مرَّ اليوم العالمي للقصة القصيرة عابراً، كما حاله في الرابع عشر من شباط/ فبراير كل عام. توقف عنده قليلون، وتساءل كثيرون حتماً عن مغزى ذلك الاحتفاء السنوي الخجول. سيعاد السؤال ثانية عن نوع القصة القصيرة التي تكاد أن تُنسى تماماً، في دلالات وأمثلة كثيرة. كان آخرها وبمصادفة غريبة قد ظهر في يومها العالمي، وكأنها شماتة نوعية فذة. فجائزة عربية كبرى جديدة تعلن قائمتها القصيرة من الروايات بأنواعها وتفريعاتها الغريبة حتى، ولكن لا شيء للقصة القصيرة. وهذا تأكيد آخر لتجاهل التحفيز الذي ربما يخلق اهتماماً تفتقده القصة القصيرة، وتنفرد به الرواية في مسميات عربية وغربية كثيرة، بل في جوائز كبرى كنوبل الآداب التي قلّ أن يحظى بها كاتب قصة موصوف بتخصصه فيها.
الاستثناء المبهج جاء مرة واحدة قريبة في السنوات الأخيرة وسط سيل الروائيين والروائيات، والشعراء والشاعرات أحياناً، هو فوز الكندية أليس مونرو بنوبل الآداب 2013 عن مجمل أعمالها القصصية التي رهنت حياتها لها، حتى وهي في عقد عمرها التاسع. وكانت التعليقات المصاحبة لفوزها تشير مجدداً إلى ما تعاني القصة القصيرة من تهميش، وتسلط الرواية – الأخت الكبرى المدللة في عائلة السرد تداولاً وجوائز ونقداً وبحثاً. ولتقليب وجوه الأزمة نستذكر ما بدأه نجيب محفوظ من حجاج حول التنافس الأجناسي بين الشعر والرواية. وقوله «إن الرواية أصبحت شعر الدنيا الحديثة، وديوان العرب المحدثين»، وليس الشعر الذي كان يحفظ أيامهم ووقائعها وتفاصيلها، كما في مأثور الذاكرة العربية. وسوف يتلقف من بعد الناقد الراحل جابر عصفور تلك الفكرة من نجيب محفوظ، ليعلن أن الزمن هو زمن الرواية، مبرراً ذلك بعدّة مبررات اجتماعية وتداولية وفنية. ومنها تمثيله للشعر بالبرق الذي ينتمي للحظة آنيّةٍ ذات عمق رأسي، بينما يضع للرواية صورة النهر، لأنها ذات امتداد أفقي بحكم تعاقبها الحدثي، فاقترنت بالتحولات التي وضعها النقاد وصفاً للرواية. ويزيد جابر عصفور من تعميم الزمن الروائي الطارد للشعر عن عرشه، بأن يجعل القصة القصيرة أيضاً آيلة للزوال بحكم تزامنيتها، وكونها كالشعر (ابنة اللحظات الآنية) ملمحّاً إلى الزخة الشعورية التي يقرّبها من وميض البرق وغيابه السريع.
لم يضع نجيب محفوظ القصة القصيرة في كفة الميزان التنافسي مع الرواية، واستبعاده القصة القصيرة رغم أنه من كتابها المؤثرين، ذو دلالة على تغير المزاج الجمالي في التلقي النوعي أساساً. فقد ذهب في موازنته إلى الشعر، فانسحقت الأخت الصغرى – بقياس الطول لا العمر. وإلا فإن القصة القصيرة أسٌّ واضح وراسخ في السرد الحكائي، ولذا تقترن بالبدائية والعفوية وحكايات الشعوب وفولكلورها، قبل أن تطول مدة الحكي وتتناسل القصص الطويلة. ويدل ذلك على الأصل الجيني للسرد في المصطلح المضطرب بين القصة والرواية والحكاية دون تمييز واضح في المأثور الحكائي ونقده وتحليله، قبل نضج الدراسات السردية والقصصية الحديثة. وسرعان ما تم اقتراض النوع الحكائي من منبته في تربة الغرب التي جلبت أنواعاً وأنماطاً قصصية، تداولها الكتاب العرب وقراؤهم، ليتكرَّس نوع ذو مواصفات فنية وجمالية واضحة هو فن القصة القصيرة.
