«إن مجلس أمناء جامعة شيكاغو يمنح إحسان عبّاس، العالم الشهير ذا البصيرة الفذّة النّافذة في الدراسات العربية والإسلامية، والمحقق المميز لعشرات المخطوطات العربية، واضعًا بذلك الأساس للمكتبة العربيّة الحديثة، والمنقّب في عدد من حقول الأدب والفكر الإسلامي، تتراوح بين اللغة والنقد الأدبي للتاريخ والسيرة والجغرافيا والفكر السياسي والشريعة والدين، وتشمل معظم البلدان التي ازدهرت فيها الحضارة الإسلامية، والمترجم النموذجي لعدد من الأعمال إلى العربيّة، درجة دكتوراه في الآداب الإنسانية.» النص السابق لقرار منح درجة الدكتوراة الفخرية؛ ليس قرارًا افتراضيًا من أحد كيانات الافتراض الهزيلة التي تمنح نثرًا لكل من هب ودب درجة دكتوراه لمجرد أن أحد أعضاء "غروب" أو ملتقى ما، يداوم على إحداث حركة لايكات أو كومنت! وقبل أن يكون قرارًا هو إقرار بما وصل إليه الناقد والأديب العربي إحسان عباس من مكانة وارتقاء.
وأما الوصف له بالناقد فلأنه ناقد جسور ساهم بجهده النقدي دراسة وتقويمًا. الصورة العامودية أو الأفقية للناقد إحسان عباس تُثمر أنماطًا متعددة من إرهاصات فكرية عامة ونقدية خاصة، ولكي نُعمل في الاقتراب من إنتاجه النقدي على الباحث أن يقترب بحذر، فليس الإنتاج المعرفي له سوى تحليق عال، نال من رفعة الشمس قبسًا، وأراقه في صيرورة المعرفة، ولعل الباحث يستقي عبر جهد إحسان عباس شكل الأنموذج النقدي الذي رسَّخه في عدة محطات منهجية ومنها:
1- المنهج النقدي
يرى عباس أن تمترس الناقد حول مجموعات من المصطلحات النقدية الجاثمة في الكتب وإلباسها شكلًا مناسبًا، مستعينًا بعرض رأي المدارس النقدية في عرض تصور ما بين الكاتب والمكتوب؛ إنما يعبّر عن إفلاس فكري لا يمت لحقيقة النقد بصلة، فعلى الناقد أن يجعل من العلاقات الشاملة من الفن والمجتمع والذات والتاريخ وغيرها من التشابكات التراثية في تلك الفروع، والامتزاجات المتحصلة من منجزات لاحقًا.
يقول إحسان عباس في أحد كتبه الشهيرة (بدر شاكر السياب: دراسة في حياته وشعره): «حاولت في هذا الكتاب أن أتحدّث عن السياب الشاعر في إطار من الشؤون العامة والخاصة التي أثرت في نفسيته وشعره، ولهذا آثرت طريقة تجمع بين التدرج الزمني والنمو (أو التراجع) النفسي والتطور (أو الانتكاس) الفني، فكان السياب الإنسان والسياب الشاعر معًا دائمًا على المسرح المكاني والزماني، ذلك لأني أرى أن هذه الطريقة توسع مجال الرؤية لدى القارئ؛ لأنها تقدّم له زوايا ثلاثًا لا زاوية واحدة. وأنا أعلم أن كثيرًا من الناس يضيقون ذرعًا بالاحتكام المستمر إلى التاريخ، ولكن هؤلاء ينسون أن التاريخ صورة الفعل الإنساني والإرادة الإنسانية على الأرض، وأن دراسة الشعر على مجلى من الحقائق التاريخية لا يعني انتقاصًا من سماته الفنية، خصوصًا حين يتفق الدارس والقارئ على أن ذلك الشعر كان جزءًا من الحركة الكلية في التطور الجماعي، بل كان عاملًا هامًا في تلك الحركة، ولم يكن كله تهويمًا في دنيا الأحلام الذاتية.
كذلك فإن دراسة دخائل النفس لا تعني تشخيص «المرض لدى الفنان من أجل التحليل النفسي ذاته، وإنما هي وسيلة لفهم طبيعة المنابع التي فاض الشعر عنها. وقد خضع السياب في وقفته التاريخية والنفسية لعوامل عنيفة تركت آثارًا عميقة في شعره، ومن ثم كان لا بد لاستبانة تلك الآثار من دراسة تلك الوقفة في موكب الجماعة، وفي عزلة الذات على السواء. وكل فصل للشعر عن ذلك الموقف قد يعرض الدارس للتجريد أو للأخذ بالعموميات».
