من ليس له ماض، ليس له حاضر، هكذا يقول المثل، حيث يلقى الكاتب المصري ومدرس التاريخ – فى القصة- درسا فى أحد مواقف التاريخ، ويخرج الطلبة، عن المألوف فى مثل هذه الحصص، فدخل فى أعماق الطلبة. ويمثلون الحاضر فى الماضى، وكأنهم يصنعون الحاضر. حيث يصنع العنوان المفارقة، فالدخان دائما يتصاعد لأعلى، بينما القصة تحمل عنوان "دخان لأسفل".

دخان لأسفل

حسـام المقـدم

 

"لا تندهشوا، نعم نطَّ أحد المماليك بحصانه من فوق القلعة. اسمه أمين بك، قالوا إن الحصان مات، وهو نجا وفرّ بعيدا."

سألني طالب: "هل للحصان أجنحة يا أستاذ؟ كيف ينط من سور القلعة العالي؟"

تمالكت أعصابي: "ولماذا تتعجب؟ أنت نفسك في ساعة الخطر يمكن أن تكون طائرة، وليس مجرد حصان."

**

حصة مثل أي حصة، ستفوت ولا عزاء لأبطال التاريخ وتضاريس الجغرافيا. الدراسات الاجتماعية مادة نصف مهمّة نصف مُهملَة. ومع طلاب ثالثة إعدادي، في مدرسة بنين، بأجسادهم الفائرة وشواربهم الخضراء؛ لابد أن أكون بجسم ملاكم ولسان خطيب إحدى الثورات حتى أجبرهم على سماع شيء.

  اشتغلتُ على تلوين صوتي بالكلمات وصور المشاهد، حتى فوجئتُ بالعيون المفتوحة المنتبهة، والرؤوس التماثيل.. تتشرّب كلماتي بينما أمضي في شرح "مذبحة القلعة".

  شجّعَتني حالتهم النادرة، أحسستُ بنشوة وتحفيز كهربَ مخي: "تخيّلوا أن خمسمائة من المماليك القادة والأعيان، في أبهى زينة على ظهور خيولهم، منصرفون بعد وليمة عظيمة واحتفال كبير؛ وإذا بجنود محمد علي واقفين هناك، في أعالي ممر الخروج، ثم.. بُم بم من كل اتجاه، مطر من الرصاص. تصوروا المشهد كأنهم في حوش المدرسة المكشوف، والجنود على أسطح بيوت الجيران."

اتسعت عيونهم أكثر، انفتحت على بريق نافذ. 

**

وصلتنا الأصوات بعد بداية الفسحة بدقائق، أصوات تشغي بفوضى وصخب كبير.

خمنتُ حجم المشكلة، أخذتُ السلم قفزا، الدور الثالث هادئ، الزميلة المشرفة تقف على السلم الآخر. في الرابع كان هرج، طلاب هنا وهناك، طالعون أو نازلون. قلت في بالي: الرابع بلا مشرف على هؤلاء الثيران، يا حلاوة! وفي الخامس رأيتُ..

**

عدة طلاب نفذوا من الشباك، بعد أن زحزحوا أسياخ الحديد من مكانها، خلعوا بعضها وعملوا انفراجة تسمح بمرور جسد مضغوط. نزلوا على الماسورة بخفة الفئران، وفي الساحة الخلفية، المحصورة بين السور والحمامات، التقى الهابطون بآخرين في الأسفل، تطوعوا بِفَرد ظُهورهم ليكونوا أحصنة. بعد قليل امتلأت الساحة بكثيرين، منهم الفارس فوق الحصان والماشي والمتقافز على رِجل واحدة. كانوا في ارتباك كبير؛ هربا مما يُرمَى عليهم من فوق: قِطع خشب منزوعة من الدّكك القديمة، قنابل ترابية معبأة في أكياس تُلقى فتثير غبارا خانقا، ورق أبيض مكور يستقر فوق الرؤوس والأجساد ويلزق فيها، ليتضح لاحقا أنه ملفوف على كُتل صغيرة من البراز.

