امتلكت المناضلة الفلسطينية ليلى شهيد (1949-2025)، حضورًا متميزًا في مقاومتها للاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين. وشكّل حضورها منذ تسعينيات القرن الماضي، في مجال الإعلام الغربي، والفرنسي على وجه الخصوص، علامة كبرى من علامات محاصرة ونقد الهيمنة، التي تمارسها السردية الصهيونية في دوائر الإعلام الغربي، ومنذ رحيل أسرتها المقدسية بعد النكبة 1948 إلى بيروت، حملت راية الوطنية الفلسطينية في المنفى. وساهم انخراطها المبكر في منظمة التحرير الفلسطينية، خلال فترة إقامة أسرتها في بيروت، وعند انتقالها لإتمام دراستها الجامعية في باريس، كما ساعدها محيطها الأسري وشروط العمل السياسي الفلسطيني في ستينيات القرن الماضي، قبل هزيمة 1967 وبعدها، في تكوين وعيٍ سياسي مبكر، مكّنها من معاينة جوانب من التحولات التي ارتبط بها النضال الفلسطيني، زمن انطلاق منظمة التحرير سنة 1965، وقد ساهمت هزيمة 1967 وما ترتّب عنها من دروس، في مزيد من دفعها إلى ولوج دروب العمل السياسي، وداخل التنظيمات الطلابية لفتح، تعرفت على مختلف فصائل الكفاح الفلسطيني، فتمكّنت من امتلاك القدرة، على بلورة وبناء الموقف الوطني الفلسطيني.
شكّلت ليلى شهيد امتدادًا قويًا لأطر منظمة التحرير في المجال الإعلامي والثقافي ثم المجال الدبلوماسي، واستطاعت نسج شبكة من العلاقات، مع قِوى التضامن العربية والعالمية، المساندة للقضية الفلسطينية، وكانت تتحرك داخل أوروبا لمواجهة الأخطبوط الإعلامي الصهيوني، مُحَاوِلة كشف عنصريته ومخططاته المتمثلة في عمليات الاستيطان والضم، دفاعًا عن الوطنية الفلسطينية ومشروع التحرير. وساهم حضورها القوي في الإعلام الغربي، في نقد وزحزحة المبادئ الكبرى للسردية الصهيونية.
جسّدت بمواقفها القوية، في الإعلام الفرنسي، أهم أسس المشروع الوطني الفلسطيني. وكانت حواراتها ومناقشاتها تتمتع بكثير من الوضوح والإقناع. كانت تعرف جيدًا أنها تواجه في القنوات الفرنسية مخالب وأساطير الصهاينة، وساعدها تكوينها وحسّها الوطني على التسلح بلغة ومنطق التاريخ، الأمر الذي جعلها ترسم بحضورها القوي في الإعلام، وبأكثر من لغة، طريقة خاصة في الدفاع عن عدالة قضية شعبها، وقد تمكّنت في كثير من البرامج التي تبثها القنوات الفرنسية بحضور دهاقنة الصهيونية، من الدفاع عن شعارات وطموح شعبها. ولا بد من الإشارة هنا، إلى أن ليلى شهيد ابنة المخيمات الفلسطينية في لبنان، عاصرت كل ويلات النكبة والهزيمة، حيث طُردت أسرتها من فلسطين بعد النكبة سنة 1948، وعاشت في بيروت، حيث تعلمت وكانت أول رئيسة لاتحاد طلاب فلسطين في فرنسا.
|
جسّدت ليلى شهيد بمواقفها القوية، في الإعلام الفرنسي، أهم أسس المشروع الوطني الفلسطيني (Getty) |
تزامن حضورها الدبلوماسي في بعض الدول الأوروبية، في أيرلندا ثم في هولندا وفرنسا وبلجيكا، مع أكثر المراحل قسوة في تاريخ النضال الفلسطيني. تزامن مع اتفاق أوسلو 1993، وبداية انقسام حركة التحرير الوطني الفلسطيني، وأصبح النقاش من أجل مطلب التحرير، يقتضي التسلح بقواعد أخرى في الحوار، تعيد موضوع الاحتلال الصهيوني إلى أصوله ومنابعه الأول، الأمر الذي يتطلب آليات جديدة في التحليل، للتمكن من خلخلة ثم كَسْر الجدران التي بنت الصهيونية، في الأرض وفي الوعي المُصاحِب لعمليات استيطانها لفلسطين. وعندما أصبحت ممثلة لمنظمة التحرير لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل، ازدادت مهمتها صعوبة، بحكم ما ترتّب على اتفاق أوسلو، من اتّساع فجوة الانقسام بين ممثلي المشروع الوطني الفلسطيني. وطيلة الحرب الأخيرة على غزة، ظلت ليلى شهيد تحافظ بكثير من القوة، على المواقف التي تجعلها قريبة من الأصول التاريخية للقضية الفلسطينية. وقد استطاعت طيلة زمن المواجهة مع عدوان الإبادة الصهيونية الغربية المتواصلِة على غزة، فَضْح جرائم الحرب الجديدة، التي لا تُمَارَس اليوم على غزة وحدها، بل على مختلف الأراضي الفلسطينية المحتلة، مستخدمة آليات أخرى في التحليل، تحدثت عن العنصرية وعن الاستيطان والحصار، التي يواصل الكيان الصهيوني فرضه على الشعب الفلسطيني.
