هذه قراءة متفحصة للكتاب الجديد الذي أصدره منير العكش بعنوان «كيف يصبح الدين شرًا؟» وهو كتاب مؤلف من ثلاثة أجزاء (صدر منه جزآن إلى الآن) يسعى فيه مؤلفة إلى تأسيس نظرة واحدة موحدة عن العنف وأسبابه وأخطاره في تاريخ الأديان السماوية الثلاثة، وهو ما طال أيضا البوذية والهندوسية.

مشروع منير العكش وكيف يصبح الدين شرًا؟

صقر أبو فخر

 

تُشكّل مؤلفات منير العكش، في معظمها، سلسلة واحدة في حلقات متعددة. وهي تتضمن سعيًا مثابرًا لفضح الظلم التاريخي الذي وقع على الهنود الحمر في قارة أميركا، والذي حلّ أيضًا بالفلسطينيين في فلسطين وديار الشام. وجميع كتب العكش عبارة عن بحوث معمقة، ومحاولات لا تهدأ لاكتشاف جذور الإبادة والعنصرية في ثقافة الأوروبيين الذين أسسوا مستعمراتهم في البلاد الجديدة على أجساد سكانها الأصليين، وبنوا "حضارتهم" الحديثة بجماجم هؤلاء السكان. والهاجس الأساس لمنير العكش هو العدالة والحرية، وهو عدو شرس، في الوقت نفسه، للاستعمار والاستعباد، وللإمبرياليات القديمة والمتجددة بوجوهها المتعددة.

وقد أُغرم العكش بالسكان الأصليين لأميركا، وكتب عدة كتب عنهم وعن تاريخهم وعن الإبادات التي حلّت بهم. ووجد أن "الهنود الحمر" يتشابهون كثيرًا مع الفلسطينيين، ولا سيما في عمليات الطرد والإبادة التي أخضعهم لها الاستعمار الأوروبي والحركة الصهيونية التي هي في الأساس حركة استعمارية أوروبية خالصة. ومنير العكش سوري في الأصول وفلسطيني في الاختيار، مع أن سورية وفلسطين بلد واحد في المبتدأ والمنتهى، قبل أن يتمكن السيدان جورج بيكو ومارك سايكس من فصلهما عن بعض. وهو مؤسس ورئيس تحرير مجلة "جسور" التي تصدر في واشنطن، وله مجموعة من المؤلفات المهمة مثل "أميركا والإبادات الجماعية" (2002)، و"فكرة أميركا" (2003)، و"تلمود العم سام" (2004)، و"أميركا والإبادات الثقافية" (2009)، و"أميركا وإبادة الأجناس البشرية" (2012)، و"دولة فلسطينية للهنود الحمر" (2015). وله، إلى ذلك، "أسئلة الشعر" (1979)، و"عن الشعر والجنس والثورة مع نزار قباني" (1971). وبالانكليزية :"الشرايين المفتوحة لمدينة القدس"، و "ما بعد جبران" و"culture and hegemony"، وترجم إلى الإنكليزية أربع مجموعات شعرية لمحمود درويش.

كيف يصبح الدين شرًا؟

أصدر منير العكش كتابًا مثيرًا من ثلاثة أجزاء عنوانه "كيف يصبح الدين شرًا؟" (بيروت - عمان: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2024). وهذه الثلاثية (صدر منها جزآن حتى الآن" "اليهود والعنف" و"المسيحية والعنف") هي "محاولة لتأسيس نظرة واحدة موحدة عن العنف وأسبابه وأخطاره في تاريخ الأديان الثلاثة التي تُنسب إلى السماء. وهي رحلة تنقيب عن "الجذور المشتركة للعنف الديني في مختلف ألوان تربته وأنواعها وطبقاتها" (الكتاب الأول، "اليهود والعنف"، ص 7). وفي كتابه الجديد هذا يركز المؤلف على مضامين النص الحرفي للتوراة، مع أن معظم العقائد والفرائض الدينية اليهودية تُفهم بمعانٍ تختلف تمامًا، بل تتناقض في كثير من الأحيان مع المعنى الحرفي الذي يفهمه المسيحي أو المسلم بعد قراءة العهد القديم. وينطبق الأمر نفسه حتى على اليهودي الذي درس في المدارس الدينية (يشيفاه)، والذي يختلف فهمه للنصوص الدينية عن اليهودي الذي درس في مدارس علمانية. وكثيرًا ما كان دافيد بن غوريون يسخر من التفسيرات المتغايرة لنصوص التوراة بقوله: "إن أفضل مفسّر للتوراة هو الجيش الإسرائيلي".

يقول منير العكش في الكتاب الأول "اليهود والعنف" (ص 140، الهامش 11)، استنادًا إلى توماس شيني، إن ثمة ديانتين متعارضتين للإسرائيليين، وإن هناك تحريفًا طرأ على الديانة الأصلية. وينقل عن إرنست رينان رأيه في ان العبرانيين في بداياتهم كانت لهم صيغة نقية من الدين، لكن الجموع استسلمت للتأثيرات غير الأخلاقية. ويضيف: ليس هناك الآن أثر أو مرجع معتمد يدل على طبيعة تلك الديانات الأصلية التي لَوَتْ العشائر الإسرائيلية وطوعتها لتوحشها (ص 141). لكن المشهور في دراسات العهد القديم أن ثمة مصدرين للدين اليهودي: المصدر الأيلوهيمي المصري التوحيدي الأخناتوني (أ)، والمصدر اليهوي (ي). ويهوه إله بعض القبائل العربية التي كانت تنتشر في غرب شبه جزيرة العرب عند أطراف سيناء والأردن مثل المديانيين (قوم مديَن)، وهو أيضًا إله البراكين الذي كلّمه موسى في رأس جبل في هيئة جذوة تشتعل. وهذان المصدران المختلفان اختلطا في سياق تشكل الحلف القبلي بين العبرانيين الأوائل وبعض القبائل العربية تلك. وقد تغلب الإله يهوه العربي، في نهاية تلك الحقبة، على العقائد ذات الطابع الإيلوهيمي. حتى أن سيغموند فرويد توصّل في كتابه "موسى والتوحيد" إلى أن ثمة اثنين يُدعيان موسى: موسى المصري وموسى العبراني. وأن موسى المصري قتله اليهويون.

