المبدع إنسان ذو طبيعة خاصة، يأبى أن يسير فى القطيع، ويعلن الثورة على كل ما هو تقليدي أو نمطى، فى المجتمع من حوله. فإذا كانت الحكومات -فى وطننا العربى- تسعى بكل ما تملك، أن ترسخ فى الأذهان أنها هى أو الفوضى، ويتمسحون فى الدين فترة، وبالقوة التى تخولهم إياها السلطة، مرة أخرى، لذا فالمبدع -غالبا- ما يقف على يسار السلطة، مستخدما وسيلته التى يبعث بها رسالته إلى جمهوره الذى يقف صامتا غير قادر على أن يبدى رغبته فى إنتقاده للسطلة المتسلطة عليه. غير أن تلك الوسيلة، هى أيضا مكبلة بالقيود التى توارثتها الأجيال، فهو يضرب بها عرض الحائط ويأتى بما يمكنه من توصيل رسالته. مثلما يقول د خالد يوسف[1] { والأديب هو الإنسان الذى يقع عليه عبء الوظيفة أو الرسالة التى يمثلها. ويقف قبالته الذين لا يملكون الرغبة أو المكنة لمزاولة هذه الفاعلية، وإن ينتج الأديب فى ظروف عصره، مستخدما التقنيات الفنية والأدوات المتوفرة فى ذلك العصر، إلا أنه فى الوقت نفسه لا يبقى محصورا على نحو ضيق فى هذه الأطر. بل يتخطاها، أو يحاول تخطيها. فى حين أن الموظف يرتقى الحدود والحوادز التى تحد من نشاطه وفاعليته}ص8 .
فإذا كان على المبدع أن يقدم المشاكل، والتى تتطلب الأيحاطة بها من الجوانب الكثيرة، فكان عليه أن يتخطى حاجز الزمن، فضلا عن الرغبة فى التجاوز للكثير مما هو قائم، فكان عليه أن يتحدى ما عُرف بالقصة القصيرة جدا (القصة بدون قصة)، وأن يخلق لنفسه ما يستطيع به أن يقدم رؤيته، فكان أشرف الصباغ، أحد هؤلاء الذين يسعون لتقديم الجديد والثورة على القائم. فقدم مجموعته "مدينة الخريف الدائم"[2]. والتى يحمل العنوان فيها (الخريف) الدائم، اى المستمر، لذا فقد مر -من خلال القصص- إلى التاريخ المصرى، منذ ما قبل 1952، وما بعدها، وكأن شيئا لم يتغير، بل استمرت ذات العادات والتقاليد التى تتحكم فى سلوك البشر. فأشرف الصباغ، رغم أنه دارس للفزياء والرياضيات، وما يتطلبه ذلك من الإنحصار داخل المعادلات العملية، إلا انه ضاق بالحدود، فهرب إلى الصحافة، التى أتاحت له التنقل ومتابعة الأخبار والبشر فى مناطق كثيرة من العالم. راح يتأمل فيها البشر، كيف يعيشون، وكيف تتم معملاتهم من المسئولين، فراح يؤرخ للإنسان فى كثير من بلدان العالم. وكان من الطبيعى أن يدرس الإنسان فى بلده، فهرب من الصحافة للأدب، الذى يكره القيود، ويكره السجن، فراح يؤلف الكثير من الروايت، ومن المجموعات القصصية، مثل أول فيصل ، لارا ، ثم مدينة الخريف الدائم. فإذا ما تأملنا هذه الإبداعت القصصية. لابد أننا واجدون أشرف الصباغ فيها، بلغته الساخرة، بعفويته التى لا تتورع عن قول ما يظنه الآخرون لا يصح. بخبرته المتعمقة فى تاريخ الشعوب ، وخاصة الشعب المصرى الذى نجده كثيرا فى هذه المجموعات، وخاصة المجموعة الأحدث "مدينة الخريف الدائم". والتى تتبع فيها مسيرة الإنسان المصرى عبر التاريخ. وهو رصيد يسمح له بالتجريب، وتخطى ما اصطلح عليه فى القصة القصيرة. من مفاهيم، خاصة وأن الظرف التاريخى يحتم عليه ذلك، والعودة إلى القصة عند أول علامة فى التجريب والتطوير، عند يحيى حقى، الذى كانت عنده القصة تمتد، متجاهلا ما عرف بعد ذلك عند يوسف إدريس، الذى نظر إلى القصة القصيرة، على أنها اللحظة أو الموقف الواحد. فتنوعت عند الصباغ – ما أسميناه بالزمن الداخلى- بينما الزمن الخارجى، أو الإطار الذى يجمع القصة كلها- فى نهاية القصة، بحيث تتناول القصة من البداية وحتى النهاية، رؤية واحدة، وإن حملت فى داخلها ذلك التنوع، والتغير فى المكان، الأمر الذى يسمح بعقد المقارنة، بين ما كان، وما هو كائن. ربما كان الفارق الأهم بين قصة يحيى حقى وأشرف الصباغ، هو أن الأولى تهتم بالشخصية، بينما الثانية تهتم بالحياة الاجتماعية، وربما كان ذلك هو الفارق فى الزمن، حيث غابت الشخصية فى الزمن الحالى، وأصبح ما يهتم به أى إنسان هو ذاته ما يهتم به غيره – وربما كان ذلك -حينها- لوقوع البلاد تحت الإحتلال، فكان البحث عن الشخصية القوية التى تستطيع التخلص من المستعمر- مثل سعد زغلول- إلى جانب الوصف الخارجى للشحصية. لذا كانت التعبير عن الحياة الاجتماعية، هو ما يتمشى مع الزمن الحالى، والذى لايستطيعه الفرد- أيا كان- أن ينقذ البلاد مما هى فيه، فكان البحث عن المجموع، او تغيير ما توارثته الجموع من التراث، فضلا عن أن الصباغ ترك الكثير لفطنة القارئ ، الذى أصبح له وجود، وعليه أن يقرأ ما بين السطور .. فضلا عن أسباب أخرى تُحتم تناسى الزمن اللحظى، الذى تحدث عنه يوسف إدريس، وسار وراءه الكثيرين، خاصة من أبناء الستينيات من القرن العشرين.
ولا شك أن أشرف الصباغ، يعلم جيدا الشروط التى تجعل من القصة، قصة قصيرة، بدليل أنه إلتزم بها فيما قدم من إبداعاته فى المجموعات القصصية والتى بدأت ب "قصيدة سرمدية في حانة يزيد بن معاوية" والتى قدمها فى العام 1996. حيث توالت المجموعات لتصل إلى ثمانى مجموعات قبل أن يقدم مجموعته الأحدث "مدينة الخريف الدائم" – والتى هى موضوع تناولنا-. فضلا عن قراءاته فى قصص الكتاب الذين قدم ترجمات لأعمالهم. ولكنه يؤمن بأن الإبداع رسالة، وكى تكتمل الرسالة، عليه أن يلم بها جميعا، من جميع الزوايا، مسلحا بما استقر فى وجدانه، من سفرياته، وعمله فى روسيا، وكأنه يقوم بعمل مقارنة بين ما هو فى الخارج وما هو فى الداخل، متمنيا أن يرى الداخل على شاكلة الخارج, فحصر كل قصص المجموعة الأحدث -تقريبا- بالرسائل، للمسئولين، وللشعب أيضا، فكلاهما طرفى مقص، لا يستطيع واحد منهما أن يعمل بدون الآخر. وقد بدأ الكاتب المجموعة بمفتتح يفتح الأفق على اتساعه، ويساعد القارئ إلى ما يرمى إليه فى هذه المجموعة. حيث يقول المفتتح:
الوجه الآخر للمأساة قد يكون مضحكًا حد البكاء.
إلى أصدقائي ماسحي الأحذية
وبائعات الصحف على الأرصفة
حيث يُرشد القارئ ألا ينخدع بما فى المجموعة من سخرية، فهناك وجه رؤيا وراء السطور، ووراء هذه السخرية. ما يجعل القارئ يبكى، لا أن يضحك. كما أنه يحدد الطبقات التى تصاحبه فى هذه الرحلة، وهو ما يوضح أن الكاتب نزل- وهو الذى حصل على بكالوريوس العلوم قسم الفيزياء عام 1984، وماجستير الفيزياء النظرية والرياضية من كلية الفيزياء، جامعة موسكو الحكومية عام 1990. لكنه نزل إلى الأصدقاء من ماسحى الأحذية وبائعات الصحف على الأرصفة، والذين نستطيع بيسر أن نجد لهم وجود فى غالبية القصص، أى انه نزل إلى قاع المجتمع ليستخلص جوهر الإنسان المصرى الذى لم تلوثه الثاقفة، رغم أنه منهم.
