يحتفي الناقد المغربي هنا بحق بهذا الرائد المغربي الذي لم يأخذ من قبل حقه في الدرس والتعريف، ويقدم للقراء تجربته السردية الفريدة، وكيفية ارتباطها بمناخ التصوف الذي ساد في تطوان وقتها، وفي ربوع المغرب من ورائها، وبالرحيل المستمر بين البلدان والنصوص التي بلورت معارفه ورؤاه.

احتفاء برائد السرد المغربي: التهامي الوزاني

عن نشأة الرواية في المغرب

عبدالرحيم العلام

 

قامت المؤسسة العامة القطرية للحي الثقافي (كتارا)، في إطار تنظيمها للدورة العاشرة من "مهرجان كتارا للرواية العربية" لعام 2024، وضمن فعاليات "مهرجان كتارا للرواية العربية"، باختيار الروائي المغربي التهامي الوزاني (1903-1972) شخصية العام، ضمن تقليد سنوي رسخته لجنة الجائزة للاحتفاء في كل دورة بشخصية أدبية. وقد جاء الاحتفاء بالأديب التهامي الوزاني في سياق العام الثقافي 2024 الذي جمع قطر والمغرب، ما أضفى على هذا الاختيار طابعًا احتفاليًا واحتفائيًا خاصًا بالدوحة. من هنا، أهمية هذه المبادرة التي اتخذتها المؤسسة العامة القطرية للحي الثقافي، من حيث اختيارها اللافت للأديب المغربي الراحل التهامي الوزاني، وليحظى بشرف تكريمه والاحتفاء به في الدوحة. من هنا، الأهمية القصوى لهذا التكريم والاحتفاء النوعي بهذه الشخصية المغربية العصامية.

من هنا، فالاحتفاء بالتهامي الوزاني، وقد مر على رحيله أزيد من نصف قرن، هو احتفاء بالوضع الاعتباري لشخصية مغربية وطنية، ساهمت بشكل كبير في نهضة المغرب، فكريًا وأدبيًا ودينيًا وسياسيًا وإعلاميًا وتربويًا. فضلًا عن كونه يشكل في العمق احتفاء بالنبوغ المغربي، في إحدى مراحل تشكله وتكونه التاريخي والاعتباري، وعلامة من علامات ترسيخ ثقافة الاعتراف والوفاء، كما تنثرها كل سنة المؤسسة الإعلامية لكتارا في مجتمعنا الثقافي العربي. وبما أن المناسبة هي الاحتفاء بالأديب والمؤرخ والسياسي والمتصوف والصحافي والمربي التهامي الوزاني، فهي أيضًا مناسبة لاستعادة أحد نصوصه الأدبية المؤسسة. إنه نص "الزاوية"، في ريادته وتكونه وكتابته وتلقيه، على اعتبار أن هذا النص الأدبي المؤسس لم يحقق امتداده المرتجى على مستوى انتشاره وتلقيه في الأوساط الأدبية العربية.

لقد طُرِح في المشهد الروائي المغربي، على غرار بعض المشاهد الروائية في أقطار عربية أخرى، سؤال "البداية" و"النشأة"، فتعددت المقاربات، تبعًا لتعدد النصوص الصادرة وقتئذٍ؛ وهو سؤال وإن كان غير ذي قيمة جوهرية نظرًا لنسبيته، تبقى له، مع ذلك، بعض وجاهته على مستوى تاريخ الأدب، بما أنه سؤال قد شغل مؤرخي الأدب والنقاد والمهتمين بسؤال النص الروائي الأول. وكلنا يتذكر، على سبيل المثال، ما أثاره سؤال نشأة الرواية في الأدب العربي الحديث من آراء وتعدد في المقاربات وزوايا النظر، ليستقر الرأي، في النهاية، ولو نسبيًا، على رواية "زينب" للكاتب المصري محمد حسين هيكل (صدرت عام 1914)، وذلك باعتبارها تشكل باكورة الرواية المصرية والعربية عمومًا، رغم ظهور اجتهادات وآراء لاحقة، تقول بريادة نصوص روائية عربية أخرى، صدرت في فترات زمنية سابقة على ظهور رواية "زينب". ورغم كل ذلك السجال، فقد ظلت رواية "زينب" تحتفظ، إلى اليوم، بسبقها التأسيسي وريادتها.