أما في الكتاب الثاني "المسيحيون والعنف" فيعرض منير العكش جناية أوروبا البربرية على المسيحية، وكيف تخلّت أوروبا عن الأخلاق المسيحية لمصلحة الإله اليهودي المقاتل. ورأى المؤلف أن المسيح الذي لم يستطع أن يهذّب شعبه ويمدّنه، وعجز عن نقله من طور التوحش إلى طور التحضر، انسحب خائبًا من مسرح الآلهة (ص 10)، وهذه عبارة شاعرية مستلهمة من شخصية المسيح الأخّاذة. ويقول المؤلف إن المؤمنين المسيحيين فتحوا روما بعدما كسبوا قلوب الرومان بدمهم الطليل ودموعهم المنهمرة وأشلاء أجسادهم. وأولئك لم يكونوا محاربين أو غزاة، ولم يسعوا وراء أرض موعودة أو كنوز هذا وذاك (ص 11)، بل ساروا على درب الآلام في روما المتوحشة تأسيًا بما جرى للمسيح.

وكانت المسيحية، بهذا المعنى، دعوة إلى المحبة والسلام، ونقيضًا لليهودية بما هي دعوة إلى الكراهية والقتال؛ لكن أوروبا تبنت المسيحية من دون المسيح. ولعلها وجدت في قول المسيح: "لا تظنوا إني جئت لأُلقي سلامًا على الأرض. ما جئتُ لأُلقي سلامًا بل سيفًا" (انجيل متى: 34:10) ما يلائم نزوعها الاستعماري قديمًا وحديثًا، مع أن من المحال الاستناد إلى هذه الآية لاستنتاج أي نتيجة تبيح العنف عند المسيح، إلا بالمعنى الرمزي للعبارة. ومهما يكن الأمر، فالمسيحية نتاج حضارة زراعية في سورية القديمة. ولأن أوروبا البربرية لا يلائمها الدين المسيحي، بل الدين اليهودي، ابتلعت المسيحية السورية، ولم تجد في تعاليم المسيح الصافية ما ينسجم مع توحشها (ص 12). لكن، كيف تمكنت روما من ابتلاع المسيحية السورية الشرقية المؤسَّسة على تعاليم المسيح الصافية؟ ولماذا لم تبتلع المسيحية السورية الأقوام الرومانية بعدما صارت هي دين روما؟ لا يجيب الكتاب عن هذا التساؤل أو عن تساؤلات كثيرة غيره. ولعل الجواب كامن في أن المسيحية بذاتها لم تحمل معها مشروعًا سياسيًا، فيما كانت روما تمتلك مشروعًا سياسيًا إمبراطوريًا منذ ما قبل المسيحية. والمشروع السياسي والثروة الناتجة منه يفسران، ببساطة، انحسار المسيحية الأصلية في روما، وانتصار المسيحية الإمبراطورية.

لم يتحدث الكتاب عن الإسلام والعنف لذلك سنتحدث نحن عن هذه المسألة بدلًا من المؤلف، لأن من المفترض أن يصدر الجزء المكرّس للكلام عن "الإسلام والعنف" في يوم قريب، وهو الجزء الثالث من الكتاب. وواضح أن العنف موجود في آيات كثيرة في القرآن خلافًا لنصوص الأناجيل. وعلى سبيل المثال: "وقاتلوا في سبيل الله" (البقرة: 244)؛ و"كُتب عليكم القتال وهو كره لكم" (البقرة: 216)؛ و "اقتلوهم حيث ثقفتموهم" (البقرة: 191؛ والنساء: 91)؛ و"يا أيها النبي حرّضِ المؤمنين على القتال" (الأنفال: 65)؛ و"قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله" (التوبة: 29)؛ و"إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا" (الصف: 4)؛ و"يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يَلُونكم من الكفار وليجدوا فيكم غِلْظة" (التوبة: 123)؛ و"فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان" (الأنفال: 12)؛ و"ما لكم لا تقاتلون في سبيل الله" (النساء: 75)؛ و"فإذا انسلخ الأشهر الحُرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم" (التوبة: 5). وفي الحديث: "مَن بدّل دينه فاقتلوه" (رواه البخاري والترمذي وأبو داود وابن ماجة وأحمد في مسنده).

وحسنًا فعل منير العكش حين صاغ العناوين الفرعية لكتابه على النحو التالي: اليهود والعنف، ثم المسيحيون والعنف، والمتوقع أن يكون عنوان الجزء الثالث المسلمون والعنف، ولم يقل اليهودية والعنف أو المسيحية والعنف أو الإسلام والعنف، لأن ثمة تفريقًا علميًا بين العبارتين. والعودة إلى النصوص الدينية لإجراء التطابق بين الإيمان الديني والسلوك العنفي الحديث موجودة في جميع الديانات مثل جماعات التكفير والهجرة الإسلامية الذين يكفّرون المجتمع، ويتطلعون إلى الهجرة منه كي يعودوا إليه فاتحين على غرار هجرة النبي محمد من مكة إلى المدينة ثم عاد إلى مكة فاتحًا؛ وهو ما رأيناه في خلافة "أبو بكر البغدادي" (داعش) وفي ظل سلطة "أبو محمد الجولاني" (جبهة النصرة).

بورنوغرافيا العهد القديم

إن تفكيك العهد القديم ودحضه وحتى تسخيفه انتهى، في الأوساط العلمية، منذ ما لا يقل عن أربعة قرون، وما عاد أحد يؤمن بتاريخية العهد القديم (والعهد الجديد أيضًا ولا سيما معجزاته) إلا أصحاب الإيمان. وأكثر من حطم تاريخية التوراة وتوابعها كانوا ثلاثة من اليهود هم: باروخ سبينوزا وكارل ماركس وسيغموند فرويد. وقبل هؤلاء أهال الربوبيون في أوروبا Deits والفلسفة التأليهية Theism الركام على روايات العهد القديم، ونقضوا حكاياته والأخلاق المرتبطة بها أو المشتقة منها. والعهد القديم هو كتاب بورنوغرافي في كثير من جوانبه، وليس مفيدًا، لتفسير سلوك الإسرائيليين اليوم، إعادة الكلام وتكراره في شأن أبراهام وزوجته سارة، ويتسحاق وزوجته رفقة، وأمنون الذي اغتصب أخته ثامار، وداود الذي استولى على بتشيفع زوجة أوريا الحثي، وسليمان وملكة سبأ، ولوط وابنتاه اللتان ضاجعتا أباهما، وأستير وراحاب، وقبل هؤلاء جميعًا عميرام والد موسى الذي تزوج عمته يوخيفد وأولدها موسى وهارون.

