من التيمات المستمدة من نزعة القمع والبحث عن الحرية، ما تعرض له شعب أرمينيا، وحرب الإبادة التي قام بها الأتراك ضد هذا الشعب. ولعل هذه التراكم اللافت من الكتب الإبداعية والروائية التي تناولت هذه المأساة الإنسانية وهذه الإشكالية من زواياها المختلفة يدل دلالة واضحة على عظم هذه المأساة وما شابها من إشكاليات لاإنسانية.

القمع والحرية فى الرواية العربية

إشكالية مذابح الأرمن نموذجا

شوقي بدر يوسف

 

"من هنا مر الأتراك"

فيكتور هوجو

أما جمال فقوى شرس.. ليس فيه لطف أو إيناس

سألت: وعيناه

- عيناه يا مريم سوداوان قويتان تخترقان الصدور

- قلت ويلى.. هل هو مثلنا أعنى هل يضحك أو يبتسم؟

- ضحكته وحشية يا مريم

- هل يحبنا؟

- المعروف أنه شديد التعصب لتركيته ويكره بقية الشعوب

"مقطع حوارى حول جمال باشا الجزار

                                             من رواية "سروال برهوم" لـ نادية الغزى

 

ترفد الرواية العربية فى تراكمها اللافت على مدى عقود طويلة العديد من النصوص التى تتناول إشكاليات القمع والحرية فى صور وروافد كثيرة أقربها إلى التصور هو أدب السجون بتجليات قضاياه المختلفة، وأدب العلاقة بين السلطة ومعارضيها بكافة جوانبه، وأدب المقاومة بشتى صوره. وأدب القمع والعنف فى بنيته الأساسية المعروفة فى تاريخ البشرية.

    ولا شك أن هناك العديد من التيمات الروائية التى فرضت نفسها بقوة على المشهد السردى العربى والأجنبى فى نمذجة حاكمة لكل من هذه الجوانب المهمة، من هذه التيمات المستمدة من نزعة القمع والبحث عن الحرية، ما تعرض له شعب إرمينيا، وحرب الإبادة التى قام بها الأتراك ضد هذا الشعب المتزامنة أحداثها مع قيام الحرب العالمية الأولى والتى مر عليها الآن مئة عام كحالة خاصة من حالات القمع المنظمة والموثقة تاريخيا ضد هذا الشعب الأعزل فى أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

ولعل هذه التراكم اللافت من الكتب الإبداعية والروائية التى تناولت هذه المأساة الإنسانية وهذه الإشكالية من زواياها المختلفة يدل دلالة واضحة على عظم هذه المأساة وما شابها من إشكاليات لاإنسانية تجسد ظاهرة عنف الدولة ضد شعب أعزل يعيش فى أمن وأمان، وتعتبر رواية "يريفان" للروائى الفرنسى جيلبرت سينويه وهو أسم المدينة الأرمينية التى أطلقه الكاتب على روايته كتعبير عن ماساة المكان الذى حدثت فيه إبادة شعب آمن فى ظروف غير طبيعية، وتحكى الرواية عن بدء السلطان العثمان عبد الحميد الثانى أول من بدأ بتنفيذ المجازر بحق الأرمن بحجة تمردهم على سلطة الدولة العثمانية، وقد استخدم الكاتب فى عتبة روايته الأولى أسم العاصمة الأرمينية "يريفان" وهو المكان الذى بدأت فيه مرحلة الإبادة الأولى بقتل وبدء الاغتيالات للصفوة والنخبة الأرمينية من شتى الاتجاهات السياسية والاقتصادية والثقافية. كما كان الكتاب الذى وضعه المحامى السورى فائز الغصين الموسوم بـ "المذابح فى أرمينيا" عن القضية الأرمينية والذى طبع فى مصر بمطبعة المقطم عام 1917 والذى جاء على هيئة سيرة ذاتية، ووثيقة دامغة لهذه المذابح وهذه المجازر، ويعتبر كتاب "المذابح فى ارمينيا" سيرة ذاتية لشاهد عيان رأى بأم عينيه هذه المجازر وعايش أحداثها عن قرب. ومن المشاهد المأسوية فى هذه السيرة هذا المشهد اللاإنسانى الذى سرده الكاتب على لسان الراوى، ويقول فيه ": فمشيت قليلا نحو منبع الماء وإذ بمنظر تقشعر منه الأبدان وترتعد من رؤيته الفرائص وتتألم منه النفوس، وإذا بامرأة ملقاة على ظهرها بدون لباس وقميصها أحمر من الدم مطلق عليها أربع عيارات نارية أصبنها فى صدرها وتحت ثدييها. ونظرت نحو رفاقى لأرى هل أحد منهم شعر بى أم لا، إذ رأيت طفلا  يتجاوز الثامنة من عمره مضروبا بفأس على أم راسه وملقى على وجهه، فزدت بالنحيب ولكن رفاقى قطعوا بكائى، فقد سمعت الضابط عارف أفندى ينادى الخورى اسحاق ويقول تعال إلى هنا بالعجل فعلمت أنه رأى شيئا فذهبت نحوه فماذا أرى أيها القراء، ثلاثة أطفال نائمين فى الماء خوفا على أرواحهم من الأكراد الذين سلبوهم ثيابهم بعد أن أذاقوهم من العذاب أنوعا وأبوابا". (1)

