يكشف الناقد العراقي كيف استطاع الكاتب المصري أن يمزج في مجموعته القصصية عناصر الإمتاع الفني عبر أسلوب التداخل بين الواقع والأسطورة، واستخدام الكوميديا السوداء، وقلب المفاهيم، مع غنى الموضوعات وثرائها بمستويات المعنى والتأويل المتعددة وبصيغ السرد المختلفة بين صيغة الراوي العليم وسرد المتكلم.

مُتَعُ فنّ القصة المضافة إلى غنى موضوعاتها

في مجموعة «بادشاه» لسعد القرش

المثنى الشيخ عطية

 

لا يُلام القارئ كثيراً – وإن صَدَقَتْ مقولة كارل ماركس، في أننا «إذا أردنا التمتّع بالفن، علينا أن نمتلك ثقافة فنية» – إن لم يستمتع بنصٍّ فنيٍّ نتيجة نقصٍ في هذه الثقافة، بالقدْر الذي يُلام به النصّ نفسه (وتتساوى هنا الآداب والفنون)؛ إذ على النص مهما بلغ به الغموض المانع لاستمتاعٍ أكبر، أن يجرّ القارئَ بالدهشة والابتكار ومسحة الغموض المحيّرة نفسها، إلى إثارة شغفه للاطلاع أكثر، وامتلاك ما يساعد من ثقافةٍ فنيةٍ على التمتّع أكثر بأسرار النص الذي يثير الشغف. وفي هذا تساعد الدراسات والقراءات النقدية للنصوص وبالأخص منها التي تكشف أسرار كيفية إبداعها، في تزويد القراء بمفاتيحَ للمتعة تفيدهم، لكنها لا تعوّضهم عن ضرورة امتلاك الثقافة الفنية التي تجعلهم يستمتعون أكثر باكتشافات التشابك مع الثقافة الإنسانية والأساطير وتجارب التراث. كجزء من ثقافةِ معرفةِ كيفية بناء التشابكات والنصوص التي تثير دهشَتهم، وتزيد من متعة عيشهم للنص الذي يقرأون. سواء كان قطعة موسيقية، لوحة تشكيلية، فيلماً، مسرحيةً، مجموعةً شعريةً، روايةً، أو مجموعة قصصٍ قصيرةٍ.

محورٌ لمستويات المتعة:
مثل مجموعة الكاتب والروائي المصري سعد القرش «باد شاه»، التي ينتظم اختيار عنوانها مثل بقية عناصر تكوين قصصها، منفردة ومع بعضها كمجموعة، ضمن الثقافة الفنية التي تزيد متعة القارئ كقصص إضافية داخل القصص، إن لم نبالغ بالقول كأبطال يمنحوننا متعة التفاعل معهم كأبطالها. حيث لا يختار الكتّاب الخبيرون مثل القرش عناوين كتبهم عبثاً، إذ هم يعرفون أن القراء يبحثون بجدّية في هذا التفصيل الذي يدلّل على ماهية المجموعة ككلّ. ويعيشون متعة اكتشاف مدى تعبيره عنها. وبالتأكيد هم لن يجدوا الجواب في «لأنه يمثل أول قصة في المجموعة»، أو «لأن سِيَر الملوك أكثر متعةً من سِيرِ البسطاء»، كما يوحي بهذا الاسمُ. وإنما فيما يكتشفونه بعد القراءة من ارتباط خفيّ لمعظم قصص المجموعة ببعضها على محور شخصية «باد شاه»، التي تتجلّى في الخلفية، شخصيةً واقعيةً وأسطوريةً في ذات الوقت بارتفاعها إلى التقديس، وبما يعكس تراكب وجهي الواقع والأسطورة في المجموعة، من قبل شخصيات هذه القصة التي تدهش القارئ بإيحاءاتها ومجازاتها وكشفها:
في وجه أول: عن آلية أسر البشر لأنفسهم بقيد الأوهام، واستكانتهم إلى عالمِ عطالةٍ لا يحرّكه سوى التسبيح لولّي النعم زعيم القرية «باد شاه»، والتطلّع إليه وإلى التبرّك بلقائه المستحيل كما لو كان إلهاً؛ رغم عدم معرفتهم، وعدم أهمية هذه المعرفة في وهمهم أصلاً. كما بطريركِ ماركيز، إن كان قد بقي حياً أو أنه مات؛ في ظلّ الفقر الذي يكسر شخصياتِهم ويجعلها أسهل هشاشةً واستكانةً على التطويع، حيث: «تحملهما عربة يجرّها حصان إلى البيت الكبير، مؤمنين بأن عيونَهم الكليلةَ لا تحتمل بهاء طلعة بادشاه، ويتمنّون أن يتكرم بالإطلال عليهم، للحظةٍ، ولو يدفعون أعمارهم لقاء هذا التجلّي، وهذه الجموع تؤخّر وصولهم، والناس يتزاحمون، ويتواصل توافُدُهم، ويفترشون الممرّ الصاعدَ إلى الربوة، والبيتُ الكبير تحيطه غيوم المساء، مرشوقٌ في السحاب، لا نافذة يضيئها مصباح، حتى الباب الكبير قال العائدون من عنده إن الصدأ أصابه. ولا أحد هناك يسمع الصائحين، لا أحد يأمر، لا أحد ينهى، لا أحد من الداخل يفيدهم بأن بادشاه فارق أو أنه لا يزال راضياً عنهم، لا أحد يجيب، لا أحد يأتي بخبرٍ، فيرتعبون ويتلاومون، ويسارعون إلى الاعتراف بالتقصير، لا يكفيهم الإقرار بذنوب يجهلونها، فيبحثون عن حجارة، ويُسعفهم الوافدون الأغراب ببيع المقارع».

