يكشف الناقد المغربي المرموق لعبة السرد ومحتوياتها المتراكبة، وقدرة النص على المزاوجة بين التخييل الأدبي والتأمل والنقد الثقافيين، وكيف تُوظّف الرواية أصواتا متعددة ومتقاطعة، في تمثيل الوعي والسرد والهوية؛ تتوزع بين الحاضر والماضي، الذاتي والجمعي، الذكوري والأنثوي، مع تكسير الخط الأحادي للزمن، وتفعيل سرد دائريّ يحاور التاريخ من داخل الذوات المهمّشة.

بناء الحكاية لتفكيك التوحّش والانحطاط

في «غرفة حنّا دياب» لشهلا العجيلي

شُعيب حَليفي

 

 

لم يعد أمام العالم اليوم، في مواجهة نفسه، سوى روايات مدهشة تستطيع القبض على الحكاية التي نعيشها وتعيشنا منذ أول الدنيا حتى الآن، وكأنها لحظة واحدة تسمو على التاريخ المرتاب. نصوص ذات مقدرة على استباحة الصمت الطويل والخداع المتجدد، لتروي أحلام الكائنات في مساحات لا محدودة. مع كل رواية جديدة للروائية شهلا العجيلي، يتأكد وعيها الثقافي بالضرورة الملحة للفن في مواجهة العدم والتحجر، وأن الزمن الذي نحياه ما كان يوجد دون خيال وأفعال وأصوات، إنه نهر يجري بلا توقف، يحمل كل الأسئلة والأخطاء، كما الحكايات وما تخفيه من أسرار.

لذلك فإن تجربة شهلا هي مبادرة تهوى الخوض في الصعب ومواجهة أعقد القضايا، من ثمة فإنها تحرص على ألا تبقى ضمن دائرة واحدة، وإنما تجدد في الرؤية والأداة مع كل رواية جديدة، من خلال البناء الفني والحفر عميقا في التخييل، وعبر خصائص تعتمد تداخل الأزمنة والأصوات، وتوليد الحكايات الرئيسية والموازية، بلغة شعرية ذات قدرة فائقة في الدقة على التقاط التفاصيل الذرية وأوصافها، وفي تقاطع السردي مع السيري والتاريخي. كل ذلك لحمل قضايا التهميش والمرأة والهوية والشتات والثقافة والهجنة، وما تخلفه الصراعات والحروب. في روايتها الجديدة «غرفة حنّا دياب»، يعتمد البناء السردي على تشكيل تخييل دينامي مشبع بالحكي والأوصاف في اتجاهات الماضي والحاضر، يقوم على التناوب، جميع دلالاته تنتصر للحياة والحكاية.

تتوزع الرواية إلى فصلين، الأول «صور على رفّ الموقد» بسبعة عناوين فرعية، ترويه كندة الأشقر في الزمن الراهن، تستدعي فيه فصلا أساسيا من حياتها في حلب، والمشدود بين وتريْ الحياة والموت؛ ففي الحياة تتجلى علاقاتها العاطفية مع غسان القزاز ثم زوجها، وقضيتها في البحث عمّا بدأه والدها القتيل بخصوص «حنّا دياب» وحكاياته، وفي حبها الصوفي لمدينة وتاريخ حلب. أما ما يتعلق بالموت، ففيما جرى في صيف 2012 بالبلاد السورية على المستوى العام، ثم ما عاشته على المستوى العاطفي والخاص. أما الفصل الثاني «حكاية غير مدونة، يعرفها الأهالي»، من أحد عشر عنوانا فرعيا، عشرة منها تفريع سردي وإعادة كتابة بصوت كندة، لما تركه والدها، في تسجيل صوتي بالروسية على ثلاثة أشرطة عثرت عليها في القبو، بعدما كانت ضائعة، حول موضوع (غرفة حنا دياب)، وهو الفصل الذي يروي حياة ثلاثة من النساء عشن في حلب، بجوار غرفة حنا دياب وعوالمه، خلال القرن الثامن عشر (فتوح العارفين، وميسر، وهيلين).

ويشكل الفصلان، معا، نسيجا روائيا واحدا في تشكيل مِرآوي متبادل، يضيئ الأول الرّاهن ونخبته المثقفة وهواجسها ورؤاها للحياة، التي تتجاوز اللحظة، وتتبادل التفاعل المتناغم بشكل سلس، مع لحظة من الماضي وآثاره المتمكّنة، كما تعكسها مِرآة الفصل الثاني؛ لحظة من القرن الثامن عشر في حلب وباقي العالم في فرنسا وتركيا وبخارى والشرق، لم تكن سوى نافذة لقوة الامتداد في الآن، روح المدينة وأهلها وخيالاتهم التي تسير جنبا إلى جنب مع اليومي المألوف، وأيضا جسرا يصل إلى الثّراء المتجذر والمنسي من الحكايات، وكذلك مظاهر التسامح الديني والعرقي وفنون العيش والبهجة في حلب.