كما نشر السفير الأمريكى فى تركيا هنرى مورغنطاو فى الفترة ما بين (1913-1916)  مذكراته عن الإبادة العرقية لشعب أرمينيا تحت عنوان "قتل أمة" وقد ترجم هذا الكتاب فؤاد صروف وصدر عن مكتبة العرب بالفجالة بالقاهرة عام 1923 وفيه يحكى ما رآه بعينيه من إبادة جماعية طاغية لشعب إرمينيا، كما وقعت فى يده العديد من الوثائق والمستندات الدالة على عظم الاغتيالات والمذابح والتهجير الذى تم لشعب أرمينيا خلال تلك الفترة، ومن المشاهد الذى ذكرها السفير الأمريكى فى كتابه "قتل أمة" هذا المشهد البشع لممارسات السطات التركية حيال الأرمن ": كان يقبض على الرجال الأقوياء فى القرى والمدن ويوضعون فى السجن كخطوة أولية تحضيرية لبدء التفتيش فى كل مكان. كان المعّذبون يقومون بتنفيذ أشد الإبداعات الشيطانية فى محاولتهم للضغط على ضحاياهم ليعلنوا أنهم "ثوريون" ويخبروهم عن مخابئ أسلحتهم. إن الممارسة الشائعة للتعذيب كانت بوضع السجين فى غرفة ممددة على ظهره، ويقف تركيان أمام بعضهما وجها لوجه بجان بجلى السجين ويبدآن الضرب بالعصا الرفيعة على أخمص القدمين. ليس هذا النوع من التعذيب غريبا فى الشرق. لا يكون الألم ملحوظا فى البداية ولكن حينما تستمر هذه العملية تسبب أوجاعا يذوق فيها هذا المسكين سكرات الموت". (2)

إضافة إلى ذلك فقد حاول بعض المبدعين الأكراد والأتراك أنفسهم طرق هذه الإشكالية والأقتراب من هذه المنطقة الوعرة، لكنها كانت عصيّة عليهم، بسبب الأسلاك الشائكة التى وضعتها السلطات فى قوانينها لمنع الاقتراب كلية من إشكالية مذابح الأرمن فى القانون التركى، إلا أن بعضهم قد كسر هذه القاعدة، وحاول أن يتناولها روائيا بطريقة مقنّعة باستخدام رؤية اجتماعية رامزة لاغتصاب أرمينيا من جانب الدولة العثمانية وكانت رواية "لقيطة فى أسطنبول" للكاتبة التركية أليف شفق هى الرواية التى استخدمت فيها الكاتبة الجانب الاجتماعى والرمزى وما حدث على مستوى أسرة أرمينية عاشت فى الشتات تعانى من ويلات الغربة ووجع الاغتراب وألم المنافى.

وتمثل هذه التيمات كأعمال أدبية لدى كتّاب وأدباء تركيا نوعا من التابوهات  التى لا يقترب منها هؤلاء الكتّاب، ولا يذكرونها بأى حال من الأحوال فى إبداعاتهم ولا فى أحاديثهم، وكان كثير منهم أمثال يشار كمال الذى رحل عنا منذ أيام قليلة، وأورهان باموق أديب نوبل 2006، والروائية أليف شفق وغيرهم قد خلت أعمالهم تقريبا من الإشارة إلى هذه الإشكالية إلا من تلميح وإشارات تمس هذا الموضوع، وعندما حاولت الروائية  أليف شفق رفد واحدة من رواياتها بأسلوب مقنّع حول هذه الإشكالية وجدت مضايقات جمة من السلطات التركية، لدرجة أنها قد قدمت للمحاكمة حول هذه العمل الروائى الذى لقى انتشارا واسعا على المستوى العالمى إلا أنها حصلت على البراءة خوفا من إثارة الرأى العام المحلى والعالمى ضد السلطات التركية لو أدينت بسبب هذه الرواية. كذلك مثل الكاتب التركى أورهان باموق فى وقت سابق على حصوله على نوبل 2006 أمام محكمة تركية بسبب ملاحظات أفصح بها لجريدة سويسرية بشأن "مذابح الأرمن" التى مرت قبل قرن من الزمان، والتعتيم المقصود من جانب الحكومة التركية حولها. وعقب تصريحاته بدأت حملة من المضايقات تطال هذا الكاتب حتى بعد حصوله على نوبل حتى أنه قد هدد بالقتل، وقد تسببت هذه الواقعة إلى هروبه إلى الولايات المتحدة.