وبما أن "الرواية" حديثة النشأة في الأدب المغربي، مقارنة بزمن ظهورها في مشاهد روائية عربية أخرى سباقة (في مصر ولبنان والعراق وسورية، مثلًا)، فالمشهد الروائي المغربي نفسُه، كغيره من المشاهد الروائية العربية الأخرى، لم يكن بمنأى عن مطارحة سؤال البداية، فتعددت آراء النقاد، بين من ينتصر لسيرة عبد المجيد بنجلون الذاتية، بعنوان "في الطفولة" (صدرت عام 1957)، فيما رأى آخرون أن رواية "دفنا الماضي" لعبد الكريم غلاب (صدرت عام 1966)، هي التي تشكل باكورة الرواية المغربية، وهناك توجه آخر يرى أن نص "الغربة" لعبد الله العروي (صدر عام 1971)، هو الأكمل نضجًا وفنية من غيره من النصوص الروائية السابقة، في حين رأى نقاد آخرون، بعد ذلك، أن نص "الزاوية" الذي صدر عام 1942، قبل تلك النصوص المذكورة جميعها، هو الذي يشكل البداية التأسيسية للرواية المغربية، بعد أن عرف به القاص المغربي الراحل عبد الجبار السحيمي، في 28 تشرين الثاني/ نوفمبر 1969.

وجدير بالذكر، أن نص "الزاوية" قد تزايد الاهتمام به بعد صدوره بفترة زمنية مهمة، حيث تمت الإضافة إلى حجمه الأول الذي نشر به في البداية، وذلك بإضافة صفحات جديدة لم تكن واردة في الطبعة الأولى الناقصة، ويعود الفضل في ذلك للناقد المغربي إبراهيم الخطيب في الوصول إلى ما مجموعه 24 صفحة من الجزء الثاني من "الزاوية"، ظلت مجهولة؛ إذ لم تنشر تلك الصفحات الناقصة إلا بعد مرور نصف قرن على صدور الجزء الأول من "الزاوية". وهو الاستدراك نفسه الذي قام به إبراهيم الخطيب، بخصوص كتاب آخر للتهامي الوزاني، هو "الرحلة الخاطفة: مشاهدات ولقاءات في القاهرة سنة 1957" (2014)، قام الخطيب بتحقيقه والإضافة إلى طبعته الأولى الناقصة (1958)، حيث إن ما وصل إلى يده من المخطوط كان ينقص منه 79 ورقة (ما يعادل 158 صفحة)، وهو ما دفع بالخطيب إلى إعادة "تركيب النص بنيويًا، نظرًا لوضعية المخطوط الذي كان مبتورًا في الأصل".

وإذا كانت آراء النقاد المغاربة قد تفاوتت على مستوى تحديد النص الروائي الأول، وإن استقرت بعض الآراء اليوم على نص "الزاوية"، فقد تفاوت هؤلاء، أيضًا، على مستوى طبيعة تلقيهم وقراءتهم لنص "الزاوية"، خصوصًا وأنه قد صدر غُفلًا من أي تحديد أجناسي له، أخذًا بعين الاعتبار زمن صدوره المبكر عام 1942، أي في وقت كان ينعدم فيه قيام أي وعي نظري ونقدي عند التهامي الوزاني بخصائص الجنس الأدبي الذي كتب فيه نصه، ألا وهو السيرة الذاتية بمفهومها الحديث، فظهر من بين النقاد المغاربة من صنف نص "الزاوية" كـ "سيرة ذاتية" وكـ "رواية" (إدريس الناقوري)، ومن حدده كـ "إنتاج شبه روائي" و"سيرة ذاتية" (أحمد اليبوري)، ومن اعتبره "سيرة ذاتية" لصاحبها (عبد القادر الشاوي وعبد الحميد عقار وعبد الرحيم مودن)، فيما صنفه المستعرب الفرنسي جاك بيرك كشهادة داخلية ثمينة على تحولات تربوية وسلوكية عرفتها بنية التقاليد في المغرب في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

