لعلامات هذا العدد تستعيد الكلمة مع القارئ مقالة للناقد المغربي يتناول فيها جوهر علاقة العمل الفني والأدبي مع الواقع، انطلاقاً من أن "الجميل" ليس نسخاً للطبيعة، وإنما هو خلق وإبداع يرتكز على قيمة تخيُّليّة، وإن حقق الإيهام وشابه الحقيقة.

الناقد عبد السلام العلوي يناقش قضية «أعذب الشعر أكذبه»

اختيار وتقديم: محمد زهير

محمد زهير

الناقد عبد السلام العلوي
عبد السلام العلوي (1924 ـ 1994) أحد أبرز النقاد والشعراء المغاربة المجددين في العصر الحديث، خاصة في عقدي الأربعينيات والخمسينيات من القرن الميلادي الماضي. اطلاعه على الثقافة الغربية ـ الفرنسية خاصة ـ ساعده على الارتقاء بحساسيته الإبداعية، وبصيرته النقدية، مما جعل رؤيته الشعرية تنفتح على عوالم إبداعية جديدة، كان لها أثرها الإيجابي على ممارسته النقدية، التي تميزت بعمق نظرتها ورهافتها، وجرأتها التجديدية وإضافتها النوعية.

ناهض الناقد عبد السلام العلوي النزعات الأدبية الجامدة، وانتقد التكرار المرتكن إلى الجاهز، فبحث في الشعر عن الرؤية الخاصة للشاعر، وعن إضافته الشخصية في تناوله لهذا الموضوع أو ذاك، وعن علاقته الذاتية بما يعالجه، ومدى قدرته على الارتقاء به. أي أنه بحث في الإبداع عن الذات المبدعة وصوت المبدع، في علاقته بالحقيقة الإنسانية المشتركة. ومن ثمة كان احتفاؤه بقيمة الحرية والتميز في الإبداع، وباستجابته لروح عصره، ونفاذه إلى عمق الحقائق. وتميز نقده بحس جمالي نادر في تلك المرحلة. فقد اهتم بالقيم والعناصر الجمالية في الشعر ـ وهو الجنس الأدبي الذي انشغلت به أغلب مقالاته النقدية ـ على نحو لم يكن مألوفا في معظم الخطابات النقدية المغربية آنذاك، فلم يتناول دلالات النص الشعري مفصولة عن شكلها الفني، وإنما تناول الشعر بوعي طبيعته المخصوصة.

لقد كان ناقداً ألمعياً في ممارسته وتفكيره. لكنه لم يستمر، رغم تميز إنتاجه سواء في مجال النقد أو مجال الشعر. 

تقديم المقالة
والمقالة التي اخترناها للناقد والشاعر عبد السلام العلوي، هي مقالة "أعذب الشعر أكذبه" (نشرت في مجلة "رسالة المغرب" س 8، ع 13 ـ 16، مايو 1949)، وقد تناول فيها بالقراءة الفاحصة، هذه المقولة المتداولة في الكثير من مدونات الأدب، والرائجة على ألسنة النقاد والمتأدبين. وزاوية تناوله لها دالة على منزعه الأدبي المؤكد على الارتباط العميق للشعر بالمُساكن لذات قائله، ومن ثمة بالحقيقة الإنسانية الكلية. والمؤكِّدِ أيضاً على القيمة الفنية المرتقية بالمبذول إلى الاستثنائي، بهدف تعميق الصلة بالحقيقة، لا الانفصام عنها، بجعل غاية الشعر نسج تجريدات خيالية جوفاء، في صنعة كلام بارد، بسبب من خلوه من حرارة الحقيقة الحية.

لقد لاحظ عبد السلام العلوي، أن كثيراً من الأدباء يفهمون مقولة "أعذب الشعر أكذبه" على غير حقيقتها ـ كما يتصورها ـ فيفصلون بين القول الشعري وذات قائله، إذ يطلقون العنان لخيالهم، إذا ما راموا قول الشعر، في تهويمات منقطعة عن حقيقة ما يجري أو يقع في أنفسهم. وبذلك يفقد أدبهم صدقه، ويفقد من ثمة تأثيره في متلقيه إحساساً، وأثره فائدة وإقناعاً. فالتأثير والأثر والإقناع موقوفة جميعاً ـ في نظر العلوي ـ على صدق التعبير عن الحقيقة، بأن ينبثق الشعر ـ أو غيره من صيغ الفن ـ من عمق ذات مبدعه، ويتأصل من صلب الحقيقة المشتركة ويصب في مجراها. لا أن يتجرد في تهويمات خيالية مفصولة عن مواجد الشاعر وعن الحقيقة الفعلية في الواقع الشاخص أو المحسوس.

