تَظهر الترجمة مثاليا بوصفها جسراً يَصل بين اللغات ويُيسر عبور التجارب الإنسانية. غير أن هذا الجسر يعمل كثيرا كمرشح يَحجب ويُعيد ترتيب ما يمر عبره. فاللغة المُستقبِلة لا تتلقى النص «كما هو»، بل تُعيد تشكيله داخل منظومةٍ من العوامل المؤسسية والتجارية والأيديولوجية التي تُقرر ما يُختار وكيف يُقدم وبأي خطابٍ يُسوق.

خرائط الترجمة

من يصنع صورة الأدب العربي في لغات العالم؟

إياد شماسنة

 

تَظهر الترجمة في خطابها المثالي بوصفها جسراً يَصل بين اللغات ويُيسر عبور التجارب الإنسانية. غير أن هذا الجسر يعمل، في كثيرٍ من الأحيان، مرشحاً يَحجب ويُعيد ترتيب ما يمر عبره. فاللغة المُستقبِلة لا تتلقى النص «كما هو»، بل تُعيد تشكيله داخل منظومةٍ من العوامل المؤسسية والتجارية والأيديولوجية التي تُقرر ما يُختار وكيف يُقدم وبأي خطابٍ يُسوق. هنا ينهض سؤال الاستشراق بنسختيه القديمة والجديدة: أيتواصل «المركز» في الغرب مع «الهامش» العربي عبر منظارٍ يُثبت الصورة النمطية ويكرس اللامساواة الرمزية؟ أم أننا أمام خرائط أشد تعقيداً تتداخل فيها قوى السوق، ومؤسسات الجوائز، وشبكات النشر، وحركات المترجمين المستقلة، فتنتج قراءاتٍ مختلفة بمستويات متباينة للنص العربي؟

الترجمة كقوة سياسية: من يُفتح له الباب ومن يُترك في الممر

يبدأ أثر السياسة من العتبة الأولى: قرار ما يُترجَم. عندها تتقاطع مزاجات المحررين، وحسابات الناشرين، ومصالح الوكلاء، وخريطة الجوائز و«شهية» السوق. نادراً ما يبلغ الأدب العربي الدور الأنغلوسكسونية الكبرى، وما يصل يمر بغربال يفضل ما يُروى ضمن «حكاية جاهزة» عن الشرق؛ فيغدو الذوق تابعاً لقرار مؤسسي يقيس النصوص بقابليتها للبيع وجدواها التفسيرية.

ولا ينتهي تشكيل المعنى بالاختيار؛ فبعد العبور يخضع العمل لسياسات «التغليف»: عنوان يُعاد صوغه، غلاف يشي بثيمات معلبة، مقدمة تُؤول قبل القراءة، وظهر غلاف يعد بسرديات مسبقة: «امرأة تتحدى الحجاب»، «نجاة تحت القصف»، «رحلة داخل الإرهاب». هكذا تُصنع قراءة موجهة قبل الصفحة الأولى، ويُرى النص بوصفه «وثيقة ثقافية» أكثر من كونه فناً مبتكراً. وعند الأسلوب يقف المترجم بين تدجين يقرب النص إلى أفق القارئ، وتغريب يحافظ على نبرته ولكنته الثقافية. كلاهما مشروع، لكن ثقافة السوق التي تفضل السلاسة والسرعة ترجح التدجين، مهددةً الفروق الإيحائية والغرابة المُنتِجة، وهما شرط أدبٍ عظيم.
بهذه الطبقات تُعاد صياغة الأدب العالمي عبر الترجمة: لا يعود السؤال «هل العمل عظيم؟» بل «هل يصلح لرواية مألوفة عن الشرق؟». وحين تُفوض المنظومات الخارجية غير المُصغِية لنبض الحقول العربية، تسود هيمنة تُقصي التنوع وتُقزم التجربة إلى «نماذج تفسيرية» جاهزة.
ليس من قبيل المصادفة أن تتربع ثلاثيةُ الإرهاب والحجاب والحرب على عرش التسويق العالمي لأجزاء واسعة من الأدب العربي. فهذه موضوعات «مضمونة» في إعلامٍ يعرض الشرق بوصفه لغزاً أخلاقياً أو ملفاً أمنياً أو حكاية نجاةٍ استثنائية. لا ضير في هذه الثيمات ذاتها؛ فهي جزء من الواقع وتغذي حقولاً سردية خصبة. المشكلة تبدأ حين تتحول إلى بوابةٍ شبه وحيدة تَعبُر منها النصوص إلى اللغات الكبرى، فتُقصي الفلسفة والخيال العلمي، والكوميديا السوداء والميتاسرد، والروايات المدينية الدقيقة، وعلاقات الحب المركبة، ومدارس الحداثة الشعرية. يُنشأ هذا الاصطفاء «متحفاً للمعاناة» يُطلب من النص العربي فيه أن يعلم وأن يفسر وأن «يمثل» أمةً برمتها، بدل أن يُقرأ بوصفه أدباً يبتكر معرفةً جمالية تُعيد اختراع العالم.