هرج كبير استدعى تدخل المشرفين بحسم، انتشرنا في الساحة كلها بالخرزانات الطويلة كالرماح. جاء المدير بنفسه ليرى بعض الضحايا: واحد رافع رأسه وخيط النزيف سائح من أنفه، مجموعة من خمسة أو ستة على وجوههم خربشات وخبطات وكدمات سوداء، طالب يتوجع زاحفا على الأرض بلا قدرة على الوقوف. 

**

أربعة طلاب أمام المدير، وجوه حية مرتبكة، غارقة في العرق وخليط الدم المُسوَد بالتراب.

"قولوا كل شيء بالتفصيل"..

عيناي على كل وجه، ألتقط ذبذبات الانفعال، محاولا تحديد نسبة الصدق والكذب في القَسم المُكرر: "والله ما عملت حاجة".

تركتهم وخرجت من المكتب.

تحت الشمس الحامية يسطع تراب الحوش الناعم. وهناك، جنب السور يشتعل برميل القمامة، يبخ الدخان الغامق فوق ألسنة نارية صغيرة. أرى الخليط المتدرج في التلون.. من الأزرق القاتم حتى الرمادي. تختلط الملامح، تتداخل الوجوه والأمكنة لتُشكل لوحة دودية أمام عينيّ المتعبتين. 

أنزع نفسي وأخطو خافضا رأسي، مبتعدا عن الجميع.

**

انتهت الفسحة، تابعنا صعودهم بانتباه حاد، يقظة كاملة تستدعي التدخل في أي لحظة. ذهب المصابون إلى حجرة المجالات حيث صندوق الإسعافات الأولية، وضعوا لهم المطهرات وربطوا جروحهم. في الفصول يمكن تمييز بعض العيون المتنمرة، فيها لهيب مكظوم، ذكرى كل خبطة أو ضربة رأس أو سَحل على التراب.

طالب واحد سمعنا أنه غير موجود، تأكدتُ بنفسي حين ذهبت إلى فصله ومسحتُ الوجوه.

قالوا إنه وقف على السور، وفي يده خشبة طويلة تشبه السيف، ثم فردَ ذراعيه وقفز. وفي التحقيق الضاغط الذي أجراه المدير والمشرفون أضاف آخرون: "رأيناه في الدور الخامس يقاتل ثلاثة أو أربعة في وقت واحد."

"كان في الساحة مع الجميع، وأخذ ضربة جامدة على رأسه."

"اسمه علاء، و.."

بدأتُ أسمع: الولد علاء لعب لعبة مع الشقي إياد، اتفقا على خوض حرب بين فريق محمد علي باشا، وفريق أمين بك. بدأت مناوشات خفيفة على مرأى مجموعتين من المناصرين، تحرشات خاطفة باليد أو بالرِّجل، ثم هذا الاقتراب المباغت لعلاء، وبيديه يكسح إياد بقوة تُسقطه مرة واحدة. لكن الأخير يتمالك الموقف، يرد بحركة مقص بين رِجلي غريمه فينهبد على الأرض. تعالت الأصوات وفرقعت التصفيقات، انتفض الاثنان، وقفا مثل الديوك الهندية، وعند أول اشتباك سدّد علاء لكمة لفم إياد، فسال دمه وتسرّب حتى ذقنه. لم يُضيّع المضروب الوقت، هجم بجسمه كله داخلا برأسه في بطن الآخر، الذي تألمَ بصوت صارخ ومال راكعا، ثم فاردا جسده على الأرض بوجه يتلوى. لحظات من الترقب، سكوت شامل، أنفاس سريعة لاهثة، علاء يتحامل، يقوم مواجها خصمه بضربات رأس متتالية لم تتركه إلا ممددا على التراب.

   تدخلَ الأولاد، سندوا إياد وأوصلوه للحمامات، طأطأ رأسه تحت الحنفية، دعكَ شعره ووجهه عدة مرات، ثم خرج يتلمس جبينه الوارم.

   ولم يكن لعلاء أثر.

                                             ***