وفى رواية "لقيطة فى أسطنبول" للروائية أليفة شفق تبرز إشكالية مجازر الأرمن فى مجاز موضوعى من خلال المنافى والشتات التى طالت عائلات ارمينية كثيرة تركت ارضها وأبناءها وتناثرت فى أوربا وأمريكا. وتجسد الرواية أحداثا كثيرة تتواتر فيها العلاقات والتأزمات لشخصيات أرمينية أبرزتها مأساة الشخصية الأرمينية الرامزة للمشهدية جميعها وهى شخصية (مصطفى قازانجى) الذى أغتصب أخته الصغيرة (زليخة) فى لحظات شيطانية مأساوية مؤلمة عاشت بعدها هذه الشخصيات محنة الوطن ومحنة المأساة وتاريخها المؤلم المتوّج بفظاعة الفعل ورد الفعل، وكان هذا الاغتصاب هو الرمز الذى لجأت إليه أليف شفق حين أفصحت عنه فى نهاية الرواية الشخصية المحورية للرواية وهى شخصية (زليخة) بعد أن كانت على وشك عمل عملية إجهاض للجنين التى حملت به سفاحا من أخيها، إلا أنها تراجعت فى اللحظات الأخيرة عن إجراء هذه العملية حتى تعرّى فيه هذه الأسرة وبالتالى تدين المجتمع التركى، والرواية تشتغل على عائلتان أرمينيتان أحدهما تعيش فى اسطنبول، والثانية فى سان فرنسيسكو، إنهما عائلتا قزانجى وجقماقجيان. هناك ثمة رابط بين العائلتين. فى الظاهر ليس هناك ما يدل على ذلك. الشئ الرابط بين هاتين العائلتين الأولى هى (آسيا قزانجى) البالغة من العمر 19 عاما، فتاة تركية متمردة وهى الأصغر فى أسرتها. أمها هى أبنة الأخت الصغرى لعائلة قازانجى. والثانية فى العائلة الثانية هى (أرمانوش جقماقجيان) امرأة عندها فضول كبير فى البحث عن مأساة جذور أهلها فى أرمينيا. وتتواتر الأحداث نحو الجدود والجدات فى أرمينيا. أحد أسرار عائلة قازانجى أن رجال العائلة يرحلون مبكرا وغالبا فى سن الأربعين وهو العمر الذى سيقضى فيه الإبن مصطفى قازانجى بعد أن دفعته زوجته روز إلى الذهاب إلى أسطنبول دون أن تعرف أنها تدفعه إلى الموت. وفى نهاية النص تبرز سر العناوين التى منحتها الكاتبة للرواية وهى اسماء بعض أنواع الياميش مثل البندق المحمص والقرفة وحبات الصنوبر واللوز وغير ذلك من الأشياء التى تدخل فى صناعة العاشورية الأكلة المفضلة عند الأرمن. وحمل عنوان الفصل الأخير عنوان "سيانيد البوتاسيوم" كناية عن (الموت) الذى تحمله هذه الأكلة الموضوعة لمصطفى قازانجى بمعرفة أخته زليخا التى اغتصبها منذ سنين طويلة ما أسفر عن مولد آسيا، وقد وردت هذه الاعترافات التى أخبرت بها الأم زليخا أبنتها آسيا فى نهاية الرواية. وكأن الكاتبة تمنح هذه الأسرار مشروعية الإدانة للعائلة الكبيرة تركيا من اغتصابها للعائلة الصغيرة أرمينيا فى تراكمات البحث عن الهوية والمواطنة والحقيقة المرة لهاتين العائلتين الأرمينيتين العائشتان حقيقتهما الأزلية. وتنتهى الرواية بعودة الماضى إلى الحاضر بقوة ": فقد يكون الماضى أى شئ، لكنه لم ينصرم. لو لم ينشأ ليفينت قازانجى ليصبح هذا الرجل الملئ بالمرارة والظلم، هل كان من الممكن أن يصبح أبنه الوحيد مصطفى، شخصا مختلفا؟ ولو لم تصبح شوشان فى عام 1915 منذ أجيال مضت، يتيمة، فهل كانت آسيا ستصبح لقيطة اليوم؟". (3) كان هذا التساؤل هو الدافع للبحث عن الإجابة التى شكلّت محور الإدانة عن إشكالية الإبادة التى وقعت على شعب أرمينيا ودفعت الرجال والنساء إلى الهرب إلى سوريا الواقعة على مرمى البصر منهم.