لن يدوم استقلال القصة القصيرة أو يستقر طويلاً. جرت لها عمليات جراحية غريبة، طالت حتى مدّها الكتّاب إلى رواية قصيرة، اكتسبت اسمها المنحدر من الإيطالية: نوفيلاً. كتابة وسطى بين القصة والرواية، تراجعت القصة القصيرة في تاريخ الأنواع مرتبة أخرى، وتقدمت عليها الروايات القصيرة. تعتمد دار نشر ملفل في نيويورك سلسلة من الإصدارات الخاصة بالرواية القصيرة تحديدا، وتضع لها شعارا يلخص مهمتها في تطوير النوفيلا التي تصفها بأنها «قصيرة جدا عن أن تكون رواية، وطويلة جدا لتكون قصة قصيرة». وسنكتشف بقراءة إصداراتها أسماء روائيين عالميين كتبوا الرواية القصيرة؛ مثل جيمس جويس وهنري جيمس وهرمان ملفل وتشيخوف وتولستوي وتورجنيف وجوزيف كونراد وفيتزجيرالد ومارسيل بروست، وروايات شهيرة مثل «الشيخ والبحر» لهمنغواي و«مزرعة الحيوان» لأورويل و«المسخ» لكافكا و«الغريب» لكامو، وبعض روايات ماركيز مثل «ذاكرة غانياتي الحزينات» و«حكاية موت معلن» وسواها.
ولا تتوقف توسيعات مساحة القصة القصيرة وشعريتها بتمددها العلوي باتجاه الرواية عبر النوفيلا. فها هي تتعرض لمقص خياط بارع يغريه وصف القصة القصيرة القصيرة بالكثافة والتركيز، والتمحور حول حدث واحد، فيأخذ منها القِصر لتغدو (قصة قصيرة جدا) أو (أقصوصة) بالمصطلح المعرَّب الذي لم يكتب له الشيوع. الأقصوصة والرواية القصيرة حاصرتا القصة القصيرة الأم، فانحشرت شأن أخت وسطى ليس لها سلطة الكبرى -الرواية – ولا دلال الصغرى (القصيرة جداً) وإغراء رشاقتها وشدة تكثيفها وقرْبها من الومضة الشعرية.
عربياً كان القصاصون الراسخون يتنقلون بأريحية بين الرواية القصيرة والقصة القصيرة. يشتهر كل منهم بكتابة القصة، لينتقل لكتابة أكبر، ولكن بدون طول مفرط أو بالأجزاء المتعددة. هكذا انتقل يوسف إدريس وغسان كنفاني والطيب صالح وعبد الملك نوري وإميل حبيبي وزيد دماج وزكريا تامر واسماعيل فهد اسماعيل والطاهر وطار وسهيل إدريس ومحمد شكري كأمثلة ترد في الذاكرة، إلى منعطف الرواية القصيرة، تزامناً مع تبدلات الحياة العربية، وضجيج إيقاع أحداثها، وحدَّة وقائعها، ما جعل القصة القصيرة أقل ملاءمة جمالياً لتلك الملاحم الكارثية التي مرت بالحياة العربية وماتزال كما يبدو، في مسلسلها الجحيمي. حروب وخسارات واحتلال وأنظمة حكمٍ مستبدة، واستقواء عالمي يترمز في خيبات العرب الكبرى في فلسطين، ومتوالية الهزائم. فتنتعش الرواية وسرديتها المطعَّمة بالتفاصيل التي تقترب من تلك الوقائع، ولا تمر بها انفعالاً كما الشعر. وتصاب القصة القصيرة بتراجع في التراتب النوعي وقائمة الأولويات، فتتسيَّد الرواية حدّ الدعوة جهاراً واستمداداً من نقاش محفوظ وعصفور للقول بأن الزمن هو زمن الرواية.
