الهــائل اليومي من السباب الجديد والمثير للشفقة أو للسخرية.
يبدو أنني سأكـرر الاعتذار اليوم لأني تركت لرأسي حرية التجوال اليوم ولو على بياض اللوحــة؛ اللوحــة التي تدعونـــي لمغامــرة جديـدة إلا أن رأسي لا يفارق شبقي الملعـــون الذي تنصل عن تراثه الصامت، وتحـول إلى قـيء وصديد ينذر بعواصف قدرية حبيسة منذ الأزل انتقلت إلىّ بعد سلسلة الممنوعات التي رسمت خطانا.
معذرة سأتقيأ اليـوم بين فخــذي هذه المساحة من البياض المُمكن، البياض الذي أستطيع أن أختلـي بـه، البيــاض المُستسـلم، المُنتـظر، هكــذا بدأتْ الفكرة، زرعت كفي في الألوان التي تداخلت في الأرض التي عاثت بها أصــابع قــدمي المفلطحة بشكل نشاز، رفعت يـــدا ملطخة بالألوان والغبار ولعاب الجـــرذان وصفعت بياض اللوحة، تاركا صورة لأصابـع لولبية قبيحة، بينما شكل باطن الكف شكل فم مفتوح بصــراخ عميــق، سرمــدي، يفطر القلب، ولعنة على الممنوع الذي أبدعه الإنسان ليكون عبده.
بعـد ذلك أشبعت الريشـــة المقروضة التي تحدثت عنها في بُرَك اللون وأطحْتُ بضربات غاضبة، صارخة في هذه البُركة من الصمت الآسن، الصراخ الملطخ بذلك البياض الفاضـح حتى لــم أتـــرك فراغا إلا دسست فيه بقايا القيء واللَّعنــة والرفض الذي حول ثورتي عبودية، كسيمفونية تصعد، تتجاوب معها الآلات الوترية بضربات حادة وصارمة، أدندن أحرك رأسي، بينما تفعل الفرشاة بوحها المنتهي برغبة بالبكاء، بينما تحولت فجأة بفعل حركة من عينـــي إحدى الدمعات إلى موشور تتوالد فيه وتتجدد ألوان الشمس، تتراقص تثور وكأنهــــا تحاول أن توصل لي فكرة ما، أو صورة، عينين واسعتين لا تحدهما شيء، سوداويـن، بجبيـن ناصع، وشفتين مكتنزتين تبحثان عنْ من يقارع، بدأت تتشكل ملامح الصورة وسط ضوضاء الخطوط المتداخلة؛ بل المجنونة، لا بأس أن أتسلى قليـــلا، فما أكثر المرات وأنا أتسلى مع نملة أو عنكبوت أعبث مع نسيجه ألعب دور الفريســــة ــ الدور الذي أبدع فيه دائما ــ حتى يكتشف اللعبة ويسبني في جوعه بينما أطحت بحلمه في حشرة لذيذة حلم بها طويلا، حتى غضبت مرة من تجاهله فاستعنت بخبثي البشــري فحطمت سبكته، وما أن انشغلت بشيء حتى أعيدت الشبكة كاملة إذ لم أجرؤ على تحطيمها من جديد رغم رفعي ليدي لتكرار المحاولة؛ لكني تداركت لفكرة أنها اليد ذاتها التي ترسم الحياة فمن سوغ لها التدمير.
بدأت صورة ليلى ــ قلت ليلى إذ استولى أسمها عليَّ كقدرـ تستحوذ على حواسي، مدركاتي ، أناملي ، رفات جفوني المُثقلة بالبحث بالقلق ، قلـق الاكتشاف ، قلق التوغل في متاهة اللوحة ، لم يُشغلني شيء سوى إعادة الصفحة إلى بياضها ، الصفحة ذاتها لم أفكر مطلقا بتغيير الصفحة وما أبذلها ، مرت في ذاكرتي كل المواد التي تحتــــوي الأبيض اللعيـن هذا ، ابتداء بكفن أبي الذي لوثته ذرات الرمل الأحمر حتى أستسلم لذلك الأحمر الفاتح ، البياض الذي ودعته بلا دموع ، فضحني ذلك الصمت ؛ قل الوداع الصامت ، ثم البياض الذي يغطي وجه أمي وهي تتلو منذ سنين من قرآنــــــها المحفــــور في الذاكرة ، حتى وجدتها مكورة الرأس في شالها الأبيض الناصــع ، تطبق على آخر آية أو دعاء قبل حلول السكون الأخير المبجل ، لنعود إلى البياض المدفون في ذاكرة الرمل ، الرمل الذي يلتهم أعزاءنا ببياضهم .