ولعل أكثر من تناول هذه الإشكالية فى مجال الإبداع الروائى هم الروائيين السوريين بسبب اقترابهم من المشهد المأسوى للمذابح، وتفاعلهم معه عن قرب، خاصة عندما هاجرت أعداد كبيرة من الأرمن إلى سوريا لقرب حدودها من حدود أرمينيا، ففى الرابع والعشرين من كل عام يتطلع الأرمن فى جميع مهاجرهم وشتاتهم إلى الماضى القريب ويتذكرون شهداءهم الذين دفنوا فى مقابر جماعية فى الأراضى السورية خاصة فى دير الزور والشدادة ورأس العين وعين العرب والمنصورة والرقة وحلب، وعلى جميع الطرقات التى تؤدى إلى هذه المدن، ويطأطئون رؤوسهم بخشوع واحترام كبيرين، لأن أرض سورية المضيافة، أصبحت فى الواقع أكبر موطن للشهداء الأرمن فى العالم، حيث قتل من قبل الأتراك على أرضها الطاهرة حوالى نصف مليون إنسان. وقد تناول هذه الإشكالية روائيا من الكتاب السوريين نبيل سليمان فى رباعية "مدارات الشرق"، وإبراهيم الخليل فى "الهدس"، وحنا مينه فى "المستنقع"، و"المصابيح الزرق" ووليد إخلاصى فى "بيت الخلد"، و"نهاد سيريس" فى "رياح الشمال"، وسليم بركات فى "الجندب الحديدى"، وفيصل خرتش فى "أوراق الليل والياسمين"، وناديا الغزى فى "شروال برهوم "أيام من سفر برلك". كما تناولها أيضا كل من عبد الرحمن منيف فى مدن الملح (التيه)، وغائب طعمة فرمان فى "النخلة والجيران"، وفكرى أباظة فى "الضاحك الباكى"، وعبد الرحمن فهمى فى تكملته  لرواية "فى سبيل الحرية" التى بدأها الرئيس جمال عبد الناصر أثناء دراسته الثانوية، ومحمد جبريل فى "صيد العصارى"، وأحمد مجدى فى "الحكاءة الأرمينية"، وربيكا ملكيان فى "قافلة الموت".

ولعل هذا المشهد من رواية "الهدس" للكاتب السورى إبراهيم الخليل يدل دلالة واضحة على عظم هذه النكبة والمأساة التى ألمت بهذا الشعب الأعزل، كما يعبّر عن صرخة الإنسان من ظلم أخيه الإنسان ": آه زهرة أرمينيا.. من دهن القلب الحصر، ورؤى العروق بالنبض والماى؟ سريعا سريعا تجأر الأشواق والذكرى بمكامن النسيان، فتتدفق الأيام والساعات، تسد عليه كل المنافذ، تلوح قوافل الأرمن من كل مكان، من حلب، إلى أورفه، ومن بره جيك، وديار بكر، أرمن أحياء تدفعهم حراب الجند القساة. أرمن أموات يفيض بهم البليخ والفرات، أرمن تقذفهم القطارات فى محطة بير دناى فى الشمال، أو تحملهم أطواف بدائية فى النهر فيتقاسم الأحياء منهم شيوخ العشائر، يوزعون الصبايا زوجات لرجالهم والكهول رعاة أو فلاحين فى أراضيهم، وفى مواسم الحصاد يتساقطون تحت الشمس صرعى". (4) ويجسد الكاتب أيضا مشاهد أخرى تبدو فيها عمق المأساة اللإنسانية لهؤلاء البشر، ومنها هذا المشهد الحوارى بين شخصيتى أحمد الفياض الفتى السورى وهذه المرأة الأرمينية فلورا التى لازت بعشته، وأشرفت على الموت نتيجة الاغتصاب والتعذيب الذى لحق بها ":  أنا أحمد.. أحمد الفياض. قال لها فى الصباح، ابتسمت بخجل وقالت بالأرمينية: أنا.. فلورا. وفهم أنها فلوار، آه فلورا. تحمّل الجسد الغض شمس البرارى، وسياط الجلادين، وشوك الدروب، وجوع التراحيل، وحين أواك عشى، ودبت فيه الحياة والحركة والدفء العامر السعيد فاجأك الموت. آه يا جنية الفرات المعذبة، جئت غريبة ومت غريبة، لم تتركى شيئا غير طائف لا يفارق، ووجع مستديم كالعطابات". (5)