تستخدم القصة آلياتٍ دفاعية مهمة، وتكرّس كثافتها وتنوّعها، ولكن التهميش التداولي والنشر المنصرف للرواية، وحمى الجوائز، والدراسات والترجمات، ستمنح الأخت الكبرى سلطة مضاعفة. سيتطلب ذلك الإقصاء النوعي للقصة دفاعاً نظرياً من القصاصين أنفسهم، فهم أهل بيت القصة، البيت الذي تخيّله حكّاء بارع كمحمد خضير، أوقف جهده لكتابة القصة القصيرة والتنظير لجمالياتها وتطورها الصياغي ومرجعياتها وصلتها بالأنواع الأخرى، غالقاً سمعه عن نداءات سيرينيات الرواية اللواتي اجتذبن لساحلهن حتى الشعراء، حين عجزن عن جذب يوليسيس إلى جزيرتهن، وهو في طريق العودة لإيثاكا. بيت محمد خضير القصصي الذي اقترحه في محاضرة، ثم طوّره في دراسة ضمن كتابه «الحكاية الجديدة»، يكشف عن مرجعيته لدى هنري جيمس في توطئة لقصته «صورة سيدة»: بيت القصص عند جيمس بمليون نافذة ممكنة. أو عدد لا يحصى من النوافذ الممكنة يراقب منها الأشخاص انطباعاتهم بمناظيرهم المكبرة. وهنا تختلف الرؤى باختلاف أمكنة النوافذ في هذا البيت. سيتطور البيت القصصي إلى قصر باقتراح محمد خضير، ينحدر من ألف ليلة وليلة، بلا أبواب لا يرى الواقف خارجه ما في الداخل. والداخل فيه يرى ما في الخارج من ملايين النوافذ. مكان شفيف كما يصفه محمد خضير، ظلّ يشاركه في رؤياه المرئية كما يقول. لن يخرج إذاً من ذلك البيت. فالقصة هي «أصلح الأنواع لتركيز الرؤيا. بكلمات قليلة. هي لحظة رؤيوية قصيرة قِصر الحياة الزائلة».
وتصل تمثيلاته الحميمة حدّ وصف الرواية بالبحر الصاخب. بل هي باقتراح تمثيلي معدَّل أشبه بسفينة الصيد الكبرى، ويمثل القصة بالنهر. إنها جدول هادئ تشبه قفص صيادي الأسماك الجنوبيين في الجداول الصغيرة. وأحسب أن رؤياه تستبطن أعماق ذلك الجدول لاستخراج تلك الكِسَر المهرَّبة من أحلام واستيهامات خيالية بارعة في التمثل وإعادة التمثيل. عشقٌ للقصة جعله يقترح الانتقال في خاتمة الكتاب من (جو) القصة الذي كانت مهمة السرد التقليدي تتبناه لدمج القارئ، إلى (فضاء) قصصي مستقل بقوانينه. وبواسطة الجرأة في الأسلوب والتجريب وتغذية الواقع بطاقةِ الخيال الحر.
من موقع آخر يقدم الراحل عبد الستار ناصر مقترحاً يجعل القصة مرادفاً لحياة كاتبها، معترفا بجميل كتابة القصة القصيرة في الحفاظ على حياته. فيسمي أحد كتبه «حياتي في قصصي»، وفي كتاب لاحق، سيجمع بين النص القصصي والسيرة الذاتية هو «الحكواتي»، ويكرّسه للبوح (بعشقِه) للقصة القصيرة، فيقول في المقدمة: «لا أعرف اليوم كيف يمكن أن تستمر حياتي بدونها»، فبدونها «حياتي ما كانت تعني أي شيء»، وأنها «أنقذتني من البلاهة والموت والفزع والجنون». منافحون حماة، يتبعهم غواة قراءة جدد، يلتفّون حول كثافة القصة القصيرة وتمركزها في بنية قصيرة جاذبة، تقف ثابتة رغم ما يعلوها أو تعلوه من أجناس وأنواع متصارعة من أجل البقاء.
عن (القدس العربي)