لم يكن عبد القادر علولة مسرحيًا آنيًا، انتهى ذكره بمجرد موته، بل كان اسمًا مهمًا عابرًا للأمكنة والأزمنة، وواحدًا من أبرز المسرحيين العرب، ورغم مرور 31 سنة كاملة على اغتياله (14 مارس/ آذار 1994) من طرف الظلاميين أعداء الجمال والحياة، غير أن اسمه لا يزال راسخًا وخالدًا في ذهن كل محب للفن الرابع، سواء في الجزائر أو خارجها، ومن المستحيل أن تمر ندوة، مهرجان، أو حلقة نقاشية مسرحية في أي موضوع كان، بدون أن يتم ذكره أو الاستشهاد برأيه، عمله، فكره، حضوره أو مواقفه الرزينة والفارقة، فقد كان فعلًا ودون مبالغة رمزًا مسرحيًا، وعقلًا عامرًا أسهم بشكل محوري في إثراء الفن الرابع.
تنعكس أهمية هذا المسرحي الرمز كونه راهن على التجديد والخلق، واختار الفئة التي تسكن قاع المجتمع، تلك التي تشكّل الأغلبية، وفتح معها حوارية فكرية ومعرفية وجمالية، واستطاع أن يصل معهم إلى لغة مناسبة، تعكسهم وتحاكيهم وتقترب منهم لدرجة التماس. في المقابل لم يحبس نفسه في الأبراج العاجية، وتشابك مع أصحاب الطبقات التي تنتصر للمظهر على حساب الجوهر، حيث تسكن اللغة المنمّقة، وعبارات التفخيم المبالغ فيها، و"البرستيج" الذي تختبئ خلفه كل المظاهر الخادعة، لهذا ترك كل تلك المعطيات البورجوازية التي يمقتها، وتخندق مع الكادحين والمعدومين والحمالين والعمال، وأصحاب التعليم المحدود والأميين وسكان الأرياف والقرى، فنقل أحلامهم وكوابيسهم وطريقة فهمهم للحياة، بلغة استقاها من أفواههم، ومن مشاكل جمعها من محيطهم، وبالتالي خاطبهم بأدواتهم وأساليبهم ومنطلقاتهم ومستويات استيعابهم، ولهذا نسج علاقة بينه وبينهم، وتحصيل الحاصل جعل من العمل المسرحي خبزًا يوميًا يفهمه ويستوعبه ويستلذّ به الكل.
إذابة المفاهيم وجزأرتها ... الالتحام مع القاع:
لم يكن عبد القادر علولة مثقفًا مسيّرًا، يجتر نظريات ومناهج الآخر، ويسقطها على بيئته الجزائرية، التي تختلف كليًا عن البيئة الغربية، لذا فقد عرف الفارق بين الفضاءين بشكل مبكر، وخبر بأن المعارف والخبرات والمنطلقات النظرية الغربية في المسرح لا تتلاءم بالضرورة مع البيئات العربية، لأن لها خصوصيات معينة، وترتكز على عادات وتقاليد مختلفة كليًا، فتعامل معها بحذر، أخذ منها الجمالية التي لا تتعارض مع المجتمع، وقام بجزأرتها أي إعادة استنباتها في الواقع الجزائري، لتتناسب مع خيارات ومنطلقات المجتمع الجزائري، وهناك العديد من الأمثلة العملية التي قام بها علولة لتحقيق هذا الطموح المسرحي، من بينها مثل اعتماد "القوّال" (الحكواتي) في العديد من أعماله المسرحية، وهو المعادل الموضوعي لـ"الراوي" في المسرح الغربي، بالضبط من المصطلح أو المفهوم الذي جاء به المسرحي والشاعر الألماني برتولد بريشت، وهو الذي صاغ مصطلح المسرح الملحمي، بعد أن وجد بأن دراما أرسطو لم تعد مواتية للعصر الحديث، لهذا سعى لهذا التجديد، وهو نفس المنطلق الذي انطلق منه علولة الذي لم يكتف بذلك، بل قام بكسر وهدم الجدار الرابع في أعماله، بعد أن رأى بأن المسرح الغربي لا يلائم المسرح الجزائري أو العربي، لهذا طوّعه حسب مرجعية وبيئة المجتمع الجزائري.