وفي وجه ثانٍ: عن النار التي تتوهّج داخل الإنسان وتجعله كذلك يعصي بكلا طرفي زوجيه «الآدمي والحوّائي» الأعراف والمعتقدات والمحرّمات، في دارِ وليّ النعم بعد إنقاذه لهما من الطوفان، فيفترعُ مبروك أنيسة، كما لو ركبه عفريت «بجنون، ولا يستحيي من صاحب الدار، ولا من جيرانٍ لا يعرفهم، أنقذهم المختار في ذلك اليوم، وكانوا مطمئنّين يستقبلون سنية ومبروك بكرم أصحاب بيت، أريَحية لا تشي بأنهم ضيوف نجوا بمصادفة».

ويفجّر هذا الافتراعُ العصياني، قناة النسل التي ظنّا أنها عقرت، وينجبان توأمين، بحسبانٍ إبداعي يداخل به القرش الواقعَ بأسطورتي الخلق والطوفان، حيث «لا ينسى مبروك أيادي امتدّت إليهم بمناشف والصبي يرتعد، وبثياب على مقاسهم تماماً كأنّ لدى رب السفينة عِلْماً مسبقاً بالكارثة». وحيث لا إله يوجد من غير شيطان، في ظلّ الفقر المدقِع كذلك، يُكمل القرش محورَه مباشرة بقصة «البحث عن شيطان»، حيث يلجأ شيخ الجامع رمضان إلى ربّه، حين يتوقف الناس عن ارتكاب المعاصي بتأثير خطب الجمعة التي كان يلقيها عليهم. ويتوقفون عن إعاشته بهداياهم إذ لا حاجة للخوف منها، ويرجوه أن يرسل شيطاناً يوسوس في صدورهم، ويجعل من نفسه موضوع الوسوسة بسرقة حصير الجامع، كي يكون موضوع خطبة الجمعة التي يتدفق بعدها الخير عليه.

ويكرّ القرش بقية حبّات عقد قصصه الإحدى عشرة، المضاد معظمُها لحبّات سبّحة واقع الفقر الذي اختار مكانه بقرية «أوزير» المصرية المعزولة من مدينة سمنود، في الزمن الملكي، والتي تشكل مكاناً مثالياً يعكس كل مكان تتولّد فيه حاجة الضعفاء الذين يضربهم الفقر أو التفقير إلى سند وعزاء فيلجأون إلى شيوخ الدين.

متعة التشابكات:
في ظلّ عنوان بادشاه المحوري، الذي يعكس علاقة الدين بالبشر، لا تبتعد القصص في الجوهر عن الارتباط ببعضها على اختلاف زمن التناول. فقصة «مناجاة» التي يصوغها القرش بارتداء قناع العبد «وحشي»، قاتل «حمزة» الذي أدمى قلب ابن أخيه الرسول محمّد، والسّرد بصيغة المتكلم بلسانه، في مناجاته لربه حول مآلات فعلته، لا تختلف ماهيتُها بين التاريخ والواقع الحاضر، ولا تبتعد عن المحور الذي يعالج مسألةً وجوديةً لا تاريخ لها هي الخيار. إذ يتخلّل القصة بالإضافة إلى كشف سلوك العبد ومطامحه واستغلال السادة لأحلامه في تنفيذ مآربهم، قضايا فلسفيةٌ تمرّ بجوهر طبيعة الدين، وجوهر الاختيار، حين يخيِّرُ الرسول وحشياً بـألا يريه وجهه «إن استطاع»: «متى كنتُ يا رب حرًّا فأختار؟ قبلَ أُحُدٍ كنت عبدًا، وبعد أُحُدٍ ما صرتُ حرًّا، صدق السادة وأوفوا بالعهد، ونزعوا عني الأغلال، وتركوني أسيرَ لوني، رهينَ ميراثي الاستعبادي، وعمّدوا حريتي بالدم، هي الحرب والقتال، والسيدةُ تذوّقت الدم، بقرتْ بطن حمزة، ولاكت كبده، فلم تستسغْها، فألقتْها، وأنا لم أمضغ كبداً، وأخاف الجثث، أخافني الحمزة حيًّا وميتًا، هو أعزّ من أن يقتله عبدٌ مجهولٌ لا يحبّه ولا يكرهه، عبدٌ منح حمزة الشهادة، حربتي رفعته إلى منزلة أسد الله، وأنا عبدٌ مغلوب، ما كان في تلك المرة مأموراً، اخترتُ حريتي، ولا أملكُ إلا قوتي، ونعمةَ تصويبٍ أنعمتَ بها عليّ».
وقصة «الداخل»، التي يختلط فيها عالما النوم واليقظة، الحركة والسكون، والجنة والجحيم في تراكبٍ كابوسي يشابك العوالم المختلفة. وقصة الفرارجي التي ترسم وتكشف خوارزمية النجاة الجارية بالفهلوة والانتهازية في عالم التمييز والفقر القاهر الساحق، وتردُ بها أسماء الواقع مختلطةً بأسماء حيواناته الهجينة لتماثل تاريخ عهد الملكية في مصر بحاضرها.