تترتب على هذا الاصطفاء قراءتان مُضللتان: الأولى تُكافئ العمل بمقدار ما يوافق الأسطورة المُسبقة، والثانية تُعاقبه إن خالفها فتنعته بالغموض أو «المحلية المُفرطة». في الخلفية تعمل سوسيولوجيا تلق تُؤْثر «المعرفة عن الشرق» على تلقي الأدب نفسه، فتُعطل قدرة النص على توليد أسئلته وأشكاله. لذلك ينبغي التذكير دائماً: حتى حين يشتبك الأدب مع قضايا اجتماعية وسياسية ملحة، فإنه ليس تقريراً إثنوغرافياً؛ إنه فعل جمالي ومعرفي يبدع أشكاله ولغته، ويُخضع الواقع لامتحان الخيال.

نماذج مضادة: حين يفرض النص العربي صوته عالمياً

على الرغم من سطوة هذا الاتجاه، برهنت تجارب عربية على قدرة النص على انتزاع موقعه كأدبٍ عالمي بمعناه الإنساني، لا بوصفه «دليلاً إلى الشرق». يُدرس نجيب محفوظ – بمدينيته الدقيقة – مثالاً على كونيةٍ تنبثق من محليةٍ صلبة؛ إذ تَقرأه العيون من دون أن تُسقط القاهرة من المشهد. ويُجسد أمين معلوف إمكانية تحويل الهجنة اللغوية والتاريخية إلى محيطٍ روائي عابر للحدود بلا محوٍ لآثارها. ويشتبك إلياس خوري مع الذاكرة والهوية في نصوصٍ تتأرجح بين الوثيقة والخيال، محافظةً على حق القضايا المعقدة في سردٍ لا يخضع لقوالب الإعلام. في هذه النجاحات يبرز المترجم بوصفه شريكاً فنياً: يضع اسمه على الغلاف، يصرح بخياراته الأسلوبية، ويحافظ على أسماء الأطعمة والكنى والإحالات الثقافية، فيُعلم القارئ كيف يعبر الحدود بدل أن يذيبها. ويبرز، إلى جانبه، دور الناشر المستقل الذي يراهن على المدى الطويل، فيبني «سلسلة عربية» أو يراكم ترجماتٍ لمؤلفٍ واحد، رافضاً غواية «الضربة الواحدة» التي تستهلك نصاً ثم تهجره. أما الجوائز الكبرى فحين تُنصف الأدب المترجَم تكون منصة دخولٍ لا اختراعَ قيمةٍ من عدم؛ إذ لا يغني لمعان الميدالية عن بنيان القارئ المتراكم بعد انطفاء الأضواء.
لا تُرسم خرائط ببياناتٍ غاضبة عن «قراءةٍ غربيةٍ مجحفة»، بل عبر بناء منظومة عربية تعمل في الداخل والخارج معاً: صناديق مستقلة لشراء الحقوق وترجمة الأعمال وفق معايير شفافة لا محسوبيات، منح تغطي البحث والإقامة والتحرير، وشراكات مُلزِمة مع ناشرين محترفين في لغات الوصول، مع تمويلٍ «مطابِق» يضع كل دولار عربي بإزاء آخر أجنبي لتحفيز الترويج الفعلي.
في المستوى المعرفي علينا أن نؤسس بوابةً رقمية مفتوحة تراكم معاجم أسلوبية ومسارد مصطلحات وقواعد بيانات ونماذج ترجمةٍ مشروحة لتخفيض «تكاليف الدخول» أمام المترجمين الجدد. ويوازي ذلك مختبراتُ تحريرٍ ثنائية اللغة تجمع الكاتب والمترجم والمحرر وقارئاً حساساً ثقافياً لضبط الجودة وتجنب الإفراط في التدجين أو التعثر بالتغريب. وعلى المستوى المهني نفترض أن تُنشأ أكاديمية ترجمةٍ تطبيقية تُدرب على حقوق الملكية والعقود والتحرير والترويج وإدارة الحقوق، فيما تتيح الإقاماتُ المشتركة للكتاب والمترجمين زمناً للثقة وابتكار «الصوت الثالث» للنص المترجَم.
وللإعلام الثقافي دور حاسم: الانتقال من «حضور للزينة» في معارض الكتاب العالمية إلى حضورٍ مهني مُجدول الجلسات، واضح الهدف: بيع الحقوق، تقديم المشهد العربي بلا «غرابة سهلة»، وصوغ أفق توقعٍ يتسع لطبقات التجربة العربية. وتُبرز «السلاسل المقيمة» هذا التنوع: رواية المدينة والريف، السرد الفلسفي، الخيال العلمي، أدب اليافعين، والشعر التجريبي، كي تُرى الصورة كاملة لا عينات منزوعة السياق.
ولئلا تبقى الأماني شعارات، نحتاج «اقتصاد معرفة» قابلاً للقياس: مؤشرات سنوية لعدد الأعمال المترجمة، واللغات، وتمثيل الكاتبات والكتاب، وتنوع الموضوعات، وتداولية النسخ في المكتبات والجامعات، تُنشر في تقريرٍ شفاف لتصحيح المسار. وبالموازاة، يُصلَح «البيت الداخلي»: بناء سوقٍ عربية للترجمة من وإلى لغاتٍ متعددة – لا الإنكليزية وحدها – بما يرفع المهنية وجودة ما نُصدره ويُضعف الوساطة الإنجليزية شبه الحصرية في نقل العالم إلينا.