ويعتمد الكاتب السورى نهاد سيريس فى روايته "رياح الشمال" على الأحداث اليومية المأسوية الصغيرة للتعبير عن هذه الأيام السوداء، من خلال الشخصيات الأرمينية فى صراعها من أجل الحياة، حيث تبدأ الرواية زمن الحرب الكبرى الأولى، فى حلب شمال سوريا عندما انحازت الدولة العثمانية فى هذه الحرب إلى المانيا وكان وقودها فى مساعدة حليفتها هو شعب الأرمن نفسه وكأن التاريخ يعيد نفسه بعد مئة عام من المأساة الكبرى لهذا الشعب، حين تعود نفس الأحداث بطريقة أبشع على أرض سوريا فما زالت رياح الشمال التى هبت قبل ذلك على أرمينيا تهب الآن أيضا على الشعب السورى بصورة أكثر وحشية، ويعبر نهاد سريس فى روايته عن ممارسات رجال الدرك الأتراك، والأخبار التى يتداولها الناس حول الأنباء السيئة الآتية من الشمال والتى تشير بالقبض على الأرمن الذين هربوا من دير الزور إلى حلب أنهم سيعادوا مرة أخرى وستحدث مجازر جديدة، كان هذا حوارا جرى بين أثنين من الأرمن حول صديقهم آرتين الذى وشى به بعضهم إلى الأتراك فجاءوا للبحث عنه، كما يحكى الصغير ربيع أحد شخصيات الرواية والذى حولّته الحرب بقسوتها وطغيانها فى ظروف الطين والقمل والبرد والجوع والموت المجانى إلى وحش كبير لا يهاب الموت خاصة عندما تعرّف على الأرملة "فروساكى" التى أضفت إلى عمره لونا من المتعة المحرمة والسائدة فى ذلك الوقت ": عندما هربت إلى القرية ثم أعادونى إلى هنا استدعانى مدحت باشا وجلدنى برسن حمار، عندها بصقت فى وجهه، فأوقفنى أمام شجرة وأقسم أنه سيطلق النار علىّ، تشهدّت، وبالفعل كبس على الزناد إلا أن الرصاصة لم تنطلق، كانت فاسدة، قذف البندقية إلى الأرض، وراح يضربنى بيديه ورجليه حتى فقدت الوعى، لم أمت ولكننى أقسمت أن أقتله.. كانت هذه القسوة التى تلوّن تصرفات مدحت باشا فى تعامله مع الجنود باعتبارهم مجرد مخلوقات وجدت كوقود للحرب، هذه الحرب غير المفهومة الأهداف". (6)

كما يجسد الكاتب السورى "فيصل خرتش" بداية المأساة الأرمينية فى روايته "أوراق الليل والياسمين" من خلال توثيق وتأريخ مرحلة الذكريات مع بداية المأساة من خلال  شخصية هاشم العطار رئيس تحرير صحيفة "الفرات" الذى استدعاه والى حلب جلال بك لمقابلة جمال باشا وزير الحربية فى ذلك الوقت. وفى هذه المقابلة وضع جمال باشا الخطوط العريضة لخطط بداية المداهمات والكبسات على بيوت الأرمن فى منطقة زيتون والبستان بحجة أن هؤلاء السكان هم من بدأوا التمرد والهجوم على السلطات، وأوعز إلى هشام العطار أن ينشر ذلك فى جريدته. كما كلفه بمرافقة قافلة من القوافل الأرمينية النازحة عن أرضها لتسجيل ملاحظاته لصالح السلطة وليس لصالح هذا الشعب المغدور، وفى رواية "شروال برهوم" تبرز وحشية رجال الدرك الأتراك فى التعامل مع الحياة الاجتماعية للأرمن من خلال العرس المنتظر بين مريم وبرهوم ومن عادة أهل الشام أن تقدم العروس هدية إلى عريسها تحضرها فى صندوقها المصدّف ": وهل هناك أجمل من أن تقدّم العروس شروالا أسودا لعريسها تحيكه بنفسها؟ ولكن ما عكّر الفرصة اثنان: السفر برلك – النفير العام - والجوع، تمثل السفر برلك الاعتباطى ممثلا فى شخصية رهيبة طالما خافها الناس حتى باتت خرافية السمعة وهى شخصية "أبو لبادة" وكانت مهمته البحث عن الهاربين وملاحقة المتخلفين عن الخدمة العسكرية، وتمضى الأحداث فى مسارها المعهود ويرحل برهوم وتظل العروس تنتظر وهى تطرز الشروال الأسود الذى أعدته للعرس ولم تكن تعرف أنها تطرزه للحداد". (7)