ففى أول قصص المجموعة "الخريف الدائم"، يتحدث السارد، ويطلب المزيد، وكأنها حدوتة قبل النوم، حول خطوبة والده لنازلى هانم، قبل أن يتزوج أمه وينجباه، التى تنتمى إلى فرع العائلة الغنى، ساكنى العباسية، بينما يسكن الفرع الفقير- والذين منهم السارد- فى سكة الوايلة، بالقرب من القصىر الجمهورى، - ومن هنا يمكن أن نلحظ أن الكاتب حدد بداية قصصه بالقصر الجمهورى، حيث أن هذه إشارة عنى أن التاريخ يرجع للعام 1952- وصار للتقرب من ذلك الفرع الغنى فى العائلة {" كما أننا اصطلحنا في البيت على عدم استخدام التسميات "البلدي" من قبيل "ستي" و"سيدي" و"عمي" و"خالي". لم نكن أقل من هذا الفرع الغني الذي يقول "نينة" و"تيتة" و"تيزة" و"هانم" و"أونكل"}. بينما بعد أن عاد الوالد من عند "نازلى هانم، ولم يكرر الزيارة، لما علم بالزيف والخديعة التى رتبوها، لدمامة نازلى هانم {خرج أبي من هناك ولم يعد أبدًا. وبعد بضعة شهور، تزوج من أمي وأنجباني. وأصبح أونكل فهمي، هو عمي فهمي. وصارت تيتة كريمان، ستي كريمان إلى أن ماتت}.وهنا نستطيع أن نقرأ أن الطبقة العليا كانت مستقلة عن الطبقة الأدنى، او أن هناك انفصال بينهما. وأن الخداع كان هو السمة الأبرز فى العلاقة بينهما، وكأنه انفصال بين الطبقتين، وكأن الطبقة العليا -دائما- منفصلة عن الطبقة الأدنى. فهل تغير الأمر بعد العام 1952؟ .
طبيعة مصر بين جيلين
أجاد أشرف الصباغ وصف الرجال، وأحوال النساء، بحيث يمكن الشعور بما بين الجيلين من تفاوفت فى المظهر، ففى وصفه للعم ابن الجيل السابق، يقول {لكنه أحيانًا يتشبث برأيه ليتحول إلى تيس مشاكس وشرس. لم يكن يهتم كثيرًا بالبنات. وكانت أمي تُرْجِع ذلك إلى كونه مُعَلِّمًا محترمًا}، حيث كان المُعلمة حينها له إحترامه، وبينما هم فى طريقهم للعروس- التى رشحتها الأم للعم، يقول العم { "عادة يأخذون علبة حلويات. سنشتري واحدة من أي محل في العباسية} بينما يصف ممدوح ابن العصر الحديث بقوله {". كنتُ أصدِّع رأسه بحكاياتي عن الفتيات، وأسرد له مغامراتي مع كل بنات المنطقة. وعندما كنتُ أبالغ كثيرًا، كان يضحك ويغيِّر الموضوع. لكنه لم يكن يحكي لي أبدًا عن مغامراته}. وبينما هم ذاهبون لمقابلة العروس يقول ممدوح {" قلتُ: "ولكن ما رأيك لو أخذنا بوكيه ورد محترم. الورد له مفعوله على النساء. وهذا يُحسِّن من منظرنا أمامها. أليس من الجائز أن تكون العروس رومانسية؟". ابتسم وقال: "لنأخذ بوكيه ورد} ثم يضيف العم { ونلمع أحذيتنا من باب الاحتياط. فالحذاء أيضًا جزء مهم من شخصية الرجل". رحتُ أمازحه ضاحكًا بأنني أول مرة أسمع هذا الموضوع. وإذا كان حذاء الرجل مُهمًا في نظر المرأة، فالأمر سهل}. حيث نظرة التحفظ والمظهرية فى الجيل السابق، بينما روح المغامرة، والتجريب فى الجيل الحالى، والخبرة بالنساء. وعلاوة على ذلك يكتشف -ممدوح والعم – اثنين، واضح أنهما من جيلين مختلفين { وقبل أن نقترب من المدخل، وعلى بعد حوالي عشرة أمتار، فوجئنا بشاب وامرأة، يبدو أنها والدته، يخرجان من مدخل البيت في عجلة ويدور بينهما حديث تتخلله كلمات متقطعة. كان الشاب أنيقًا فارع الطول يرتدي ثيابًا فخمة وحذاء لامعًا ببوز رفيع، بيده بوكيه ورد. بينما المرأة تحمل علبة حلويات ضخمة مربعة الشكل وكيسًا بلاستيكيًا تصدر منه أصوات اصطكاك معادن وزجاج. كانا يتحدثان بعصبية واضحة ويتبادلان كلمات عتاب ولوم. مرا من جوارنا وهما يواصلان حديثهما العصبي وهما يوجهان لبعضهما البعض اتهامات ما، والأم تحاول أن تهدئ من روعه}. كما تبدو المغامرة فى التصرف بعد أن انصرفوا من عند العروس، الطفلة، رغم أنها تخرجت من الجامعة، حيث تبدو روح المغامرة على ابن الجيل الجديد، بينما التحفظ على سلوك العم، والذى ينتمى إلى الجيل السابق، عندما دعا ممدوح عمه لشرب البيرة فى العتبة {بسرعة أو ببطء، سنرجع على وش الفجر. فلماذا تريد أن نرجع بدري في حين أن رائحتنا ستسبقنا إلى أنوف المنطقة كلها. وليس من المستبعد أن تتشمم أمي أفواهنا وتفضحنا؟! خلينا نرجع براحتنا حتى نتأكد من أنهم ناموا. والصباح رباح"}. وكلها تكشف الفرق لا فى المظهر فقط، وإنما فى الفكر النابع ، والداخل فى أعماق كل من الجيلين. الأمر الذى يوضح أن هناك تحفظ، وهنا مغامرة. وكأنها دعوة مخفية من الكاتب تدعو للحركة.
المعلوماتية
عرف الأدب فى وقت متأخر، إضافة المعلوماتية من خلال الأدب، ولكن لمسايرة العصر، اصبحت المعلوماتية شيئا ذا أهمية فى الأدب، وإضافة المعلوماتية، وخاصة التاريخ، الذى تم التزييف فيه كثيرا، حيث تحول الأدب من عنصر للإستنامة، إلى عنصر تثقيف، ومعلومات، ويتوقف ذلك على قدرة الكاتب فى دمج هذه المعلومات فى نسيج العمل الأدبى. وفى هذه القصة يقدم الكاتب بعض المعلومات حول (بار) متاتيا، وصولا إلى فن المعمار الذى برع فيه الإنسان المصرى، فى القدم. وكأنه يعود بالتاريخ إلى ما قبل عام 1952{نظر عمي إليَّ بعينين حائرتين وقال إنه في نهاية المطاف، شاءت الأقدار أن تصبح عمارة متاتيا تجليا لفن معماري راقٍ من جهة، وأن يطلق نفس الاسم على إحدى المقاهي أسفلها من جهة أخرى، وأن يدخل هذا المقهى تاريخ الثقافة والسياسة في مصر من جهة ثالثة، وأن تكون "لوكاندة مصر" نفسها إحدى أركان هذه العمارة من جهة رابعة}. حيث يقول { بل هناك اختلاف على تاريخ بناء العمارة نفسها. هناك من يقول إن المهندس الإيطالي "متاتيا" بناها عام 1872، وهناك من يؤكد أنه بناها في عام 1875. وآخرون يؤكدون أن العمارة بُنِيَت في عام 1877}. وهنا يكشف الكاتب عن رؤيتين، الأولى المجادلة فيما لاطائل وراه، وهى خاصية اختص بها المصريون, والثانية غياب اليقين الذى يحسم التاريخ الحقيقى الذى بنيت فيها العمارة. وهى أيضا خاصية اختص بها المصريون، حيث الايقين فى شئ. فجاءت المعلومة -المباشرة- لتفضح أبعادا تدعو القارئ للتفكير فيها وفى ما وراءها.