موازاة مع هذه الآراء جميعها، اعتبر نقاد آخرون نص "الزاوية" "كتاب تاريخ"، حيث إنه إلى جانب هيمنة المكون الذاتي فيه، يهيمن كذلك المكون التاريخي، على مستوى مجموعة من الوقائع والأحداث التاريخية التي يسوقها التهامي الوزاني في سيرته الذاتية، والتي تهم بالأساس تاريخ مدينة تطوان السياسي وتاريخ الأشراف الحراقيين بتطوان وجوانب من تاريخ المغرب، منذ أواخر القرن الثامن عشر إلى فرض معاهدة الحماية، وغيرها من الأحداث والوقائع التاريخية، المحلية والعربية والدولية، كما تستعيدها "الزاوية" وترويها في أبعادها الشفوية تحديدًا. وهو ما يدفعنا، بدورنا، إلى أن نغامر بالقول إن نشأة الرواية في المغرب (ما بين 1942 و1965)، قد ارتبطت في بدايتها عمومًا بالسيرة الذاتية تحديدًا، من خلال مجموعة من نصوصها الأولى الصادرة: "الزاوية" للوزاني، و"في الطفولة" لبنجلون، و"إنها الحياة" لإسماعيل البوعناني، و"سبعة أبواب" لعبد الكريم غلاب.

وبالنسبة للتهامي الوزاني، يبدو أنه قد كتب "الزاوية" وفق منطق الكتابة عن الذات الذي كان سائدًا قبل عصره، لدى بعض الفلاسفة والمؤرخين والعلماء الغربيين والعرب القدامى، ممن كتبوا عن تجاربهم الذاتية، كجان جاك روسو وأبي حامد الغزالي والحارث المحاسبي وغيرهم، مع الإشارة إلى المساهمة الكبيرة التي للتصوف في ترسيخ ثقافة كتابة التهامي الوزاني عن الذات، وتوسيع مجالها ووظائفها، خصوصًا وأن التصوف غدا عنصرًا هامًا من عناصر التلقين والتربية، ونقل العبر والتجارب إلى المريدين. ففضلًا عن عصامية الوزاني، نجد أن ارتباطه الخاص بالتصوف ليس ارتباطًا محدودًا ومنغلقًا، ولا ينفي عن الوزاني تنوع تكوينه وتعدد معارفه، التي تتوزعها مجالات مختلفة.

فجاءت كتاباته متنوعة، في التاريخ والسياسة والدين والتصوف، إلى جانب كتاباته الأدبية (سيرة ذاتية، رواية، رحلة)، وهو ما يؤشر إلى أن الكتابة الأدبية كان لها، هي أيضًا، حضورها في حياة التهامي الوزاني، وهيمنتها على تفكيره، منذ أن كان طفلًا يطلب العلم والمعرفة في "المسيد" (الكُتاب)، ما يشي بأن الوزاني قد كتب "الزاوية" من منطلق وعي مرجعي وجمالي بالظاهرة الأدبية بشكل عام، بما في ذلك قراءته، كما ورد في "الزاوية"، لـ "المقامات" وشغفه بـ"القصص والحكايات" و"ألف ليلة وليلة"، وغيرهما. ودرجة حب التهامي الوزاني للأدب جعلته ينشئ مكتبة خاصة، وعنها يقول في سيرته "الزاوية": "وكانت مكتبتي الصغيرة. لا تشتمل، بعد الكتب المدرسية، إلا على كتب الأدب"، بمثل إقباله، في وقت لاحق، على ارتياد قاعات السينما وممارسة الترجمة الأدبية.

فالوزاني هو من قام، في زمن متقدم، بترجمة واحدة من أشهر الروايات العالمية المؤسسة، ولربما أجزاء منها فقط، إلى اللغة العربية، هي رواية "دون كيخوتي" للأديب الإسباني ميغيل دي ثيربانتيس، رغم أنها ترجمة ظلت مخطوطة ولم تجد طريقها إلى النشر، ما يعني أن انشغال التهامي الوزاني بالدين والتصوف لم يشغله عن ممارسة اهتمامات أدبية أخرى، حيث تلت "الزاوية" نصوص أدبية ورحلية، من قبيل: "فوق الصهوات" (1943)، و"سليل الثقلين" (1950)، و"الباقة النظرة" (1952)، و"الرحلة الخاطفة  (1958). لقد جاءت كتابة التهامي الوزاني لـ "الزاوية"، في وقت كان فيه "الإنتاج الأدبي في المغرب، ما بين الثلاثينيات والأربعينيات (...) يعتبر بشكل من الأشكال محاولة للخروج عن شكل (المقال) الذي كانت له الهيمنة في الحقل الأدبي."، على حد تعبير أحمد اليبوري، حيث إن الأساليب والتقنيات المستعملة في "الزاوية"، ترهص بدورها بتحول أضحى قائمًا في الكتابة الأدبية خلال الأربعينيات، حسب عبد الحميد عقار، وهو ما يعني أن كتابة الوزاني لسيرته الذاتية، في تلك الفترة (بداية الأربعينيات)، يبقى مرتبطًا بتشكل وعي جديد بنمط مغاير من الكتابة الأدبية، مجسدًا في الكتابة عن الذات تحديدًا.