ولعل أحدث هذه الأعمال الروائية التى تناولت إشكالية القمع على شعب الأرمن كانت هى رواية "صيد العصارى" للروائى محمد جبريل التى تناولت شخصيات ارمينية عاشت فى الإسكندرية وهى تحلم بالعودة إلى وطنها، حيث جاءت إجابة السؤال الرئيسى فى هذه الرواية : ما الوطن؟" وقد جاءت الأنا مستكملة لشخصية حاضرة فى النص تمثل هذا الشاب المصرى صلاح بكر، وعلاقاته المختلفة مع كثير من التيارات السياسية فى الإسكندرية الأخوان والليبراليين واليسار، بينما الآخر فى بؤرة الرواية هو من "الأرمن" الذين ارتأى بعض منهم فى المكان السكندرى وطنا جديدا لهم بعد هذا التشرذم الكبير والشتات الذى مزق شملهم وفرق جموعهم، وطاردهم فى كل مكان، حتى وجدوا الأمن والآمان على "الشاطئ الآخر" فى الإسكندرية، ولعل هذا أيضا هو سر الإهداء الذى صدر به محمد جبريل العتبات الأولى لنصه الروائى بقوله " : إلى الطبيب الأرمنى مردروس ، جارى القديم الذى ظل – منذ طفولتى – حالة " تثير الذهن بالأسئلة والملاحظات" . وقد أوضح هذا الإهداء آليات النص وجسد الشخصية الروائية التى امتزج واقعها بواقع (الأنا) الشخصية الراوية والساردة للحدث والتى امتزجت أيضا تماما مع شخصية (الآخر) العائش هموم وإشكالية الانتماء، والاغتراب، والمأساة الحقيقية لهجرة شعب بأكمله، والحياة المحتدمة فى قسوتها فى الشتات على أمل العودة والرجوع إلى الذات الحقيقية، الوطن السليب ( أرمينيا )، وهو ما جاء على لسان أندريا بابيجيان والد نورا حين ": تحدث بلهجة تخلو من الكلفة. روى عن قدوم أبويه من أزمير، فى هجرة الأرمن أواخر القرن التاسع عشر. آلاف الفارين من المذابح والمجاعات. استوعبتهم الخيام والعشش فى أفنية الكنائس والمدارس الأرمنية، ثم خرجو إلى وظائف الحكومة، والحرف التى يتقنها الأرمن، ونقلوها إلى مصر: التصوير، وصناعة الزنكوغراف، وصنع البسطرمة، وإصلاح الأحذية". (3) وكانت هذه الأحداث وغيرها قد وطنّت موقف الأرمن فى الإسكندرية، وهى المسكونة منذ وفادتها بهواجس هذا البحث الدؤوب عن الهوية الإنسانية المستلبة من تاريخها والموضوعة فى واقع غير حقيقى تعيشه رغما عنها، وتتفنن من خلاله فى البحث عن هويتها المفقودة بأى وسيلة من الوسائل والتى قال عنها أندريا بعد وفادة أبيه إلى المدينة ": عمل أبى ثلاث سنوات فى وكالة ماتوسيان للسجاير بشارع فرنسا. لم تكن مهنته، فاستقال منها، وافتتح ورشة صغيرة لصناعة الجلود.. وكما ترى فإن إنجابى هو إنجاز أبى الأول" (8)

وفى الشتات نجد الكثير من المفكرين والأدباء والفنانين الأرمن المتواجدين فى كثير من بقاع العالم نذكر منهم فى مجال السرد على وجه الخصوص الروائى والقاص الأمريكى ذى الأصول الأرمينية وليم سارويان الذى ترجمت له كثير من الأعمال الإبداعية القصصية والروائية إلى العربية، والقارئ لقصص وليم سارويان ورواياته  يجد فيها روح إرمينية شرقية خاصة عندما كتب سيرته الذاتية "إسمى آرام" وهو الكتاب الأشهر فى أعماله وقد ترجم هذا الكتاب وصدر عن سلسلة إبداعات روائية الكويتية.