وتُرجع المصادر عن تاريخ هذا البار {لم تُسجّل المصادر التاريخية أو تراث مقاهي القاهرة وجود "بار" أو حانة داخل عمارة متاتيا، بل شُيِّد أسفل العمارة مقهى متاتيا الشهير (الذي أُنشئ نحو عام 1875 في عهد الخديوي إسماعيل بميدان العتبة)، ولم يكن باراً لتقديم المشروبات الكحولية بل كان مقهى شعبياً وثقافياً وسياسياً بارزا}، وه ا يعيدنا أيضا إلى زمن الصالونات، التى اصبحت شكلية فى وقتنا الحالى- إن وجدت-ً. ويحدد الكاتب، السبب الذى من أجله أتى بهذه الإشارة – فى الوحدة الخامسة من القصة- { لم يكن يعرف أي من الجالسين أنه بعد عام أو اثنين فقط سيحدث زلزال يهز مصر كلها، ويدق أسافينه في جدران عمارة متاتيا ويحرمنا من جمالها وبهائها وسطوة حضورها. بل ولم يكن يعرف أحد أنهم سيزيلون العمارة بالكامل بعد سبع سنوات من الزلزال، ويتخلصون من بناء شامخ ظل واقفًا لأكثر من مئة عام ليشهد على تحولات التاريخ والعمارة وتوالي الحكام وعائلاتهم وزوجاتهم، التي يلخصها ميدان العتبة والشوارع المتفرعة منه}، وهو دعوة للقارئ أن ينظر حوله، ويعقد هو المقارنة الواجبة. وكأنه يريد أن يعقد المقارنة، أو المواجهة بين ما كان، وما يحدث فى الحاضر، وكأننا ندفن التاريخ، ونُنشئ تاريخا جديدا. {وهذه البواكي المنتشرة أعلى المحلات والبارات والمقاهي لم تكن لحماية الناس من حرارة الشمس ومطر الشتاء فقط، لكنها كانت مثل شجرة تلقي بفروعها على التاريخ وفي التاريخ، وربما مثل أم فردت أجنحتها لتحمي ليس فقط أجساد أبنائها من العواصف والنوات، بل وتحمي ذاكرتهم المعرضة للفقدان في أي لحظة}.
استغرقت القصة خمس وحدات سردية. طافت بها فى شوارع مصر، وفى تاريخها، لتعقد المقارنة بين ما كان، وما هو كائن، لتنتهى بالجملة الساخرة {في هذه اللحظة، أضاء وجه عمي فهمي بنور ساطع وقال لها في جدية: "اسمها نازلي"}. وكأنها تربط المقدمة بالمؤخرة وكأنها لم تفارق الموضوع الرئيس، فجمعتها وحدة واحدة، وكان لزاما أمام هذا التجول، وهذه الشخوص المتفرقة، أن تغادر اللحظة التى عرفت بها القصة القصيرة، فى زمن كان حتما أن تعيشها. وارتبطت بالسياسة، التى هى المحرك الأول فى علاقة المبدع مع نفسه، ومع الآخرين. فكانت قصة قصيرة بما يتواءم مع الظرف الحالى، لمسها المبدع المبتكر، الذى يستنبط روح الإنسان المصرى، ليقدم التاريخ الحقيقى الذى زيفه من بيده السلطة، والقدرة على أن يفعل ما يشاء.
وفى قصة "باب اللوق " إحتاجت الرسالة التى يوجهها الكاتب فى هذه القصة، إلى أن يمر عدد من الأيام، لذا كان تجاوز الزمن اللحظى ضرورة، فتغير الأسعار يحتاج إلى مرور الأيام. فقد تعود السارد إلى زيارة مطعم معين فى باب اللوق ، وراعه ما وجد من تعالى الأصوات، وإن لم يكن ذلك بجديد عليه إذ تعود السكان المحليين ف { لم يكن كل هذا غريبًا بالنسبة لنا نحن السكان المحليين، لأنه موجود في المطارات وفي الفنادق والمطاعم، وفي بعض المؤسسات الحكومية العامة التي تخدم قطاعات واسعة من المواطنين. وهناك أشكال أخرى لذلك في الشوارع، وعلى الكباري العلوية وسلالم مترو الأنفاق، وفي المواصلات العامة والقطارات درجة ثالثة}. كما وجد العمال هناك يبحثون عن (البقشيش) أكثر من اهتمامهم بأداء مهام عملهم {وتتداخل أصوات العاملين بأصوات آتية من زوايا خفية لا يمكن أن يكتشفها الزبون إلا عندما يتوجه إلى الحمام حيث يعثر على أصحابها هناك يحملون مناديل ورقية أو يمسكون بمقشات ومسَّاحات وكأنهم فعلا يكنسون شيئًا أو يمسحون شيئا آخر}. وبتكرار الزيارة للمعم وجد -السارد- أن هناك تفاوت فى الأسعار، فى وقت قصير { وفي كل الأحوال كان سيأتي بالباقي ليس فقط في شكل عملات معدنية، بل وأقل من المبلغ الحقيقي بعدة جنيهات. غير أن كل ما كان يضايقني في هذه اللحظات ليس ارتفاع سعر الوجبة بمقدار الضعفين تقريبًا خلال عدة أيام، وليس فتور اهتمام صديقي الودود المخلص مدير صالة مطعمي المفضل، وإنما لأنه كان في كل مرة ينتفض ويركض ويمنحني إحساسًا بأنه يجهز مركبة فضاء للتحليق إلى كوكب المشتري، ثم يأتي إليَّ بمنديل ورقي واحد مما كان يضطرني إلى أن أمسح يدي خلسة في ملابسي}. وكان هذا بالطبع يعود إلى انخفاض قيمة الجنيه المصرى بالنسبة للدولار{ ومنذ يومين فقط أعلنوا أن سعر الدولار ارتفع وأصبح يساوي خمسة عشر جنيها كاملة}. إلى جانب الاحتفاء المبالغ فيه عندما ذهب السارد بصحبة بعض الأصدقاء وفيهم أثنين من الممثلين الذى تعرف عليهم العاملون فى المطعم، المر الذى يوضح صورة إخرى من الاهتمام بمن حظى بالشهرة، وكأنه إنسان من كوكب آخر.
والواضح أن القصة تقترب من المباشرة، ولكن بالعودة إلى فترة ما بعد النكسة، سنجد أن الأساليب الإبداعة تغيرت كثيرا، حيث قصرت الجملة، وأصبحت مثل الإشارة ، واستعمل الكتاب صيغة تداعى المعانى، للتعبير عن التوهان الذى عاشه الإنسان المصرى فى تلك الفترة، كتعبير عن الحالة السياسية لتلك الفترة. وفى فترة التسعينات ، عندما أصم المسؤلين أسماعهم عن نبض الشارع، استعمل المبدعون ما يقرب من الإسلوب التقريرى، فضلا عن استعمال اللغة (الشوارعية)، وكأنها فى فترة كشف الوجه أمام السلطة، وانتهت بثورة 25 يناير 2011. فهنا يمكن قراءة إبداعات أشرف لصباغ، وغيره من المبدعين، وكأنها تعبير عن نبض الشارع عن الفترة التى نعيشها, ليظل الإبداع الحقيقى هو الذى يعبر عن نبض الشارع، وفتح الآذان المغلقة، وفتح المسارات التى أغلقت فى طريق االشارع والسلطة. خاصة أن كل مبادرة لتحدث العناصر المؤثرة فى نوع أدبيى معين، بدأت بمحاولات فردية، حتى لو كان أكثر من فرد، وهو ما يعنى أنها أصبحت ضرورة يتطلبها العصر.
وفى قصة "نابليون فى معرض الكتاب" يلفت نظرنا فى العنوان، جمعه بين نابليون ومعرض الكتاب، وكلاهما يسير فى اتجاه مخالف للآخر. فإذا كان نابليون يشير للفكر العسكرى، فإن معرض الكتاب يشير للرؤية المدنية والثقافية. وهو ما يجعلنا نتوقع المواجهة بين الطرفين.
