نتفليكس شيطان يترقبني. اعتدت ختام يومي بمشاهدة فيلم، وختام اليوم لا ينتهي مع انتصاف الليل وبدء اليوم التالي، وإنما مع الساعات الأولى من اليوم الجديد حتى مطلع الفجر. يخضع الاختيار للحالة المزاجية وبقايا طاقة قد لا تساعد على هضم عمل كبير ولا استعادة فيلم مهم يجب ألا يُشاهَد في هامش الوقت. أريد فيلمًا خفيفًا يخرجني من جديّة تتلف الأعصاب فأتوقف أمام عنوان وأترك نفسي للمصادفة لعلها تبلغني المرام، فأنا حاطب ليل.
وفي ثمانية أيام حسومًا أمدتني الشبكة بأفلام إسبانية، ولولا معرفتي بأفلام شاهدتها مرات لظننت أن الشبكة تأسبنت، وأن شيطانًا يوسوس للواقف على شاطئ النهر برمي شباكه فيضع فيها سمكة إسبانية.
الأفلام لا تأتي فرادى والأسبنة أيضًا. ولا أعرف سرّ استعادتي «طوق الحمامة» لابن حزم في طبعة أقرؤها للمرة الأولى بمقدمة بلغت تسعين صفحة لمحقق الكتاب الدكتور الطاهر أحمد مكي. وأحالتني قراءة هذه الطبعة إلى كتابه «دراسات عن ابن حزم وكتابه طوق الحمامة» وقد ضمّنه ترجمة لدراسات مستعربين عن ابن حزم والحضارة العربية في الأندلس. ثم ذهبت إلى كتاب الدكتورة سيزا قاسم عن «طوق الحمامة» وكنت شاهدًا على انشغالها بمراحل تأليفه وحماستها لابن حزم ومذهبه الظاهري منقذًا من ضلالات السلفنة والعسكر. واستند كتابها البالغ 450 صفحة إلى دراستها للماجستير عام 1971.
بدأتُ بفيلم "The Warning" لدانيال كالبارسورو. لعبٌ بالأزمنة على خلفية جريمة قتل تتكرر عناصرها... مكانها وعدد ضحاياها قدرٌ قاهر، لعنة عابرة للأجيال. وفي الليلة التالية أخذتني المصادفة إلى فيلم "Crazy About Her" إخراج داني دي لا أوردين. في أجواء رومانسية كوميدية تُستبدل بالتنمر والدماء أمراض نفسية لا يرجو أصحابها العلاج. يغضب اختصاصيو الطب النفسي من ذكر كلمة الجنون. وفي الفيلم تقول مسؤولة مستشفى الأمراض العقلية إن مهمتهم أن يساعدوا المرضى على تقبل أنفسهم وليس التظاهر بالشفاء إرضاءً للآخرين. المرضى متصالحون مع أنفسهم ويقتنصون لذات صغيرة يساعد بعضهم بعضًا على الفوز بها، ولا يكتمون شعورًا بالقهر ولا يسعون إلى تدمير الآخرين.
التدمير الإجرامي سيقوم به بطل فيلم الليلة الثالثة "The Paramedic" لكارليس توراس. لولا الحادث الذي شلّ ساقيْ المسعف أنخيل (بالممثل ماريو كاساس) لظلت أمراضه خفية ومحتملة، لا طموح كبيرًا لديه ويكتم غيرة مرَضية على شريكته «فاني» (بالممثلة ديبورا فرانسوا) كما يغار أيضًا من طموحها ولا يتورع عن سرقة حليّ عجوز أرادوا إسعافها فعاجلها الموت. أولى الصدمات النفسية قبل الحادث حين يعلم نتيجة تحليل طبي يؤكد ضعف حيواناته المنوية لن يصير أبًا. والشلل يفجر الغضب المكبوت ويتلصص على شريكته فتهجره ويدفعه الاكتئاب وحب التملك وإنكار حقها في الفراق إلى الاحتيال عليها مستغلًا خبراته الطبية ويتمكن من تخديرها حتى تصاب مثله بالشلل.