يقول منير العكش: "لن تجد (...) في سِفري التكوين والخروج كلمة إنسانية لا عنصرية واحدة عن الأخلاق أو القيم أو الفضائل أو الهداية أو المحبة أو العطف أو الإحسان أو الإصلاح أو الروحانيات أو حتى التوحيد أو العبادات" (الكتاب الأول، ص 46). والحقيقة أن الكتب الدينية، ومنها العهد القديم، لا تعدم وجود شذرات هنا وهناك تتضمن قيمًا إنسانية مستحبة، لأن الذي كتب العهد القديم ليس شخصًا واحدًا لديه تصور واحد للوجود والسلوك والعبادة، بل هو مجموعة نصوص "ملطوشة" من حكايات الناس في سورية التاريخية والعراق وفلسطين، ومسروقة من قصص التفاخر بالأجداد (الأسباط) وعقائد السكان الفلسطينيين وخرافاتهم وأساطيرهم وزجلياتهم الرعوية مثل نشيد الإنشاد. ومع ذلك يمكننا أن نعثر في سفر الخروج (21:22) على الآية التالية: "لا تضطهد الغريب ولا تضايقه، لأنكم كنتم غرباء في أرض مصر. لا تُسئ إلى أرملة ما ولا إلى يتيم. إن أسأتَ إليه فإني إن صرخ إليّ أسمع صراخه، فيحمى غضبي واقتلكم بالسيف فتصير نساؤكم أرامل وأولادكم يتامى".

والإصحاح الثالث والعشرون من سفر الخروج كله مواعظ أخلاقية مقبولة بمعايير تلك الأيام. وفي سفر الخروج أيضًا يقول رعوئيل لبناته: "أين هو؟ لماذا تركتن الرجل [موسى]؟ أدعونه ليأكل طعامًا" (الإصحاح الثاني، الآية 20). وفي سفر اللاويين نجد: "إذا نزل عندك غريب في أرضكم فلا تظلموه. كالوطني منكم يكون لكم الغريب النازل عندكم، وتحبه كنفسك لأنكم كنتم غرباء في أرض مصر" (الإصحاح 19: الآيتان 33 و34). وفي سفر اللاويين أيضًا: "حُكم واحد يكون لكم الغريب يكون كالوطني" (الإصحاح 24: الآية 22). وفي سفر اللاويين يوصي الله "شعبه المختار بترك سنابل الحقل والكرم للفقير والغريب" (اللاويون 10:9). وفي التلمود البابلي يُقسّم اليهودي المؤمن ثلاثَ أيمان هي: عدم تأسيس دولة لليهود؛ وعدم العودة إلى أرض إسرائيل جماعات منظمة ولو بموافقة الأمم؛ وعدم التمرد على الأمم (الغوييم). وعلى اليهودي أن يتحلى بثلاث صفات هي الخوف والرحمة والإحسان. ويفسر التقليد الحاخامي السيفَ والترس اللذين استعملهما يعقوب بالصلاة والتضرع.

أما اليهودية الإصلاحية التي أسسها يسرائيل جيكوبسون في منتصف القرن التاسع عشر، وصارت حركة كبيرة ومهمة جدًا، فقد رفضت فكرة العودة الشخصية للماشيح، وأحلّت في محلها فكرة "العصر الماشيحاني" أي عصر العدالة الذي سيتحقق من خلال السلام والتقدم العلمي والحضاري. وهذه الحركة حذفت من صلواتها أي إشارة إلى إعادة بناء الهيكل أو العودة إلى الأرض المقدسة. وبهذا المعنى يمكنني القول إن الأخلاق ليست جوهر الدين، أَكان هذا الدين يهوديًا أو مسيحيًا أو إسلاميًا أو بوذيًا أو زرادشتيًا، بل إن الإيمان بالكائن المقدس هو جوهر الدين. وقد عرفت البشرية منظومات أخلاقية رفيعة قبل عصر الديانات مثل شرائع حمورابي (بين 1792 و 1750 قبل الميلاد). ولم يتطابق الدين مع الأخلاق لا في الديانات القديمة ولا في الديانات "التوحيدية".

وحدها المانوية طابقت بين الدين والأخلاق، ففصلت الله، وهو الخير المحض غير القادر على صنع الشر، وغير القادر على منعه في الوقت نفسه، عن العالم الذي يحتاج إلى إله ثانٍ لتفسير الشر من دون أن يتلوث به إله الخير. ونجد ظلال المانوية اليوم في الإيزيدية والصابئة (تنزيه الخالق وتوحيده). وكان الله موجودًا مع الإنسان دائمًا ومباشرة، وكان هناك إله أو أكثر لكل قبيلة. لكن الديانات التوحيدية فصلت الله عن العالم، أي عن البشر، وجعلته متعاليًا. وتلك الفجوة ملأتها المسيحية بالإله المتجسد (يسوع المسيح)، وملأها الإسلام بالنص الإلهي (القرآن). لكن هذين الدينين لم يتمكنا من تعشيق الدين والأخلاق إطلاقًا.

الدين والدهماء والدم
إن دراسة الدين كنص حرفي أمر طبيعي، لكن هذه الطريقة وحدها لا تجعل البحث العلمي يتقدم خطوة واحدة إلى الأمام. ويرى بعض الباحثين، ومنهم منير العكش، أن جذور العنف والإبادة لدى اليهود تكمن، بالدرجة الأولى، في كتابهم المقدس. وأنا أرى أن العنف والإبادة يكمنان في مشروع اليهود السياسي بالدرجة الأولى من دون إغفال تأثيرات النص الديني قط. لنلاحظ، من باب مقارنة النصوص فحسب، أن المسيحية لا تتضمن أي دعوة إلى العنف أو الإبادة إطلاقًا، ومع ذلك أباد المسيحيون السكان الأصليين في أميركا وأستراليا ونيوزلندا، وهندسوا نظام الفصل العنصري، وجعلوا العبودية نظامًا أخلاقيًا، وكان لسان حال المؤمنين من بينهم يقول: "مَن ينكر أن استخدام البارود ضد الوثنيين هو مثل حرق البخور إلى ربنا؟". ولنتذكر أيضًا أن النصوص الإسلامية تحفل بالعنف والقتل والإبادة، لكن المسلمين في فتوحاتهم للشام والعراق ومصر وفارس لم يبيدوا السكان، بل تركوهم على ما هم عليه بشرط دفع الجزية والخراج.