لكن العلوي يرى الكذب الفني مقبولاً مستساغاً في إعادة تركيب وتوليف، ما يستعيره الشاعر والفنان عامة، من عناصر الحياة، إذ يتدخل خياله واقتداره الذاتي وكفاياته المبدعة في تحويل وإعادة بناء التفاصيل والجزئيات التي يستمدها من الحياة، ليقيم أثره الفني على أساس منها، لكن على صورة تجعله مرتقياً من الخاص إلى العام، مختلفاً عن المستمد منه، اختلافاً يحقق قوانين الجمال، وينافذ صلب الحقيقة ولا ينبو عنها، أو يجافيها فيؤول كذباً. فإذا وفق الفنان إلى إبداع راق، مسكون بمواجد ذاته، موصول بصلب الحقيقة الإنسانية، فهو الصادق في كذبه الفني. وإذا لم يوفق، فلن تعوض عن فشله تهويماته الخيالية المجردة. فالكذب الفني من أجل الحقيقة، لا من أجل محض الكذب.

وإذا كان الكذب من أجل الحقيقة، فهو الصدق، الذي يصيب المتلقي بعدواه وهو يقرأ الشعر، أو يتلقى الأثر الفني، فيتلقى عبر صيغته الفنية الحقيقة، التي قد تختلف ملابساتها الظاهرية من واقع مجتمع إلى آخر، لكن الحقيقة في العمق تبقى مشتركة في نفس البشرية. وعلى أساس مما سبق، يخلص العلوي إلى تركيز تصوره للقضية في قوله: "وأعذب الشعر هو الذي تناوله الفن بقوانينه وأفرغ عليه الخيال تهاويله ودخله الاختراع فحوله من الخاص إلى العام، لا ذلك الذي حوله الكذب الصرف بما ‏يضيف إليه من غلو وإسراف ومبالغات في الأوصاف المزعومة والعواطف الملفقة أو إنتاج عابث مضحك".

إن المتأمل في مقالة العلوي يلحظ آثار أفكار رومانسية، وأنظار جمالية، ومسحة حس صوفي، ونزعة تأملية نقدية مراجعة. ويلحظ أيضاً، وتبعاً لذلك، اتساع منظوره الفني، وخصوبة تصوره، الذي كان له تميزه، سواء في طريقة تفكيره في الأدب، أو في ممارسته النقدية. وهو ما يجعله أحد أبرز العلامات الأدبية في مرحلته. 

نص المقالة: «أعذب الشعر أكذبه»
كثير من الأدباء يفهمون هذه الجملة على غير حقيقتها فيظنون أن الشعر الجيد هو الذي يخرج فيه قائله عن الصدق والواقع، أو يغلو فيه إلى درجة التخرص والاختلاق، فيذهبون معتمدين على هذا القول يبدون ما شاءوا وشاء لهم خيالهم من شتى الأوصاف وغريب النعوت التي لا تنطبق بوجه من الوجوه على الشخص أو الشيء الذي يتحدثون عنه، فيأتي كلامهم مائعاً متفككاً كاذباً لو خاطبك من خلال السطور عن كنهه وحقيقته لسمعته يقول: "إنني والله كاذب".

والصدق في كل شيء هو الذي يؤثر في الناس ويقنعهم، ويجعلهم بعد ذلك مسلمين منقادين لكل ما يذهب إليه الشاعر أو الكاتب أو الروائي أو الفنان كيفما كان شأنه، إذ الصدق وحده هو الذي يخلق اللذة والألم، والمحبة والكره، والأمن والخوف... وبذلك يكون التأثير على النفس وتكون التسلية أو التعليم. والتسلية لا تقع إلا إذا أمكن الفنان، سواء أكان شاعراً أم كاتباً أم غير ذلك، أن يصرف المستمع أو الناظر إلى إبداعه، عن جوه العادي الذي ألف أن يعيش فيه ليدخله في جو آخر يؤلفه من إلهامه وعبقريته ومما أوتي من الحذق والبراعة، وهذا الجو لا يؤلف إلا من الحقيقة الواقعية أو النفسية أو الإنسانية. أما إن كان مؤلفاً من الكذب الصرف الأبله فسرعان ما ‏تمجه الناس وتسخر منه، فيؤثر عكس التأثير الذي كان ينتظر منه.

غير أن هناك كذباً مقبولاً سائغاً رغب فيه الفن ألا وهو كذب الأجزاء التي تكوّن المجموع الفني، سواء أكان هذا المجموع شعراً أم نثراً أم قمة أم رواية تمثيلية أم صورة رسام، أم تمثال نحات أم لحن موسيقار. والسر في ذلك أن الإبداع الفني في الجملة إنما هو وليد التلفيق والإصلاح، فالأجزاء التي تكوّن المجموع الفني يأخذها صاحبها من الحياة ولا يزال ينسقها حتى يكوّن منها أثره، وصدق هذا الأثر وكذبه تابعان للباقة الفنان وحدسه وبراعته في الاختيار والانسجام، فمولييرMoliere ‏ حينما أراد أن يبدع بخيله هارباكون Harpagon لاحظ كثيراً من البخلاء الماديين وتتبع حياتهم ودرس نفوسهم، ثم نسق كل ذلك فكوّن منه بخيله المثالي الذي من الممكن أنه لم يخلق ولم يعش في هذه الحياة غير أنه لو خلق وعاش لم تخرج أوصافه ونعوته ونفسيته من تلك النعوت التي رسم لنا موليير، فهو إذن بخيل غير واقعي غير أنه بخيل صادق إذ لم يتصف ولو حيناً من الزمان بغير أوصاف البخلاء الحقيقيين، وكل ما يقال فيه أنه أبخل البخلاء إذ جمع كل نقائصهم وضم كل رذائلهم وذلك ما قصد موليير في ملهاته.