وهو الوعي نفسه، الذي عبر عنه التهامي الوزاني في الصفحة الأولى من "الزاوية"، في قوله: "وإذا كنت في هذه الورقات أريد أن أتحدث عن صفحة من أجمل صفحات حياتي، تلك هي حياة الرهبانية والانقطاع للعبادة والتفرغ لما يطهر النفس ويهذبها، فلا بد من ربط هذه الفترة الزمانية بعصر سبقها كنت فيه صوفيًا بطريقة الوراثة والنشأة" (ص 13)، هكذا، تضعنا هذه الفقرة، نحن القراء المتعاقبين لـ"الزاوية"، في صلب ما يشبه تحقق "ميثاق سير ذاتي" مباشر، بتعبير فيليب لوجون، يؤطر المحكي الذاتي لهذا النص، وإن جاء خلوًا من أي تحديد لهويته السردية، وهو الميثاق السير ذاتي الذي يؤطره كذلك استعمال السارد بشكل كلي لضمير المتكلم في حكيه في "الزاوية"، وهو يصوغ "الملفوظات المشكلة لصورة الذات وتجربتها في الوجود والكينونة"، بتعبير عبد القادر الشاوي.

وفي خضم هذا الزخم الإشكالي، الحكائي والمفاهيمي والمعرفي، الذي تتطارحه سيرة التهامي الوزاني الذاتية، يبدو أن نص "الزاوية" قد تزايد الاعتراف به، وبهويته السردية/ السير ذاتية، في الفترات الأخيرة، أخذًا بعين الاعتبار، هنا، كونه النص السردي الوحيد الذي صدر في تلك السنة- 1942؛ إذ لم يعرف الإنتاج الروائي والسير ذاتي المغربي نوعًا من الانتظام في النشر إلا في نهاية الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، فيما تزايدت حركة نشر الرواية والسيرة الذاتية في الثمانينيات، وتقوت مع العقد التسعيني وتواصل تصاعدها بعد ذلك إلى اليوم.

وما يزكي هذا الوعي السردي بهوية بعض النصوص السردية القليلة التي كتبها التهامي الوزاني، في سياق زمني متقارب، كونه قد نشر بعد "الزاوية" نصه السردي الثاني، عام 1949، بعنوان "سليل الثقلين"، اعتبره "قصة" بالمفهوم السردي والتخييلي الشائع وقتئذٍ، وهو النص نفسه الذي تفاعل معه النقاد المغاربة، في وقت لاحق، فاعتبروه "رواية"، عدا أن الإعلان الذي نشرته جريدة "الريف" بتاريخ 1 أيار/ مايو 1950 عن صدور "سليل الثقلين"، قد وصف النص كرواية، حسب إبراهيم الخطيب، وذلك باعتباره نصًا يشي محكيه العام بمدى ما يتمتع به كاتبه، في تلك المرحلة المتقدمة (أربعينيات القرن الماضي)، من ملكة تخييلية خصبة.

