يقدم لنا الكاتب المصري هنا تقريره عن آخر صدمات العام للواقع الثقافي المصري، برحيل المبدع السينمائي الكبير داود عبدالسيد، ويقدم معها أثر هذا الخبر الصادم على الواقع الثقافي، وبيبليوجرافيا عن حياة الراحل الكبير وأعماله وما حققته من تقدير على مد مسيرته الطويلة التي حرص فيها على اختيار أعماله بدقة لها دلالاتها.

رحيل المخرج المصري داود عبد السيد

محمد عبد الرحيم

 

القاهرة ــ خبرٌ حزين تلقّاه الوسط الثقافي والسينمائي المصري ظهر يوم، 27 ديسمبر/ كانون الأول 2025، وهو رحيل المخرج السينمائي داود عبد السيد (1946 ــ 2025). ذلك أن الرجل لم يكن مجرد فنان سينمائي كغيره من صنّاع الأفلام، وربما الكثيرين منهم، فهو ــ رغم قلة أعماله ــ قدّم أفلامًا تُعد من الأكثر تأثيرًا في مسيرة السينما المصرية.

فالفيلم، لديه، ليس للتسلية أو لمجرد إضاعة الوقت، بل حالة من التأمل والنقد في الواقع المصري والإنساني. وربما كان عبد السيد هو الوحيد الذي حقق معادلة الفكر (أو المعنى) والجمهور، وهو ما تجلّى بوضوح في أشهر أفلامه، وأحد أهم أفلام السينما المصرية عبر تاريخها، “الكيت كات”، وكيف تحولت شخصيات الفيلم إلى عبارات متداولة على ألسنة المصريين، مثل “الشيخ حسني” و”هَرَم”، حتى غدت هذه الشخصيات حاملةً لدلالاتها الخاصة في المخيلة الجمعية وحياة الناس اليومية.

السينما والجمهور:
حقق عبد السيد ما لم يستطع غيره من المخرجين المصريين تحقيقه، وهو التواصل مع الجمهور، والنجاح في خلق معنى فلسفي داخل أفلامه، ومع ذلك حققت هذه الأعمال نجاحًا جماهيريًا لافتًا. ومن أبرزها، كما أسلفنا، “الكيت كات” (1991)، ثم “أرض الخوف” (2000)، و”مواطن ومخبر وحرامي” (2001). وبذلك تفادى مسالب كبار مخرجي مصر وأكثرهم شهرة، مثل شادي عبد السلام ويوسف شاهين. وربما كان يواجه سؤالًا واحدًا: كيف يمكن لفن جماهيري في المقام الأول أن يتجاهل جمهوره؟ فكلٌّ من عبد السلام وشاهين كانت لديهما، بدرجات متفاوتة، نظرة متعالية تجاه جمهور السينما، بينما نزل عبد السيد بأفكاره إلى الأرض والناس، وعبّر عنهم من خلال مواقف حياتية كاشفًا تفاصيل نفسية واجتماعية، من دون سخرية أو إدانة، بل من منظور إنساني متعاطف تمامًا.

كما ناقش قضية الوجود الإنساني ومأزق الإنسان الذي لا فكاك منه، كما في (أرض الخوف)، حيث يصبح على الإنسان الاستمرار في الحياة، وتحمل مسؤولية وجوده، ومواجهة مصيره منذ الميلاد وحتى مفارقة هذه الأرض. ربما كانت لغة أفلام داود عبد السيد أبسط من لغة الكتابة عنها، وهو ما شعر به الجمهور المصري وصدّقه، ليغدو أحد أبرز معالم ورموز الثقافة المصرية الحديثة.