وتفسير ذلك أن العرب المسلمين لم يمتلكوا خبرات عسكرية، ولم تكن لديهم أسلحة مهمة أو تقنيات حربية. ثم أنهم لم يكونوا من ذوي الخبرة في بناء الدول وحكمها. لذلك أخذوا شيئًا من النظام الفارسي وشيئًا من النظام البيزنطي في جمع الضرائب وتمليك الأراضي وطرائق السياسة والرئاسة، ولم يفرضوا الإسلام بالقوة على السكان إلا في حالات مخصوصة وفي فترات متباعدة. وكان نظام الدولة الفارسي منذ عهد داريوش الكبير نظامًا له دين (الزرادشتية)، لكن للأقليات غير الزرادشتية شأن في الوظائف العامة وفي إدارة الدولة وتسيير شؤونهم الدينية ما داموا يدفعون الضرائب والرسوم بانتظام. وعلى هذا المنوال أنشأ الأمويون (وهنا تكمن عبقرية معاوية) دولة لها دين هو الإسلام، لكن المسيحيين واليهود في تلك الدولة أقاموا على أحوالهم القديمة من دون أي إكراه ما داموا يدفعون الجزية ولا يتمردون على الحاكم.

إذًا، النصوص الدينية وحدها لا تفسر العنف اليوم، بل ثمة أسباب اجتماعية وأيديولوجية وعقيدية ومادية متداخلة ومترابطة تدفع البشر إلى العنف والحروب. والعنف كان دائمًا عنصرًا حاضرًا في صميم الوجود الاجتماعي للجماعات البشرية، وكان يتم التعبير عن ذلك بالطقوس القربانية وطرائق سفك دم الحيوانات والأشخاص أحيانًا، كما كان يحدث لدى قبائل الأنكا حين تحتفي بالدم، وتنتشي بقلب الشاب الذي انتُزع من صدره وما زال يخفق. وقد "حظينا" نحن العرب بأمير الذباحين أبو مصعب الزرقاوي الذي أثار نشوة عارمة لدى بعض شرائح الجماهير العربية حين كان يعرض مشاهد الذبح من الوريد إلى الوريد، أو حمل أشلاء "الكفار" المقطّعة بعناية. و"إله الحرب" كان موجودًا دائمًا في الديانات القديمة، وما برح موجودًا حتى اليوم بظهورات وتجسيدات مختلفة. وقد كانت الحروب في ما مضى (وربما ما زالت) ضرورة اقتصادية؛ فهي تمكّن الجماعات الرعوية من الاستيلاء على المزيد من الأراضي للرعي، وتفرض الإتاوات على أصحاب الأرض المزارعين، وتسهل لهم الحصول على الغنائم والمواشي وسبي النساء.

ولأن الموارد كانت نادرة (المياه والمراعي)، فقد كانت المنازعات بين القبائل دائمة (الغزوات). وقد وجد عمر بن الخطاب أن المنازعات بين القبائل العربية، والصراعات على الثروة والمغانم والأُعطيات لن تتوقف، ولم يتمكن الإسلام من وقفها، خصوصًا بعد حروب الردة التي امتنعت فيها بعض القبائل عن دفع الجزية. فرأى الخليفة عمر أن من الأفضل توجيه القبائل التي أسلمت حديثًا إلى الغزو الخارجي بدلًا من استمرار الغزوات المحلية. وهكذا بدأ الزخم العسكري في فتوح الشام والعراق ومصر. وبهذا المعنى كانت الفتوحات الإسلامية غزوًا اقتصاديًا برداء أيديولوجي هو نشر الاسلام. حتى أن اختيار الكعبة في مكة مركزًا روحيًا جاء لأسباب تجارية خالصة. وقبل ذلك حاول النبي محمد أن يعقد صفقة مع أهل يثرب تنص على إحلال يثرب في محل مكة وتحويل القوافل إليها. لذلك خاف تجار مكة وأعيانها من بني أمية وبني مخزوم وبني المغيرة وبني هاشم من أن تفقد مكة مكانتها التجارية إذا نجح محمد في تحقير آلهة القبائل المنصوبة أصنامها في الكعبة، فتمتنع القبائل عن المجيء إلى مكة في المواسم التجارية. ومع ذلك ظل المسلمون "إذا رأوا تجارة أو لهوًا انفضوا إليها وتركوك قائمًا"، أي تركوا خطبة الجمعة وانصرفوا إلى البيع والشراء (سورة الجمعة، الآية 11).

في التاريخ القديم كان الرعاة سببًا في الحروب التي نشبت في الحقبة السومرية، واحتل الهكسوس السوريون (الملوك الرعاة) مصر في إحدى الفترات. وفي عصرنا الحديث أباد الرعاة التوتسي في رواندا بين 1990 و 1994 قبائل الهوتو المزارعين مع أن محاربي القبيلتين مسيحيون. وفي دارفور السودانية يمتهن الجنجويد الرعاة السلب والقتل واغتصاب نساء القبائل الأخرى مثل الزغاوة والداجو، فيما يعتنق مقاتلو الطرفين الإسلام. أما القول إن اليهود، واستطرادًا ديانتهم، كانوا بدوًا فهو قول صحيح بالتأكيد. وإن دياناتهم ذات منشأ رعوي هو قول مؤكد. لكن اليهود لم يظلوا بدوًا، بل تغيروا، فكانوا بذلك مثل العرب القدامى الذين تحولت أحوالهم من البداوة إلى التحضر، وانتقلوا من العيش في بيوت الشعر إلى السكن في بيوت الحجر (سكان الحضر) أو إلى السكن في بيوت المدر أي الطين (سكان الأرياف). واليهود بعد استقرارهم في أرض كنعان تحولوا إلى العمل في الزراعة، وظهرت بينهم أقلية من مالكي الأرض فيما كانت أغلبيتهم من الفلاحين. والمالكون عملوا بدورهم في التجارة والصنائع الحرفية وفي وظائف جمع الضرائب لمصلحة الدولة الرومانية الحاكمة. وبهذا المعنى فإن جميع الشعوب والأقوام والجماعات خضعت للتبدلات كالفايكنغ والمصريين واليونان والعرب.