وقد قسم الكاتب قصته كما فى العديد من قصص المجموعة، إلى وحدات سردية. منفصلة، ولكنها متصلة، الأمر الذى يمكن معه أن ننظر إلى كل قصة وكأنها متوالية قصصية. فإذا أخنا الوحدة رقم 1 ، سنجد أنها تسير كقصة مستقلة، وإن لم تفقد الحبل السُرى الذى يربطها بالوحدات الأخرى. حيث نحد فى هذه الوحدة ، أن الكاتب بدأها ب { لم تفلح زوجتي في إقناعي بالذهاب إلى معرض الكتاب هذا العام. جرَّبَت معي كل الحيل والألاعيب الممكنة وغير الممكنة، بما فيها العقل والمنطق والجسد. وفي نهاية المطاف، قررت أن تذهب بمفردها هذا العام}. حيث نجد أننا أمام زوج يرفض أن يرافق زوجته إلى معرض الكتاب، وكأننا أمام اسم الشرط . ثم نجد الكاتب ينهى هذه الوحدة ب { انطلقت هي هذا العام بمفردها إلى المعرض. استيقظتْ في الصباح بنشاطها المعهود. حاولت مرة أخرى أن تقنعني على الأقل بمرافقتها، دون أن أجهد نفسي أو أحضر ندوات. لكنها قوبلت بابتسامة تعرفها جيدًا}. وكأننا أمام جواب الشرط. حيث يمكن أن يتم إ‘قفال القصة عند هذه البداية، والنهاية، بينما راح فى الوسط يعدد أسباب الرفض، التى تبدت فى الرؤية الجمعية، لا فى الرؤية الفردية، الأمر الذى يؤكد أن الفرد هو أساس المجموع. فيحكى السارد عن صديقه، الذى يوجه له ما يشبه التهم الموجهة إليه { في وسط طقس يناير المرعب، وقبل عيد الغطاس بأربعة أيام فقط، أوقفوه في الشارع، وطلبوا منه أن يفتح هاتفه المحمول. وراح الرجل المحترم الوقور ذو الملابس المدنية، الذي أوقفه، يتجول على صفحته بالفيس بوك ويبتسم كلما وقعت عيناه على أحد الأسماء أو الصفحات، ثم انتقل إلى ملفات الصور ومقاطع الفيديو. وفجأة نزل عليه صمت مرعب. رفع صوته وراح يشير إلى زملائه الواقفين بالاقتراب ومشاركته مشاهدة مقطع فيديو يعرض مقابلة لهذا الشخص مع فتاة أو سيدة تشكو له غياب زوجها الذي اختفى منذ عدة أشهر، واكتشفوا أنه معتقل في أحد المعسكرات. اقترب أحدهم وأمسك جيدًا بذراع الزميل. وما لبث الرجل المحترم الذي يرتدي الثياب المدنية أن أشار لهم بنقله إلى الصندوق القابع في الحارة الجانبية، تمهيدًا لنقله إلى أحد أقسام الشرطة القريبة}. وقد يقول القائل، ولماذا يحشر نفسه فيما لايعنيه؟ ولكنه يؤكد أنه إنسان مثقف، فى الوقت الذى يؤكد فيه أنه شخصى عادى- هكذا يتصور- بما عُرف عن الإنسان المثقف، بأنه يتأثر بما يراه ويثير سخطه على الجميع، إذا ما رأى شيئا فى غير محله، فيقول عن تفسه { فأنا مجرد شخص عادي وصحفي بدأ عمله الإعلامي في وقت متأخر ويمكن لرئيس التحرير أن ينفي ليس فقط أنني أعمل عنده، بل ينكر وجودي تماما، وأن يحذف كل ما كتبته في صحيفته وموقعه الإلكتروني بكبسة زر واحدة. فأنا مواطن عادي لا يشفع لي علاقتي ببعض المشاهير، أو معرفتي بالفن التشكيلي والشعر والموسيقى وكتابتي بعض المقالات العابرة في المقامات الموسيقية وأوزان الشعر وموقفي الملتبس من قضايا الشرق والغرب}. ورغم ذلك هو يعرف ما ستؤول إليه الحكاية، أو ما سيؤول إليه مصير الرجل، فالتهم جاهزة، ولا تحتاج إلا أن يوقع عليها {اختفى الزميل، وبدأت تتصاعد همهمات متناثرة على السوشيال ميديا حول غياب أحد المثقفين المحترمين. إلى أن ظهر خبر على صفحة أحد المحامين يقول فيه إن الشخص المذكور مقبوض عليه بتهمة نشر أخبار كاذبة والانتماء إلى جماعة إرهابية، والسعي إلى قلب نظام الحكم}. وكما المثقف، لا ينظر للحادثة الفردية ، بأنها فردية، وإنما هى ظاهرة عامة، فينظر لما عليه الشعب بصفة عامة، و الذى لا يشغله إلا { العلاج ببول البعير.. تفسير الأحلام.. فوائد الصلاة في علاج القولون والبروستاتا.. نصائح من خبراء الأغذية لتخفيف الوزن.. مقاطع جنسية.. وصور عارية}. ويستمر الكاتب فى عرض رؤيته لجوهر الإنسان المصرى { في عيونهم أسئلة، لكنهم يوجهون أسئلة غيرها، لا ينتظرون ردًا، ولا دعمًا أو مساعدة. كل ما في الأمر أنهم يريدون مواصلة الحديث لكي لا يبقى لديهم أي وقت لفعل أي شيء آخر}. وقد استمدها مما حدث فى العام الماضى فى معرض الكتاب، حيث -أشيع- أن العذراء قد ظهرت فوق معرض الكتاب، وانشغلت الصحف والمجلات ونشرات الأخبار حول هذه المعجزة التى تبين أن الدولة تسير وفق ما يقتنع الشعب { وبدأ مشاهير الفيسبووك وإكس وبقية وسائل التواصل الاجتماعي يحكون حكايات طويلة عن كرامات ظهور السيدة العذراء، وعن امرأة عاقر شعرت لأول مرة بحركة ما في بطنها، وعن أخرى عاد إليها البصر، ورجل استعاد حركته بعد شلل دام لنصف قرن، والرجل الذي حُكِم عليه بالإعدام وظهرت براءته مع ظهور الشمس المرافقة لظهور العذراء، وطالبة الصف الأول الإعدادي التي تمكنت في تلك اللحظة مع حل معادلة رياضية دوَّخَت كبار العلماء في أمريكا وألمانيا واليابان}.
وقد يتساء القارئ، هذه رؤية عامة على مدار التاريخ، فلم يحدد الكاتب تاريخا معينا، ولكنا نأتى له من نص القصة { كانت أنباء اتفاق وقف إطلاق النار في غزة تملأ الصحف ونشرات الأخبار والمواقع الإخبارية، يأتي بعدها من حيث الأهمية، تولي الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب مقاليد السلطة رسميًا بعد عدة ساعات..}. { ترامب وأوكرانيا والصين.. سوريا وهروب الأسد وتولي "المجاهدين" السلطة في دمشق.. غزة وإعادة الإعمار}. فهنا نستطيع أن نحدد الزمن، وهنا نستطيع تحديد أبعاد هذه القصة، فلها بداية ووسط ونهاية، وتتحدث عن مشكلة أو موقف محدد، مستندا على أسباب موضوعية، ولها تاريخ محدد. فلماذ لم يجعها الكاتب كقصة منفصلة؟.
لذا كان علينا أن نستمر فى القراءة. حيث يبدأ الوحدة الثانية هكذا:{ فاجأتني زوجتي جالسا خلف المكتب في حالة غضب وارتباك وحيرة. رأيتُ ملامحي تنعكس في عينيها وكأنني خضتُ للتو معركة شديدة الوطأة، غير متكافئة، خرجتُ منها جريحًا بجسد مثخن بالطعنات، وبكرامة مهلهلة يكللها الإذلال والمهانة، يسيل منها الكسوف والخجل}.