أنخيل يقتل كلب جاره ثم يقتل الجار الذي سمع استغاثة وهدد بإبلاغ الشرطة. والعاجز العقيم يرفض الهزيمة ولا يتنازل عن حلم الأبوة فيجهز سريرًا وغرفة لطفل ستنجبه صديقته «فاني» على الرغم من علمه بأنه ليس ابنه. ولا يطلعنا الفيلم على المحيط الأسري لأنخيل ولا لفاني، نجهل ماضيهما كأنهما بلا جذور، ولكن أنخيل ليس ضحية لأحد وانتقامه لا يفرق بين حيوان وإنسان. هل يدلّ على سموم نفسية وراثية كامنة انتقلت إليه جينيًا وواتتها الفرصة للانتشار السرطاني القاتل؟ أراحتني قدرة الضحية على المقاومة للحظة الأخيرة، لم تستسلم فاني شأن الضحايا التاريخيين، ابتكرت فنونًا للبقاء. استرحتُ وأملتُ أن ترحمني الشبكة من أفلام إسبانية تؤرقني.
فاجأتني الليلة الرابعة بفيلم "Under Her Control" (بالإسباني: الرئيسة La jefa) إخراج فران تورّيس. هنا نعومة تليق بامرأة ثرية وناجحة اسمها بياتريس (بالممثلة الإيطالية أيتانا سانشيز جيخون). تحتفظ ببقايا جمال بمالها تشتري ما تشتهي، لا فرق بين شاب تلتقطه من فضاء التواصل الاجتماعي وشابة أرجنتينية تحتال لتنال وظيفة في شركة بياتريس. لكل نفس بشرية ثمن والأثمان في استطاعة سيدة لا ينقصها إلا ما تعجز عنه بحكم السن، فاتتها القدرة على الإنجاب وتريد طفلًا، تريد جنينًا تحمله الشابة صوفيا (بالممثلة الأرجنتينية كومولين سانز) المتدينة الانتهازية. ويتعاقدان على التنازل عن الطفل في مقابل ثروة ومزايا أخرى وتحتجزها طوال شهور الحمل في بيت بعيد عن العمران.
من المكتب تواصل بياتريس مراقبة صوفيا، ترصد حركاتها وتأمرها بتنفيذ تعليمات الطبيبة وأداء تمارين رياضية محددة للحفاظ على صحة الجنين، تستعبدها تمامًا باللين أحيانًا، فإذا تراخت عن إكمال عدد جولات السباحة لشعورها بالإجهاد انفجرت بياتريس غاضبة ودفعتها بقدمها إلى عمق المسبح كما يُدفع حيوان إلى ساحة السباق، فتحاول الهرب ويتأكد لها أن السيدة ستفوز بالجنين ثم تنتقم منها فتسارع إلى الانتقام بضرب السيدة وسرقة ما تجده من أموال، وفي الشجار تقتلها. وتغادر صوفيا سجن المنزل ملوثة بالدم والسرقة. وينتهي الفيلم ولا تنتهي أسئلة عن التشوّه الأخلاقي مع مراعاة تفادي التعميم أو الحكم على مجتمع في ضوء فيلم أو عدة أفلام.
أي شيطان نتفليكسي يقترح عليّ هذه الأفلام؟ أعمال لفنانين من أجيال مختلفة تطرح قضايا تشير إلى خلل نفسي يمكن إرجاع أسبابه إلى فترة سابقة، لم يعش الجنرال فرانكو ليرى حصاد غرْسِه. بئس ما زرع في اللاوعي الجمعي. لم يشر أي فيلم إلى الجنرال ولو بالانتقاد، كأن التطهر من ذكره وذكراه يبدأ بالتجاهل. حتى فيلم مصادفة الليلة الخامسة وعنوانه "The Endless Trench" (الخندق الأبدي) لم يُذكر اسم الجنرال فرانكو إلا في الدقيقة الحادية والستين. لا كلام عن حرب أهلية يقودها الجنرال الدامي. لا شعارات مؤيدة له أو رافضة إلا مرة واحدة في الدقيقة 43 بهتاف خافت من مسيرة بعد هزيمة الجمهوريين: «اطردوا الشيوعيين، فلتحيا إسبانيا».