أصوات الأفراد المقهورين:
حققت شهلا العجيلي في روايتها «غرفة حنّا دياب»، لنفسها وللقارئ، متعة الخيال الذي يشبه نهرا مقبلا من أزمان بعيدة، عابرا جغرافيات متعددة، بطريقة وشكل مختلفين، ما أضفى على السرد تلك السلاسة في التناوب بين زمنين، وأكثر من صوت ووعي ورؤية، وكذا التشويق وصنعة الحكي الذي يحفر أنفاقا في النفس والتاريخ والثقافة.

وإذا اعتبرنا أن الساردة في ثنايا الفصل الأول، ووسط سيرورة حياتها المتقلبة، جرّاء ما كان يخفيه الماضي القريب والبعيد في حيوات الشخصيات والأحداث التي لا دخل لها فيها، كانت تبحث عن سبيل لبعث بحث والدها الذي قُتل وهو يلقي محاضراته في الجامعة، وتركها يتيمة، فلم تجد من وسيلة للاحتجاج على فقده المفاجئ والظالم، إلا إعادة بحثه إلى الحياة ضد النسيان والاغتيال، بحث كان يحمله ويحلم باستكماله عن طريق استعادة حكايات حنّا دياب الحلبي، الذي مدّ المترجم الفرنسي أنطوان غالان، بخمس عشرة حكاية، أضافها إلى ترجمته الفرنسية لألف ليلة وليلة في مطلع القرن الثامن عشر، بعد رحلة حنا دياب إلى فرنسا ومصادفة لقائه ببول لوكا، الذي حمله معه إلى الشرق بحثا عن المخطوطات العربية، بأمر من لويس الرابع عشر.

وسيأتي الفصل الثاني ليسرد مواصلة البحث عن حنّا دياب وحكاياته، بعيدا عن رحلاته إلى فرنسا والشرق، وإنما فقط في غرفته في حي العلبية في المدينة القديمة في حلب، التي جعلها مأوى السمر والحكي، حيث كان الرجال من أصدقائه من نخبة المجتمع الحلبي، وأيضا من نسائها، من خلف حجاب النوافذ، كلهم مغرمون بحكيه الذي يلهم خيالهم. وفي مسارات البحث، كانت الحكاية تروي سيرة ثلاث من النساء، وقدرتهن على منح صورة للمرأة المتعلمة والرحالة والحكّاءة والعاشقة والساحرة، التي تقفز خطوة إلى الأمام للقبض على الغيب الجريح، نساء يأخذن بزمام المبادرة. كما سيتبدّى أن حنا دياب لم يكن إلا واحدا من عالم يزخر برواة الحكايات، وكأنها بلسم يقوي آمال الأهالي لمواجهة مصائرهم، وأن ما رواه وبات جزءا من (كتاب الليالي)، لم يكن إلا نتاج الزّخم المتلاطم للثقافات الشعبية وتلاقحها في صيرورة إنسانية وتاريخية، تعكس الخيال الجماعي، وأيضا العيش المشترك بين جغرافيات مختلفة تلتقي في حلب، التي منحتها الساردة، كما باقي الشخصيات، صورة الشموخ في العمران والعيش والتجارة، والفن والترميم والعلم والتعليم، ودور المرأة، والترجمة والتدوين، والحوار والعلاج بالموسيقى والسمر والحفلات والسحر، وأيضا صورة السلطة الجائرة.

هندسة روائيّة تشبه داراً عربيّة:
يحيل عنوان الرواية وهندسة فصولها والعناوين الفرعية إلى استراتيجية المكان في الرواية، بوصفه دلالة مركزية حاملة لكل الثقل الحكائي، فغرفة حنّا دياب في خان العلبية في عمق الحي القديم في حلب، كانت بابا كبيرا لولادة الحكايات في الماضي والحاضر، مع ميسّر وفتوح العارفين وبياتريك الطبيب والتاجر الجوهري، والمرأة من البيمارستان، ثم كندة ووالدها، عابد الأشقر، وغسان القزاز وفاطمة التي تلامس الغيب، وعمّ غسّان، وجدّته. في مطلع الرواية، افتتحت كندة الأشقر سردها، بطريقة مرتبة، من لحظة موت حماتها، التي هي في الوقت نفسه خالتها. ومن صخب الموت ستموت علاقتها بزوجها محمود. يتوقف هذا الدفق السردي فجأة في نهاية المقطع الأول من الفصل الأول، وهي تنتقل، بعد مخاصمتها لزوجها، الذي اكتشفت خيانته لها، إلى بيت أهلها، منهارة في مدينة انهارت بدورها. وهناك، تفتح دُرج مكتبها لتجد وثيقة ستذكرها بحبيبها، قبل الزواج، غسان القزّاز، وهو تمهيد لاسترجاع طويل سيمتد على مئة صفحة، تحكي فيه حياتها بعد مقتل والدها وعملها معيدة في الجامعة واستشارية حول تاريخ مدينة حلب لدى بعثة تهتم بإحياء المدينة القديمة. خلال هذه المرحلة، تلتقي بغسان، مهندس الديكور، وترتبط به في علاقة معقدة ستنقطع حبالها فجأة لتجد نفسها منساقة إلى زواج سهل من ابن خالتها محمود.

