لِهذا الأديب المُنشِئ سبعةُ كُتبٍ، أَرَادَها لُبابًا من الأَدبِ، وقُحَاحًا في التذوّق، ومَصابًّا إلى النّقد. وَإذا دقَّ نظرٌ في بواديها ومَطاوِيها، فَسيُعنى بوضعِ صاحبِها إيّاها مَهلًا على نُضْجٍ، وصبرًا على فِكْرٍ، ومَأتًى لباعثٍ، وتطلّبًا لِلصِّدق. كما سيقعُ لقارئها من سَمتِ تأليفها وطُلاوةِ لُغتها إقبالٌ وإمتاعٌ، وقد تأكّد لَديه أنّ هذا العِقْد قد انتظمَ دُرّةً تُلْوَ دُرّةٍ، لكنّ كُبراهُن اقتسما بروزَها على الصّدر طَه حُسين[1] (١٨٨٩- ١٩٧٣م) وعَلِيّ جواد الطَّاهر[2] (١٩١٩-١٩٩٦م) أشَعّتْ ضِياءً لم يخبُ قلمُ أديبنا وأطوار رَوْمه العِلم وابتغائه المعرفة منها منذُ ما تلا مولِدَه عام ١٩٥٦م، ومَنْشَأه فَمَرْبَاه في بيتِ وَجاهةٍ، رَسُخت منزلةُ الدِّين في نفوسِ أهلهِ، وقد كانَ هذا البيتُ على طَرَفٍ قريبٍ مِن النّجف، بحيث تُلقي مكتباتُها العامِرةُ حينئذٍ ما يلتمسُه الناشِئ مِن كُتبِها الأدبيّة وغير الأدبيّة لِصفوةِ المصريينَ وعربٍ أفذاذٍ آخرينَ، وتَنضُرُ بِعَينَيهِ وهو المُكبّ على الكِتاب أوّل تعرّفه المدرسةَ بِضاعتُها.
وإنَّ قبلَ شَدْوِ سعيد العلمَ على صفوةِ أساتذة العربيّة بكلية الآداب - جامعة بغداد مُدّة أعوام ١٩٧٥، ١٩٨٠، ١٩٩٥ ثُم بين تأليفه كتابٍ وآخر؛ كانَ يجري زمنٌ جَمُّ الحوادِث، لَم تَزَلْ نفوسُ النّاس إبّانه تضطربُ، وأذهانُ حتّى النُّخَب تتقارعُ فيما بينها مُحتذيةً زَعامات السِّياسة وضُبّاط العَسْكَر وأَعيانَ البَلَدِ، وكأنَّ لا مَحيصَ لَهم عن عَقابِيل الإطاحةِ بالملكيينَ، وعَن تلاحي من شَغِبَ عليهم فيما بينهم، وَعن زَعْم النَّصْر بثورةٍ لم يبرأ الشارعُ بعدُ ممّا خلّفته من فَوضى حتّى أَودَى بها انقلابٌ، ثُم أَشرفَ البلدُ على جُرْفِ الطُّغيان بحيث غاصَ في هاويةِ الحروب! فَفي هذا الخِضَمِّ أيُّ السُّبلُ سينتحي هذا الأديبُ؟ انتحى نَفْسَهُ، مُقيمًا بأرضِهِ قانِعاً إلى إبعادِها الأوّل دون إبعادِها الثّاني، كَالذي عَناه الشاعرُ القديم:
إنَّ النجاةَ إذا ما كُنْتَ ذا بَصَرٍ مِنْ أَجَّةِ الغَيِّ إِبعـادٌ فإبعـادُ
والخيرُ تزدادُ مِنْهُ ما لَقيتَ بِـهِ والشَّرُّ يَكفيكَ مِنْهُ قَلَّ ما زادُ
وأخذَ معَ صَرْفِهِ إيّاها إلى كُتبِ الفِكْرِ النَّيِّر يُمتِّنُها كيما تَهِي بهِ إلى القَلاقل المُحيطة تلكَ؛ يُطَرّيها بمطالعةِ الأدبِ وجَعَلَ للشِّعر مِنهُ - أي من الأدب - فيها نصيبًا وافيًا طالَما استأنسَ بفنّونِ مُنشديه الكِرامِ على الزّمن، وطالما تبصّرَ بامتحانهم الوجود. هذا غَيرُ إيمانِهِ بالعقلِ ورِزْقه منه رَجاحةً ودقّةَ سَقْط على الخفِيّات ونفاذًا إلى الحقائق، على أنّ قوَّة هذا الإيمان، لم تُشْحِب يقظةَ الضّمير لَديه، ولم تَمْنَعْهُ التروّي مِن شِرَعِ الخُلُقِ، ولِهذا سيُنتجُ كلّ ما يمكنُه إنتاجُه خَلال طَوْرِ الطّلَب وطورِ التّأليفِ والتّدريسِ مستندًا إلى ما يقومُ عليه كِيانُهُ.