إذًا فهو يقرُّ أن شعر الشاعر لن يكون بمعزل عن تأثير الحياة في ذاته، بين الإثارة الإيجابية من جهة والتأثير السلبي من جهة أخرى. فعلى القارئ أن يتتبَّع حياة الشاعر ليدرك ماهية الأحداث وعلاقتها بإنتاج قصيدة ما بوصفها حقائق تاريخية ينبغي دراستها وفقا للتحليل النفسي، ولكن في مقابل ذلك ألا يعد هذا اقتحاما لحياة شاعر لا يريد أن تكون حياته مشاعا للناس، إننا أمام نقطة مفصلية للعلاقة بين الشاعر والجمهور، هل الشاعر ملك للعامة! أم أن الحق الإنساني في خصوصية الحياة يجب أن يكون حاجزا بين الولوغ والتوغل في حياة الشاعر وبين الاستقلالية الشخصية. ولنأخذ مثالًا على ذلك في قصيدة "بلقيس" للشاعر نزار قباني، وقد كتبها رثاء لزوجته بلقيس التي قُتلت في انفجار السفارة العراقية في لبنان. وهنا لا أتحدث عن التدخل الموارب الذي يطل لمعرفة لحظية بل عن ذاك التدخل الذي يقحم نفسه في حياة الشاعر، حتى ليتكشف محاولا إحداث فرقعة ونيلًا من المشاعر.
2- التطور الفني في حياة الشاعر
يمثل التطور الفني ماهية التصور الفكري للشاعر لعلاقته بالمجتمع من خلال جسر واصل بين الآثار الاجتماعية والنفسية، ربما يكون هذا التطور محاطًا بكثير من التَّداخلات اللحظية التي قد ينفصل بها الشاعر عن حالته النفسية أو التأثير الاجتماعي، لكن هذا التصور الخفي قد يُنبت نصوصًا ليس لها علاقة بالواقع، كأن تكون علاقات متخيَّلة ذات إحساس عال متأمل. يقول إحسان عباس ذلك باعتماده على النص، لكنه وضع صيرورة كامنة في التَّوجه للمعرفة الإنسانية بالقدر الذي يساعده في الموازنة بين الجوانب الفنية من جهة والجوانب الاجتماعية من جهة أخرى، حتى لكأنه يحتفظ بذلك في إحكام على قواعد خطَّها عبر مسيرته.
لقد مزج عباس في دراسة الشعراء بين الناحية الإبداعية والسيرة الذاتية، وقد أوجد هذا الدمج دلالات فنية، وأسهم في التحصيل النقدي، بالاستعانة بالفنون ودلالاتها والتاريخ، وامتداداتها المؤثرة في الحياة، فالنقد لديه ليس مجرد نظريات لأفكار في عقل الكاتب، بل يجري أيضًا في صيرورة دلالات كاملة. يقول عباس في معرض حديثه عن لغة النَّقد: «وقد بذلتُ جهدًا غير قليل لأبرئ هذه الدراسة من التعميمات ومن انتحاء اللغة الشعرية الفضفاضة التي طغت على مناهج النقاد في هذه الأيام، ذلك أنّي أؤمن، إيمانًا لا يدركه أي اضطراب، بأننا حين نملك زمام الحقيقة، نستطيع أن نعبّر عنها بوضوح، وأننا حين نجد الحقيقة غائمة في نفوسنا نلجأ إلى المجازات، وأدهى من ذلك ألا تكون لدى الناقد ‘حقيقة‘ يريد أن ينقلها إلى الآخرين فيهيم وراء عبارات شعرية سابغة الذيول، يجرجرها لإثارة الغبار ظانًّا بذلك أن تصاعد الغبار وحده كاف للدّلالة على الفارس والفرس».