والبدايات لا تفسر النهايات، ولا يمكن إلقاء الماضي على الحاضر، مثلما لا يمكن مساءلة الماضي بأفكار الحاضر. كذلك لا يمكن تفسير التاريخ بالأفكار والعقائد، بل إن من الممكن تفسير الأفكار بالوقائع التاريخية الصحيحة. والعهد القديم مثل جراب الكردي، يحتوي كل شيء، وفيه تناقضات كثيرة باعتباره تجميعًا لحكايات من مصادر شتى. ومن الطبيعي أن تتضمن الشرائع اليهودية تناقضات أيضًا، بعضها القليل يميل إلى الوداعة والسلام واحترام الآخر. واليهود مثلهم مثل أي مجموعة دينية تنقسم، في هذا الميدان، إلى مؤيدين للعنف في سبيل تحقيق أهدافهم، وإلى معادين للعنف الذين يتوسلون السلم للوصول إلى غاياتهم. والتقليد الحاخامي يميل إلى عدم العنف مع أن التوراة تمتلئ بالعنف. وهو يفضّل التسوية مع الخصوم على القتال، ويفضّل الهجرة على المواجهة. وذلك التقليد، في معظمه، يُعيد تدمير الهيكل الأول والسبي إلى الانتهاكات الجنسية التي مارسها اليهود، وإلى العبادات الوثنية التي انغمسوا فيها، وإلى عمليات القتل التي نفذوها. وكذلك يعيد سبب تدمير الرومان لأورشليم إلى نزعة التمرد لدى بعض اليهود الذين ثاروا على الرومان أمثال جماعة الغيورين Zelots.

ومع صعود الحركة الصهيونية بمشروعها القومي اليهودي، وبرعاية المشروع السياسي الاقتصادي للإمبراطورية البريطانية (السيطرة على طريق الهند) صار كلام الحاخامين يخفت رويدًا رويدًا، حتى أن التيار الحريدي لم يكن يتهم فرعون أو العماليق أو هتلر بالمصائب التي انزلوها باليهود، لأن هؤلاء كانوا مجرد منفذين لإرادة الله. ولدى الحريديم (الورعاء) أن العودة إلى أرض إسرائيل هي تأخير للخلاص النهائي، ومَن يستعجل الخلاص النهائي للبشر لن يحيا أبدًا. ولدى الحسيدية تُعتبر أرض إسرائيل مفهومًا روحانيًا لا ماديًا، والصهيونية عندهم عمل شيطاني. وعلى هذا الغرار لا يمكن تفسير العنف الإسرائيلي الهمجي بالنصوص الدينية وحدها، بل بالمشروع الاستيطاني الإحلالي الاستعماري. ثم إن تفسير وقائع التاريخ والسلوك البشري، في المراحل التاريخية المختلفة والمتراكبة، لا يستقيم بالعودة إلى النصوص الدينية وحدها لأن الجماعات ومصالحها وصراعاتها الداخلية وقدراتها العسكرية وميادين التنافس هي التي تفسر العنف إلى حد بعيد، وبعد ذلك يأتي دور الأيديولوجيين (رجال الدين والمفكرون والكُتّاب) ليغمروا العنف بالذرائع الدينية التي تبرره وتسوّغه وتريح ضمائر من ارتكبه.

فالإبادات الكثيرة في تاريخ الإنسانية، وإن تدثر معظمها بنصوص دينية، إلا أن أسبابها الجوهرية ودوافعها الأساسية وروافعها المباشرة كانت دومًا المشروعات السياسية المؤسّسة على المصالح الاقتصادية والأمنية والهيمنة القومية. وحروب الفرنجة هي أفضل مثال على ارتباط السلطة الدينية بالثروة أولًا، وبالهيمنة السياسية ثانيًا، وبالدين ثالثًا. ولا شك في أن امتزاج الأسطورة الدينية (ضمان البابا أوربان الثاني الصفح وغفران الخطايا) بالدوافع الاقتصادية للحملة الفرنجية الأولى التي أقرها مجمع كليرمونت في سنة 1059، شكلت إزاحة تامة لأخلاق السلام التي قامت المسيحية عليها.

والرغبة الاستعمارية الأوروبية في اكتشاف طريق جديد إلى الهند كانت دوافعها تجارية خالصة، ومنها الابتعاد عن هيمنة الدولة العثمانية التي احتلت القسطنطينية في سنة 1453، وسيطرت على طرق التجارة في شرق المتوسط بما في ذلك الأراضي المقدسة. وكانت لدى الدول الكاثوليكية آنذاك (إسبانيا والبرتغال وإيطاليا) رغبة محمومة بإعادة احتلال الأراضي المقدسة، وتريد الذهب والفضة لتحقيق تلك الغاية. ولهذا شجعت الاستكشاف كما فعل فرديناند وإيزابيل في قشتالة حيت تبنيا مشروع كولومبوس ومشروع الإيطالي أميركو فسبوتشي، وسار في ركابهما البابا إينوسنت الثامن الذي أعلن في سنة 1493 "عقيدة الاستكشاف" التي تنص على أن للمستكشفين الحق في تحضير الشعوب الهمجية أو طردهم (وهذا ما حصل مع المسلمين واليهود في شبه الجزيرة الإيبيرية ثم مع الهنود الحمر)، وأن غير المتحضرين، أي غير الكاثوليك، ليست لديهم حقوق يجب احترامها.