فيلم «الخندق الأبدي» أخرجه ثلاثة: خوسيه ماريا جوينادا وإيتور أريجي وجون جارانيو. الجنرال قتل مئات الآلاف من المحاربين والمسالمين، ماتوا واستراحوا وإن ظلت أرواحهم قلقة على الأحبة الأحياء. كما مات بطل الفيلم هيجينيو (بالممثل أنطونيو دي لا تور) وهو حي. دخل القبر هاربًا من الموت، عاش رهين الظلام رمزًا لجيل شوهه فرانكو ونزع قدراته وجعل البقاء على قيد الحياة هدفًا وحيدًا، قيمة تخلو من المعنى وتتساوى فيها الكائنات الحية فلا يشعر الحيوان بالقهر. أما روسّا (بالممثلة بيلين كويستا) ففي لحظة انفعال عنّفت زوجها هيجينيو ولامته على خضوعه للمذلة وجبْنه عن حمايتها من رجال يظنونها صيدًا لأنها أرملة منذ اختفائه في عام 1936. قبض عسكر فرانكو على الزوج المنتمي إلى الاشتراكيين وتمكن من الهروب ورأى الرصاص يحصد رفاقه واستطاع التسلل إلى البيت قابعًا في المخبأ السري.
ثلاث سنوات من الاختفاء حتى إن أباه يظنه مات. ثم تقوم روسّا بإخبار الأب فيستطيع رؤية هيجينيو بقدر ما تسمح به إضاءة محسوبة، يبرع المصور خافي أجيري إيراوسو في تصوير خلجات الابن الناظر إلى الأعلى يتلمس وجه الأب الخائف. مشهد ليلي على الرغم من حدوثه بالنهار ومعظم المشاهد ليلية في مخبأ لا يرى الشمس. ويقترح الابن بناء جدار وهمي في بيت أبيه ليختبئ في حفرة خلفه. وينتقل في صخب احتفالات فرانكو بهزيمة الجمهوريين، ويموت الأب ولا يستطيع الابن المرعوب وداعه. وبمرور الوقت يفقد هيجينيو حماسته للتغيير والزوجة تريد إنجاب ابن، ويرهن الزوج قرار الإنجاب بانتصار الحلفاء. وتتسع الشروخ النفسية بينهما ويحقق انتصارًا وحيدًا والزوجة تتعرض للاغتصاب فينقذها ويقتلان المعتدي ويدفنه في الحفرة ويقيم فوقه.
أين فرانكو من هذا كله؟ بعد ستين دقيقة من زمن الفيلم وتسع سنوات من اختباء المطارَد؟
الجنرال هو الآخر مختبئ، سرطان يسري في الدماء، خوف يأكل الأرواح. أول ذكر لاسمه جاء على لسان روسّا، رأته في شريط إخباري تلفزيوني. تقول لزوجها: «لا يبدو كقائد... صوته نوعًا ما لطيف جدًا... يبدو كامرأة متنكرة». ويتدفق من الراديو كلام عن صعاب ورثتها إسبانيا وعلى الرغم من ذلك «ستولد من جديد». وتغادر روسّا البيت عند أهلها لتضع مولودها وبعد العودة تدّعي أنه ابن أخيها وهي عمته. في فترة الغياب يقتحم البيتَ شابان وهيجينيو يضبطهما معًا في السرير، يستحلفانه ألا يبوح بعلاقتهما السرية وفي المقابل لن يفشيا سرّه. تواطؤ على الكتمان. مقايضة سرٍّ بسرٍّ.
هيجينيو يكلم الشابين عن حقوق الإنسان التي حلم الجمهوريون بتحقيقها. وأحد الشابين ينفي علاقته بالسياسة فيدرك هيجينيو أن فرانكو نجح في تغييب الشعب. ترجع روسّا بابنهما وتنتهي الحرب العظمى، يخبرها الزوج بانضمام إسبانيا إلى الأمم المتحدة فتسأله: «هل يعرفون ماذا يفعل فرانكو هنا؟». متى اهتم الجنرالات بالشعوب؟ الجنرال أيزنهاور الذي قاد قوات الحلفاء وتغلب على دفاعات الثعلب رومل يصير رئيسًا للولايات المتحدة الأميركية ويلتقي الجنرال فرانكو وهيجينيو المذعور لم يعد قادرًا على الخروج. ويكبر ابنه ويأتي بصديقه «خوان» الذي يخبر هيجينيو بأن أباه مختبئ أيضًا منذ 25 سنة، فيأسى الأب وينصح خوان بالتخلي عن أوهام النضال. يحثّه على البحث عن حبيبة وإنجاب أطفال.