أخلاقيات ممارسة: من «القابلية للاستهلاك» إلى«الحق في التعقيد»

الأخلاق ليست موعظة بل ميثاق ممارسة. يقع على عاتق المترجم الدفاع عن «لكنة النص» وتسمياته ومقاييسه الثقافية كلما أمكن، وإشعار القارئ بأنه يعبر حدوداً ينبغي احترامها لا شطبها. وعلى المحرر مقاومة «التنعيم» الذي يُغريه السوق، واختيار السلاسة المبررة على السهولة المُفرطة. ويُنتظر من الناشر أن يبني المؤلفين على المدى الطويل لا أن يصطاد «قضيةً ساخنة» عابرة. أما القارئ فمدعو إلى الانتقال من تلقي «معرفةٍ عن الشرق» إلى تلقي أدبٍ من بشرٍ يشبهوننا ويختلفون عنا في آن. وعلى المؤسسات الثقافية العربية أن تستثمر في المعرفة والزمن والإنصات، لا في حملاتٍ استعراضية قصيرة النفس.
في قلب هذا كله مبدأ مؤسس: «الحق في التعقيد». إنه الحق الذي يطالب بأن يُقرأ النص العربي بلا تبسيطٍ قسري ولا استغراقٍ في التفسير الإثنوغرافي؛ أن يُمنح فرصةَ إنتاج معناه الخاص، وأن يُعامل كأدبٍ يُعيد اختراع الإنسان لا كمرآةٍ تُصقل صورةً مسبقة.
قد يُقال إن «السوق يريد ذلك، والأدب يتبع السوق». والحقيقة أن السوق صنيعُ استراتيجياتٍ قابلة للتعديل لا قدر مُنزل؛ إذ تغيرت أذواق القراء مراراً حين غيرت دور ومهرجانات وجوائزُ سياساتها، فهُندِس العرض فتبدل الطلب. وقد يُقال إن «القارئ الغربي لا يفهم التعقيد العربي»، وهو حكم كسول تُكذبه التجارب؛ فالقراء يتعلمون سريعاً حين تُقدم نصوص جادة داخل إطارٍ تأويلي محترف. وقد يُقال إن «الترجمة تفقد دائماً شيئاً»، وهو صحيح بحده العام؛ لكنها تكسب أيضاً، ويمكن توجيه الخسارة والربح عبر قراراتٍ أسلوبية ومؤسسية واعية تُقلص التشويه وتُنمي المعنى.
نحن، لا نحتاج إلى استجداء اعترافٍ خارجي بإنسانية نصوصنا، بل إلى بناء منظومةٍ عربية للترجمة تُطلق طاقتها الكامنة. منظومة تقوم على صناديق حقوقٍ مستقلة، ومختبرات تحريرٍ ثنائية اللغة، وأكاديمياتٍ مهنية، ومؤشرات قياسٍ شفافة، وسلاسل مُقيمة، وشراكاتٍ مع ناشرين يحترمون النص لا قوالب السوق. عندئذٍ يغدو الأدب العربي – من الرواية المدينية الدقيقة إلى الملحمة التاريخية، ومن الشعر الحداثي إلى الخيال العلمي – مقروءاً بما هو أدب: تجربة جمالية ومعرفية تُعيد اختراع الإنسان، لا بطاقة تعريفٍ ثقافية.
الترجمة قادرة أن تكون الجسر الذي يُنمي هذا الأدب ويُوسع جمهوره، لا المرشح الذي يُجمله حيناً ويُفقِره أحياناً. وليس التحدي في «إقناع الغرب بنا»، بل في أن نبني، نحن، نظاماً يجعل صوتنا مسموعاً بوصفه جزءاً أصيلاً من جمهورية الأدب العالمي؛ جمهوريةٍ لا تُدار بعيون مركزٍ واحد، بل بأعينٍ متعددة تتعلم – مع كل ترجمةٍ جيدة – كيف ترى أبعد، وكيف تقرأ أعدل. بهذه الروح وحدها تتحول الترجمة من غرفة عزلٍ زجاجية إلى فضاءٍ مُشترك يتسع لاختلافنا، ويستثمر غرابتنا الإيجابية، ويحتفي بحق نصنا في التعقيد.

 

 

عن (ضفة ثالثة)