وليس غريبًا قبل ذلك أن يقتل الفرنجة حين احتلوا القدس في عام 1099، خلال ثلاثة أيام، جميع العرب، رجالًا ونساء، في الحرم القدسي، وجميع اليهود في معابدهم. وعندما انتهى الفرنجة من هذه المقتلة اجتمعوا في كنيسة القيامة، وصدحوا بالترانيم الجميلة، ورتّلوا الآيات الإنجيلية، وكانت دموع الفرح تسيل على خدودهم، ثم أقاموا قداس عيد الفصح إلى جانب قبر المسيح (كارين أرمسترونغ، حقول الدم، ترجمة أسامة غاوجي، بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2016، ص 325). ولعل أمثال هذه المشاهد أيقظت المسيحية الأصلية لدى القديس برنار الذي شارك في الحملة الفرنجية الثانية في عام 1146 فقال: "القتل من أجل المسيح يعني القضاء على الظلم وليس القضاء على الظالم".

الرأسمالية والذهب والإيمان
جوهر الرأسمالية، القديمة والجديدة، هو المنفعة. وفي الإمبراطوريات القديمة، البابلية والأشورية والفارسية والمصرية واليونانية، كانت المصالح الاقتصادية هي الأساس، وكانت الحروب هي الوسيلة الفضلى لتحقيق السيطرة والهيمنة وجباية الأموال. وحتى اليوم، ما برحت الأمور على النحو ذاته: إذا وقفت العنصرية ضد منفعة الرأسمالية أزاحتها. وإذا خدمت مصالحها شاركتها المنافع. وإذا كانت المساواة تخدمها تتبناها، وإذا كانت تعيق ثروتها تناوئها. والأمر نفسه في شأن العبودية والعنف، وصولًا إلى الصهيونية الحديثة. وتقدم لنا أميركا الجنوبية أفضل مثال على ذلك؛ ففي أميركا الجنوبية، كانت هنالك وفرة من الذهب والفضة، فمارس المستعمرون الإسبان الإخضاع ضد السكان، وهم وارثو حضارات الإنكا في البيرو، والأزتيك في المكسيك، والمايا في غواتيمالا والهندوراس والسلفادور، ونهبوا معابدهم المملوءة بالذهب.

أما في أميركا الشمالية، فلم يكن ثمة ذهب، بل كان هنالك ما هو أثمن من الذهب، أي الأرض، فمارس المستعمرون الأوائل والبيوريتان الإخضاع وسلب الأراضي من السكان الأصليين. وفي ما بعد، جرى استقدام السود الأفارقة للعمل في الأرض بعد اختطافهم من ديارهم واستعبادهم. وكان استرقاق الأفارقة ضرورة استعمارية لفلاحة الأرض وزراعتها واستثمارها. ولم يكن المستوطنون البيض قادرين عدديًا على استغلال الأرض، وما كان السكان الأصليون بارعين في هذه المهمة، لأن الأرض لديهم هي الأم، فمن يجرِّح وجه أمّه بسكك الحراثة! لذلك كان اختطاف السود من أفريقيا، ونقلهم إلى القارة الأميركية، الوسيلة المباشرة والمتاحة لتأمين أيدٍ عاملة للمزارع الفسيحة والمستوطنات الجديدة.

قاتلت الرأسمالية الأميركية البيضاء في شمال ما صار يُعرف بـِ"الولايات المتحدة الأميركية" الرأسمالية الأميركية الجنوبية بذريعة وجوب إلغاء الرق، وتحرير العبيد، والمساواة. لكنها كانت في الوقت نفسه تبيد الهنود الحمر في الشمال بذرائع عنصرية خالصة. فالرئيس أبراهام لينكولن محرر العبيد هو جزار قبيلة الأباتشي الهندية. والرئيس توماس جيفرسون، الذي صاغ إعلان الاستقلال الأميركي، ووضع أسس الحكم (الديمقراطي) في الولايات المتحدة الأميركية، هو نفسه الذي هجّر الهنود إلى الغرب، واستولى على أراضيهم. والرئيس وودرو ويلسون، صاحب المبادئ الأربعة عشر المشهورة، كان يريد من "حق تقرير المصير للشعوب" لا حرية تلك الشعوب، بل تفكيك الإمبراطوريات المتنازعة مع الولايات المتحدة الأميركية، مثل الدول العثمانية. ولم يُطبّق حتى تقرير المصير في مستعمرات بريطانيا وفرنسا، بل استُعيض عنه بخديعة "الانتداب". والرئيس ويلسون الذي دعا إلى استقلال الأمم وإنهاء الاستعمار هو نفسه الذي دعم تنفيذ إعلان بلفور، وأرسل جيشه إلى هايتي والدومينيكان، وقتل كثيرًا من سكان هذين البلدين.

وكريستوف كولومبوس نفسه كان متوحشًا ومجرمًا؛ فقد انخفض عدد سكان إسبانيولا (إحدى جزر البهاما في البحر الكاريبي) وهي البلاد التي رست فيها سفن كولومبوس (سانتاماريا ونينيا وبنتا) من أكثر من مئة ألف نسمة إلى عدة آلاف خلال ربع قرن فقط. وكان المستوطنون الأوروبيون يزعمون أنهم يريدون هداية السكان المتوحشين إلى المسيحية (خلاص أرواحهم) وتمدينهم، واتخذوا من الدعوة إلى نشر المسيحية ستارًا للاستيلاء على أرض الهنود، تمامًا مثل الفتوحات الإسلامية التي أشاعت أن الفتوحات تهدف إلى نشر دين الله. فالاستيلاء على الأرض هو جوهر الاستيطان الأوروبي الأبيض في أميركا. وجباية الخراج والرسوم وريوع الأراضي كانت الدافع الأول والأخير للفتوحات الإسلامية. أما تمدين السكان في أميركا فانحصر في القضاء على الملكية المشاعية للأرض، والتحول إلى الملكيات الخاصة، فيما الهداية لم تكن إلا ذريعة واهية، إذ فشل المستوطنون في جذب الهنود الحمر إلى الايمان المسيحي، مع أنهم نجحوا إلى حد كبير في جر السود إلى إيمانهم، خلافًا لما حصل في الفتوحات الإسلامية إذ تمكن الفاتحون، بالتدريج، من نشر الإسلام بين سكان البلاد المفتتحة الذين أرادوا التخلص من الجزية ومن معاملتهم التمييزية كأهل ذمة وكفار.