حيث ينتقل الكاتب فى هذه الوحدة من المسئولين ، إلى الجمهور وأحواله وتصرفاته، وكأنه يلقى نظرة حول مشلكة تأخير الثقافة، او خضوعها للتفاهات التى تميز حياتنا. فتبدأ القصة ب { قالت زوجتي إنها عاشت اليوم أحد أهم أيامها المليئة بالدهشة. لم تتوقف المفاجآت منذ خروجها في الصباح الباكر حتى وصولها إلى معرض الكتاب. لكن المفاجأة الكبرى كانت في انتظارها، ما أطار عقلها ومسح كل المفاجآت الصغيرة التي قابلتها في المواصلات، وما شاهدته من طرائف، سواء داخل الباص من الركاب، أو خارجه من المواطنين المترجلين أو سائقي سيارات التاكسي والملاكي والباعة الجائلين والكائنات التي تتقافز مثل القرود أثناء عبور الشوارع الخالية من إشارات المرور وطرق المشاة}.و هو ما يمثل فاتحة القصة، او الرحلة إلى معرض الكتاب، وكأنها المفتتح . ثم تنتهى القصة بما يعرض الكثير من المشاهد التى تدل على، الغرور، التفاهة، والاضمحلال، الذى يجعل بعض الكتاب يكتب الإهداء للقارئ فى البيت . ويجمع الناشر هذه الكتب الموقعة فى كراتين، أو قفف. ولتنتهى القصة ب { غرقنا في نوبة ضحك. واكتشفت أن زوجتي لا تزال متعلقة برقبتي. أنزلتها في رفق وضممتها إلى صدري. سألتها ضاحكا عن الكتب النابليونية التي اقتنتها. رفعت رأسها ونظرتْ إليَّ مجددًا بعينين مندهشتين، ثم قالت في هدوء غريب وهي تتنفس في ارتياح: "نسيتهم عند بتاع الكشري"}.ولتكتمل القصة، الثانية. ولكنها حول نفس الموضوع، أو نفس الرؤية. غير أن الوحدة الأولى كان السارد فيها هو الرجل، وبالطبع له وجهة نظر، أما فى الوحدة الثانية، فكان السارد هو المرأة، وغالبا لها رؤية أخرى، خاصة أنها -ايضا- مثقفة، لذا اتحدا فى النهاية. فإذا وضعنا بداية الوحدة الأولى، مع نهاية الوحدة الثانية، سنجد أننا أمام أسرة مثقفة، جلست تتناقش حول معرض الكتاب وبونابرت. وانتهى بهما الحديث والحوار، إلى أن عادا إلى حياتهما الأسرية العادية، بينما احتل وسط القصة بعض المشاهد- وما أكثرها- المرفوضة للمجتمع. وهو ما يقودنا إلى لمذا كتبهما -الكاتب- قصة واحدة.
حيث يبدأ الكاتب كمية من الملاحظات التى يمكن أن تعطى ضياع الثقافة، والتمسك بالمورثات التى فى وجدان الإنسان المصرى { ماذا يعني أن يترك كاتب أو كاتبة أعمالهما مُوَقَّعّة في جناح دار النشر بمعرض الكتاب؟ في أي شيء تفكر دار النشر؟ في أي شيء يفكر الكاتب، وماذا يريد أن يقول لنا أو ينقل إلينا؟ هل يرى الكاتب أنه نجيب محفوظ أو تولستوي مثلا؟ وهل ترى الكاتبة في نفسها روح سفيتلانا ألكسييفيتش أو آني إرنو؟ ماذا يعني ذلك بالضبط، أن يرسل الكاتب أو الكاتبة كتبهما ممهورة بتوقيعيهما الكريمين، ويتم رصها على أرفف أو في أشكال هرمية، أو على الطاولات، من أجل جحافل القراء الذين سيتجمهرون ويتزاحمون على شرائها بتوقيع الكاتب أو الكاتبة؟ بينما دار النشر نفسها تعلن بفخر وكبرياء وشمم أن الكاتب أرسل أعماله بتوقيعه، وهي تنتظر القراء والجماهير لفض أغوارها والوصول إلى مكامن الوعي والحكمة، والاطلاع على تجارب الآخرين وعوالمهم الثرية التي تفيض مشاعر وأحاسيس ووجدانا}.
{ ماذا يمكن أن يضيف كتاب مُوَقَّع إلى الكتابة نفسها؟ الواد سيد الشغال سبق وأن شرح الموقف باستفاضة عندما تساءل في عفوية واستغراب: "هو نابليون بونابرت ساب الحملة الفرنسية والإنجليز وفريزر والمماليك وقعد يوقَّع على أطباق؟"}. وبالطبع تتضح اللغة الساخرة التى يروى بها الكاتب تلك الصور، ويحضر عادل إمام فى مسرحيته " الواد سيد الشغال" لأنها تتحدث عن موقف كهذا، وباللغة الساخرة أيضا. و تحت إلحاح الناشرين اشترت الزوجة بعض الكتب ليسألها الزوج عما اشترت { وخرجتُ من جناح هذه المرأة بكتابين أحدهما حريمي والثاني رجالي. وعندما صاح بي صبي لطيف يقف في آخر جناح قبل باب الخروج، التفتُ إليه في فزع وقلت له، إنني اشتريت سبعة كتب موقعة وكرتونة صابون وخمس بكرات من ورق التواليت المزدوج}. وتنهى الزوجة، بالأسلوب الساخر الذى عُرف عن الكاتب { ردت الملعونة وهي تقفز مرة أخرى فوق سطح المكتب وقالت: "أيوه نابليون بونابرت قعد يمضي الكتاب ونسي إنه مش كاتب حاجة جواه"، ثم نهضت واقفة وراحت ترقص وتغني: "نابليون بونابرت وقَّع الطبق، دلق المسقعة على فستان جوزفين والبتنجان نط في صدرها"}.
وهكذا ينهى الكاتب قصته، وقد وصل إلى ما يريد، وهو ما قد يتضح لسبب إساقط عنصر الزمن الإدريسى من القصة، حيث أن السلطة العليا فى البلاد، قد اصمت أذنيها ولم تسمع للجمل القصيرة، فلجا إلى التوسيع فى المضمون، مع إحتفاظه بصيغة القصة القصيرة الأخرى، مؤكدا أنه إنما قصد ذلك قصدا، إذ ربما، كان فى الإلحاح، وتوسع مدى المضمون، ما يجعل أصحاب السلطة أن يستمعوا، وربما استجابوا، وإن لم يستجيبوا، فبالتكرار، يحدث التراكم الذى يُحدث اثره على المدى الطويل، وهو أحد أهداف الإبداع، وصولا إلى الجنة المشودة,