وهو في اعتقادي ما يدفع بنا إلى القول بأن صورة الفقيه المتصوف ورجل الدين التي عرف بها التهامي الوزاني، لم تحل بينه وبين إطلاق العنان لخياله وتشكيل رؤيته الميثولوجية والخرافية والصوفية للعالم، كما تمثلته رواية "سليل الثقلين"، في مقابل هيمنة الروح الدينية والصوفية فيها. هكذا، إذًا، تكمن أهمية نص "الزاوية"، من حيث إنها سيرة ذاتية لكاتبها، في كونها أتت مفتوحة أيضًا على سيرة المجتمع المغربي، بمعنى أنها سيرة ذاتية تضعنا، منذ البداية، شأنها في ذلك شأن عديد من السير الذاتية، في صلب مرحلتين أساسيتين في حياة الكاتب/ السارد، هما مرحلتا الطفولة والشباب، أيام سنوات العشرين من عمر الكاتب، من منطلق استرجاعه لذكريات سابقة، ذاتية وموضوعية، وهو في سن الأربعين، في زمن الكتابة، كما في قوله: "وها أنا اليوم وقد وقفت على الأربعين أستعيد الذكريات كما كانت حتى كأنني أعيش في ذلك الوقت، وكأن هذه المرحلة من الحياة كانت مسجلة عندي". وفي هذا المستوى يحكي الكاتب/ السارد عن تعلمه القراءة والكتابة، والدور الكبير والمؤثر للجدة في شخصيته، ومسألة التراتب العائلي، في استنادها إلى معيار الفضيلة والعبادة والعفة ومدى الاقتداء بالسنة النبوية.

كما يحكي عن تجربته في طلب التصوّف ودخوله في الطريقة الدرقاوية، وحكيه عن أصدقائه وأسرته وأساتذته، وعن تلك الأسر التي توارثت الصلاح والعلم والتصوف في مجتمعه بمدينة تطوان، وذلك وفق تسلسل كرونولوجي متقن، مقدمًا بذلك صورة دقيقة وصريحة وصادقة عن حياته ومجتمعه الذي كان يعيش فيه. فيما يحكي الكاتب/ السارد في "الزاوية"، وفي مستوى آخر، عن تاريخ الأشراف الحراقيين، حيث تخترق "الزاوية"، حسب عبد الحميد عقار، مجموعة أخرى من السير والوقائع والروايات والتفاصيل، ذات الصلة بالحراقيين، في محيطهم الاجتماعي وظروفهم السياسية والسلوكية ووسطهم الأسري والطرقي، يتوخى الكاتب/ السارد من وراء استضافتها في سيرته، إضفاء نوع من الموضوعية على سيرته والحد من هيمنة "الأنا" فيها، وتلك مرحلة كان الكاتب/ السارد قد أدرك فيها انتقاله من باب الحيرة إلى راحة الاستسلام والرهبانية والانقطاع والعبادة.

عدا هذا، تضعنا "الزاوية" في صلب مجتمع مدينة تطوان، على مدى فترات تاريخية معينة، من قبيل رصدها لبعض الوقائع والأحداث التاريخية التي تركت أثرها في الكاتب/ السارد وفي مجتمعه التطواني، كانهيار الأندلس، واحتلال الجزائر، وحرب تطوان سنة 1860، واحتلال تطوان سنة 1913، وما خلفه الاحتلال الإسباني للمدينة من آثار نفسية واجتماعية، وصراع البلدان المشرقية مع المستعمر الإنكليزي والفرنسي، وما كان لذلك من تأثير على الناس، بمثل تعرضه لسلسلة الهجرات في اتجاه مدينة تطوان، ومنها إلى القبائل المجاورة وإلى فاس وطنجة والمشرق، وهو ما خلق حركية ومجالًا للاختلاط داخل المجتمع التطواني، على مستوى الأعراف والتقاليد.

وفي هذا المستوى، يعتبر التهامي الوزاني من أوائل الكتاب المغاربة الذين استوحوا مدينة تطوان سرديًا، إلى جانب مجموعة من الكتاب الإسبان السباقين إلى استعادة هذه المدينة في رواياتهم، نذكر من بينهم: بينيتو بيريز غالدوس، في روايته "عيطة تطوان"، 1904، ورامون سیندر في روايته "إيمان"، 1930، وغيرهما من الكتاب الإسبان، وذلك قبل أن يظهر كتاب مغاربة آخرون، رغم قلتهم، تمثلوا مدينة تطوان روائيًا، أذكر من بينهم القاص والروائي الراحل محمد أنقار في مرحلة زمنية متأخرة نسبيًا، وخصوصًا في روايتيه "المصري" و"باريو مالقة".

 

عن (ضفة ثالثة)