كما يتداعى الحنين إلى أرض أرمينيا الوطن الأم والهوية فى قلوب الأرمن فى الشتات، يجسد فى هواجسهم هذه النزعة حين يتجسد الوجع والحنين وآلام الفراق والبحث عن الهوية الضائعة عند كل أرمنى يعيش فى هذا الشتات الواسع بعيدا عن الأرض والأهل والخلان. وقد جسد هذه النزعة عدد من المبدعين نذكر منهم فى هذا السياق الكاتب فكرى أباظة فى روايته "الضاحك الباكى" من خلال شخصية مزدوجة للفتاة المصرية ثروت وفى نفس الوقت هى الفتاة الأرمينية ماجنيستى. لقد عانت هذه الفتاة فى غربتها وفى حبها وفى بحثها عن هويتها الأصيلة التى تمنحها حق الحياة بحرية كاملة، حتى إنها فى آخر مقابلة لها مع حبيبها الشاب المصرى شكرى فى غرفة البنسيون الذى تقطنه أحست بأحاسيس ومشاعر فياضة غامرة تجاه الوطن وفجأة واجهت حبيبها بهذه المشاعر فى ثورة عارمة ": ما اسمى؟ - ثروت – كذب!... ماجنسيتى؟ - مصرية... – كذب وتقفز من سريرها وتتجه نحو الدولاب فتخرج ملفا من الورق، ثم تعود إلى سريرها وتخرج صورا فوتوغرافية تحدق فيها ثم تعرضها عليه: وهذه صورة أبى وهذه صورة أمى... وهذه صورة أخوتى.. وهذه صورة منزلنا فى أرمينيا. ويصيح شكرى بدهشة قائلا: أرمينيا؟! فتضحك ضحكة عنيفة وتقول: نعم أرمينيا. (9) لقد كانت أرمينيا فى هواجس مواطنيها هى الشغل الشاغل فى منافيهم وشتاتهم، لا تغيب عن ذاكرتهم ولا عن حنينهم إليها. فى نفس السياق، نجد شخصية "مكرديج" فى رواية "أوراق الليل والياسمين" للسورى فيصل خرتش الذى يهمس فى أذن أبنته (آنى) قائلا ": عندما كان كان لى بيت، وأبنة وزوجة، وكأس عرق كل مساء، كنت أقص وأحكى وأفخر كيف أن عائلتى قد بنت أغلب بيوت البستان". (10) "مكرديج" هذا الأرمنى المصاب (بشغف الارتباط)، ارتباطه بالماضى الذى لا يغيب عن ذاكرته، يلازمه كظله ولا يبرحه، راح يقص تاريخ تلك السنين التى حمل فيها السلاح ليطيح بظلم عبد الحميد، عاش فى الجبال خمس سنوات، وعاد بعدها ليبنى ويشرب العرق ويحب أبنتيه". (11) هكذا كان الحنين إلى أرمينيا فى رواية "أوراق الليل والياسمين" عبارة عن سلسلة مشاهد، واستدعاءات للماضى التى تتوقّف فى الحلوق فى غصّات عصية على الحضور. وفى رواية "مدن الملح.. التيه" لعبد الرحمن منيف يبدو الحنين والبحث عن الهوية الأرمينية عند (آكوب) الذى جاءت به جدته إلى هذا المكان بعد أن فقد أباه وأمه وكل أفراد عائلته فى المذابح، وكان البحث عن الوطن الضائع وهويته المفقودة هو الصخب الدائم الذى كان يجرى فى عروقه بعد كل هذه السنين الطويلة التى عاشها فى الشتات، كانت تلك البلاد البعيدة وهاجس لقياها هو الوجه الآخر لـ (أكوب) هذا الكهل القوى الذى لا يمكن لإنسان أن يعرف عمره، وكان دائما يقول لأقرانه ومعارفه "إنه جاء من أجمل مكان فى الدنيا، وأنه لا بد أن يعود إليه فى يوم من الأيام". ": لقد تساوقت حكاية العودة ولهفة الحنين عند أكوب، مع مجريات وقائع السياق الروائى (للتيه)، ليتمظهر، طقس جديد فى إطار الحنين إلى أرمينيا، عند هذا الآخر الأقوامى، لقد جعل (عبد الرحمن منيف) من تجليات (أكوب) صرحا قوميا يحيط بشخصية هذا الآخر ومراثيه، إنه الحبل السرى الذى يربط  (أكوب) بوطنه، والأرض التى غادرها دون أن يكون لديه الإدراك التام لصورة معالمها. وفى رواية "الهدس" لإبراهيم الخليل تبدو أرمينيا حالة أخرى من حالات الشوق والحنين إلى الآرارات وجبالها العظيمة، لم تكن شخصية (ساكو) فى رواية (الهدس) شخصية ذات أبعاد درامية وحسب، وإنما أراد لها الكاتب أن تكون حمّالة لقضيتها القومية برمتها. وشاهدا على مأساتها وتعبيرا صارخا عن غربتها وبعثرتها فى الشتات. لذا تساوقت شخصية ساكو بتفاصيل نسقها الحنينى إلى أرمينيا واستحالت إلى وشم تتغلغل ألوانه فى العيون والقلب والأطراف، كى ترسم حكاية الذاكرة والوله بالأمكنة والهضاب، وشريط القوافل والدماء، هو نبض حى لا يموت ولا يتبدل ولا يعطى مفاتيحه إلا لكلمة السر السحرية أرمينيا". (12) كذلك نجد نبيل سليمان فى رباعية "مدارات الشرق" يلجأ إلى التاريخ ليجسد النزوح الكبير لشباب أرمينيا من أرمينيا إلى الشام للبحث عن الأمن والأمان، وما يدور فى خلد كل منهم من خلال مشاهد حدثت أمامهم، حكاية شما المغدورة فى الجزء الأول (الأشرعة)  والأرمن النازحين فى الجزء الثانى (بنات نعش) والمعلم سركيس الأرمنى وما حدث له فى الجزء الثالث (التيجان)، وغير ذلك من المشاهد الحية التى تجسد المأساة الكبرى مأساة أرمينيا.