من واقعة افتتاح المتحف الكبير، التى جعلها الكاتب نقطة ارتكاز، لينطلق قبلها بخمسين عاما، وبعدها بخمسين عاما أخرى -فى قصتى "قبل خمسين عاما" و "بعد خمسين عاما" والتى نرى أنها قصة واحدة، حيث تعطى نفس الرؤية، بل تعطى إنطباعا أكثر تأثيرا – ولينفذ منها إلى جوهر المصريين، وطريقة تفكيرهم، وكيف أنهم، لم يهتموا بالعلم والتقدم، وتركوا المخلفات تتعالى حتى تغطهيم، ويتوهون فيها، وكأنهم رغم مرور السنين، لازالوا يعيشون على ما قدمه الآباء والأجداد. فمن بعد خمسين عاما، يظل إهتمام العالم -العربى- بالماضى متغافلين عما يجرى حولهم، ووقوع معظم الدول العربية فى القلاقل، والبحث عن الحرية. فالسارد شخص يسكن بالقرب من المتحف الكبير، وأبى الهول والأهرامات، وكلها من العهد الفرعونى، لكنها مازالت مصدر رزق للعائشين، الذين لم يفكروا فى مسايرة العص، ومواكبة التغيرات التى تجرى فى العالم من حولهم {حمل الإفطار وكوب الشاي على صينية معدنية فضية اللون واتجه إلى غرفة مكتبه الصغيرة وجلس أمام الكمبيوتر. بدأ بتصفح المواقع الإخبارية لمتابعة أخبار المتحف، ولكنه اصطدم مباشرة بأخبار السودان واليمن وليبيا وغزة، والانتخابات التي بدأت اليوم وهو لا يعلم عنها شيئًا إطلاقًا. ابتسم متعجبًا وكأنه يبدي دهشته من نفسه، أو يلومها في رفق لأنه لم يكن يعرف أن هناك انتخابات في البلاد}. حيث تشير إلى وجود إنتخابات، وهو لا يعلم شيئا عنها، وكأنه يعنى غياب المواطن العادى عن إختيار من يمثلونه، او من سيقوم عنهم بالإدارة. وهو ما يعنى أن الشعب فى واد، والإدارة فى وادى آخر، ولا صلة بينهما. وبينما العالم يعيش فى أزمات، تأتى على البقية الباقية من الأوطان العربية، فهو مهموم بذاته بالدرجة الأولى، ولا يفكر فى مشاكل الآخرين، رغم أن العالم اليوم يعيش عصر التكتلات. وليس هذا بجديد عليه، وإنما هى الجينات الوراثية التى تمكنت منه، فظل قابعا ومنغلقا على نفسه، حيث يتمثل ذلك فى أبسط الأشياء التى تعد بديهية، ومقارنتها بما يمثل لفت الانتباه، نحو القمة، وسعيها للتركيز، وكأنها تصنع المعجزات، إنها إشارة المرور، التى تغافلها صناع الطرق فى مصر، رغم أهميتها فى الحفاظ على أرواح البشر{ عندئذ فقط شعر بارتياح شبه تام، أخذ نفسًا عميقًا وكافأ نفسه بابتسامة رضاء واسعة. وقال في نفسه: "إن تكاليف وضع إشارات مرور وتحديد أماكن لعبور المشاة ستكون قطعًا أقل بكثير من إنشاء تفريعة قناة السويس"}. وهنا يستخدم الكاتب السخرية التى تكشف اكثر مما تبطن. وهنا يعلق الكاتب بلغتة الساخرة، بين إقامة إشارات المرور وبين التفريعة التى بدأ بها الرئيس الحالى مشاريعه، أى تحويل مجرى جديد لقناة السويس، وكأنه يشق قناة جديدة، وبين عمل إشارات مرور، تحمى الناس من مخاطر الطرق، وكأن المصرى يبحث عن المشاريع الكبيرة، ويترك الصغيرة لتتراكم عليها. وإن كان قد ساق نكتة – فى تصور المصريين أنها نكتة- { قفزت إلى ذهنه نكتة سخيفة قديمة، لا أحد يدري مَنْ أطلقها، ولماذا أطلقها بكل ما تحمل من دلالات يمكن تفسيرها بأوجه مختلفة. انتشرت هذه النكتة لسنوات طويلة ليس فقط بين الناس، بل في وسائل الإعلام. كانت تحكي ببساطة عن أن اليابان أعلنت عن إلغاء وإزالة آخر إشارة مرور لديها، بينما أفغانستان تفكر في وضع أول إشارة مرور في تاريخها}. واستمر الكاتب فى شرح أبعاد ورؤى تلك النقطة، فى الوقت الذى كان يجدر به أن يتركه لفطنة القارئ، مثلما ترك الكثير من الأشياء غيرها، وهو ما جعل القصة أقرب إلى المقال، حيث تخاطب العقل، وتوضح الأسباب، وليس العاطفة التى يعتمد عليها الأدب. فغلب على القصة لغة الصحفى الذى يعرض مشكلة ما، فمالت القصة كثيرا إلى السرد التقليدى الخبرى، الذى يعرض المشكلة، وإن كان قد قدم بعض النماذج التى تشير، وأخفى خلفها المراد منها، مثل الجدل حول مسألة من قدم صورة الرجل لابس الجلابية، وزوجته، فبينما قال البعض أنها صحفية حقيقة وتعمل معهم، أنكر البعض الأخر، مُرجعا ذلك إلى الذكاء الاصطناعى {ظهر أشخاص يعرفون هذه المصورة شخصيًا، وأعلنوا حقيقة وجودها، وان لها صفحات على السوشيال ميديا، وتعمل معهم بالصحيفة التي يعملون بها، ولها أب وأم وإخوة. لكن الجماعات الكثيرة على السوشيال ميديا كانت هي الأكثر صدقًا ويقينًا، فأكدت مجددًا أن الفتاة المصورة الصحفية مجرد نموذج للذكاء الاصطناعي، وأنها غير موجودة في الواقع. ودخلت الحوارات والنقاشات إلى آفاق أوسع وأبعد وأعمق، حتى وصلت إلى البحث في الأكوان الموازية، والاستنساخ}. فوراء هذه الحوارات التى تسير بين مؤيد ومعارض، تثبت ضياع الوقت والجهد فيما لا يأتى بالثمر التى تدفع الحياة للأمام. فالمصريون، استغرقوا وقتهم فيما ليس منه نفع للبشرية {والمصريون لديهم رسالة مجيدة، ضمن رسالات عديدة، بالاستحقاق، وبضرورة تكريمهم حتى ولو بورقة أو شهادة تقدير أو لقاء مع المحافظ أو رئيس البلدية. يكتفون بهذه الشهادات ويحتفظون بها على بطون خاوية وعقول مشتتة، وشكوى وتذمر. يفرحون ويطبلون ويزمرون، ويواصلون قزقزة اللب ومص القصب وإلقاء الفوارغ حولهم، لا يأبهون بنمو وتزايد أكوام القشر والمصاصة حولهم، فهم أكبر من ذلك، وأهم من أن يولوا أي اهتمام لهذه التفاصيل التافهة}. كما أنهم وقفوا فى -تطورهم- إلى ما كان الأجداد وأجداد الأجاد ينسبونه إلى أنفسهم، وكأن الزمن قد توقف بهم عنده {ظلت الحوارات والنقاشات تتسع وتتطور، وتأخذ مسارات متعددة ومتشعبة، كشفت عن إلمام المصريين بكل العلوم الأساسية والفرعية، وتعمقهم التاريخي في علوم الاجتماع والفلسفة والفيزياء. تجلى التاريخ ليكشف في لحظة حقيقية عن عمق المصريين وأصالتهم، ومسؤوليتهم في حمل رسالة تاريخية إلى البشرية. بينما أكوام قشر اللب ومصاصة القصب وفوارغ الكوكا كولا والبيبسي والبيرة والأكياس الورقية والبلاستيكية والعديد من أنواع القمامة تتزايد وتعلو، حتى حجبت الهواء والضوء عنهم، وهم منخرطون بكل جدية، وبضمائر حية، في مناقشة ليس فقط التاريخ المجيد والإنجازات الحضارية في مراحل ما قبل التاريخ، وثياب الملوك والكهنة والعمال والفلاحين، بل وأيضا حقيقة وجود المصورة الصحفية والأكوان الموازية وعلوم الاستنساخ والهندسة الوراثية}.
والحقيقة التى يمكن إستخلاصها من القصة، ان المصريين توقف بهم الزمن عند مراحل متأخرة من التاريخ. فعلى مدار مائة عام، لم يقدموا ما يفيد البشرية، أو حتى ما يفيدهم، كبشر يعيشون القرن الواحد والعشرين.