لو أن البوذيين هم الذين كانوا على رأس المشروع الأوروبي لاستعمار أميركا، لفعلوا مثل البيوريتان وأسلافهم وحلفائهم. ولو أن البوذيين كانوا في مقدم الحركة الاستيطانية للسيطرة على فلسطين لفعلوا مثل الصهيونيين، ولكانت عقائدهم الدينية إما ذرائع لسلوكهم السياسي العنيف، أو بلا قيمة. والديانة البوذية تقوم على التسامح ومساعدة الضعفاء ومكارم الأخلاق. ومع ذلك هاجم الرهبان البوذيون مناطق الروهينغا المسلمين في ميانمار (بورما سابقًا)، وطردوا نحو 740 ألف روهينغي من منازلهم إلى بنغلادش وتايلاند، وأحرقوا قرابة 400 قرية لهم. وفي سريلانكا تدور رحى الحرب بين الأغلبية البوذية (السنهالية) والأقلية الهندوسية (التاميل). وفي كمبوديا أباد بول بوت وأنصاره ما يناهز ثلاثة ملايين كمبودي بين 1975 و1979 لتطبيق مشروعه السياسي (نقل سكان المدن إلى الأرياف لتطوير الزراعة)، علمًا أن 95 في المئة من السكان يدينون بالبوذية، وينتمي 90 في المئة منهم إلى قومية واحدة هي الخمير.

والهندوسية بدورها هي ديانة معظم سكان الهند ونيبال والتيبت وموريشوس (1.5 مليار نسمة)، وهي دين الحكمة والمعرفة (الفيدا) التي تزخر بالقيم الخُلقية والروحية، وتهدف إلى الارتقاء بالحياة العقلية والسلوكية للهندوسي. لكنها تتحول اليوم إلى ديانة قومية فاشية، لا لأن نصوصها الدينية تقرر ذلك، بل لأن المشروع القومي الهندوسي يكن عداء لا حدّ له للإسلام المسؤول، بحسب اعتقادهم، عن تجزئه الهند في سنة 1947، وعن المجازر التي راح ضحيتها مئات الآلاف من الهندوس، والتي أدت إلى تهجير أربعة عشر مليونًا من الهندوس والسيخ والمسلمين في أكبر عملية تهجير (ترانسفير) عرفها التاريخ. وهذا المشروع القومي الهندوسي جعل الهند تقيم علاقات وثيقة جدًا مع إسرائيل، لأن الدولتين تكنان العداوة للإسلام، بعدما كانت الهند تقيم علاقات وثقى جدًا مع العرب في عهد جواهر لال نهرو، وأنديرا غاندي، وراجيف غاندي، خصوصًا مع الرئيس جمال عبد الناصر، والرئيس ياسر عرفات.

واليوم، كلما ذبح المسلمون الأبقار في شوارع المدن الهندية تنشب معارك يسقط فيها العشرات من "المهابيل" المغمورين بالتعصب الديني. وكلما أرسل هندوسي خنزيرًا إلى حي من أحياء المسلمين يقع عراك مسلح يموت فيه المئات. إنها حروب الأبقار والخنازير، مع أن الأبقار والخنازير أرقى من هذه الهمجية الدينية. ولعل السبب الخفي يكمن في أن المسلمين الهنود يتحالفون عادة مع حزب المؤتمر الهندي الخصم الشرس لحزب بهاراتيا جناتا القومي المتطرف. وكل حزب له مصالح هائلة في الدولة والاقتصاد والمؤسسات الربحية. وفي الإمكان، في هذا الميدان، أن نتذكر سريعًا مذابح العرب العُمانيين في زنجبار، التي قام بها مسيحيو تنجانيقا، مع الإشارة إلى الأسباب الطبقية لتلك المذابح. وكذلك التطهير العرقي الذي نفذه المسيحيون الصرب والكروات ضد سكان البوسنة والهرسك المسلمين؛ وهؤلاء الضحايا صرب في القومية، لكنهم مسلمون في العقيدة. والأسباب العميقة تهزأ من الدوافع الدينية لتلك الحرب القذرة التي طُرد خلالها نحو مليون بوسني من ديارهم، ودُمّرت 850 قرية بوسنية، وجرى تقسيم يوغوسلافيا بهمة الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا.

التماثل الزائف في النصوص الدينية

إن استنساخ النصوص التوراتية وحكايات العهد القديم، وإنزالها على سلوك المستعمرين الجدد الذين فتكوا بالهنود الحمر، على سبيل المثال، وإن كان يحظى بالشعبية وقبول العوام له، إلا أنه لا يتمتع بالمتانة العلمية والدقة البحثية. فالمستعمرون البيوريتان (الطهرانيون)، كما هو معروف، كانوا مؤمنين بالعهد القديم، ولذلك راحوا ينهلون من نصوصه، ويماثلون تجربتهم الاستيطانية في قارة أميركا بتجربة اليهود القدامى في استعمار فلسطين، فصارت أميركا "كنعان الجديدة"، أو "صهيون الجديدة"، وصوّروا اضطهاد ملك إنكلترا جيمس الأول للبيوريتان البروتستانت مثل اضطهاد فرعون مصر للعبرانيين. وعلى هذا المنوال نسخوا حكاية فرارهم من إنكلترا، وجعلوها على غرار فرار العبرانيين من مصر. وقد أطلق المستعمرون البيوريتان على مستوطناتهم أسماء تماثل أسماء الأمكنة في الأراضي المقدسة، مثل أورشاليم، وصهيون، وحبرون، وبيت لحم. وكان هذا التماثل ممكنًا وبدهيًا جراء تماثل التجربتين في الاستعمار الاستيطاني، والاستيلاء على الأرض، وطرد السكان الأصليين، وإحلال أقوام جديدة في محلهم.