كانَ كتاب ((الاتّجاهات الفلسفيّة في النّقد الأدَبيّ عند العرب في العصرِ العبّاسيِّ - دار الرائد العربيّ، ١٩٨٧)) أوّل ما تهيّأ لَه أن يكتبَهُ بإشراف الدكتور عناد غزوان (١٩٣٤-٢٠٠٦م) ثُم واصلَ توغّله في طريقِ الدِّراسة عام ١٩٩٥ بكتابِ ((الشعر والفِكر عند العربِ من أواسط القَرن الثّاني حتى أوائل القَرن السادس الهجريّ، مطبعة الطّيف، ٢٠٠١)) مُشرفًا عليه الطّاهِر. وكلا الكِتابينِ نَسَجَتْهما وشائجٌ ثَلاثٌ هِي: ائتلافُ المَصادِر والمَراجِع، وتهادُّ المحتويات وتوالدُها بعضها من بَعضٍ، وتلازُم طرائق التّعبير عنها، ورُبّما لم يلحظْ قارئهما أقوى ممّا لحَظَ من إجادةَ المؤلّف موالاة أَفْكَار الفلسفةِ، وهي في جُملتها نظرياتٌ وقوانين مجرّدة ما تزالُ وافدةً على العقولِ العربيّة الإسلاميّة من اليونان أوّلا؛ لأفكارِ النّقد، وهِي في أوّليِّتها أقوالٌ ونَظَرات أنزلَها أصحابُها منزلةَ الأَحكام التّي ينبغي أن يَصدر عنها الشّعرُ والشُّعراء. وثَمَّ سوى ذلكَ ممّا أحسبُهُ رأيًا سديدًا لا يفتأ الكِتابانِ يُظهرانَهُ في وثوقِ مؤلّفهما إلى صدور فنّ الشّعر عن الكُليّات، وقد تراءت للشّاعِر المنشِئ وَشْيًا من صور إحساسِهِ بِذاتِه ومُحيطِه ومصيرهما معًا، فراحَ يُفرِغُها في كلامٍ ذي نَغَمٍ مستعذَبٍ، وإن نَشأَ تفسيرٌ لهذِه التّجربةِ ووقعَ تعليلٌ لِما تنطوي عليه، فَلْينطَلقا من القَدَرِ المقسومِ بينَ إمتاعِ الفنّ وصَوبِ مَرماه. وكل ُّموادِّ هذينِ الكتابينِ التّي اتّسقت فصولًا وفِقراتٍ ومتونًا وهوامشَ، واستوتْ آراء وخُلاصاتٍ لم يَنشِدْها أحدٌ من رُصَفاءِ البَاحِث الطّالِب حينئذٍ؛ إنّما أسّسها الكاتبُ على أربعة عشر ومئةِ كِتابٍ مِنها مصادِر ومنها مَراجع، ومنها أصول أُمَّات ومنها فُروع تالِيات ، ومنها عربيّة خالصِةٌ ومنها مُترجمة منقولة، جَعَلها في دائِرةٍ تُمَدُّ بين أوصالِها دواوينُ الشّعر والأخبار عن أصحابِها ونقدها القديم والنّقد المعاصِر حولها - وهي أوفى وأوفر لدى الكتابينِ - بِدِراسات الفِكر الفلسفيّ الإسلاميّ والغربيّ - وهي منتقاة ومُدِلّة - وأحلَّ في مركزِها خيرَ ما التقطَتْه ذائقتُهُ من شواهِد الشِّعر، وأقصدَ ما سبِرتْه فطنتُهُ من حُججِ العَقلِ، وقُصارى ما مكّنته مَناهِج البَحث.
والبيِّنُ أنّه حتّى بعد تحقيقِهِ غايتَهُ من اعتماد هذه المصادر والمراجع، لَم يَدَع هذه الدائرةَ، بل انكبّ يوسِّعُها ويُفسِّحُها، ما شاءت لَه أُلفتُه لهؤلاءِ الكتّاب المنشئينَ وأولئك المفكّرين المؤلّفينَ من شيوخِ العربيّة، وشعرائها، وأئمة التُّراث، ومحقّقيه، ثُمّ روّاد التّجديد وأعلام النّهضة ومعاصريهم، فطلّابهم ومُريديهم؛ وبقدرِ ما أترعتْهُ صُحبتُه لأقلامِهِم المُحْكَمة وبيانِها المُعْجِب، وبوِسْع احتفالهم بالعِلم مُهذِّبًا الإنسانَ وباثِقًا قُدراتِهِ، وبأَيْدِهم العقلَ واتّخاذهم منه دافِعًا لِظُلمات النّفس، وكاشِحًا مُهلكاتِها من العُدوان والفَناء؛ كانت الدائرةُ تنداحُ وتمتدُّ فإذا تتَكوّن منها كتبُه الخمسةُ: ((علي جواد الطّاهر النّاقد المقالي دار تموّز ٢٠١١ ، أدب المقالة وأدباؤها - دار تموّز ٢٠١٣، وفي أفقِ الأدب - دار تموّز ٢٠١٤، مقالات في الأدب والثقافة - سلسلة دراسات فكريّة ٢٠١٨، أعلام وقضايا - دار الشؤون الثّقافيّة العامة ٢٠٢٥)).