وقائل هذه الكلمة "أعذب الشعر أكذبه" قد نظر بعيداً بعيداً، غير أن الجل في الناس لم ‏يفهموا ما قصد إليه، وإني لأجده يقول إن كل إبداع فني لا بد أن يدخل فيه الخيال، لابد أن تمازجه الصنعة، لابد أن يخالطه الاختراع ليكون مجموعاً يروق بوحدته وانسجامه، والشعر مفتقر إلى ذلك أكثر من غيره. فالحقيقة الواقعية تكون في الغالب جافة عادية لا تلفت الأنظار ولا تحرك العواطف والأفكار، وغاية الشعر والكتابة أن يحلقا بك في جو غيرجوك، ويسموا فوق أرضك المليئة بالأتعاب والحسرات بطريقة الموسيقى والخيال واللون والتشويق. والكذب المتحدث عنه هنا راجع إلى الشاعر وإلى المادة التي يؤلف منها قصيدته، لا إلى هذه القصيدة نفسها وما تبعث في النفس من أثر، إذ العذوبة لا تحصل إلا بشعر متصل بأعماق النفس، والتأثير بدوره لا يكون إلا بالصدق المتجلي في الإبداع الفني أو الشعري، غير أن هذا الصدق في الشعر ربما كان بعيد الغور بحيث لا يظفر فيه الباحث عن أمله إلا بعد عناء شديد، إذ الأوتار التي يضرب عليها الشاعر الفذ تحرك منا عواطف شتى ربما كانت كامنة وراء المجهول. وأنى للفكر العادي أن يظفر بها ويميزها بين أخواتها.

خبيئة نفي من عهود سحيقة   ومن جوف آباد مضت قبل مولدي
وأمسك في أغوار نفسي ولا أرى   محياك إلا كالخيال المشرد
علمتك حتى أنت مني بضعة   جهلتك حتى أنت في غير مشهد
ويا طالما ‏أخلفت لي كل موعدي   ويا طالما ‏ألقاك في غير موعد
عجبت فكم من نفرة تنفرينها   على فرط ما تبدينه من تودد
حديثك من نفسي قريب وإنما   أخالك في واد من التيه سرمد


فكل إبداع فني جميل إنما هو وليد اليد الصناع والفكر الحاد والخيال الخصب، أما إذا أخذت حادثة واقعية دون أن تتصرف فيها براعتك أو وصفت شخصاً كما تراه من الخارج من غير أن تستطيع التعمق في نفسه لترد حركاته إلى أصولها، كنت سطحياً في كل شيء ولم تبلغ إلى التأثير المؤدي إلى التسلية أو العذوبة المتحدث عنها هنا.

والتلفيق والاختراع في الآثار الفنية كلها إنما يكونان بحسب القوانين المؤدية إلى الجمال والحقيقة. وهذه القوانين لا تقرأ في الكتب ولا تدرس في المدارس وإنما يكتسبها الإنسان بالممارسة والمزاولة ويعينه عليها الذوق السليم والحكم الصحيح.

والحقيقة هي قوام كل ما يبدع الأديب والفنان على السواء، بيد أن لأجزاء المضافة إليها يجب ألا تكون نابية، بحيث تؤول بالأثر كله إلى الكذب وعدم الموافقة للحقيقة الإنسانية والطبيعية. فمن الممكن أن ما ‏يورده الشعراء والكتاب في إبداعهم لم يقع على الطريقة التي أوردوه عليها، غير أنه ممكن الوقوع إذا نظرنا إلى الطبيعة والحياة.

والشاعر والكاتب والفنان يريدون كلهم في أثرهم أن يلتمسوا الحقيقة العامة التي لا تصدق على شخص دون آخر وعصر دون عصر بل تجدها إذا جردتها هن الأجزاء الواردة لوضعها في زمانها ومكانها حقيقة إنسانية منتزعة من أعاق النفوس البشرية التي لا تتغير ولا تتبدل وإن تغيرت مظاهرها واشتبهت معالمها.

والكذب في الأجزاء التي يؤلف مجموعها إنتاجاً صادقاً هو أعظم علامة للاقتدار ‏والعبقرية في مضمار الفن، إذ بذلك تنجلي المهارة في الخلق والإيجاد. أما الكذب الظاهر في مجموع الإنتاج إنما يسفر عن الإفلاس الفني وعدم القدرة على التلفيق والتأليف بين أجزاء كان من الممكن أن تأتي بالعجب لو تناولها عقل حاد وخيال واسع وذوق سليم.

وأعذب الشعر هو الذي تناوله الفن بقوانينه وأفرغ عليه الخيال تهاويله ودخله الاختراع فحوله من الخاص إلى العام، لا ذلك الذي حوله الكذب الصرف، بما ‏يضيف إليه من غلو وإسراف ومبالغات في الأوصاف المزعومة والعواطف الملفقة، إلى إنتاج عابث مضحك.