وكانت أوروبا لدى المستعمرين هي مصر الفرعونية، وأميركا هي أرض الميعاد، والمهاجرون هم شعب الله المختار الذي اختاره الله ليقيم دولة جديدة تكون منارة للأمم. أميركا، إذًا، هي أورشليم الجديدة، والمستوطنون هم شعب إسرائيل الجديد. أما إنكلترا فهي بابل القديمة التي هرب منها المضطهدون ليؤسسوا مملكة الرب. ومملكة الرب يجب أن تُبنى على تلة فوق أنقاض أورشليم. وهكذا بُنيت واشنطن فوق أنقاض تلة الهنود الحمر. وعبارة مدينة على تلة/ City Upon a Hill الشائعة جدًا في أميركا استُعيرت من إنجيل مرقص لتشير إلى أن أميركا ستكون منارة للعالم، ومثالًا تقتدي به الأمم الأخرى؛ وكان ذلك كله هراء وخُبال. واستند البيوريتان في تبرير اغتصابهم الأرض إلى سفر المزامير (2: 8و9)، الذي يقول: "إسألني فأعطيك الأممَ ميراثًا لك، وأقاصي الأرض ملكًا لك، تحطمهم بقضيب من حديد، مثل إناء خزاف تُكسّرهم". وعلى هذا المنوال كان عبور كولومبوس المحيط الأطلسي إلى العالم الجديد يُقارن بعبور بني إسرائيل بقيادة موسى البحرَ من مصر إلى بلاد كنعان، وهي حكاية خرافية في أي حال.

وما فعله الإسبان بسكان البلاد المستَعمرة هو نفسه ما فعله العبرانيون بسكان بلاد كنعان. وتقدر بعض المصادر عدد السكان الأصليين في أميركا اللاتينية والكاريبي في سنة 1492 بنحو مئة مليون نسمة، وقد هبطت أعدادهم إلى ما بين 10 و12 مليون نسمة في سنة 1570 (راجع: الأب مايكل براير، الكتاب المقدس والاستعمار البريطاني، بيروت: دار قدمس، 2003، ص95). وكان في قارة أميركا عندما بدأ الغزو الأوروبي في سنة 1513 نحو 112 مليون هندي أحمر موزعين على 400 قبيلة. ولم يبقَ من هؤلاء في سنة 1900 غير ربع مليون. ومثلما طُرد البيوريتان، وبعض اليهود، من أوروبا، فذهبوا إلى العالم الجديد وأبادوا السكان واستوطنوا أماكنهم وأطلقوا عليها أسماءهم التوراتية، هكذا فعل اليهود المطرودون، أو المهاجرون من أوروبا قسرًا الذين ذهبوا إلى فلسطين وطردوا سكانها وأطلقوا أسماءهم التوراتية المزيفة على الأماكن الجديدة.

واجهت أول مجموعة بيوريتانية مهاجرة في عام 1630 الجوع والمرض جراء برد الشتاء القارس، ومات نصف أفراد المجموعة. وكان يمكن أن يموتوا كلهم لولا العناية التي قدمها إليهم "الهنود الحمر". لقد كافأهم البيوريتان في ما بعد بالإبادة. وفي أي حال، فإن التجربتين الأميركية والصهيونية استندتا إلى الكتب المقدسة في تبرير الغزو والتنكيل. لكن كل واحدة من هاتين التجربتين أسست دولة علمانية في الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل. والأمر المختلف في التجربتين الاستيطانيتين أن البيوريتان، على سبيل المثال، سعوا إلى جعل الهنود الحمر مسيحيين (الهداية وتخليص النفوس)، فيما لم يسعَ الصهيونيون إلى تهويد ما بقي من سكان فلسطين؛ وكان ذلك من المحال. وفي جانب آخر من الصورة فإن الاستيطان الأوروبي في القارة الأميركية يتشابه مع الاستيطان الصهيوني في فلسطين في امتلاك الأرض التي يقطنها شعب آخر، ثم طرد ذلك الشعب عنوة إلى مناطق أخرى بعيدة. وثمة علاقة وثقى بين الاستعمار الاستيطاني والإبادة، أو التطهير العرقي والطرد (ترانسفير)، وهو ما جرى في أستراليا ونيوزلندا وإسبانيا في مراحل متفاوتة تاريخيًا. (أنظر: محمد شعبان صوان، الحروب والمفاوضات على المقدسات في أميركا الإسرائيلية وفلسطين الهندية الحمراء، الجزائر: دار ابن النديم، وبيروت: دار الروافد، 2016).

كتب فراي بيدرو دي كوردوبا من الدومينيكان إلى الملك تشارلز الخامس في 28/ 5/ 1517 يقول: "لم أقرأ عن أي أمة (ولم أعثر عليها حتى بين الكفار) قامت بارتكاب أعمال شريرة وحشية إلى هذا الحد ضد أعدائها، وبهذا الأسلوب وهذا السلوك، كما فعل المسيحيون بحق تلك الشعوب البائسة التي كانت تُعد نفسها صديقة ومتعاونة معهم على أرضهم. حتى فرعون والمصريون لم يُلحقوا ببني إسرائيل مثل هذه الوحشية" (راجع: الأب مايكل براير، الكتاب المقدس، الاستعمار البريطاني، مصدر سبق ذكره، ص91). وعندما زار البابا يوحنا بولس الثاني البيرو في سنة 1988، تلقى رسالة صاغها ممثلون عن عدد من الحركات السياسية جاء فيها:
إلى يوحنا بولس الثاني
نحن سكان الأنديز والهنود الأميركيين، نغتنم فرصة زيارتكم كي نعيد إليكم كتابكم المقدس، لأنه طوال خمسة قرون لم يقدم لنا كتابكم هذا الحب والسلام والعدل.
نرجو منكم أن تأخذوا كتابكم المقدس معكم، وأن تعيدوه إلى الذين اضطهدونا
لأنهم يحتاجون تعاليمه الخلقية أكثر مما نحتاج إليها نحن. فمنذ أن قدم
كريستوف كولومبوس إلى بلادنا، فرض على أميركا اللاتينية بالقوة ثقافة أوروبا ولغتها وديانتها وقيمها.

قصارى القول، في هذا الحقل التاريخي والمعرفي، أن الكتب الدينية كانت في تاريخ البشرية مصدر تعاسة لا توصف ووحشية لا تُحتمل. وكانت، إلى ذلك، سبيلًا مقدسًا لتحديد من هم "الكفار" ليكرههم "المؤمنون"، ويقتلونهم إذا لزم الأمر، مع أن "الكفار" لم يُلحقوا بكفرهم أي ضرر بـِ"المؤمنين"، لكن "المؤمنين" هم الذين ذبحوا "الكفار" بإيمانهم.

 

عن (ضفة ثالثة)