لقد كانت البنى التى قامت عليها الشخصية الأرمينية فى إشكالية وعمق مأساتها فى الرواية العربية، تميزها بتعدد صورها ومشاهدها التى جاءت عليها جراء مأساة المجازر والإبادة ونزعة العنف والقمع لدى السلطات العثمانية، التى طالت شعب أرمينيا والمذابح والتهجير والقتل والتشريد والغربة الذى طال الجميع دون استثناء، كل ذلك كان هاجسا وملازما لصورة الأرمنى،  لقد كان هذا الآخر الأقوامى فى زوايا تناوله فى الأعمال السردية له نسق خاص وبؤرة محددة يتناولها الجميع من زاوية مأساة أرمينيا التى عاشتها فى أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين والذى يعيد التاريخ نفسه فى هذه الأيام الصعبة فى شكل مأساة أخرى طالت بعض الشعوب العربية من نفس المنطلق، خاصة مأساة الشعب الفلسطينى، وها نحن نشاهد الشعب السورى وقد حدث له ما حدث لأرمينيا منذ مئة عام من تشريد وقتل ومذابح والعالم كله يقف مشاهدا ولا يفعل شيئا. وتحاول تركيا فى مئوية ذكرى الإبادة والمجازر التى يحين موعدها فى الرابع والعشرين من أبريل 2015 التعتيم على هذه المناسبة الكبرى عند شعب أرمينيا حيث تقيم الحكومة التركية احتفالا ضخما لإحياء ذكرى المئة عام على معركة غاليبولى التى حدثت أثناء الحرب العالمية الأولى فى مضيق الدردنيل وحققت فيها الأمبراطورية العثمانية انتصارا مهما على الحلفاء فى ذلك الوقت وبذلك فإنها تهدف إلى منع شعب أرمينيا أن يتذكر مأساته التى تشبه إلى حد كبير مأساة كثير من الشعوب التى وقعت تحت نفس الطائلة فى العصر الحديث.

 

الإحالات

01 المذابح فى ارمينيا (مذكرات)، فائز الغصين، مطبعة مطرانية الأرمن الأرثوذكس، حلب، 1991 ص 8

02 قتل أمة، (مذكرات) السفير الأمريكى هنرى مورغنطار، ترجمة الكسندر كيشيشيان، دار أسامة، دمشق، د . ت

03 لقيطة أستانبول (رواية) أليف شفق، ترجمة خالد الجبيلى، منشورات الجمل، بيروت، 2012 ص 417/418

04 الهدس (رواية)، إبراهيم الخليل، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، 1987 ص 103

05 المصدر السابق ص 105

06 رياح الشمال ج 1 – سوق الصغير ج2 (رواية) نهاد سيريس، دار الحوار، اللاذقية، 1993 نقلا عن الميراث الدموى، إبراهيم الخليل، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية، 1996 ص 107

07 المصدر السابق ص 84

08 الأرمن وسؤال المواطنة فى رواية "صيد العصارى" للروائى محمد جبريل، شوقى بدر يوسف، مجلة الرواية.. الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2014 ص 285

09 الضاحك الباكى (رواية)، فكرى اباظة، دار الهلال، القاهرة، 1933 ص 26

10 أوراق الياسمين، فيصل خرتش، دار النافذة، أثينا، 1994 ص 144

11 المصدر السابق ص 145

12 الهدس (رواية)، إبراهيم الخليل، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، 1987 ص 34