وفى قصة "سيرة حياة مواطن يموت أصحابه فتنبت لمقابرهم أجنحة" والتى أطال فيها العنوان، وكأنه يكتبه قصة قصيرة -فى حد ذاتها، حيث يعود بنا إلى ذكرى 25 يناير من العام 2011. حين هب البشر رفضا للأوضاع التى كانت، وكأنه المؤرخ الذى يأبى أن يمر حدث مثل هذا أن يمر دون أن يكون له وجهة نظر، حيث خرج الناس جميعا، دون أن يسوقهم أحد، فبدأ بداية قد تبدو بعيدة، إلا أن قراءة القصة، سيعلم القارئ أنها لم تكن كذلك، حيث نجد السارد وقد أصبح تلميع الحذاء شيئا ذا أهمية فى حياته، لنجد أنه فى نهاية القصة، وقد انخلع الحذاء، وأصبح يسير حافيا، وكأن الكاتب يشير غلا ما كان يشاع عن العصر قبل 1952، من أن الناس كانوالا يسيرون حفاة، فها هم اليوم يعودون حفاة، وكأن شيئا مهما فى حياته قد اختفى من تعاملات الشرطة، التى تعاملت بالعنف مع الثائرين { قتلوهم وانتهى الأمر. جثموا فوق الرؤوس والقلوب والأفكار، وكتموا الأنفاس والكلمات والحروف، وغموا العيون والرؤى والأحلام، وسدوا الآذان، وخصوا الرجال، ومثلوا بجثث النساء، وصعد واحد منهم، ربما فوق البرلمان، وأخرج عضوه وطرطر على الميتين والأحياء أمام كاميرات ووكالات الأنباء العالمية والمحلية ثم ضربوا الباقين بالخرطوش}. حتى المرأة التى لم تفلت من الكشف عن عذريتها، وتعرضها للكثير من تلك المعاملة، التى كان وجودها حاضرا{حبيباتي يملأن الميدان ولا يلتفتن لكشوف العذرية ولا يأبهن بالأحذية السوداء الثقيلة والأسلحة التي تثير الذعر وتروِّع الأطفال، ولا بابتساماتهم الكريهة الماكرة ونظراتهم المتحرشة وأفكارهم العاطلة. حبيباتي يعشقن الورود والحياة وليس لديهن وقت لمغازلة الأفاعي. ينرن الميدان بأحلامهن وابتساماتهن وغضبهن الشفيف وألق عيونهن}. أؤلئك الذين أصبحوا محبوبات السارد، ولسن وحدهن، ولكن كل من يساهم فى الخلاص فهو صديقة، حتى بريخت، الذى لم يكن عربيا، ولا كان فى الميدان {ملعون بريخت هذا. ملعون وخطير ومثير للإزعاج. لكنه انضم إلى قائمة أصدقائي عندما توجه، في عام 1933، من المهجر إلى رفاقه الألمان المناهضين للفاشية، وكتب كراسة بعنوان "الصعوبات الخمس أمام كاتب الحقيقة". كانت الكراسة بمثابة دليل لأولئك الذين قرروا قول الحقيقة في عالم يحكمه الكذب والتضليل}. حيث استدعى الأمر استدعاء من نادى بالثورة وإعمال العقل فى العالم، فكان له أن يستخدم المعلوماتية، لإثبات أن هذه الثورة هى شئ معروف فى العالم، وأنها شيئا مشروعا {إذا لم نكن نعرف من هو بريخت، فيمكننا بسهولة أن نخطئ في الاستنتاجات ونستقبل آراء هذا الكاتب المسرحي، عن الوطن والوطنية، كتعبير عن اللامبالاة والافتقار التام للوطنية. ولكن بريخت كاتب ملتزم للغاية، ومعادي للفاشية، ويضع أيدينا على المعنى الحقيقي للوطنية والانتماء... لقد وُلِدَ بريخت، على سبيل المثال، في مدينة أوجسبورج الألمانية، وأمضى خمسة عشر عامًا، من عام 1933 إلى عام 1948، في المهجر. كان يسمي المهجر، المدرسة العليا للجدلية }. وبينما كانت الثورة تحتضر تحت وطأة السلاح، وقبل أن تتدخل الحيلة فى الاستيلاء عليها، كان لابد كى تنجح أن يكون لها شروط {"على كل من قرر اليوم محاربة الكذب والجهل، وكتابة الحقيقة، أن يتغلب على خمس صعوبات على الأقل. يحتاج الأمر إلى الشجاعة لكتابة الحقيقة على الرغم من أنهم يخنقونها في كل مكان، وإلى العقل لإدراك الحقيقة على الرغم من محاولة إخفائها في كل مكان، وإلى القدرة على تحويل الحقيقة إلى سلاح قتالي، وإلى الإمكانية على اختيار الأشخاص المناسبين الذين يمكنهم استخدام هذا السلاح. وأخيرًا، إلى فن الدهاء، لنشر الحقيقة بين هؤلاء الناس. هذه الصعوبات كبيرة بشكل خاص بالنسبة لأولئك الذين يكتبون في ظل حكم الفاشية، ولكنها أيضًا واضحة وملموسة بالنسبة لأولئك الذين طُرِدوا من وطنهم الأصلي أو تركوه طوعًا}. وانتهى الأمربالإحباط، الذى يصل حد اليأس، فيرفع السارد الراية البيضاء ويعلن الاستسلام { أقلعتُ مؤخرا عن إدمان الأصدقاء الذين يموتون في الحروب لأنني تعبتُ من جمع أحذيتهم وتذكر ملامحهم ومقابرهم. وأقلعتُ عن أولئك الذين يرددون الشعارات الكبرى، ويدعون لوحدة الناس والسلطة و"الوطن"، ويؤلهون الشعب ككتلة واحدة صماء، ويؤمنون بأي شيء لتمضية الوقت وسد الفراغ أو لممارسة عادات الضباع. أقلعت عن مدمني الأذى، وعن "الوطن" الذي يجوِّع أولادي ويحرمني من حريتي، ووليتُ وجهي نحو الحلم، ونحو أصدقائي الذين راحوا وكان بودهم إدمان الحياة، فظلت ملامحهم حية في الذاكرة بأسنانهم اللبنية وقلوبهم الخضراء، وضحكاتهم التي لا تزال تجلجل فتنبت لمقابرهم أجنحة، وتطير}. ولتصبح الخلاصة التى تجمع التجربة كلها، هى استخدام العقل، لا العاطفة، تلك التى فردت قلوعها على التجربة فيما بعد ضحكتُ كثيرا أثناء بكائي عند حذاء أحد أصحابي، لأنهم كادوا يطردون بريخت من المدرسة بسبب أنه استخدم عقله. علما بأن استخدام العقل أمر مشروع مثل استخدام اليد والقدم والأسنان والقبضات والعيون. العقل عضو طبيعي وعادي في الجسد يصلح للاستخدام ومن حق صاحبه أن يستخدمه، وكأن القصة تمتد إلى ما بعد الثمانية عشر يوما، بل لسنوات بعدها. فضلا عن أنها تناولت رؤية شخصية، خارجة من أعماق السارد، الفرد.
وإذا كان الكاتب قد استخدم المعلوماتية، والإسلوب المباشر، فإن الرسالة التى تحملها إلى جموع الشعب ، بمن فيه قادر على القراءة أو غير قادر، يتطلب أن يواجهه الكاتب بتلك الأساليب، التى ربما كانت فى فترة ما تتنافى مع طبيعة الإبداع، لكنها اليوم، تعتبر من الأسايات التى يخاطب بها المبدع .. القارئ.
ونستطيع هنا أن نلحظ أن القصة القصيرة، قد أحاطت ىبالتجربة الكلية، الأمر الذى معه كان حتما أن يتخلص من نقطة الزمن، الذى يضع القصة فى إطار اللحظة، ومعه يمكن أن نضع نهاية القصة، على أنها الزمن الخارجى، أى الذى يتحدث فيها السارد عن خلاصة التجربة، وكل ما ورد قبلها، هو الزمن الداخلى، الذى تجرى فيه الأحداث. وإن لم تغادر القصة القصيرة، حيث لم تغادر تلك المميزات التى وضعت كشروط لها، وأهمها التركيز، حيث تدور القصة حول تجربة واحدة، وهو ثورة يناير، التى لم يغادرها الكاتب، منذ بداية القصة، وحتى النهاية. والتكثيف الذى أمكن للقصة القصيرة أن تلم بأطرف ثورة استمرت فى الميدان فقط ثمانية عشر يوما، بما فيها الخروج إلى خارج البلاد، والخلاصة التى تستخرج منها. فهى لم تزل قصة قصيرة، فرضتها التجربة، مستعينا بالثورة الكتابية، على النظم التى حكمت النوع الأدبى فى فترة كانت تتلطلب، التمسك باللحظة.
لم يكن الكاتب متجنيا على الدولة فيما أراده من قصص، أو متصيدا للأخطاء، ولكنه كان موضوعيا، يورد ما يراه خاطئا، ويورد ما يراه صوابا. ففى قصة رسالة إلى أبى"، يشير إلى ما رآها صوابا، حيث كانت مصر كلها قد آلمها ما حدث فى نكسة يونيو 1967، فوعت الدرس، وانتهجت نهجا جديدا فى الجندية التى أثبتت نجاحا كبيرا فى المعركة. فبعد نكسة 1967، أصبح الجيش يضم المؤهلات العليا، التى لم تكن من قبل تدخل الجيش. فكان الشباب يعيش أيامه كشباب، لذا بدأ الكاتب قصة "رسالة إلى ابى" ب:
{ أنا لستُ رجلًا، يا أبي.
