وأنت تبحث في معجمات اللغة الحديثة لن تجد كلمة (المملوه) التي اختارها الشاعر مهدي الغانمي عنوانًا لمجموعته الشعرية الصادرة عن (دار المدينة الفاضلة، بغداد، 2014) فقد غادرت اللغة الآن هذه الكلمة، التي بقيت في مثل عراقي شائع في إحدى جهاته الجميلة؛ وستجد في المجموعة قصيدة بهذا الاسم، وربما تستطيع أن تهتدي لدلالة المملوه من خلالها! لأنّ للشاعر الأصيل القدرة على بعث الكلمة من مخدعها المعجمي، وشحنها بطاقة شعرية جديدة، ولأنّ الشعر تجربة إنسانية غامضة يحاول فيها الشاعر أن يفسر العالم أو يغيره عن طريق الكلمة لا غير، فإنه يتصل عبر الشعر بالماضي السحيق للبشرية، ويصل إلى المدى الأقصى لها، كي يسجل موقفه إزاء الكون، أو السلطة أو الحضارة، في لحظة زمكانية معينة يختارها هو.
ولعل أول مظاهر حداثة الفن الشعري في المجموعة الشكل الخارجي للقصيدة، إذ ظهرت على شكل قصيدة الشطرين، ولكن بتوزيع جديد للأشطر يستند إلى مسافة الجملة الشعرية، وليس إلى عدد التفعيلات لكل شطر، وأغلب قصائد الشطرين من بحور ممزوجة، مما أضاف قيمة إيقاعية للقصيدة، عن طريق تضافر التشكيل الموسيقي مع دلالة القصيدة، ثم شكل قصيدة التفعيلة، ببحورها الصافية، ثم (قصيدة النثر) وقد انصهرت هذه الأشكال لكتابة قصيدة معاصرة تستلهم التراث الديني والمحلي للشاعر.
جاءت كلمة المملوه من الفعل مله، وفي لسان العرب رجل مليه وممتله، ذاهب العقل، وجاء العنوان بصيغة اسم المفعول، وهو اسم يدل على ما وقع عليه الفعل، لكنّ الصيغة النحوية تأخذ دلالة أخرى في المجموعة، إذ تبدأ قصيدة (المملوه) بـ : تاركًا ملتي/ حيث عاش أبي في سلام الظلامْ/ ص 9، إذ يتحول المتحدث (المملوه) إلى اسم فاعل، وكأنه هو من قام بالفعل مختارًا، ولم يقع عليه الفعل! حيث يقف الشاعر فردًا في مواجهة العالم! وتتكرر الصيغة أيضًا بـ : تاركًا قبلتي/ لتأكيد الخروج من الأيديولوجيا بنفسه. ولتأكيد فردانيته رغم عدد المصلين خلفه، يقول: فمشيتُ/ الريح نعلي، ورأسي رايتي/ وأنا وحدي أصلي ورائي:/ ألفُ حمحمةٍ تعني الكثير../ وأعني أنني وحدي أحاذي دمي!. ص 15. وربما تذكرنا هذه الصورة بمقولة السيد المسيح (مازلتُ أفترش الأرض والتحف السماء) ولتأكيد فردانيته، يقول: لا تلمْ شانئيكَ/ مازلتَ فيهم أبترا/ صابئ الرؤى والرزايا. ص 45. ويلحظ هنا إفادة الشاعر من صور القرآن الكريم، وتوظيفها في قصيدة معاصرة تواجه سلطة العالم، وتشير دلالة هذه الصور أنّ المملوه، ليس فاقدًا لعقله كما في المعجم، ولكننا أطلقنا هذه الصفة عليه، كما أطلقنا صفة الصابئ على النبيّ محمد بن عبد الله.
ومن أوجه حداثة الفن الشعري في المجموعة العتبات النصية، وسأشير في هذه المقالة إلى عتبة قبلية هي الإهداء، وعتبات بعدية، هي تواريخ القصائد. يحيلنا الاهداء (أمي :/ ليس ثمة فرق بين الديرة والمنفى/ ... كل هذا إلى الصليب يؤدي/ سامحيني على ما سيأتي) إذ يطلب الشاعر هنا الغفران لما سيأتي من الأحداث، من الأم التي هي الأنثى الحامية للكون، وقد قدسها الإنسان بوصفها إلهة أو كاهنة أو نائبة عن الآلهة في منح الجنة لأبنائها، ويحيلنا الصليب إلى التضحية، وكأنه يذكرنا باللحظات الأخيرة للمسيح وهو يودع مريم، ولكنه يشير هنا إلى غربة الانسان واستلابه من قبل السلطة والمعارضة! وأن يقف الإنسان في مواجهة هاتين السلطتين القمعيتين لهو مجنون حقًا!
أما العتبات النصية البعدية فقد احتفت بالزمكان، إذ عمد الشاعر إلى تسجيل مكان كتابة القصيدة بالتحديد وتأريخ كتابتها، ولو نظرنا إلى أماكن الكتابة لوجدنا (الخصيمة، شباط الأزرق، الفاضلية ـ موسم العاقول، سوق العروبة، المعسكر 1993، من 41 هجرية ـ إلى ...، مدخل الشط) وتدل هذه العتبات على تشبث الشاعر بهذه الأماكن، لمنحها الحياة عن طريق إثارة المتلقي، فيستجيب للنداء الكامن في هذه العتبات، مما يخلق حوارًا بين المتلقي والقصيدة، يمارسه القارئ الفطن؛ لأنّ هذه العتبات تمنح القصيدة رؤية إضافية، فلو نظرنا إلى عتبة شباط الأزرق في نهاية قصيدة المملوه، لتخيلنا شدّة البرد، وسوء الظرف الذي يعاني منه المملوه وهو يغير قناعاته! ولو نظرنا إلى العتبة (من 41 هجرية ـ إلى ...) في نهاية قصيدة (هامش العنكبوت) التي تبتدأ بـ : طلقاء مكة يحكمون شعابها / وقريش سيدة على البحر الطويلْ/ لأدركنا أنّ الصراع على السلطة ما زال قائمًا مذ قتل الإمام علي في 41 هجرية!
ومن التقنيات الكتابية في المجموعة عنوان قصيدة {ألف لام ميم * الحسين} إذ كتب العنوان بالقلم الغامق، أما الأقواس فرسمت على شكل القوس القرآني، والعلامة الفاصلة تشبه علامة الآية الفاصلة في القرآن الكريم، ثم تكرر هذا التشكيل الكتابي في القصيدة مرة أخرى، وكأنه فاصلة فيها، كلّ هذا منح القصيدة بعدًا آخر يشترك القارئ في تأويل تلقيه.
ويلحظ في السطر/ وقريش سيدة على البحر الطويلْ/ جدة الاستعارة فيه، فالبحر الطويل هو البحر السائد في الشعر الجاهلي، وهو بحر فحولة الشعر، وكأن قريش مازالت تمثل فحولة السلطة في المجتمعات العربية، وأنّ الطلقاء هم الحكام فيها!
لقد استطاع الغانمي في هذه المجموعة، عن طريق امتلاكه لصوته الخاص، ومهارته في تحديث الفن الشعري، وتوظيفه للتعالقات النصية التراثية أن يسجل موقفًا شعريًا إزاء العالم.