قبل نهاية هذا الجزء الاسترجاعي، ستختار الساردة التقنية نفسها للعودة إلى الأحداث التي توقفت عندها، وتواصل حكيها في مقطع واحد مكثف، ومغاير لكل أجزاء الرواية الأخرى، بحيث جاء سريعا وسوداويا، وخاليا من الوصف، ويحكي عن الصيف الذي دخل فيه المسلحون مدينة حلب، والمحنة التي عاشها الأهالي، وكيف أصبح الموت والخراب مسألة يومية مألوفة، ما أجبر كندة على النزول إلى قبو بيتها، اختباءً من القصف المتكرر، رفقة زوج مريض عاد إليها، وكانت مصادفة أن عثرت ضمن أشياء القبو على الشرائط الثلاثة التي سجل فيها والدها، وباللغة الروسية، ما توصل إليه في بحثه عن غرفة حنا دياب، وهي الحكاية التي سيتكفل الفصل الثاني بروايتها من خلال صورة حلب ومجتمعها في علاقتها بباقي العالم، وعبر أصوات النساء اللواتي نقشن حكايتهن المدهشة والمغموسة في العشق والعلم والفقد والسفر والحلم، حكايات لم يروِها حنّا دياب لأنها كانت تحدثُ خارج غرفته العجيبة.

نصّ ناقد بأدوات ثقافيّة:
يمكن استنتاج أن رواية «غرفة حنا دياب»، هي نص مركب يُزاوج بين التخييل الأدبي والتأمل والنقد الثقافيين، حيث تُوظّف الرواية أصواتا متعددة ومتقاطعة، لا فقط على مستوى الحكاية، بل في تمثيل الوعي والسرد والهوية؛ وتتوزع هذه الأصوات بين الحاضر والماضي، الذاتي والجمعي، الذكوري والأنثوي، مع تكسير الخط الأحادي للزمن، وتفعيل سرد دائريّ يحاور التاريخ من داخل الذوات المهمّشة. على مستوى التشكيل المكاني، لا تظهر مدينة حلب، بوصفها خلفية للأحداث فحسب، بل بنية رمزية نابضة بالحياة، تتسع لتاريخ مادي وروحي في آن، فيتموضع المكان باعتباره شخصية سردية، ويتم تقديمه بوصف بصري شديد الكثافة، لا يخلو من الشاعرية، يجمع بين الحنين والانكسار، ويجسّد الصراعات التي عاشتها المدينة، ويحتضن في الوقت ذاته أحلام شخصيات الرواية.

أما الشخصيات، فتُرسم بدقة وبأبعاد نفسية وتاريخية، مع حضور أنثوي لافت، لا بوصفه انعكاسا للضعف أو الضحية، وإنما هي طاقة روحية وسردية فاعلة، تمارس دورها في توليد الحكاية، والتأثير في بنية السرد، من كندة إلى فتوح العارفين وميسر وغيرهن. وتتموضع هذه الشخصيات داخل شبكة من العلاقات المعقدة، تتداخل فيها الانتماءات الشخصية بالعامة، والحاضر بالماضي، والتجربة الفردية بالذاكرة الجمعية. مثلما تحضر الهوية الثقافية والهجنة، في عمق هذا البناء السردي، كعنصرين جوهريين، حيث تُسائل الرواية الانتماء من داخل نسيج حضاري متداخل، يعبّر عن ذاته من خلال التعدد اللغوي، وتداخل الجغرافيات، وامتداد الثقافة الشعبية بوصفها ذاكرة يومية، غير مدوّنة، لكنها أكثر صدقًا من السرديات الرسمية. هكذا تصبح الحكاية نفسها، كما يقترح النص، فعلاً لمقاومة النسيان والطمس، ووسيلة لتثبيت الكينونة في وجه العدم والتهميش. لأن الرواية، في المجمل، ليست فقط توثيقا فنيا، بل عملا على الذاكرة الثقافية المتحولة، تعيد الاعتبار للمُهمَّش والمسكوت عنه، وتجعل من الحكي مساحة لإعادة إنتاج المعنى، وتشكيل هوية قابلة للتمازج والانفتاح.

 

كاتب مغربي

 

عن (القدس العربي)