أعـــدت البياض الذي شكلته آخر علب الطلاء البيضاء الصناعي، منتصرا على آخر نقطة سوداء أو معتمة، شكلت سطحا خشنا، متموجا، عطشا، ونزقا بشكل ما، ثم استسلمـتُ لليلى، سكنتني، سيطرتْ على الحواس، ففعلتْ الأناملُ فعلتَها الآلية تلك ، تـَنـَقـَلتْ ، تزاحمَت ، تراقصَت ، بينما تزاحمت روائح الزيت القريبة للنفس حد الانتشاء اللعين وهي تفتــرش ، تمتـد ، تتنـــاغم ، مارَستُ الحبَّ كما لم أفعله حتى في خيالي ، لم تكن هذه المســـــاحة الصغيــرة فراشـي فحســــب ، بل مساحاتي التكوينية كلها حريتي كلها ، الفرشاة التي قرضتها الفئـــران ، تركت أنيني المتموج ، كأنها ترسم الخطوط البيانية التي تطارد نبضات القلب على الشاشات المعـــدة لهذا ، الخطوط التي جلبت حيواتها من المجهول حتى عادت الشاشة إلى الحياة هكذا فجأة ، وبقدرة قادر، ليلى فعلت كل ذلك إني أقســــم ، ولكم أن تصدقوني أو لا ، لكم أن تقولوا ما تشاءون ، ليلى رسمت نفسها مُستعينة ًبأناملي المرتجفة ، ليلى نفخت فيَّ روحها لتتركني مُتيما ؛ بل مريضا بالحب ، تائها في ملكوت الخيال ، والشوق ، والصد ، ثُم القبول ، حتى الإذابة في جسد واحد وروح واحدة ، ثم التلاشي ، التلاشي في الأفق البعيد ، في البياض الذي يرتدي الأحمر القاني الحزين .
صنعتنــي اللوحــة الموتورة تلك ، كل الذي رسمته بعدها كان بوَحي ٍّ خارجي ٍّ، لم يكــــــن لي دخل فيه ، سوى ساعات الحب الفاضح الذي مارسته تحت تأثير غيبوبة لحظــــات الوحي ، مئات اللوحات تشكلت ، بيعت ، سكنت أرواح الآخرين ، تخرج ليلى من لوحتها ، تمسح آثار الزبد عن وجهي المتجهم ، تطهو لي ، هنا بقايا الطعام ، وشوكتين ، هنا تركت الكأسين ببقايا آثار شفتيها النديتين (بالروج ) بيديها الرائعتين تلغي آخر آثار الصَرَع ، ثم ترحَـــلُ فيَّ ، تمارسُ الطقوس الرائعــة َ... تترك قبلة فوق حبيني ..وكأسا من الحليب الناصِع بخاره يملأ ذاكرتي بحنين لعهود لم يعشها أجدادي ، بسبب الغدر ، أو الحرب ، أو الانتظار الذي يشكل معظـم فراغات عمـــرنا القصير ، أو الأماني البخيلة التي لفظتنا على حافة الحياة مكبلين بالممنوع حد القرف.
كانت حصيلة زواجي من ليلى أحلاما لم تصل سن الرُشد ، ووحدة لم يكن لي فيها إلاي أخا وصديقا ، أما وطبيبا، وشقيا عابثا ،وجلادا، كانت الحصيلة ستمائة لوحـة وواحدة كلها رحلت إلا لوحـــة ليلــى ، العينـان اللتـــان أضاءتا ظلامي كله ، اللوحة التي مزقتها الحرب الرابعــــة ورمتــــها فوق بقايا بلـد ، كخوذة جندية مجهولة ، لم يبق منها سوى عينيها ، سحرتْ مُتيما مَخبوُلا آخرَ لا أعرفه.