لم أكمل عامي الواحد والعشرين بعد، يا أبي. منذ بلوغي العاشرة وأنت تقول لي، إنني يجب أن أكون رجلًا. لكنني الآن لستُ رجلًا، ولا أريد أن أكون رجلًا. ربما أكون رجلًا فيما بعد.. ربما، عندما أدخل الجيش وأشارك في المعارك ضد الأعداء. وربما، عندما يعتدي عليَّ أحدٌ فأردُ له الصفعة صفعتين والصاع اثنين. وربما، عندما يحاول أحدهم انتزاع حبيبتي من بين أحضاني، فأنتزعُ نِنَّ عينيه. لكنني الآن لستُ ذلك الرجل الذي تريده، يا أبي.. أعرف أنك ربما تسمعني الآن، وأنا في أمس الحاجة إلى ساعديك القويين، وحضنك الدافئ}. لنتوقف أمام الجملة الأخير (عندما يحاول أحدهم انتزاع حبيبتى من بين أحضانى، فأنتزع عينيه). لنذهب بعدها إلى نهاية القصة، والتى تقول { راحت الأحاديث والنكات والضحكات تخفت رويدًا رويدًا، والعربة تسير في حركة منتظمة من دون أي اهتزازات. خيَّم السكون، وساد هدوء غريب، لم يكن يعكره إلا صفير الرياح أو شخير أحدهم، أو همهمات يرددها هذا أو ذاك في الحلم. تثاءب مينا بصوت مسموع. وقبل أن يخلد للنوم، سألني عن المجند الذي اقترب مني واحتضنني باكيًا، قلتُ له متصنعا التثاؤب، "إنني لا أعرفه". تجاهل الملعون تثاؤبي وكرر سؤاله في مكر: "ولكن لماذا كان يبكي ويتوسل؟". نظرتُ إليه طويلًا، وقلتُ: "ربما كان خائفًا من شيء ما". حدَّق مينا في عينيَّ متفحصًا، وقال في ابتسامة عذبة: "لا شيء يبقى على حاله"}.لنجد أنه فى خضم ما يجرى حوله من ضوضاء، فقد تناسى، أو تصنع النسيان، وكأنه لا يريد أن يذكر حلما قديما، فقد كانت خطيبته، وامنية كان يحلم بها، أو كأنه يضع جدارا بين ما كان ، وما هو كائن بين الحياة المدنية، والحياة العسكرية. مستمدين ذلك من قوله فيما سبق {"أتسمعين! جاء يعتذر نادمًا. يقول إنه آسف. أتسمعين! يقول إنه نادم، وإنه لم يفز بكِ، وإنكِ هربتي منه بعد شهرين. أتسمعين! لم أفعل شيئًا، ولم أشِ بكِ، ولم أتحدث عنكِ، ولم أعرض صورنا عليهم. هو الذي سرقها. وهو الذي ابتزك، وهو الذي أفسد عيد الميلاد الذي كان يجب أن يضمنا معًا، وأن يشهد إعلان خطوبتنا. أتسمعين!". كان لا يزال ينظر بعينيه الخضراوين مثل قط حطم الفازات وبعثر أدوات تجميل صاحبته ومزق ملابسها الداخلية انتقامًا لشيء ما في نفسه، وهو الآن يقف أمامها ينتظر عقابها أو عفوها. كانت دموعه تسح وتختلط بحبات المطر. انتبهتُ على نفس سؤاله: "ألا تذكرني؟!".. أمعنتُ مجددًا في وجهه، وقلت في هدوء: "لا".
يا أبي. هل تسمعني؟ صرتُ رجلًا، يا أبي. لم أضربه، ولم أسدد له لكمة تطيح به. قلتُ له فقط: "أنا لا أعرفك"، ثم تركته وحيدًا تحت المطر}. فيمكن هنا أن ننظر إلى السارد على أنه رمز لمصركلها، تلك التى كانت مخدوعة فى 1967 ، حتى جاء من سرق منها حبيبها. فهو يذكر تماما ما كان بينه وبينها، وأن هذا الآخر قد سلبها منه. ومجرد إعتذاره .. صار رجلا. بينما يكمل، ما يؤكد وصوله إلى مرحلة الرجولة {قفزتُ في خفة ونشاط غريبين إلى صندوق العربة الضخمة التي انطلقت بنا نحو الصحراء الواسعة. وقبل أن أغلق الباب خلفي، استنشقتُ دفقة لا بأس بها من هواء فبراير المختلط برذاذ مطر لم يتوقف طوال اليوم. شعرتُ بالهواء البارد يلسع أنفي قليلًا، ثم يمر من خلاله إلى حلقي ويهبط في لذة وحنان على رئتيَّ. تحول برد فبراير فجأة إلى حضن دافئ، أحاطني بشعور غريب وجديد، بشيء ما لا يمكنني فهمه أو تفسيره، لكنني أشعر به وأحسه جيدًا}. وهو ما يوضح أن تغيرا حدث فى علاقته مع نفسه، ومع الآخرين. فقد أنسته حالته الجديدة، ما كان من استسلام، إلى الحالة الإيجابية، خاصة إذا ما أضفنا ما ورد على لسان الراوى ، بعد ليلة من ليلالى الجيش (وفي الصباح، عندما وصل القطار إلى "التل الكبير"، اعتذرتُ لأبانوب عما بدر مني ليلًا في القطار. نظرَ إليَّ في دهشة وأكد ليَّ أنه لا يتذكر أي شيء وأنه لم يرني ليلًا أو يقابلني أصلًا. وطلب مني أن أسأل من كان يجلس بجانبي، ربما كان هو المقصود. بادلته نظرات الدهشة والشك، وابتسمت}. فالمجند فى هذه الفترة لم يكن يفكر فى الأشياء المدنية، بقدر ما كان يفكر فيما أصبح فيه، وهو ما يؤكده الكاتب من أن هذا التصرف كان صحيحا، ولذا جاء من بعده، نصر اكتوبر 1973، خاصة وأن السارد قال {ثلاثة أسابيع قضيناها في معسكرنا بدهشور، تعلمنا فيها الصبر والطاعة وتنفيذ الأوامر والتسليم الكامل والتام للأعلى منا رتبة والأقدم منا ولو حتى بيوم واحد. تعلمنا أيضًا الاستيقاظ مبكرًا، والوقوف خارج الخيمة بالفانلة واللباس مرفوعي الأيدي، والانحناء أمام شتائم العريف والأومباشي والصول }. وقد أكد الكاتب هنا أن القصة القصيرة، يمكن أن تستوعب ما تفعله رواية مثل "ضابط إحتياط" للمبدع السكندرى محمود عوض عد العال، وهى الرواية الوحيدة – إلى حد علمى- التى تناولت هذا الموضوع.
وقد حرص الكاتب هنا على القصة القصيرة، بعناصرها، فإذا كان يمكن إعتبار الزمن الخارجى لها هو النهاية، والتى تحول فيها السارد إلى (رجل). فإن الزمن الداخلى لها هو ما ما أرده الكاتب من مشوار الجندية، ومغامراته فى كل ما أدخله فى حالتة الجديدة، مرحلة الجندية، فكلها ما أدى فى النهاية إلى ما وصل إليه عند النهاية.
وتسير على نفس النهج قصة "شيماء أم الوليد" التى تتدث عن النقاب، والنزعة الدينية، التى غزت البلاد، مع النزعة الوهابية. حيث تتدخل "شيماء" فى حياة زوجة السارد، التى ألفت رواية ، وتمنت "شيماء" أن تكون خالية من قلة الأدب. فى الوقت الذى شعر ، وسألها الزوج: ولماذا كنت حادة معها لهذا الحد {سألتها مبتسما: "ولكن لماذا كنتِ حادة بهذا الشكل معها؟". تغيَّرت ملامحها قليلا، وقالت إنها لا تعرفها فعلا. ولم تستطع أن تتذكرها إطلاقًا. وإنها ارتبكت لأنها لم تكن تعرف مع من تتحدث. كانت هذه الشيماء أم الوليد مختبئة تماما خلف النقاب الذي لا يَظهر منه سوى عينيها الواسعتين المكحلتين بطريقة غريبة. فسألتُها: "هل هذا ما جعلكِ ترتبكين؟". ردت في جدية بأنها في لحظة معينة شعرت أن نبرتها غريبة، قوية وطاغية ويقينية، وكأنها تريد أن تقنعها بشيء ما. وفي الوقت نفسه مختبئة وراء ملابسها، خلف حاجز يجعلهما غير متساويتين}. حيث تكشف المتطف أحد عنار الرؤية العربية الإسلامية { شعرت أن نبرتها غريبة، قوية وطاغية ويقينية} فمثل هذه الصات ما ينطبق على الرؤية الإسلامية، والتى يتحدث بها أصحاب الدعاوى الإسلامية، وكأنهم وحدهم من يملك الحقيقى واليقين.
وهكذا خطط أشرف الصباغ فى مجموعته "مدينة الخريف الدائم" أن تحمل قصصها كشف النقاب عن جوهر الإنسان المصرى، ليجعلها رسالة، قد تبدو حادة فى بعض الأحيان، وتبدون ساخرة ، ولكنها السخرية المريرة، التى تحول الضحك إلى البكاء، إعملا بالمثل الشعبى القائل ( يا بخت من بكانى وبكى عليا، ولا من ضحكنى وضحك الناس عليا}.