آمنت ليلى شهيد بأن الدبلوماسية تُعَدّ فعلَ نضالٍ أولًا، وظلت تعلن أنه لا تسامح مع العنصرية وأساليب التوسع الصهيوني، ولا مساومة على الحق. كما ظلت حريصة بعد انتهاء مهامها الدبلوماسية، على مجابهة صلابة جدار الصهاينة بلغة التاريخ والقانون، أي بلغة المقاومة، حيث لا يمكن وقف مشروع الإبادة إلا بمزيد من المقاومة، وضمن هذا الأفق، دافعت باستماتة عن طوفان الأقصى، وانتقدت بحدّة أيضًا معاهدة التطبيع. نفتقد ليلى شهيد في زمن تحول عاصف، في مسار تطور القضية الفلسطينية، مسار أصبح فيه الانقسام الفلسطيني، عنوان تراجع عن أهم الشعارات، التي تشكلت في قلب المواجهة والصراع طيلة عقود القرن العشرين، وساهمت في ضبط إيقاع الحروب والانتفاضات ومختلف أشكال المقاومة، التي ابتكر الشعب الفلسطيني وقواه الحية، من أجل العودة لأرضهم.
نفتقد المناضلة التي كانت تقوم في دوائر الإعلام الصهيوني في الغرب، بكل ما يدفع محاوريها إلى الاستماع إلى بعض أسئلتها، وهي ترد على أسئلتهم، كما كانت تشعرهم بقوة التحليل الذي تمارس، لتجعلهم أحيانًا يشعرون بالحرج، وأخرى يواصلون الدفاع عن السردية الصهيونية، دون اهتمام بضحالة حججهم وفقرها المنطقي والتاريخي. كانت دبلوماسية مسلّحة بمقتضيات الخطاب الدبلوماسي، وقواعد الجدل العقلاني التاريخي، وقد تعلمت عدم الفصل في النظر للقضية الفلسطينية بين السياسي والثقافي، بحكم تكوينها وبحكم نسيج العلاقات التي ركّبت طيلة مسارها النضالي، ولأن المنتظم الدولي والغرب الإمبريالي لم يتخلص من جبروته، في موضوع تحرير وطنها وشعبها، فقد استطاعت رَسْم طريقتها الخاصة في النضال الإعلامي، مُسْتَخْدِمَةً في أحاديثها ومواقفها اللغة المناسبة والصوت المناسب، لمجادلة من يحاورها دفاعًا عن قضية شعبها.
لا نتردد في وصف صوت وموقف ليلى شهيد بالهادئ والمؤثر والمقنع، وقد أصبحت خلال تسعينيات القرن الماضي، من أبرز أصوات القضية الفلسطينية، في الإعلام وفي الجامعات وفي دوائر السياسة. ساهمت بفضل تاريخها النضالي في المنفى، في تحويل النقاش في موضوع القضية الفلسطينية، من مستوى الشعارات إلى مستوى التحليل المستند إلى معطيات التاريخ والقانون، وكل من يتابع صور مواجهتها في القنوات التلفزيونية الفرنسية، وهي تردّ بكثير من الدقة والوضوح على خطابات ودعاوى ممثلي الصهاينة، يُدرك أن مواجهتها لم تكن سهلة. كانت مواقفها تدفعها إلى العمل في جبهتين، تسفيه حجج الصهاينة، ويكون التسفيه باستخدام كل ما يسمح بإبراز صوّر الخلل في الحجج المُوَظَّفة، مُحاولةً بناء ردودها باستخدام لغة القانون والعقل والتاريخ. وبهذه الطريقة، تمكنت من رسم صورة قوية لأنماط حضورها السياسي والإعلامي.
خلّفت ليلى شهيد تاريخًا من النضال المستميت وسط دوائر الإعلام الغربية، فقد كان حضورها في البرامج السياسية الحوارية مع دهاقنة الإعلام الصهيوني، يجعلهم في مواقف صعبة. تعلمت من تجاربها الطويلة في النضال أن المعركة مع الصهيونية صعبة ومعقّدة؛ الأمر الذي يتطلب كثيرًا من ضبط النفس، وكثيرًا من الترتيب في المنازلات الإعلامية، ضبط درجات الانفعال، وانتقاء اللغة المناسبة لحظات بناء الردود والمواقف المُناسبة، من أجل إفحام المخاطب، ودفع المُستمع والمُتابع إلى متابعة منطق الرد ونتيجته.
شكّلت ليلى شهيد امتدادًا قويًا لأطر منظمة التحرير في المجال الإعلامي والثقافي، والمجال الدبلوماسي أيضًا، واستطاعت نسج شبكة من العلاقات مع قوى التضامن العربية والعالمية المساندة للقضية الفلسطينية، وكانت تتحرك داخل أوروبا لمواجهة الأخطبوط الصهيوني، وفضح مخططاته في الاستيطان والضم، دفاعًا عن الوطنية الفلسطينية، وساهم حضورها القوي في كثير من قنوات الإعلام الفرنسي، في زحزحة المبادئ الكبرى للسردية الصهيونية.
عن (ضفة ثالثة)