القوّال" هو أسلوب فني أو طريقة حكي يقوم بها شخص في الأسواق والتجمعات السكانية، وهو شكل مسرحي مستمد من التراث، وقد وجد علولة بأنه يمكن أن يعكس منهجا أو طريقة مسرحية جديدة، تتماشى مع روح العصر، كما استطاع أن يبتكر ويطوّر مسرح "الحلقة"، وهو شكل من أشكال المسرح التراثي، قريب من وجدان الشعب ويحاكي طريقة تفكيره، لذا التحم معه، وخلق من خلاله جسرًا قويًا، أصبح فيه الجمهور يمر إلى المسارح ويذهب لها بطيب خاطر، وأصبحت الخشبة بالنسبة لهم جزءًا من ثقافتهم اليومية، لأنهم وجدوا فيها أحلامهم وطرق تفكيرهم ومشاكلهم وأيديولوجياتهم المختلفة، بمعنى أن علولة لم يكتف فقط بالشكل الفني للمسرح، بل كانت تحركه أيديولوجيات سياسية، ينتصر فيها للطبقة الكادحة، ويدافع عن فرصها في أن تظهر وتقوى، ويصبح لها وجود حقيقي وفاعل في الوطن.
وفي هذا السياق يرى علولة أن مسرح "الحلقة" مليء بالإثارة والشغف والاكتشاف، ومما قاله عن هذا الموضوع من خلال المحاضرة التي ألقاها في برلين سنة 1987 في المؤتمر العاشر للجمعية الدولية لنقاد المسرح عن تجربته في مسرح "الحلقة": "وفي خضم هذا الحماس، وهذا التوجه العارم نحو الجماهير الكادحة، والفئات الشعبية، أظهر نشاطنا المسرحي ذو النسق الأرسطي محدوديته، فقد كانت للجماهير الجديدة الريفية، أو ذات الجذور الريفية، تصرفات ثقافية خاصة بها تجاه العرض المسرحي، فكان المتفرجون يجلسون على الأرض، ويكونون حلقة حول الترتيب المسرحي (La disposition scénique)، وفي هذه الحالة كان فضاء الأداء يتغير، وحتى الإخراج المسرحي الخاص بالقاعات المغلقة ومتفرجيها الجالسين إزاء الخشبة، كان من الواجب تحويره. كان يجب إعادة النظر في كل العرض المسرحي جملة وتفصيلًا".
النظري والتطبيقي ... خطوات عملية لتكريس المختلف
كرّس عبد القادر علولة كل مسار حياته للعطاء المسرحي، وقد سمحت له الظروف بأن يدخل المجال بشكل مبكر، لشغفه وحبه الكبير لهذا الفن، ولكنه كان يعلم بأن الحب وحده لا يكفي لصناعة الفن وخلقه، لهذا بدأ مساره المضيء من خلال التحصيل المعرفي والقراءة بشغف من مناهل المسرح والفنون، حتى أنه ترك مقاعد دراسته بمنطقة الغزوات التي ولد فيها بولاية تلمسان، وذهب إلى مدينة وهران العريقة، وهذا سنة 1962، حيث شارك في العديد من الأعمال، وقد قدّم وقتها مسرحية "الأسرى" المقتبسة عن قصّة للمؤلّف الروماني بلوت، وكان حينها ينشط ضمن الفرقة الوهرانية، لينطلق بعدها إلى العاصمة، أي بعد سنة واحدة من استقلال الجزائر سنة 1963. لتنطلق مساهمته الفنية في خلق مسرح جزائري فتي، بعيدًا عن قيود الاستعمار الفرنسي ورقابته القاسية، ولقد بدأ هذا المسار مع نخبة من الأسماء المسرحية الجزائرية الثقيلة، من بينهم مصطفى كاتب، وولد عبد الرحمن كاكي، وعبد الحليم رايس، ورويشد وغيرهم كثر، حيث ساهم برفقتهم في تأسيس المسرح الوطني الجزائري، وقد كان وقتها شابًا لا يتجاوز عمره الـ24 سنة (مواليد 8 يوليو/تموز 1939)، وهناك انتقل من الجانب النظري والهاوي، إلى الجانب التطبيقي والميداني.