ثُمّ إنّ وَسومَ بعضِ الذين اشتملت عليهم هذه الدائرة، وما رانَ على شرائط التّأليف لديهم ومذاهِب الكتابة عِندهم؛ حضَّت الكاتبَ على أن يُلبسَ كتبَهُ هذه لونًا دانيًا إلى ألوانِهم، وهل آنقُ من لونِ المقالةِ لَدى آثارِهم لونٌ، قد جسّد الموقفَ وصاغَ الفِكْر، ونحا إلى أدبِ النّقد وأدب البَوحِ وأَدَب الشّأن منذُ مَطْلَع القَرن العشرينَ؟! وهل قَلمٌ وارٍ مقالةً اليومَ من أَبدعِ ما تُكون في نَمَطَي: الشّخصيّة والشّأنِ سوى قَلمِ سعيد بالعراق والبِلاد العربيّة؟!
ثُمَّ ما كانَ من حافِزٍ لإنشاء مقالاته بين دفّات هذه الكتب وداعٍ لبثّها من ما تُبديه عنواناتُها الأنيقة المُتّسقة إلى ما أقرَّته محتوياتُها الغزيرةُ الضّافية؛ غير أصداءٍ لمؤلّفاتهم وكِتاباتهم، ومُساجلاتِهم، وطرائفهم، ونوازِعهم وأَعمالِهم، ومواقِفهم، ومآلاتهم التّي كانت جميعها تَغشى سعيدًا، إمَّا عن طريق الكُتب والصُّحف والمجلّات، وإمّا مِن إدراكه بعضهم وتَلمذتِه على دُروسِهم ومُجايلتِه لهم، فَمِن كلتا الجهتينِ تلقَّطَ نوادرَهم، واصطفى رَوائِعَهم، وتلذَّذَ أشعارَهم ونصوصَهم، واستخلص مضامينهم، واستجلى قَضاياهم، واستنبط آراءهم، واهتدى إلى معانيهم، وتبيَّنَ مَزِيّاتهم، ونَفى بذِكره الطّمسَ عَن بَعضِهم، ورُبَّما لمسَ العُروق التّي تجمعُ بينهم، وربّما أَفشى إكْنانَ طَوِيّة أحدِهم لِأحدٍ ممّا لا يُريد زَلَلَهم إليه، ولعلّهُ وفّاهم جَميلهم وبثّهم إعجابَه ومَحَبته، وَلَيْتَهُ لا يتكدَّرنَّ لعبثِ الأقدارِ بكِرامٍ منهم، ولَقَدْ عَكَسَ كلَّ ذلك في مَرايا من اللّغة المجلوةِ والإعراب المسترسِل والسّرد المأنوس والحسّ المتدفّق.
وباطِلٌ إذ سوفَ يردفُنا سعيد عدنان بكتابٍ مقاليٍّ ثَامنٍ؛ إفلاتُه عَن هذا المَدار، حتّى كأنّه يجاري أَدَبَهُ لإيقاعِ اللّيل والنّهار!
النجف ٣١ تموّز ٢٠٢٦
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سحر هادي سعيد شُبَّر.
دكتوراه في فلسفة اللّغة العربية وآدابها.
التخصّص: الأدب الحديث ونقده.
ـ تدريسيّة في جامعة الكوفة ـ كليّة الصيدلة.
ـ خبيرة اللّغة والثقافة العربية بجامعة شانغهاي للدراسات الدوليّة من عام ٢٠١٩حتّى ٢٠٢٣.
صدر لها:
ـ الصورة في شعر نزار قباني دراسة جمالية، دار المناهج، 2011
[1]. اتّخذه موضوعا صريحًا لخمسةِ مقالات في كتبهِ المقاليّة، وأورد ذكرَه اثنتين وثلاثين مرة في ثنايا كتابه مقالات في الأدب والثقافة، هذا عدا إحلاله منزلة السيادة في أدبِ المقالة العربيّة والأوّل على أدبائها. كما اقتبس في كتابيه الأوّلينِ من ثمانية كتبٍ، خمسةٍ من تأليف طه نفسه وثلاثةٍ بإشرافه وتقديمه ودراسات عنه.
[2] أولاه بتأليف كتاب منفردٍ عنه مرةً، ثم بتأليفِ فصلٍ ضمّنه في كتابٍ مرة أخرى، وأنشأ تسعَ مقالات تناولتْ موضوعاتٍ شتّى تَتّصل بهذا العَلَمِ في ميادين: النقد الأدبي والبَحث والتّعليم والسّلوك. وأيضًا أجالَ ذِكرَه ضمن كتاب مقالات في الأدب والثّقافة إحدى وعشرين مرة، كما أهدى إهداءه الوحيد إليه في كتاب الاتّجاهات الفلسفيّة ... أي قبل أن يشرف الطاهِرُ عليه في الدكتوراه!!