وهنا يطرح السؤال: هل كان عباس يريد أن تكون لغة النقد الأدبي لغة علمية بحتة؟! وبالتالي فإننا سنجد أنفسنا في جبل من المصطلحات الجامدة والسياقات الجافة؟ ما ضرّ أن تكون لغة النقد لغة أدبية؟ بل وتصل إلى "أدبية الأدب" ونحن نرى تلطيخ العوام للغتهم باستحداث تمظهرات لغوية ليس لها منبت أو تأصيل، بل وصل الأمر إلى استيراد ألفاظ عامية وتعريبها من قبل كيانات لغوية معتمدة! ومثال ذلك كلمة "عبيط" مع أن لها كمًّا غير قليل من مرادفاتها الفصيحة التي تؤدي نفس الغرض! ثم ما المانع أن تتكئ لغة النقد على طريقة النص الموازي والتي تدخل مسامات النص. وهناك نقطة من الحريّ نقاشها؛ لماذا ربط إحسان عباس بين شعر الشاعر وحياته ولم يربط بين نقد الناقد وتأثره بالنص، وبالتالي بات استخدام المجازات والعبارات الشعرية ولادة طبيعية لتأثير النص في اقتراب الناقد منه؟ لماذا نعتبر أن الرابط بين الشاعر وشعره يتمخض عنه تأثيرات نفسية تنتج إبداعه الشعري، ولا نعطي الحق للناقد في التأثر بالنص بعبارات تنتج عن ملامسته لروح النقد! لماذا لا تكون إثارة الغبار ممارسة للفت النظر عن جمود القوالب النظرية، مما يعني إعطاء جرعة إراحة للقارئ ثم العودة لمضمار النقد التنظيري!
إن الرؤية العملية للبناء النَّقدي تكمن في التحليل النفسي للقصيدة، من خلال تجربة الشاعر في لحظة التَّفاعل الحسِّي، ولا يعني ذلك أن ينفتح النبش في حياة الشاعر عن الإثارة ومختلفات الأمور، فبعض ما يقال يمكن أخذه مأخذ التنفيس لا التأثر العميق. من خلال ما أنتجه إحسان عباس من تكوين تشخيصي برؤية خاصة؛ بان أنه يملك قدرات نقدية لا تتأثر باسم قريب أو اسم مشهور، وهذا ما حدث مع ديوان "أباريق مهشمة" للشاعر عبد الوهَّاب البيَّاتي، حيث أصدر دراسة "عبد الوهَّاب البيَّاتي والشعر العراقي الحديث" ثم أتبعها بدراسة أخرى بعنوان "الصورة الأخرى في شعر عبد الوهَّاب البيَّاتي"، وكان هذا الجهد بدون أن يعرفه شخصيًا أو يلتقي به! وقد اعتبرت الدراستان رائدتين في تفعيل النَّقد الحقيقي البنَّاء.
ولعل إسهام إحسان عباس بلغ أوجه في تناوله لتشعبات فكرية وسياسية في كتابه (اتجاهات الشعر العربي المعاصر) الذي ناله الكثير من النقد، لكنه لم يفت في عضد كاتبه، بل زاده ذلك إيمانًا بفكره منهجه. يقول إحسان عباس في كتابه (غربة الراعي): «ومع أني اتخذت الشعر ميدانًا للنقد، فإني لم أكتب في هذا المجال إلا أشياء قليلة، والسبب في ذلك أن الشعر فن صعب، بل هو أصعب فنون القول، ولا أسمح لنفسي بالكتابة عن الشعر إلا اذا وجدت فيه ما يحفزني الى القول. وغالبًا ما أطلب فيه ظاهرة بارزة جامعة - فنية أو موضوعية أو فكرية فإذا لم أجدها لم يتيسر لي طريق للكتابة عنه. وقد يطول العهد بالشاعر، وهو يجري التحولات في تجربته الشعرية. خذ مثلًا محمود درويش تجد أنه تأخر حتى اكتشف مجال موهبته الشعرية، فلو أن ناقدًا كتب عنه في مراحله الأولى، لما وفى حقيقته الشعرية حقها. إن طريقتي في النظر إلى الشعر هي التي تجعل إسهامي في نقده محدودًا، وهذا شيء لا يدركه الشاعر الذي يجيء بمجموعاته الشعرية ويقول أريد أن تكتب لي مقدمة لديوان شعري؛ وطريقتي هذه في النظر إلى الشعر تعني أني قد أنفق زمنًا طويلًا قبل أن أهتدي إلى الظاهرة التي تحفزني على الكتابة».
من هذا الفكر نعلم لِم تميَّز إحسان عباس وكان بمثابة تجربة خطت الطريق نحو رؤية أصيلة تمتلك أدوات العملية الإبداعية للنقد.
عن (ضفة ثالثة)