ومن بين الأعمال التي شكَلت بداياته، مسرحية "أبناء القصبة" مع عبد الحليم رايس ومصطفى كاتب، ومسرحية "حسن طيرو" مع أحمد عياد (رويشد)، لينطلق بعدها في مرحلة أكثر عمقًا وتجربة، وهذا من خلال إخراجه لمسرحية ناضجة فنيًا ومعرفية عنوانها "الغولة"، وقد ألّفها الممثل والمسرحي الكبير رويشد، وتروي المسرحية حسب ما جاء في ملخصها قصة: "المناضل المزيّف المناهض للثّورة الذي يستغل كل الفرص لتحقيق أغراضه على حساب المصلحة العامة، ليعكس هذا المناضل نموذجا من المسيّرين الذين يسيئون التصرف في الأملاك العمومية، فيتحوّل عملهم إلى إجراءات بيروقراطية فوضوية تنعكس بصورة سلبية على مردود المؤسسة"، وهو العمل الذي قدّمه أكثر في المشهد المسرحي الجزائري.
كما شارك في أعمال أخرى وثّقت لمساره بشكل قوي، مثل مسرحيات "السلطان الحائر" (1965) عن نصّ لـ توفيق الحكيم، و"النقود الذهبية" (1967)، و"نومانس (1968)، و"الأعماق السفلى" (1982) عن نص لـ غوركي، كما ألّف وأخرج مسرحيات من بينها: "العلق" (1969) و"الخبزة" (1970) و"حمّام ربّي" (1975) و"حوت ياكل حوت" (1975)، إضافةً إلى ثلاثيته الأبرز "القوال" (1980)، و"الأجواد"، أما بخصوص الأعمال المقتبسة فقد عكستها مسرحيات كل من: "حمق سليم" (1972) عن "يوميات مجنون" لـ غوغول، و"أرلوكان خادم السيدين" (1993) عن نص لـ غولدوني، كما اقتبس سنة 1990 خمس قصص للكاتب التركي عزيز نيسين، وهي: "ليلى مع مجنون" و"السلطان والقربان" و"الوسام".
رصاصات غادرة وأدت الحلم وأجهضت المشروع:
في مثل هذه الأيام من سنة 1994، وبالضبط يوم 10 مارس/ آذار، تلقى رصاصات حاقدة، اخترقت جسده، وسقط أرضًا وهو يئن من الوجع، وفي نفس الوقت يتساءل عن السبب الذي جعله هدفًا للجماعات المسلحة المتطرفة، وهو الذي أفنى عمره في خدمة الثقافة والمسرح والشعب الكادح، ويحارب الظلم والاستبداد، حتى أنه عندما سقط وغرق في دمائه في مدينته الأجمل وهران، كان في طريقه ليقدم محاضرة، لكن الحقد أعمى هؤلاء الظلاميين، وجعلوه هدفًا لفكرهم المتطرف وسياساتهم العرجاء، لينقل بعدها وعلى جناح السرعة إلى مستشفيات باريس، حيث مكث فيها 4 أيام كاملة، لكن القدر كان الغالب، فتوفي يوم 14 مارس/ آذار سنة 1994، وقد ترك خلفه أعمالًا خالدة، ومعارف لا يمكن أن تصدأ مهما طال الزمن.
عن (ضفة ثالثة)