وقصة «ذاكرة المرايا» التي يختلط فيها زمن الانتصارات بزمن الهزائم بزمن الخيانات في اختلاط حرب أكتوبر بحرب الجيش المصري خارج أرضه في العراق، بذهن سائقٍ عسكري يبدو أنه كان سائقاً لبطل حرب أكتوبر سعد الدين الشاذلي الذي أبعده السادات لتمرير اتفاقيات السلام مع إسرائيل، وأذاقَه مرارة الانتصار، مع إهداء القصة لهذا البطل.

ومجموعة قصص «خمسة أطياف» التي كُتبت في مرحلة سابقة على القصص الست السابقة لها، ويعالج فيها القرش مسائل الوجود والموت، وواقع الفقر المدقع القاسي، بحدّ سكّين فن القصة التي تتماثل مع سكّين الولد الفقير حسن الذي يتبادل مع أخيه الأصغر لبس الحذاء الواحد الذي لا يملكان غيره، في دوامهما المختلف بالمدرسة. وحين تضحّي الأم ببيع الخروف الوحيد لديهم لشراء حذاء له، يُسرق منها كيس النقود، ليخرج حسن بإيعاز منها شاهراً سكّينه الصغيرة، كما سكّين فنّ قصص القرش، على الناس.

متعٌ إضافية:
إلى جانب ما يستمتع به من موضوعات القصص وارتباطات المحور بالمستويات، تتولّد لدى القارئ في متن هذه المستويات مُتعٌ إضافية تزوّده بها الثقافة الفنية، ويمكنه معها اكتشاف وعيش جمال:
ـــ أسلوب التداخل بين الواقع والأسطورة في قصتي «باد شاه» و «البحث عن شيطان»، الذي يتشابك فيه واقع الشخصيات الثنائية: سنيّة ومبروك، وسكينة ورمضان، بأسطورة آدم وحواء، في تمييز القرش لهذا التداخل، بإلباسهما عباءة إخفاء يستمتع القارئ باكتشافها. واكتشاف ما يجريه القرش عليها من إضافات مثل وقوف سكينة ضد زوجها رمضان في نيته استدعاء شيطان الشرّ، وتوبيخها له؛ على عكس ما قدّمته التوراة من أن حواء هي قرينة الشيطان التي أطعمت تفاحة المعرفة لآدم.

ـــ أسلوب الكوميديا السوداء الذي يستخدمه القرش هنا أيضاً بخصوصية القصص، كما في رواياته، من مثل طلب شيخ الجامع من الله كما أسلفنا تزويده بشيطان يحيي فيه إعادة الخوف من المعاصي في خطبة الجمعة، لإعادة استرزاقه. ومثل تعليم الفرارجي استراتيجية النجاة بأسلوب الانتهازية لابنه كتوريث، في كشف خوارزمية النجاة بالانتهازية في قصة «الفرارجي».

ـــ أسلوب قلب المفاهيم وتوشيحه بالكوميديا السوداء كذلك، في أسلوب السّرد الذي لا يكتفي القرش بتنويعه بين صيغة سرد الراوي العليم في أربعة قصص من المجموعة، وصيغة سرد المتكلم في القصص السبع الباقية. وإنما يضيف له جعل الراوي هو الأم الميتة التي ينكسر قلب ابنها بوفاتها إليه، في قصة «لو» من مجموعة قصص «خمسة أطياف»، التي تُسرد جميعها بهذه الصيغة حيث يتدفق قلب الأم بكلام التحسّر: «حول القبر يتحلّق الناس، يغسلُ العرق وجوههم، يتعجّلون، يريدون الانصراف. يقترب مني، أرفع الكفن عن وجهي، لو تسمعني، دموعك على ظهر كفي لم تجفّ، لو ينبض قلبي بتأثير دموعك التي تُبلل الكفن!».
وفي هذه المتع التي يتيحها التزوّد بثقافة فنية يعيش القارئ كذلك متعة شاعرية لغة هذه القصص، رغم اقترابها من بساطة حياة الفقراء، وتميّزها بغنى التصوير المشهدي الذي يفتح له باب عيش القصص كما فيلم عميق وساحر وغني بالمعرفة.

 

سعد القرش: «بادشاه»
دار الشروق، القاهرة 2025
105 صفحات.

 

عن (القدس العربي)