الاعتزال:
اعتزل عبد السيد السينما منذ آخر أفلامه “قدرات غير عادية” (2015)، كشكل من أشكال الاعتراض على ما آلت إليه الأوضاع، وعلى المناخ الذي باتت تُنتج فيه الأفلام، وهو ما يتوافق مع رؤيته للسينما وقيمتها الفنية. وفي حوار أخير له مع جريدة “المصري اليوم” بعد حصوله على جائزة النيل للفنون عام 2022، قال:
لم يكن قرارًا بالاعتزال الشخصي، بل أراه اعتزال جيل؛ فأبناء جيلي ابتعدوا عن السينما، مثل بشير الديك وخيري بشارة وعلي بدرخان، بعد حدوث تغيير كبير في شخصية الجمهور المصري. فلا يوجد منتج في الوقت الحالي يدعوك لعمل فيلم، لأنه يريد نوعًا محددًا من السينما، وهي السينما التجارية سريعة الربح. وأنا ليست لديّ مشكلة معها، لكن هذا النوع لا أقدمه أنا وبعض الآخرين”. وعن المجتمع المصري الراهن، قال: “أراه (ملخبطًا)، شديد التطرف من جهة، وشديد التساهل من جهة أخرى. طبقة تشعر أنها تعيش في فلوريدا، وطبقة تشعر أنها تعيش في قندهار”.

إلى اللقاء:
توالت رسائل النعي من المثقفين المصريين على مواقع التواصل الاجتماعي، نذكر منها: «داود عبد السيد هو عازف الحزن المصري عبر الزمن، على خلفية من الفكاهة والمرارة والغضب الشفيف، والرحمة والرفق بالإنسان رغم كل دناءاته وانحطاطاته … هو عازف الألم المصري على خلفية الفكرة الواقعية والتحولات الاجتماعية المؤلمة … وهو عازف الروح المصرية في كل تحولاتها الدراماتيكية بملامح مصرية خالصة. الإنسان عند داود عبد السيد كائن هش، لكنه قادر على مراوغة الحياة.» (الكاتب والمترجم أشرف الصباغ)

«داود عبد السيد رحل بعد أن قدّم نخبة من أعمق ما أنجزته السينما المصرية في العقود الأخيرة. ومع اعتزاله، ورفضه لما رآه من ظروف سلبية تحصر السينما في دائرة الإنتاج الاستهلاكي الترفيهي، يفتح رحيله اليوم الأسئلة الكبرى التي تؤرق محبي السينما». (الأكاديمي والناقد السينمائي مالك خوري).

«برحيل المخرج الكبير داود عبد السيد تُطوى صفحة مهمة من تاريخ السينما المصرية… فقد خسرنا واحدًا من أهم مخرجيها». (الكاتب والباحث عمّار علي حسن).

ويُختتم بعبارة للكاتب والروائي عزت القمحاوي: «رفض العام الثقيل أن يمضي دون أن يسلبنا جوهرة».

بيبلوغرافيا:
وُلد داود عبد السيد في القاهرة في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 1946. تخرّج في المعهد العالي للسينما عام 1967. بدأ مسيرته بعدة أفلام وثائقية، منها:
وصية رجل حكيم في شؤون القرية والتعليم” (1976)،
العمل في الحقل” (1979)،
عن الناس والأنبياء والفنانين” (1980).

ثم قدّم أفلامه الروائية:
الصعاليك (1985)، البحث عن سيد مرزوق (1990)، الكيت كات (1991)، أرض الأحلام (1993)، سارق الفرح (1995)، أرض الخوف (2000)، مواطن ومخبر وحرامي (2001)، رسائل البحر (2010)، وقدرات غير عادية (2015).

الجوائز:

حصل على جائزة العمل الأول في مهرجان أسوان الأكاديمي عن فيلم الصعاليك” (1985). ونال فيلم “الكيت كات” عدة جوائز، منها جائزة التفوق في السيناريو في المهرجان القومي للسينما (1992)، والجائزة الذهبية من مهرجان دمشق الدولي.

كما حصل فيلم “البحث عن سيد مرزوق” على جائزة الهرم الفضي من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي (1991)، ونال “سارق الفرح” الجائزة البرونزية من مهرجان دمشق الدولي، وجائزة الجمهور من مهرجان سورينتو (إيطاليا) عام 1995.

أما فيلم “أرض الخوف” فحصد الهرم الفضي من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، وجائزة السيناريو من مهرجان البحرين الأول، وأحسن فيلم وأحسن إخراج من مهرجان جمعية الفيلم (1999).

واختيرت أفلامه “الكيت كات” و”أرض الخوف” و”رسائل البحر” ضمن أهم 100 فيلم في تاريخ السينما العربية.

نال جائزة الدولة للتفوق (2004)، وجائزة الدولة التقديرية (2012)، وجائزة النيل في الفنون (2022).

 

(عن القدس العربي)