ظل الجنرال فرانكو يتكلم عن أحلامه في عالم مليء بالمشكلات، والجار يفتش عن هيجينيو «مجرم الحرب» والابن يطالب أباه بمعرفة الحقيقة ويتهمه بالجبن وقد مات رفاقه في الجبهة ويسخر منه: «لا يهتم بك أحد إن خرجت، لن يأكلك أحد». ويصدر عفو عام في الذكرى الثلاثين لهزيمة الجمهوريين فلا تخاف الزوجة من نشر ثياب زوجها ولا يقوى على رؤية النهار وأقدامه تتدرب على المشي.
أتعبني فرانكو وظننت نتفليكس ستريحني في الليلة السادسة فأدخلتني جحيم الفيلم الإسباني "The Occupant"، إخراج ديفيد باستور وأليكس باستور. في السينما أيضًا تتطهر الشخصيات ولو بتدخل القدر المتعمِّد من صناع الأفلام ليريحوا أعصاب المشاهدين ويمنحوهم أملًا في عدالة أرضية. هذه قاعدة ينسفها فيلم «المستأجِر» ولا يستبعد وقوع جريمة كاملة تشمل قتل بريء والحلول مكانه في الوظيفة المرموقة وفي الفراش. يفعلها خافير (بالممثل خافير جوتييريس) مع توماس (بالممثل ماريو كاساس). فقدَ خافير وظيفته واضطر إلى ترك منزله الفخم ولم يجد عملًا وظل يراقب الساكن الجديد لمنزله السابق، صادقه وتعرف إلى زوجته واحتال حتى قتله ولم يترك أثرًا وورث وظيفته وتزوج زوجته.
في اليوم السابع لم أسترح تعثّرت بفيلم "God's crooked lines" للمخرج الإسباني أوريول باولو. أتفاعل مع الأفلام من دون دليل يوجه مؤشّر المشاهدة وهذه أولى معرفتي بالمشاركين في فيلم لا تكفيه مشاهدة واحدة لمعرفة "الحقيقة" الخاضعة لروايات أبطاله بل لروايات متباينة لبطلته أليس جولد (بالممثلة باربرا ليني)، لا نعرف أيها الأكثر دقة. دخلت مصحة للأمراض العقلية بعد محاولات تسميم زوجها ولم يبلغ الشرطة ليتفادى تعيين المحكمة وصيًا على ثروته. لكنها جاءت لسبب آخر هو التحقق من انتحار شاب نزيل المصحة، يعتقد أبوه أنه قتل، ويتأكد ذكاؤها للطبيب الذي يقيمها نفسيًا، وتتوصل إلى قائمة بأسماء مرضى سُمح لهم بالخروج يوم "الانتحار".
محققة خاصة ذكية تقنع الأطباء بما ينكره مدير المصحة وقد اتهمها بقتل نزيل، فشهد نزيل بأن القتيل حين حاول اغتصابها قتله شخص آخر. جريمة القتل لا تبلغ بها الشرطة وتضاف إلى فساد إدارة تتواطأ على الدماء وتريد تأكيد مرض أليس النفسي، فتطلب المرأة مراجعة حساباتها المصرفية ويتبين أن زوجها خدعها بدخول المصحة بحجة معرفة حقيقة انتحار الشاب واستطاع إثبات جنونها وسحب أرصدتها وغادر إلى بلد آسيوي. في هذا الضباب النفسي تتصارع الروايات وتتشظى الحقيقة ولا تبوح الوجوه بالأسماء، فتقول البطلة: «نحن جميعًا نبحث عن شيء ما، والجنون هو أسرع طريقة للعثور عليه». وقائع الفيلم بعد أربع سنوات على موت فرانكو.
لا أجد تفسيرًا لسبعة أفلام من ثمار مستنقع فرانكو تصادفني في نتفليكس. سبعة أفلام في سبع ليال على التوالي. قررت التحايل على شيطان المصادفة العصية على التفسير واسترحت يومين من المشاهدة ثم انشغلت أيامًا بكتابة هذا المقال ورجعت أكثر اطمئنانًا فرشحت لي الشبكة فيلم "Your Son" للإسباني ميجيل أنخيل فيفاس. فماذا فعلت بالشعب أيها الجنرال؟
عن (ضفة ثالثة)